ان أهمية الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن في هذه الظروف، وما قد يسفر عنه من نتائج ربما تنعكس على مصالح العراق لوقت طويل في المستقبل، يدفع جميع المؤسسات البحثية ومراكز صنع القرار في العالم، ومنها مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية، الى الاهتمام به؛ لتحليله بكل أبعاده ووضع التوصيات المناسبة امام متخذ القرار، لاسيما العراقي للاستفادة منها في رسم مسار المحادثات بين الجانبين..
العراق والمنطقة مقبلة على احداث مهمة، وتحولات سريعة وخطيرة، ومن لم يعد العدة لها لن يُرحم، ففي حلبات المصارعة، كما في رقعة الشطرنج لن يتحقق النصر بالتهور، وسرعة الاندفاع، بل بفهم قواعد اللعب، وتوظيفها بذكاء ضد نقاط ضعف الخصم لإلحاق الهزيمة به في الوقت المناسب..
تجديد الالتزام من قبل الحكومة العراقية الجديدة بحماية القوات العسكرية للتحالف الدولي والمرافق العراقية التي تستضيفهم بما ينسجم مع القانون الدولي والترتيبات المعينة بما يوافق هذا الاتفاق تمثل مخرجات جيدة للجولة الاولى من الحوار..
شكلت الاحداث الاخيرة في العراق على صعيد المتغيرات جميعها، ولاسيما متغير الدور الايراني، وتنامي الاعمال الارهابية، والاوضاع الاقتصادية والسياسية خطرا وجوديا على الدور الاميركي في العراق. وقد دفعت تلك المتغيرات الى اظهار الحرص الاميركي على التعاون مع العراق في مجالات الامن والاقتصاد والدعم الدولي..
خرجت واشنطن وطهران منتصرتين من التصعيد الأخير بينهما؛ لكونهما ادارى اللعبة بمنطق الدولة، ووحدة القرار السياسي والعسكري، وخرج العراق مهزوما مأزوما وأكثر انقساما؛ لكونه أدارها بمنطق السلطة والانقسام والفوضى، وستبقى بغداد تحصد الهزائم والمآسي طالما ان مشروع الدولة خارج سياق تفكير نخبها السياسية والعسكرية والدينية والمدنية..
إن التحول الكبير الذي سيحصل بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، المتمثل في تحولها إلى أكبر منُتج ومُصدر للنفط الخام في العالم، سيُعطيها زخماً من الفاعلية والتأثير في أسعار النفط على الساحة الدولية، وتصبح هي المتحكم الرئيس ببوصلة أسعار النفط، وهذا ما تطمح إليه لمجابهة منافسيها كالصين من أجل الحفاظ على صدارتها العالمية..
التفجيرات الاخيرة التي طالت المنشات النفطية في المملكة العربية السعودية كان لها اثر كبير على اسعار النفط الخام، حيث ارتفع السعر إلى قرابة (19%)، وهي اعلى نسبة ارتفاع مفاجئ في يوم واحد منذ العام (1991)، ومثلما نعرف أن السعودية هي منتج مرجح، بمعنى أن السعودية لديها القدرة على تلافي أي مشكلة تحدث في اي بلد خاصة فيما يتعلق بالإنتاج النفطي، بالتالي فان السعودية قادرة على تعويض النقص العالمي الحاصل في انتاج النفط الخام، ولكن أن تصاب السعودية فهذه نكبة لاسواق النفط الخام..
الحروب بالوكالة لترسيخ السيطرة والهيمنة وفرض سياسة الامر الواقع هو ما تعمل عليه الولايات المتحدة، وربما يندرج حصار إيران وكوريا الشمالية ضمن تلك السياسة، الا انه لا يوجد أي ضمانات تمنع خروجها عن السيطرة في مرحلة ما لتنذر بخطر حرب عالمية تهدد الجميع..
بدأ الحديث عن تشكل تحالف أوروبي لحماية أمن الملاحة في مضيق هرمز وتأمين عملية الشحن الدولي من خلاله؛ الأمر الذي لم يعجب إيران، إذ ترى فيه، بأنه سيتسبب في انعدام الاستقرار. هذا التحالف وأن لم يشكل بعد، إلا أنه يبدو فيه الكثير من الاشكاليات..
أن تطبيق حظر استيراد النفط الإيراني يدفع إيران الى غلق مضيق هرمز، لمنع كل من (العراق، الكويت، الامارات، قطر، البحرين، عمان، السعودية) من تصدير نفطها ايضاً، وبذلك ستوفر هذه الخطوة ضغط اضافي على الاقتصاد العالمي سيؤدي الى محاولة ايجاد حلول سريعة للأزمة..
تسعى الولايات المتحدة لفرض المزيد من العقوبات بهدف دفع ايران على التنازل والرضوخ لشروط جديدة حتى تتمكن من عقد اتفاق جديد بشروط قاسية ، وهي تدرك جيداً صعوبة اقناع المفاوض الايراني بالطرق الاعتيادية فالضغط قد يجبرها اخيراً على التفاوض المشروط ،وحتى مع فشل الوساطة اليابانية الا ان خيار الحرب قد جرى استبعاده من طرفي الازمة ويبقى الامر متروك للظروف الدولية والرغبة المتبادلة والنية الحقيقية لانهاء الازمة ودور الوسطاء في دفع الطرفين للذهاب نحو طاولة التفاوض..
يمكن ان تقدم الولايات المتحدة الكثير من المساعدة للإيرانيين وتقويض شرعية النظام الفاسد الذي يضطهده، ولكن لحين إيجاد استراتيجية شاملة ترمي الى تقويض الحرس الثوري الإيراني فإن أي جهد دبلوماسي او حملة ضغط قصوى سوف تفشل في تحقيق أهدافها وتسبب القطيعة بين الشعب الإيراني والولايات المتحدة اما بسبب وقوفها مع النظام في عهد أوباما او معاقبته كما يحدث في عهد ترامب..
تعول أمريكا قبل تنفيذ تلك الضربة لإحداث تغيير من الداخل الإيراني نظراً للتحديات الاقتصادية والاجتماعية للشعب الإيراني؛ لإبراز الضعف الايراني كجزء من الحرب النفسية التي تعمل عليها لإضعاف عزيمة الجيش الإيراني واحباط الروح المعنوية لديه وتشجيع الشعب على معاداة نظامه عبر نشر الاخبار والدعاية والاعلان بأن الشعب الإيراني هو شعب صديق وطموح وان هدف العقوبات هي محاسبة ومحاصرة النظام..
متى ما تأكد لدى القيادة الإيرانية ان الولايات المتحدة لا تريد اسقاط النظام السياسي فيها، وان الضربة العسكرية في حال حصولها ستزعزع النظام السياسي واركانه العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، ربما سنكون امام تغيير في القرار الإيراني..