ما لم تعيد طهران حساباتها في سياساتها المحلية والدولية، وتلتفت بعناية أكبر الى ميدان حربها الحقيقي، لاستعادة ثقة الناس بها، وانجذابهم الى انموذجها، فان الثورة الخفية لن تلبث طويلا حتى تتحول الى ثورة علنية حقيقية تطيح بكل ما يمثله النظام هناك وفي الشرق الأوسط..
خرجت واشنطن وطهران منتصرتين من التصعيد الأخير بينهما؛ لكونهما ادارى اللعبة بمنطق الدولة، ووحدة القرار السياسي والعسكري، وخرج العراق مهزوما مأزوما وأكثر انقساما؛ لكونه أدارها بمنطق السلطة والانقسام والفوضى، وستبقى بغداد تحصد الهزائم والمآسي طالما ان مشروع الدولة خارج سياق تفكير نخبها السياسية والعسكرية والدينية والمدنية..
الرد الذي حصل بدخول الخضراء ومحاولة اقتحام السفارة الامريكية يُظهر بدرجة كبيرة لا تقبل الجدل ضعف حكمة الحكومة العراقية والقوى الرئيسة المهيمنة عليها، فهو الى جانب كونه خطأ لا يُغتفر، فأن له تداعيات وعواقب وخيمة على سمعة الدولة العراقية، ومستقبل قياداتها السياسية..
العامل المشترك بين ايران وتركيا هو استخدام الجماعات المعارضة والمتمردة والصراعات الداخلية بدول المنطقة من أجل إحكام سيطرتهما على مقاليد الحكم بتلك الدول، وايضا ضمان استمرار حالة الصراع بالمنطقة بما يضمن هيمنتهما على مقاليد الأمور..
كل دول المنطقة أن تعي جيدا بأن العراق لا يمكن ان يكون منصة لأي دولة من دول العالم ومنها الدول الاقليمية. ربما سنحت الفرصة لذلك الدور بعد عام 2003 لكن يبقى موقف الشعب العراقي هو من يحدد طبيعة النظام السياسي وتفاعلاته الإقليمية والدولية، طبقاً لمصلحة الدولة العراقية والشعب العراقي..
بدأ الحديث عن تشكل تحالف أوروبي لحماية أمن الملاحة في مضيق هرمز وتأمين عملية الشحن الدولي من خلاله؛ الأمر الذي لم يعجب إيران، إذ ترى فيه، بأنه سيتسبب في انعدام الاستقرار. هذا التحالف وأن لم يشكل بعد، إلا أنه يبدو فيه الكثير من الاشكاليات..
أن تطبيق حظر استيراد النفط الإيراني يدفع إيران الى غلق مضيق هرمز، لمنع كل من (العراق، الكويت، الامارات، قطر، البحرين، عمان، السعودية) من تصدير نفطها ايضاً، وبذلك ستوفر هذه الخطوة ضغط اضافي على الاقتصاد العالمي سيؤدي الى محاولة ايجاد حلول سريعة للأزمة..
تسعى الولايات المتحدة لفرض المزيد من العقوبات بهدف دفع ايران على التنازل والرضوخ لشروط جديدة حتى تتمكن من عقد اتفاق جديد بشروط قاسية ، وهي تدرك جيداً صعوبة اقناع المفاوض الايراني بالطرق الاعتيادية فالضغط قد يجبرها اخيراً على التفاوض المشروط ،وحتى مع فشل الوساطة اليابانية الا ان خيار الحرب قد جرى استبعاده من طرفي الازمة ويبقى الامر متروك للظروف الدولية والرغبة المتبادلة والنية الحقيقية لانهاء الازمة ودور الوسطاء في دفع الطرفين للذهاب نحو طاولة التفاوض..
يمكن ان تقدم الولايات المتحدة الكثير من المساعدة للإيرانيين وتقويض شرعية النظام الفاسد الذي يضطهده، ولكن لحين إيجاد استراتيجية شاملة ترمي الى تقويض الحرس الثوري الإيراني فإن أي جهد دبلوماسي او حملة ضغط قصوى سوف تفشل في تحقيق أهدافها وتسبب القطيعة بين الشعب الإيراني والولايات المتحدة اما بسبب وقوفها مع النظام في عهد أوباما او معاقبته كما يحدث في عهد ترامب..
تعول أمريكا قبل تنفيذ تلك الضربة لإحداث تغيير من الداخل الإيراني نظراً للتحديات الاقتصادية والاجتماعية للشعب الإيراني؛ لإبراز الضعف الايراني كجزء من الحرب النفسية التي تعمل عليها لإضعاف عزيمة الجيش الإيراني واحباط الروح المعنوية لديه وتشجيع الشعب على معاداة نظامه عبر نشر الاخبار والدعاية والاعلان بأن الشعب الإيراني هو شعب صديق وطموح وان هدف العقوبات هي محاسبة ومحاصرة النظام..
متى ما تأكد لدى القيادة الإيرانية ان الولايات المتحدة لا تريد اسقاط النظام السياسي فيها، وان الضربة العسكرية في حال حصولها ستزعزع النظام السياسي واركانه العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، ربما سنكون امام تغيير في القرار الإيراني..
سيكون العراق بحاجة إلى رؤية حكومية وطنية موحدة اتجاه ما يحدث في المنطقة، وأن لا يكون إيرانياً أو أمريكياً بقدر ما يكون بحاجة إلى رؤية براغماتية يستطيع من خلالها أن ينأى بنفسه عن الصراع الأمريكي – الإيراني لتحقيق توازن سياسي بين المواقف المتخاصمة؛ لأن وقوفه بجانب أحد الطرفين سيضعه إمام ازمات حقيقية وكبيرة..
أن إيران اليوم تمر بصعوبات جمة جراء الحصار الأمريكي، والعراق بوابتها الكبرى لتجاوز مشاكلها او التقليل من شدتها وهنا على صانع القرار العراقي التحرك لإجراء مفاوضات جديدة وتعديل بعض الاتفاقيات القائمة، ومنع جميع اشكال التدخل في شؤونه الداخلية..
في ظل تراكم هذه التحديات التي تحيط بالعلاقات الأمريكية العراقية، وفي ظل حاجة الطرفين لبعضهما، لاسيما بالنسبة للحكومة العراقية، لابد من العمل على تذليل تلك التحديات، والعمل على تأطير العلاقة القوية مع الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال معالجة التحديات التي تتعلق بها، لاسيما في طبيعة علاقاتها مع بعض دول الجوار، بما يضمن الاحترام المتبادل للسيادة الداخلية، ويحافظ على طبيعة العلاقات السياسية المتوازنة مع كل الاطراف الإقليمية والدولية..
توصف العلاقات العراقية-الايرانية اجماليا بأنها علاقات غير متكافئة بين دولة تمثل فاعل اقليمي مؤثر في ملفات وازمات المنطقة وهي طرف بصراع اقليمي ودولي، واخرى دولة اقل ما توصف به انها تعاني ازمات عدة تشل كل قطاعات الحياة ومجالات السياسة ولا يمكنها نفض غبارها..
ان الاندفاع الأمريكي الحالي ضد إيران لقي دعم وتأييد جيران ليس لهم علاقة بإيران الامر الذي يقلل من التأثير عليها، وبدلاً من ذلك، فإن جولة العقوبات الجديدة ستزيد من كراهية الحلفاء الذين تحتاجهم الولايات المتحدة لأولويات إقليمية أخرى دون تغيير السلوك الإيراني بشكل ملحوظ..