ضمن الحلقات النقاشية المتميزة التي حرص مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية على تقديمها بشكل دوري ضمن نشاطات ملتقى النبأ الأسبوعي في مقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام، عقد مركز الفرات جلسته الجديدة يوم السبت الموافق 11/4/2026، وتم تقديم ورقة بحثية حملت عنوان (جيل زد في العراق بين قيود الاقتصاد الريعي وفرص التحول نحو الاقتصاد الرقمي) وهي ورقة تعود للباحث في مركز الفرات الأستاذ حامد الجبوري وقدّمها الأكاديمي حسين علي حسين، وحضر هذه الجلسة نخبة من المهتمين الأكاديميين والكتاب ورؤساء المركز البحثية، وجاء في هذه الورقة البحثية ما يلي:
يمثل جيل زد في العراق واحدة من أكبر الكتل البشرية والأكثر تأثيراً في مستقبل الاقتصاد الوطني. هذه الكتلة ستكون بين قيود الاقتصاد الريعي القاتل للطموح والنمو وامكانات الاقتصاد الرقمي الصاعد المحفز للنمو والتطور.
حيث يؤدي الاقتصاد الريعي الى انحسار الفرص امام جيل زد بسبب اعتماده التوظيف الحكومي الذي لا يستوعب الاعداد المتزايدة الوافدة لسوق العمل، مما يدفع بهذا الجيل للبحث عن فرص خارج الاقتصاد الريعي نحو الاقتصاد الرقمي الذي يعتمده العالم.
تأتي أهمية هذه الورقة من فهم العلاقة بين جيل زد والاقتصاد الرقمي في ظل الاقتصاد الريعي، بمعنى آخر هل جيل قادر على التحول نحو الاقتصاد الرقمي أم ان الاقتصاد الريعي سيعيق جيل زد من تحقيق ذلك؟
ولبحث هذا الموضوع بشكل أكبر سنتناوله في أربعة محاور رئيسة هي:
محور جيل زد ومحور الاقتصاد الريعي ومحور الاقتصاد الرقمي ومحور الترابط بين جيل زد والاقتصادين الريعي والرقمي.
المحور الاول: مفهوم وخصائص جيل زد وخصائصه
جيل زد، هو الجيل الذي ولد ما بين 1997 و2012، أي لم يولد مع التكنولوجيا بل عاشها ونما وسطها وهي من بديهيات حياته لذلك هو اول جيل لم يعيش الحياة ما قبل الانترنيت.
إن ولادته ونشوؤه وسط التكنولوجيا جعلته يتصف بمجموعة خصائص يمكن الاشارة لبعضها:
1. هويته، هي هوية رقمية عالمية ومنفتحة على التنوع، بحكم اطّلاعه على الثقافات المختلفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
2. سلوكه، يفضل السرعة، المرونة والاستقلالية ويرفض القيود التقليدية في العمل والتعليم.
3. تنوع العمل، أي انه يميل الى تنوع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على وظيفة واحدة بسبب الضغوط الاقتصادية وغياب الاستقرار الوظيفي.
4. العمل الحر، في العادة يفضل العمل الحر والمشاريع الخاصة أكثر من العمل التقليدي الذي يتطلب وقتاً طويلاً وثابتةً.
5. وعي اجتماعي، يهتم بالقضايا العالمية كالبيئة والعدالة والمساواة أكثر من الاجيال السابقة.
6. روح نقدية، يتميز بروح نقدية عالية تجاه المؤسسات والسياسات ويطرح اسئلة أكثر عن العدالة والفرص الاقتصادية ومحاربة الفساد.
7. تحديات نفسية، يواجه تحديات نفسية مرتبطة بالعالم الرقمي وكثرة المقارنات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
المحور الثاني: مفهوم وخصائص الاقتصاد الريعي
هو الاقتصاد الذي يعتمد على مورد موارد محدودة جداً ولا يسهم فيها سوى عدد محدود جداً من المجتمع ويعتمد على القطاع الخارجي بشكل كبير، كما هو حال الاقتصاد العراقي.
1. الاعتماد على النفط
حيث يعتمد الاقتصاد العراقي على النفط بنسب كبيرة تتراوح بين 40-60% من الناتج المحلي الاجمالي، ولا تقل عن 85% من الايرادات العامة، ولا تقل عن 95% من الصادرات النفطية.
2. هيمنة القطاع العام والتوظيف الحكومي
رغم اتجاه العراق نحو اقتصاد السوق وانسحاب الدولة من الاقتصاد إلا ان القطاع العام ما زال يمارس دوراً كبيراً في الاقتصاد خصوصاً في مسألة القرارات والتوظيف.
أي لازالت الدولة هي المتحكم في مسيرة الاقتصاد والتوظيف ومن أبرز الامثلة على ذلك هو استمرار تضخم الانفاق الحكومي من 50 تريليون(34 مليار دولار) عام 2006 الى 198 تريليون(150 مليار دولار)عام 2023 -2025 والتوظيف الحكومي من مليونين موظف تقريباً الى أكثر من 4 مليون موظف عام 2023-2026.
3. محدودية القطاع الخاص
أي ما زال دور القطاع الخاص دور هامشي كونه دور ثانوي مرتبط بدور الدولة والنفط في الاقتصاد، أي انه غير قادر على الاضطّلاع بالنشاط الاقتصادي وتوليد الفرص والعملة الاجنبية بعيداً عن الدولة، أي انه مازال قطاعاً تابعاً لا مستقلاً.
4. تشوّه سوق العمل
أي هناك تشوّه صارخ في سوق العمل، من ناحية العرض والطلب، فمن ناحية يوجد فائض في عرض العمل بل ومتزايد ومن ناحية أخرى هناك انخفاض في الطلب على العمل، والنتيجة تفاقم البطالة بشكل كبير. السبب الرئيس وراء هذا التشوه هو عدم توافق مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل.
المحور الثالث: مفهوم وخصائص الاقتصاد الرقمي
المقصود بالاقتصاد الرقمي هو استخدام التكنولوجيا في الاقتصاد انتاجاً واستهلاكاً بيعاً وشراءً تصديراً واستيراداً.
أمثلة:
- التجارة الالكترونية، أي البيع والشراء عبر الانترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي والتطبيقات الالكترونية.
- العمل الحر، أي التصميم والترجمة والبرمجة والتسويق وغيرها.
- صناعة المحتوى على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي مثل يوتيوب وتيك توك وانستكرام.
- الدفع الالكتروني، أي تحويل الاموال عبر التطبيقات بدل الكاش
خصائص الاقتصاد الرقمي:
- السرعة، أي تنفيذ الاعمال بسرعة كبيرة في مختلف الانشطة الاقتصادية.
- بدون حدود، أي يتخطى الحدود الجغرافية والسياسية ويصبح العمل في اي دولة في العالم.
- تكلفة أقل، في العادة العمل في الاقتصادي التقليدي يحتاج رؤوس اموال كبيرة لكن الاقتصاد الرقمي يكون أقل تكلفة.
- فرص اوسع، لان جميع الفرص الاقتصادية بمختلف انواعها واشكالها في العالم ستكون متاحة في مكان واحد وهو الانترنيت.
- تنافسية اكبر، لان جميع الافراد الاقتصاديين المماثلين(عامل، تاجر، مستثمر وغيرهم) في الالم سيتنافسون على الفرص الاقتصادية.
الفرص
- انتشار الانترنيت بين الشباب، حيث يتوفر الانترنيت في العراق مما يمثل فرصة مناسبة لاستثماره في النشاط الاقتصادي.
- امكانية العمل مع الخارج، ان توفر الانترنيت يؤهل الشباب للعمل خارج البلد دون أن يكون مضطرين للسفر.
- مشاريع الانترنيت أقل كلفة، في العادة المشاريع التي يمكن اقامتها في الانترنيت تكون أقل كلفة من المشاريع التقليدية التي تتطلب مبالغ كبيرة.
تحديات تطبيق الاقتصاد الرقمي
- ضعف الدفع الالكتروني، رغم توجه الحكومة العراقية الحالية نحو اعتماد الدفع الالكتروني ضمن برنامجها الحكومي وتم تطبيقه في بعض الجهات الحكومية إلا إنه لازال بحاجة للمزيد من الجهود لتطبيقه بشكل آمن وشامل.
- مشاكل ضعف الانترنيت أحياناً، يمثل الانترنيت الحجر الاساس للاقتصاد الرقمي مما يستلزم ان يكون متاحاً على مدار اللحظة وبجودة عالية وبكلفة معقولة.
- نقص الوعي والتدريب، رغم نشوء جيل زد وسط التكنولوجيا وممارستها بشكل تلقائي إلا ان الوعي والتدريب يظل مهماً ليضمن انخراط الاجيال السابقة في الاقتصاد الرقمي من ناحية وإحاطة جيل زد بالاقتصاد الرقمي بشكل أوسع ليتحول من مستهلك الى منتج ومصدر ايضاً.
المحور الرابع: العلاقة بين جيل زد والتحول نحو الاقتصاد الرقمي في ظل الاقتصاد الريعي
بعد ان اتضحت خصائص كل من جيل زد والاقتصاد الريعي والاقتصاد الرقمي، تأتي أهمية هذا المحور لتوضيح العلاقة بين المحاور السابقة.
1- جيل زد والاقتصاد الريعي
في الوقت الذي لا يستطيع الاقتصاد الريعي توليد مزيد من فرص العمل، يتصف جيل زد بالكتلة البشرية الكبيرة التي لايقل عددها 12 مليون نسمة من تعداد السكان العراقي.
مما يعني ان حجم البطالة وسط جيل زد سيتفاقم بشكل أكبر مستقبلاً وهذا ستكون له انعكاسات سلبية عديدة على مختلف المجالات.
ما يجعل الأمر أسوأ، أمرين:
الأول: اتجاه العالم نحو الطاقات النظيفة والمتجددة مما سيقلل من أهمية الاقتصاد الريعي من ناحية.
الثاني: عدم توافق مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل من ناحية ثانية لان التعليم وسوق العمل مرتبطان بالاقتصاد الريعي بشكل وثيق.
2- جيل زد والاقتصاد الرقمي
توجد علاقة وثيقة بين جيل زد الذي اتضحت خصائصه في المحور الاول والاقتصاد الرقمي الذي اتضحت خصائصه ايضاً في المحور الثالث.
ففي الوقت الذي يبحث جيل زد عن السرعة والمرونة والعمل الحر وتعدد مصدر الدخل، يوفر الاقتصاد الرقمي السرعة والغاء الحدود وتعدد الفرص، مما يعني ان كلاهما يسيران بذات الاتجاه ويعزز بعضهما البعض الاخر.
أي ان جيل زد يمثل حجر الاساس في الاقتصاد الرقمي كما ان الاخير يمثل البيئة التي ينمو وينتعش فيها جيل زد.
هذا الانسجام بين جيل زد والاقتصاد الرقمي يمكن أن يكون مساراً جديداً في العراق من شأنه معالجة قيادة الاقتصاد العراقي نحو النمو والتطور.
لأن الاقتصاد الرقمي يسهم في اعادة تشكيل العلاقة بين الفرد والدولة، عبر تمكين الافراد من انتاج الدخل بشكل مستقل بعيداً عن الريع النفطي.
3- جيل زد كمسار جديد للتحول من الاقتصاد الريعي الى الاقتصاد الرقمي
ان التركيز على جيل زد وايلاءه مزيد من الاهتمام سيسهم في تجنب مساوئ الاقتصاد الريعي من ناحية والتحول نحو الاقتصاد الرقمي من ناحية ثانية ومواكبة الاقتصاد العالمي من ناحية ثالثة.
النقطة الجوهرية في هذا الموضوع هي ان الاقتصاد الرقمي بطبيعته من حيث جميع العمليات الاقتصادية يكون مرتبطاً بجيل زد أكثر من ارتباطه بالدولة.
وفي العادة الاقتصاد الذي يكون مرتبط بالأفراد يكون أكثر تطوراً من الاقتصاد الذي يكون مرتبطاً بالدولة والتجارب الدولية أثبتت ذلك.
أي ان الدول التي فسحت المجال للافراد والقطاع الخاص أصبحت أكثر ابتكاراً ونمواً من الدول التي تدار مركزياً.
وتجب الاشارة، الى ان قيادة جيل زد لتحول من الاقتصاد الريعي للاقتصاد الرقمي لايمكن أن يتحقق دون تحسين البنية التحتية الرقمية، وإعادة النظر بالقطاع التعليمي لتسليح مخرجاته بمتطلبات الاقتصاد الرقمي، وتطبيق الدفع الالكتروني بشكل كبير وموثوق.
الخلاصة
إن جيل زد لا يمثل كتلة بشرية وحسب بل فرصة ضرورية يمكن استثماره لتجنب اثار الاقتصاد الريعي والتحول نحو الاقتصاد الرقمي لمواكبة التطور العالمي وتحسين اداء الاقتصاد العراقي.
ان هذه الفرصة لن تتحول لواقع ملموس ما لم تواكب بإصلاحات مؤسساتية حقيقية تمكن جيل زد التحول من طاقة كامنة الى قوة منتجة تقود الاقتصاد العراقي نحو التنويع والاستدامة.
أسئلة نقاشية:
السؤال الاول/هل يعيق(يُقيّد) الاقتصاد الريعي جيل زد؟ وإذا كان كذلك، كيف؟
السؤال الثاني/ هل يستطيع جيل زد قيادة التحول نحو الاقتصاد الرقمي؟ وكيف؟
المداخلات:
الدكتور خالد العرداوي مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية
لا يمكن أن يكون هناك انسجام واسع بين الاقتصاد الريعي وبين العقلية التي يفكر من خلالها هذا الجيل، فهذا الجيل هو ابن الحداثة، أو ما يسمى بالحداثة الفائقة، هذه الحداثة التي تروج إلى المزيد من الفردية، والمزيد من التركيز في سوق العمل، وأيضا إلى المزيد من الديمقراطية، وبالنتيجة نلاحظ اليوم أن وجود اقتصاد ريعي كأنما هو مرتبط بالمدرسة الاشتراكية، حتى يمكن وصفها بالاشتراكية غير المطوَّرة.
وإنما هي شكل من أشكال الزبائنية التي تحدث بين السلطة وبين المجتمع، وحقيقة هكذا اقتصاد لا يتلاءم كثيرا مع عقلية جيل زد، بل بالعكس قد يعطيه دفعا أكثر نحو التمرد على السلطة، لأنه هو أصلا جيل متمرد، ويشعر بأن السلطة ظالمة لا من خلال احتكارها للحقوق والحريات، وتحكمها بها وبالاقتصاد، وإنما تحكمها ايضا بالفرص والوسائل. ففي الأجيال السابقة قد يبدو رجل السلطة بعيدا عن الناس، وبالنتيجة فإن امتيازاته ومغانمه ونمط الحياة التي يعيشها، ربما يمكن قبوله من القاعدة، لأنه رجل السلطة وهذه هي امتيازات سلطته، لكن اليوم جيل زد ينظر إلى رجل السلطة بمنطق المساواة معه، فكيفما يعيش صاحب السلطة يجب أن يعيش مثله هذا الجيل، وكيفما يتمتع بالفرص، عليه أيضا ان يتمتع بالفرص نفسها.
أما بخصوص السؤال الثاني فأنا أعتقد بأنه أصلا يتفاعل مع العالم الرقمي، فاليوم كلما تزداد (الرقمنة) في حياة الدول، كلما يزداد الفرد، خصوصا جيل زد اندماجا مع هذا العالم الرقمي، فهو سيندمج معه ولكن هل سيكون هنالك نوع من التناغم والتآلف بين اقتصاد ريعي وبين نظام رقمي وعالم رقمي، هنا تكمن المشكلة.
اعتقد إذا ما بقيت عقلية السلطة بهذه الطريقة من الناحية الاقتصادية ومن ناحية التفكير، أعتقد أنه لا يطول الزمن حتى يحصل تصادم بين هذا الجيل وبين عقلية السلطة، وهذا سوف يفسح المجال لكثير من الاحتجاجات، ولاحظوا أن هذا الجيل قام باحتجاجات في دول أخرى كما نلاحظ في المغرب كيف كانت الاحتجاجات قبل مدة قريبة.
وحتى الربيع العربي جزء منه دليل على فاعلية هذا الجيل الذي لم يعد يخشى شيئا، وبالمناسبة صحيح هو يتفاعل مع القضايا العامة مثل قضايا المناخ وحقوق الإنسان وسواها، ولكن هو فردي في نفس الوقت، فهو يطالب بحاجات خاصة، ولذلك يقال عنه أنه جيل التعاطف المشروط، فهو يتعاطف مع القضايا العامة ولكنه يفكر بقضاياه الخاصة.
وهنا تكون المشكلة كبيرة، فكلما شعر هذا الجيل بمزيد من الحرمان من المؤسسات الدستورية والسلطات القائمة، يزداد عنفا في المطالبة بحقوقه.
الأستاذ عباس معاش رجل أعمال
أنا شخصيا ليس متخصصا بالاقتصاد، لكن لدي خبرة في الاقتصاد العملي، وهذا يرتبط جزئيا بموضوع هذه الحلقة، لاحظت أن الاقتصاد العراقي قياسا لتجربتي مع الاقتصاد الإيراني أنه لا يوجد توجه للدولة نحو تنمية الاقتصاد العراقي، يعني لا يوجد توجه واقعي لتنمية الاقتصاد، بينما في إيران وأنا بدأت في العمل هناك حيث يوجد لدينا معامل في إيران، لاحظت أن الدولة الإيرانية قامت أولا بإنشاء مدن صناعية وهذه المدن الصناعية قدمت خدمات كاملة، منها الكهرباء والماء والمجاري والشوارع وأعطت لأصحاب المشاريع أراضٍ بأسعار رمزية.
وأعطت قروضا لأحاب العمل من أجل البناء، بمعنى قدمت إمكانات كاملة، وحين أقيمت هذه المدن الصناعية فكل شخص عنده رأسمال وإمكانات فيمكنه أن يبدأ بمشروعه، أما الأغلبية الذين لا يملكون أموالا، فهؤلاء تحدث لديهم مشكلة، وهي فقدانه للافق العملي بمعنى لا يعرف ماذا يريد أن ينتج، فجاءت المرحلة الثانية من الدولة وأقامت مدن خاصة بالتحقيقات فقط.
يعني إذا أنت أنهيت دراستك الجامعية، يعطونك غرفة في مدينة خاصة حسب احتياجك، تجلس في هذه الغرفة المخصصة للبحوث، وتوجد عندك (حاسبات كومبيوتر) وتبدأ في البحث ضمن اختصاصك سواء كان رقميا أو غير رقمي، وتبدأ ترتبط بالعالم، ضمن قدراتك العلمية المتخصص بها لتنتج مشروعا، لكن هذا المشروع غير عملي أي أنه نظري فقط.
وبعد هذه الخطوة قاموا بإنشاء مدن أخرى، مدن نموذجية، فعندما حدثت التحقيقات البحثية وقمت بصناعة نموذج صناعي مثلا تقوم بإنتاج سلعة معينة، فتذهب إلى مكان فيه مكائن مختلفة للإنتاج، فتذهب إلى هناك وتقوم بتقديم طلب وتحصل على قروض وتبدأ بمشروعك، أما في العراق فأينما تذهب إلى أي إدارة لاتج من يهتم بك، ولا توجد مدن صناعية.
كذلك هناك عشوائية الأمكنة بالإضافة إلى مشكلة الكهرباء وسواها، فحين تذهب للدوائر المختصة لا تجد من يدعمك، سابقا سمعنا أن هناك مدينة صناعية في طريق بحيرة الرزازة، حيث خصصت البلدية قطعة أرض فقط لإقامة المشاريع وهي غير معنية بتقديم الخدمات الأخرى الكهرباء والماء والمجاري، حسنا كيف يمكن أن تشيّد معملا؟
لذلك عدنا من العراق إلى إيران وشيدنا معامل أخرى في إيران لأن الإمكانات كلها متوفرة، لذلك بالنسبة لكم كرجال فكر لابد أن تحدث مطالبات عبر مقالاتكم بحيث يتشكل ضغط اجتماعي وسياسي وكل شخص من موقعه يطالبون الدولة أن توفر مدن صناعية، ومدن تحقيقات وبحوث، وتوفر مدن للإنتاج النموذجي.
الأجهزة المنزلية التي تنتجها إيران تصل نسبتها إلى 80%، وهناك تطور يوم بعد يوم، لأن الإمكانات متوفرة، فلابد من الضغط عبر مقالاتكم لكي تقوم الدولة بواجبها في هذا المجال، ماذا فعلت الدول المتقدمة لكي تمكنت من أن تصل إلى ما وصلت إليه، وما هي الطرق التي سلكتها لكي تحقق هذا التقدم، بحيث وصلت إلى الأهداف الكبيرة باقتصادها.
أتذكر في السابق كانت تصل لأسواقنا في إيران (حبوب معطّر فم)، صناعة أمريكية وكانت الدولة تمنع ذلك لكن يتم إدخالها عبر التهريب (قجق)، فقررت أن أنتج هذه الحبوب داخل إيران لكن يوجد حصار على إيران فمن أين نحصل على المواد الأولية لإنتاج هذه الحبوب، فقلت للأشخاص الذين شاركوني هذا الهدف بأن الأمريكان هم بشر مثلنا وكن هم يعرفون كيف يعملون ونحن لا نعرف، لذلك فلنتوكل على الله ونصنع هذه الحبوب.
وبدأن بمشروعنا وأول خطوة بدأنا (بالهندسة المعكوسة)، أي أنك تبدأ بوضع هذه الحبوب المعطرة للفم وتضعها في جهاز لتستخرج نسب المواد الأولية المكونة لها، وهي من أسرار العمل، وكانت عصارة النعناع مفقودة وهي تستخدم من ضمن صناعة الحبوب، وإذا عثرت عليها فتوجد فيها نكهة مرّة، إلى أن حصلنا بعد بحث لمدة سنتين نكهة النعناع من معمل فرنسي، تمكن من فصل الطعم المر من عصارة النعناع ويعطيك برودة النعناع فقط.
وبعد مرور سنتين وأربعة شهور توصلنا للهندسة العكسية لحبوب معطر الفم، وبدأنا بالإنتاج وأصبح أقوى نوع معطر فم في الشرق الأوسط، هذا يعني بأننا نستطيع ونتمكن من خوض التجربة والقدرة على الإنتاج، لكن ما هي المشكلة؟ المشكلة في أن نجعل الشباب يثقون بأنفسهم، والشيء الآخر هو الضغط على الدولة لكي تسلك نفس الطريق الذي سلكته الدول المتقدمة كاليابان أو الألمان أو الأمريكان وسواهم.
يوجد عندي صديق في أمريكا، يعملون في بناية واحدة، مجموعهم 2000 ألفي شخصن دوامهم وعملهم كله ينصبّ على التحقيقات والبحوث، التي تتعلق بشرائح الموبايل، ويصدرونها إلى الصين وإلى كل الدول، اتصلت به قبل شهر وسألته هل لا تزال تعمل في نفس الشركة، فقال كلا خرجت من الشركة وأنشأت معملا صغرا خاصا بي وأنا الآن أنتج شرائح أقوم بتصديرها إلى الصين، فهذا شخص منا من مجتمعنا ومثلنا، لكنه ذهب إلى مكان آخر تتوفر فيه الإمكانات لكي يبني مشروعه الإنتاجي.
لذلك إذا حدث ضغط على الدولة من المثقفين والمفكرين يمكن أن نقوم بمشاريع كثيرة، وكذلك ضغط داخل مجلس النواب وتثبيت القوانين بعد تشريعها بحيث تُجبر الدولة على تنفيذها، وهكذا نأمل أن يصل البلد إلى هذه النتيجة التي ستفيد منها الجميع، لأن العمل إذا كان نظريا فقط، فلا تكون هناك نتيجة له، لكن إذا كان هناك تطبيق عملي فالأمر يختلف تماما.
أنا تحصيلي الدراسي علمي قسم الرياضيات جامعة المستنصرية، ولذلك تعلمت أن لا أقوم بأي عمل إذا لم أدقق في مجال الحسابات التي تخص ذلك العمل، وهذه أحدى طرق النجاح، فأي علم تتخصص به وتحصل عليه بالنتيجة يجب أن تستفاد منه في عملك، كنا أربعة طلاب أصدقاء كل واحد له تخصص دراسي مختلف عن الآخر، فسألوني بعد أن تحصل على شهادتك الجامعية ماذا تفكر تعمل وأين تتوظف؟
فقلت لهم أنا لا أريد أتوظّف أصلا، قالوا لماذا؟، قلت لهم أريد أن أكون حرّا، أريد حريتي، هذا أولا، ثانيا نحن آباؤنا كلهم تجار، فلماذا أكون موظفا، الأفضل أن أكون تاجرا ناجحا، أو أقيم معملا إنتاجيا ناجحا، فأخدم الناس أكثر مما أكون موظفا في الدولة وأكون عالة على المجتمع، طبعا الوظيفة تقدم خدمات أيضا لكن إذا كنت صاحب معمل وتنتج مشتقات الألبان بدل الألبان المستوردة، هذا أفضل بالطبع من الاستيراد. ولكن لماذا وصلنا إلى هذا الوضع؟
فما أتمناه وأرجوه من الجميع أن يكون هناك ضغط فكري على الدولة لكي تقدم الإمكانات والخدمات، فهناك ملايين الطلاب حين يتخرجون من الجامعات لا يعرفون ماذا يعملون، وكل همّه أن يحصل على وظيفة، بعضهم جالسين في بيوتهم، وبعضهم يعمل حمالا أو يدفع (عربة) وحين تسأله عن تحصيله الدراسي يقول لك أنا حاصل على بكالوريوس أو ماجستير.
الدكتور علاء الحسيني أكاديمي وباحث في مركز آدم
الاقتصاد العراقي أحادي ويشكل ضغط بالنسبة للدخل القومي للدولة، وحتى على المستوى الفردي هناك توجه نحو الأعمال التي تدر عليهم راتبا أو معاشا شهريا، لذلك لا يوجد ائتلاف أو تواصل ما بين هذا الجيل والسمات والخصائص التي أوردتها الورقة مع هذا النوع من الاقتصاد، ولو ذهبنا باتجاه الاقتصاد الرقمي وهل يمكن أن يكون هناك توافق بين هذا الجيل الصاعد والجيل السابق، فبالتأكيد نقول هناك إمكانية لأن يتأقلم هؤلاء الشباب مع الواقع الرقمي، لكن هل يستطيعون أن يقودوا اقتصادا رقميا؟
هذا الأمر يتعلق بالمقومات، وهي مقومات كثيرة جدا ولا يمكن أن تكون الإجابة عنها ببساطة، مثلا هل توجد في العراق مقومات للاقتصاد الرقمي؟، الإجابة نسبية، لا نستطيع أن نقول لا توجد البتّة، لكن توجد نسبيا بدرجات متفاوتة، نحتاج مثلا لكي نتوصل إلى اقتصاد رقمي نشط، أن يكون لدينا نظام مصرفي متطور، لأن أنظمتنا المصرفية سواء الأهلية أو الحكومية لا تتعكز على أنظمة مصرفية عفا عليها الزمن كونها تعود إلى ستينيات القرن الماضي.
وبالنتيجة لا يمكن أن نطور اقتصادا رقميا من دون وجود قطاع مصرفي نشط وحديث ومتطور وقادر على الاستجابة للتطورات الحديثة والتغيرات وقيادة الاقتصاد الرقمي، ونحتاج إلى قيادات تدير جل هذا القطاع وجل هذا الاقتصاد، هل هنالك بنية تحتية للاقتصاد الرقمي، بالتأكيد لا يوجد لدى العراق أي بنية تحتية قادرة على استيعاب الاقتصاد الرقمي.
فنحن اليوم حتى حكومتنا ووزاراتها، مواقعها الإلكترونية مودعة في سيرفرات موجودة في الولايات المتحدة الأمريكية، فلا نمتلك سيرفر حتى نودع فيه موقعا رسميا للحكومة أو لإحدى الوزارات، وبالنتيجة نحن بلد على حافة الهاوية.
كذلك من المقومات الضرورية لكي نقود الاقتصاد الرقمي، هل توجد الخبرات القادرة على إدارة الاقتصاد الرقمي في العراق؟، للوهلة الأولى لعلنا نقول نعم، باعتبار أنه يوجد لدينا كم كبير من خريجي كليات تكنولوجيا المعلومات، ولكن المؤهل الأكاديمي شيء والخبرة شيء آخر، هؤلاء نعم لديهم تدريب أكاديمي ولكنهم من دون خبرة.
والخبرة هي المقوم الرئيس الذي قد يتغلب حتى على المقوم التدريسي الأكاديمي، وبالنتيجة نستطيع أن نقول إن هذا المعيار وهذا المقوم أيضا غير موجود لدينا في العراق، وهناك مقوم آخر، هل الاقتصاد الرقمي يعتمد على الأتمتة والذكاء الاصطناعي، فهل نحن قادررون على إنتاج برنامج بسيط يدير الذكاء الاصطناعي في العراق؟، هل يستطيع هذا الجيل من إنتاج مثل هذه البرامج الخلاقة التي يمكن أن تدير فقرات الاقتصاد بشكل معقد وتربط بين هذه الفقرات لكي يكون من الممكن أن تكون لنا منظومة للعمل الاقتصادي في البلد؟
سوق الأوراق المالية في بغداد هو سوق متخلف ولا يزال يعتمد على التعاملات الورقية أكثر من اعتماده على الأمور التكنولوجية، قبل سنتين انتقلوا إلى التداول الإلكتروني، لكنه تداول إلكتروني شكلي فقط، وإلا في الحقيقة هو تداول ورقي، يعني كأننا لا زلنا في عهد الدولة العثمانية ولسنا في عهد تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي الذي من الممكن أن يتنبأ بما يحدث أو بما سيحدث أو ما سيعترض الاقتصاد من عثرات تواجهه، مثلا الحرب الدائرة الآن في المنطقة وانعكاساتها على الاقتصاد في قطاع النفط، في قطاع الخدمات، وفي قطاعات السياحة وسواها.
فهذه الأمور لا يمكن التنبؤ بها من خلال العقول البشرية فقط، وإنما لابد من الاستعانة بالذكاء الاصطناعي وبالآلات وما شاكل ذلك، وهذا غير قادرين على توفيره لهذا الجيل لكي يكون قادرا على الابداع، ويدير الاقتصاد بشكل صحيح، لذا هنالك مشاكل بنيوية في البلد، وأقول باختصار إن البلد يسير بقدرة رب العالمين.
الشيخ مرتضى معاش كاتب ومفكر
إن جيل زد أصبح مفصل التحوّل العالمي، ودائما الذي يكون مفصل التحول من حقبة إلى ثانية، يكون بالنتيجة ضحية أكثر من أن يكون مستفيدا من هذا التحول، بمعنى تكون هناك فترة انتقالية صعبة جدا، فيكون ضحية، وفي العراق بالخصوص يكون ضحية أكثر من هذا التحول، لأنه توجد في العراق مشكلات كبيرة جدا.
لذلك أصبح جيل زد في العراق جيلا معطلا، بكل ما في هذه الكلمة من معنى، وجيل لا يعيش الأمل في المستقبل، لذا أتصور هناك ثلاث أشياء مهمة في عملية الانتقال والتحول:
أولا: التغيير الثقافي
ثانيا: إرادة التحول
ثالثا: الأمل بالمستقبل
بالنسبة إلى التغيير الثقافي نحن نعيش فجوة جيلية كبيرة، بين القديم والجديد، ولا زال الجيل القديم مسيطر سيطرة كاملة على مقاليد الأمور ويمنع الجيل الجديد من التمكين ومن القدرة على المبادرة، لا يمنعه من الحركة وإنما يمنعه من المبادرة، ويمنعه من التحول، لذلك نلاحظ جيل زد في العراق يعيش السلبيات الرقمية ولا يعيش إيجابياتها.
فالرقمنة في تحولات اقتصادية كبيرة جدا، ولك هذا الجيل لا يعيش التحولات الإيجابية وإنما عيش التحولات السلبية وهي عملية الإدمان على التكنولوجيا والإدمان على شبكات التواصل، وفخ المقارنة، وكثرة السكرول اللامتناهي، في ريلز، وشبكات التواصل الاجتماعي والاندماج في العالم الاستفزازي التفاعلي السلبي فيما بين الأشخاص.
ويمكن أن نسميه عالم الغضب في شبكات التواصل، فالتفاعل الموجود في شبكات التواصل ونتيجة إلى سلبيتها تؤدي إلى حالة من الغضب، أو تخزين السلبية والغضب وتخزين العنف في داخلها، فهي ليست حالة إيجابية، لذا فإن جيل زد الذي يعيش في العراق يعيش هذه الحالة، أما الجيل القديم فمن ضمنه التغيير البيروقراطي.
فالبنية التحتية التي تطرق لها المشاركون في هذه الجلسة، هي نتيجة لجمود البيروقراطية الإدارية الموجودة المتصلبة إلى أبعد حد، لذلك نلاحظ أن هذه الحكومة الموجودة الآن تزيد من عملية البيروقراطية السيئة، من خلال كثرة الضرائب فتمنع عملية البناء وتستلب القدرة الشرائية للمواطن تمنعه من أن يعيش حالة من الاستقرار.
فيشعر أنه لا يمتلك أشياء تجعله يتفاعل مع أشياء جديدة، وبحث عن فرص جديدة، هذا ما يتعلق بالنقطة الأولى حول التغيير الثقافي.
وثانيا في قضية التحول وجود العدمية عند الإنسان العراقي والتي أصبحت مستحكمة جدا، فيشعر بعدم وجود فائدة من كل التجارب السيئة التي مر بها، لذلك لا يمتلك إرادة للتحول، سواء كان من جانب السياسي أو من جانب المواطن، فالإرادة مهمة في تحقيق التحول.
الشيء الثالث المرتبط بالإرادة هو الأمل بالمستقبل، فمادام المواطن لا يزال يشعر بعدم وجود مستقبل غير الوظيفة، فإنه يبقى متمسكا بها، لماذا؟ لأن فرص العمل في القطاع الخاص قليلة جدا جدا جدا، والقطاع الخاص أصبح حكرا على جماعة معينة تستفيد منه بطريقتها الخاصة، لذلك هذه مشكلة موجودة وواضحة.
بالنسبة لصنّاع السياسات أما غير مبالين وغير مهتمين ولا يفكرون في هذا الأمر، ولا يستمعون لأحد، ولا يفكرون بالمستقبل لأنهم (مخدَّرين) بالنفط، فالنفط يُسكر نتيجة لسيولته الكبيرة يُسكر الإنسان ويجعله غافلا ومدمن على النفط (ومكاسبه)، وهذه الريعية التي نعيشها هي بسبب إدمان النفط، وهذه كما أتصور هي مشكلة كبيرة جدا.
أضرب مثالا عن ذلك، حول قضية تشرين، فتشرين هي أصلا كانت انتفاضة جيل زد، وكانت مطالبها معروفة ضد الفساد، وجيل زد في كل العالم هو جيل مطَّلع من خلال شبكات التواصل فيعرف حلقات الفساد الموجود، وهو الذي يأكل ويستنزف الموارد.
لذلك فإن احتجاجات تشرين كانت تمثل انتفاضة جيل زد في العراق، ولكن بعد ذلك أصبح هذا الجيل مدجّنا، يعني السياسيون بدل من أن يحولوا هذه الطاقات الشبابية إلى قطاع خاص وتوفير بنى تحتية لاستثمار جيل زد، حولوه إلى موظفين في القطاع العام، وبالنتيجة حولوا جيل زد إلى جيل جامد غير متحرك.
أما المشكلات الإضافية التي يعيشها جيل زد، إنه بعد التحول الرقمي الذي حدث أصبح هذا الجيل يمتلك الاستقلالية والفردية، وهذه قضية عالمية طبعا، وقد ضاعفت من الأعباء المالية، في السابق كان المواطن والإنسان يعيش مع عائلته بأشياء بسيطة، وتوقعات بسيطة كأن يعيش في غرفة ولا يرغب بامتلاك سيارة ولا يحتاج إلى أشياء كثيرة.
أما الآن تضاعفت الأعباء عشرين مرة على الفرد الذي يهيش في هذا الزمن (الآن في 2026)، فالشاب الذي يعيش اليوم يحتاج إلى عشرين ضعف مما يحتاجه الشاب الذي كان يعيش في 1980 وحتى الذي كان يعيش في 1990 حيث توجد هناك أعباء هائلة جدا، وهذا كله يشكل عبئا اقتصاديا على جيل زد يجعله يعيش حالة من السلبية والعدمية وقد ينتفض في يوم ما كما انتفض جيل زد في بنغلاديش.
حيث انتفض جيل زد في بنغلادش انتفاضة كالانفجار الهائل، بحيث لم يبق هنا مسؤولا إلا وسحلوه في الشوارع، وفي النيبال أيضا حدث الشيء نفسه.
لذلك هذا يدعونا إلى التفكير المتأني العميق، ولا نضيّع موارد البلد، ونهتم في الاستثمار في البنى التحتية لكيلا يعيش هذا الجيل حالة من البؤس الشديد والإحباط، وبالنتيجة يعيش حياته بشكل طبيعي ولا يتحول إلى طاقة سلبية مدمرة للمجتمع.
الدكتور عقيل الحسناوي أكاديمي وباحث في الشؤون القانونية
استكمالا لما ذكره الشيخ مرتضى معاش، نحن من حلال عملنا التدريسي نكون أكثر احتكاكا بالأجيال، فحن نعرف مواصفاتهم ومميزاتهم لأننا نحتك بهم كثيرا ولا أعتقد هناك عمل غير التدريسي ممكن أن يحتك بالجيل ويعرفه على حقيقته.
نحن أولا نعقب على الثورة، فهي تكون منظمة، ولكن كل ما حدث من احتجاجات هي ليست ثورات، حتى تشرين، نحن كنا موجودين في الدوام ورأيتنا تحركاتهم، وحين تسأله ماذا تريد فهو لا يعرف ماذا يريد، ولذلك نلاحظ أن نتائج هذه الحركات تهب نتائجها إلى غيرهم، لماذا؟، لأنها ليست منظَّمة، بينما الثورة تكون منظمة وفيها فكر ولها أهداف، وحركتها مدروسة.
نعم يحدث انفجار، بسبب الضغط المتتالي، لكن نتائج الانفجار لا تكون لهم، لماذا لأنه غير منظَّم، وبلا قيادة، وبلا فكر، وبالتالي هذه الحركة تقتل نفسها بنفسها، بشكل بطيء، من خلال عمل التنظيم، لذلك من خلال تجربتي في التدريس عايشت هذا الجيل، وهو بصراحة غير مثقف، ولا يعرف الرقمنة وبعضهم لا يعرف يكتب عبر الوورد، وكذلك في كتابة البحث العلمي لا يعر أي نوع من أنواع المواقع العلمية، لا يعرف موقع جوجل ولا يعرف يبحث وكلامنا هنا عن العراق.
ونحن بصراحة لم يتضح لنا حد فاصل بين هذا الجيل والجيل الذي سبقه، ولكن في دولة أخرى ربما يختلف هذا الأمر، مثلا في كوريا الجنوبية يختلف الوضع كثيرا، قبل أيام أحد شباب جيل زد في الدكتوراه لا يعرف شيئا عن الذكاء الاصطناعي ولا يعرف أن هناك تطبيق كاء اصطناعي صيني، طبعا الأسباب كثيرة ولا نخوض فيها لكننا نخوض في واقعهم، فحتى لو تحرك وانفجر جيل زد لا يستطيع أن يأتي بنتائج ولا يوجد عنده ارتباط بالتكنولوجيا.
في سنة 2013 سافرت إلى ماليزيا كان يوجد عندهم تعليم إلكتروني وامتحانات إلكترونية، ولم يكن هناك كورونا وكان ذلك الجيل يتقن الإلكترونيات وهذا يعود إلى سياسة البلد طبعا، أما نحن فلا يوجد لدينا أي تقدم في هذا المجال، ولا يوجد في العراق قانون بالنسبة للإلكترونيات بل صدرت تعليمات في هذا المجال وليس قانون وهو قانون بسيط جدا.
لكن مع ذلك يوجد لدينا تجارب ناجحة بالنسبة للتحول الرقمي، منها بعض التطبيقات الناجحة، ومنها اصدار مصرف الرافدين سيم كارت عبر شركات خاصة وهي في الأصل أمريكية وإذا أردت العمل من خلالها لابد أن تحصل على ترخيص بذلك، وكذلك لدينا تطبيقات ناجحة مثل تطبيق (بلي) وتطبيق التسوق وهي بصراحة تطبيقات جيدة حققت النجاح.
لكن بيئة مناسبة غير موجودة، مثلا كوريا الجنوبية لا توجد لديها مواد، لكنهم استثمروا العقول حيث أن أكبر شركة تنافس شركة أبل هي شركة سامسونج، وهي شركة عملاقة جدا وهذا هو الاستثمار الذي يقومون به وهو استثمار العقول، لذلك نقول إن ما يرتبط بهذا الجيل لا تعود الأسباب له، وإنما ترجع الأسباب إلى البنى السياسية والاقتصادية وغيرها، هذا الجيل لم يجد بيئة مناسبة لكي ينمو فيها إلى أمام.
الأستاذ علي حسين عبيد كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية
هذا الموضوع في الحقيقة يعد من المواضيع البالغة الأهمية التي تتعلق بشريحة الشباب وبالأخص جيل زد، المداخلات السابقة التي تفضل بها المشاركون في هذه الحلقة النقاشية، تميزت بمواضيعها من حيث تفرّد الأفكار المطروحة حول ما جاء في الورقة البحثية، لكن في الحقيقة خطر في بالي أن هذا الجيل ومنه الشاب الذي ينتمي له، ألاحظ وجود تقصير عنده، بمعنى أن الشاب نفسه يجب أن لا يتخلى عن إمكانياته ومواهبه، صحيح بأن الدولة وحتى الجهات الأخرى، كالقطاع الخاص وغيره، كان يجب عليهم أن يحضروا البنية اللازمة والآليات اللازمة لعمل الشباب والإبداع والإنجاز والابتكار، هذا موضوع صحيح جدا ومهم.
لكن المهم أيضا وبنفس المستوى أن تكون هناك إرادة ذاتية لدى الشاب نفسه، بمعنى يكون عنده استعداد ذاتي لكي يُبدع ويغامر ويجازف ويطور ويبتكر وهذا ما لاحظته قبل أيام في تقرير عرضته إحدى القنوات الفضائية، لشاب عراقي ضمن أعمار جيل زذ، هذا الشاب من أصحاب الاحتياجات الخاصة أو من ذوي الهمم (مقعد تماما على كرسي متحرك)، وهو معطّل جسديا من كل النواحي باستثناء العقل والتفكير.
هذا الشاب، طبعا بمساعدة والده، استطاع أن يدخل في مجال الابتكار والنشاطات المختلفة التي تفتح الطريق أمام ذوي الهمم وعالج نفسه أولا ومنذ الطفولة بدأ والده في معالجته، وظهرت لديه بوادر المهوبة والإصرار والقدرة على الابتكار والإنجاز وطور نفسه وقدراته وتوسع مشروعه (لإقامة جمعيات لمساعدة ذوي الهمم) ليس داخل العراق وحده وإنما على مستوى الدول العربية والعالم، والآن بدأ يؤسس لجمعيات تنشر على مستوى العالم، تقدم خدماتها للشباب من جيل زد ومن ذوي الهمم، وتعمل هذه الجمعيات على تنمية قدرات الشباب ونجح في ذلك، ولدينا أيضا تجربة شبابية ناجحة أخر تتمثل بالرياضي التي فازت عالميا في رياضة كرة الطاولة وحقق الإنجاز الأول في هذه الرياضة على العالم.
لذلك أعتقد أن القدرة الذاتية الشخصية للشاب مهمة جدا، ويجب أن لا تُهمل، صحيح أن الأستاذ عباس معاش ذكر تجارب مهمة جدا وعملية طبعا، وبالإمكان الاستفادة من خبرته وتجاربه لتحويلة من الصيغة الفكرية المجردة إلى الجانب العملي، حتى في بلدنا العراق، بالإمكان أن نستفاد من هذه الأفكار والتجارب وتتحول إلى منجز عملي، لكن مع ذلك باعتقادي أن جيل زد عليه أن يفعّل قدراته الذاتية ومواهبه.
الأستاذ أحمد جويد مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات
لا أعلم إذا كان هذا الجيل جيل زد الذي نتحدث عنه هو نفسه جيل واحد، فالعالم اليوم وصل إلى صفر صفر واحد، فالصين بدأت تجتاز قضية الصفر واحد، أو القضايا الرقمية، ووصلوا إلى مرحلة كبيرة من التطور، لذا أرى أن هذا الجيل الذي نتحدث عن قدراته لا تنمو إلا في دولة، يكون فضاؤها السياسي متطورا، وفيها حيز كبير من الديمقراطية.
وفيها اقتصاد ناجح وقائم على أسس تدعم القطاع الخاص بشكل جيد، لأن قضية التحقيقات ومراكز البحوث مهمة، فالتجارب التي نراها في الدول الأخرى، نلاحظ أن الطالب في المرحلة الجامعية (بكلوريوس)، المرحلة حين يكون مطلوب منه بحث، نلاحظ كثيرا من الطلاب تبنّت بحوثهم شركات تجارية، تقوم بما يلزم لكل طالب وكل بحث، ثم تستثمر بحوثهم مقابل نسبة معينة من المال، لكن الطالب لدينا يضع في حسابه أن الكلية التي ينتمي إليها حتى لو لم تناسب إمكانياته لكن المهم يوجد فيها توظيف حكومي.
وبالتالي سيكون هذا الطالب موظفا فاشلا في المستقبل، فأي مكان لا يجد الطالب فيه هوايته سيكون فاشلا، مثلا يحصل على وظيفة باختصاص الهندسة وهو غير موهوب بها ولا يحبها، فسوف يكون مهندسا فاشلا، وكذلك في الطب يكون طبيبا فاشلا، ولكن حتى لو اصبح الطالب موظفا بسيطا مع نجاحه، فهذا أفضل من طبيب فاشل.
الفرق بين لأجيال الموجودة لدينا هي القضايا والفوارق التي تم ذكرها تكمن في البنى التحتية غير الموجودة في بلدنا، أما بالنسبة للاقتصاد الريعي فهو مشكلة فعلا، وهذا الجيل يتأثر بأقرانه دائما وبالآخرين، ويحاول أن يقلدهم ويصبح مثلهم، أما في العراق فإن هذه القضية مرتبطة بالجينات العراقية للإنسان العراقي.
الإنسان العراقي لا يتحلى بالصبر، فإذا جرب مرة واحدة وفشلت التجربة، ينتهي الأمر ويحدث له يأس، لكن الصحيح أن الفشل في التجربة يفتح له طريق نحو النجاح، فيجرب مرة وثانية وثالثة إلى أن ينجح، لذلك عنده ضعف أو قصر الأمل.
بالإضافة إلى أن السياسات الحكومية، ورسم السياسات العامة للدولة، لا تهتم بهذا المجال بل لديها اهتمامات أخرى، وتخطط لكي تنساق لها هذه الأجيال، كما لاحظنا حدوث بعض ردات الفعل، التي لم تحدث لغرض التطور، كلا بل لقضايا شخصية تم ذكرها من قبل الدكتور خالد العرداوي، فمجرد أن يحصل الطالب المتخرج على تعيين تنتهي كل أهدافه وطلباته وكل طموحته حتى لو كان لديه مشروع في باله كان يناضل ويتظاهر من أجله، فيترك كل شيء طالما حصل على وظيفة وراتب.
الدكتور خالد الأسدي أكاديمي وباحث في مركز الإمام الشيرازي
إن جيل زد وقع بين جيلين، جيل متطور جدا، وجيل متخلف إلكترونيا جدا، فبقي هو جيل هجين، لا يستطيع العودة إلى الوراء، ولا يمكنه التقدم إلى الأمام، لذلك يشعر هذا الجيل بأنه في الهامش دائما، لذلك جنّد نقسه للرقمنة لتحقيق التواصل الاجتماعي أكثر من الآخرين، ولذا نلاحظ أنه أصبح براغماتيا أكثر من أن يكون اجتماعيا وليس له علاقة بالاشتراكية.
لكن الأشياء التي ينوي على تقديمها لا أحد يهتم بها فيميل إلى الانعزال، لذلك لابد من احتواء هذا الجيل ويحتاج إلى دورات تثقيفية، وهذه غير موجودة لدينا، والتطور الذي حدث حاليا في الدول الأخرى هو بسبب جيل زد لأنه جيل سريع الفهم وسريع التلقي وسريع العمل، بمعنى هو جيل عامل ومنتج، ولكن لا يوجد هناك احتواء لذا يحتاج إلى الجذب أكثر من النفور.
الأستاذ حيدر الأجودي باحث في مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات
جيل زد في العراق محاصَر في إطار قديم تقليدي، فإذا ما كُسِر قيد الاقتصاد الريعي نحو الاتجاه الرقمي يتحول هذا الجيل من عبء اقتصادي إلى رابطة تنموية قوية تقدم شيئا للبلد، في الحقيقة كان لدينا بحث ولكن لم تتح لنا الفرصة لتقديمه، وسوف نعمل على ذلك في قادم الأيام ونقدمه في الحلقات النقاشية القادمة إن شاء الله.
نعم الاقتصاد الريعي أحد أبرز الأسباب التي تعيق جيل زد من خلال تقليل فرص العمل وقتل الابداع، لأن هذا النوع من الاقتصاد كما يعرف الجميع يعتمد على النفط وليس على الإنتاج السلعي، وكذلك لدينا ثقافة الاتكال والذهاب وراء التوظيف الحكومي وهذا يعد معوقا بحق جيل زد وابداعه، باعتبار أن الفرص لا تأتي بحسب الكفاءات.
الفرص اليوم تعتمد على الانتماءات وعلى الولاءات والمحسوبيات، وليس على الكفاءات، فأصحاب الكفاءات نجدهم جالسين في البيوت، وكذلك عدم اليقين وعدم الثقة بالحكومة، لنه بسبب الاقتصاد الريعي لا توجد وظائف ولا توجد فرص عمل في القطاع الخاص.
هناك تجربة شخصية عملية حصلت معي قبل سنتين، حيث تم تكليفي في وزارة الزراعة بمهمة مسؤول إدارة حاضنات ضمن إدارة الأعمال، مهمتها دعم الشباب الريفي أي في المنطق الزراعية من خلال دعم المشاريع الصغيرة وتطويرها، من خلال إقراضهم مبالغ وإن كانت بسيطة ولكن تتطور هذه المبالغ بحسب تطور مشاريعهم.
وقد عملنا على هذا المشروع عبر الحصول على بيانات الشباب وبعد إجراء مقابلات للشباب المتقدمين والقيام بجدوى اقتصادية وواقعية لمشاريع زراعية حقيقية وبعد أكثر من ستة شهور عندما وصل الأمر إلى موعد تسليم المبالغ المخصصة للشباب وهي مبالغ بسيطة للبدء بتفعيل مشاريعهم، فوجئنا بعدم وجود ميزانية مالية مخصصة لهذه المشاريع من قبل الجهة الحكومية المعنية، فقتلوا الإبداع عند الشباب.
وهكذا أصبح عدم اليقين وعدم الثقة بالحكومة عائقا أمام مثل هذه المشاريع الشبابية، نعم يستطيع جيل زد قيادة التحول إذا ما توفرت وأتيحت له الفرصة لأنه جيل بطبعه سرع التعلم ونشأ في عالم الرقمنة ويعرف الانفتاح على العالم من خلال الموبايل والتطبيقات الإلكترونية فهو يرى الكثير من أحداث العالم وهو في غرفته عبر الموبايل.
الأمر الآخر هو كيف يستطيع هذا الجيل القيام بدوره، هناك ثلاثة محاور عبر التحول وقيادة الجيل من خلال الشباب أنفسهم، مثلا فضية الاستثمارات الرقمية، فعاش هذه التجربة أيام كورونا ودخل في عالم التداول الرقمي، أنا شخصيا كنت متخوفا من الدخول في هذا العالم الرقمي لكن بعد أن دخلت في هذه التجربة العملية الربحية الإلكترونية، في البداية خسرت أموالا وبعد التعلم تمكنت من تعويض خسائري لكنني هربت من هذا العمل، لماذا؟
لأن أرضيتي وتجربتي كانت ضعيفة، لذا فهذه دعوة للشباب بأن يتعلموا الدخول في هذه التجارب العملية الرقمية، ولا يعتمدون على الوظائف الحكومية فقط.
كذلك المجتمع ينظر إلى فرص النجاح من خلال الوظيفة الحكومية، وهذا التفكير والسلوك يحتاج إلى أن يُعاد النظر فيه، فالنجاح لا يعتمد على التوظيف الحكومي فقط، وإنما يعتمد على النتائج في العمل الخاص، وإن كان العمل في القطاع الخاص محاط بكثير من العوائق والشوائب لكن يبقى القطاع الخاص جنبة مهمة تزيد من حظوة التطور والتحول الرقمي.
الأستاذ باسم حسين الزيدي باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث
قبل أن أبدأ بالموضوع أطرح السؤال التالي، لماذا استهدفه هذه الورقة البحثية جيل زد؟، استهدفت جيل زد باعتباره هو الجيل الأكثر واقعية لغاية التحول التكنولوجي، وليس الرقمي باعتبار أنه جزء من التحول التكنولوجي بصورة عامة، فنحن لا نستطيع أن نكلف الجيل الذي سبقه باعتبار العمر وبداية التطور ضعيف ولا نستطيع أن نكلف الجيل القادم باعتباره جيل ناشئ، ولا يزال يحبو، فهذا الجيل هو الأكثر واقعية هذا أولا.
المسألة الثانية السؤال الأول يتضمن الجانب السلبي من القضية، والثاني يتضمن الجانب الإيجابي، لنأتِ إلى الجانب السلبي باعتبار أن الاقتصاد الريعي يعيق فعلا عملية التحول التكنولوجي، لأسباب كثيرة، أهم سبب أنه من السهولة بمكان أن أي دولة إذا تريد أن تسيطر على الشعب تحكمه بالقطاع الريعي، باعتبار يتم تحويل الوظيفة الحكومية إلى ثقافة.
وهذه الثقافة تخيّر المبدع بين أن يكون لديه امن مادي من خلال الراتب أو يغامر بمحاولة الابتكار والتطور، وغالبا ما تؤول هذه المحاولات إلى الفشل، لذلك عندما يتم تحويل الشباب إلى هذه الثقافة وتقوم بتدجينه، بأن يكون لديه أمن مالي شهري فسوف ينسى الإبداع، خصوصا إذا تم تحويل هذا المبدع إلى جانب وظيفي روتيني كأن يكون موظف إداري وهو مبدع، هذا أولا.
المسألة الثانية إن الاقتصاد الريعي أساسا كل الأموال التي تأتي إليه لا تذهب إلى الاستثمارات، وإنما يتم تخصيصها إلى الرواتب، باعتبار إن الهدف هو السيطرة الكبيرة على الشعب من خلال تدجينهم بإعطائهم رواتب شهرية فرأسمال واستثمار الدولة يذهب إلى الموظفين الذين تم توظيفهم والسيطرة عليهم من قبل الدولة والحكومة.
لذلك سوف نلاحظ أن الجانب الاستثماري والاجتماعي والتكنولوجي وغيره له نسبة ضعيفة جدا، وهذا هو السبب الثاني، أما السبب الثالث وقد تمت الإشارة لهمن قبل المتداخلين، وهو أن القوانين الموجودة في العراق هي قوانين ما قبل عصر الإنترنيت، يعني تشكيل الشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا مثلا، مثلا مسألة الذكاء الاصطناعي والتطور في هذا المجال، وعملية إدارة البيانات الضخمة التي تديرها قطاعات تكنولوجية وهي أساسا عبارة عن رأسمال.
هذه القضية لا توجد لها قوانين تديرها وتضبط تفاصيلها وتعطي حرية للمغامر في العراق أو مثلا الناشئ صاحب الموهبة في تطوير شركة ناشئة وصولا إلى مشاركة في هذا القطاع.
هذه هي الأسباب الرئيسة بالإضافة إلى للسبب الأساس في العراق ونعني به الفساد، وهو يمارس عملية تدمير منهجية للقضاء على أي تطور من الممكن أن يحدث في العراق، هذا الجانب الأول.
الجانب الثاني وهو الجانب الإيجابي وقبل أن نبدأ به نضع ملاحظة مهمة جدا، طبعا الشركات العالمية في الدول الكبرى وضعتها في نظر الاعتبار، حتى التكنولوجيا التي ذكروها المشاركون في هذه الحلقة، مثل قضية الماستر كارد أو البيع والشراء، هو لديهم فرق بين أن تكون أنت منتجا للتكنولوجيا أو مستهلكا لها، هذا هو الفارق بيننا وبينهم.
أنا عندما أأتي وأقول بأننا كعرقيين استثمرنا وتوجد لدينا بطائق إلكترونية وكذا، ولكن لنأتي إلى نتيجتها وإلى حقيقة الأمور، فأنا في النهاية هل يوجد عندي إنتاج تكنولوجي أم أنا مستهلك للتكنولوجيا؟، الجواب أنا مستهلك للتكنولوجيا، فالعراق لم يساهم ولو صفر أو عشر من واحد في قطاع التكنولوجيا الواسع، لذلك قبل أن نبدأ أنا أتساءل هل يوجد عندي تحول رقمي، أو أنا منتج للتكنولوجيا أو مستهلك لها؟
إذا قمت بتحديد الإجابة عن هذه النقطة، أدخل في عملية التحول الرقمي ، كيف تمت عملية التحول الرقمي، مثال بسيط حدث قبل أيام ربما أغلبنا لم يتنبّه له يمكن أن يوضح لنا الصورة لعملية التحول الرقمي الذي يحدث في العالم، شركة عملاقة في البيانات وعملت شراكة مع شركة أخرى، أيضا شركة عملاقة تتخصص بالذكاء الاصطناعي، يُقال إن الموظفين استيقظوا صباحا وجدوا رسائل مرسلة إلى 30 ألف موظف تم إنهاء خدماتهم، من أصل 160 ألف، عندما نأتي إلى الذين تم الاستغناء عن خدماتهم.
وهؤلاء جميعا من الخريجين حيث تجد أغلبهم خبراء ولديهم تخصصات تكنولوجية صعبة جدا، وهم مصممون وقسم منهم يعملون في الذكاء الاصطناعي، لكن الشركة عندما شعرت بأن هؤلاء من الممكن أن يشكلوا عليها ثقلا ويمكن أن توفر أكثر من عشرة مليار دولار يمكن أن توظفها في تطوير قطاع الذكاء الاصطناعي.
حسنا أنا أسأل ما هو الذكاء الاصطناعي حتى أستطيع أن أطور نفسي فيه، الذكاء الاصطناعي هو عملية إعادة قراءة لبيانات ضخمة، فالذكاء الاصطناعي يقرأها بدلا من البشر، ملايين أو مليارات الوثائق خلال ثوان أو عشر دقائق، ليس هذا فحسب وإنما يتحول إلى المرحلة الثانية وهي مرحلة الاستنتاج بعد تحليل البيانات، والمرحلة الثالثة يقدم مقترحات.
وتكاد تكون نسبة هامش الخطأ في هذه العمليات قريبة من الصفر، هذا هو عمل الذكاء الاصطناعي، وهم الآن يطورون هذه البرامج ليس بالاعتماد على البيانات المحلية فقط، فهناك شيء اسمه البيانات السيادية، ونحن أصلا لا نعرفها، هم يجمعون كل هذه البيانات في العالم ولا يشاركونها مع الآخرين ويسمونها بيانات سيادية إلا مقابل أموال.
وكمثال بسيط إذا أنت مثلا لديك قطاع الصحة وأنت تريد أن تكتشف أمراضا مستعصية، تصور كم مستشفى في العالم يوجد لديها سجلات وبيانات خاصة لتجارب حدثت وتحدث، هذه من الممكن توحديها كلها ويعيد الذكاء الاصطناعي قراءتها ويقترح حلولا جديدة ومن الممكن أن يعثر على حلول لأمراض مستعصية.
كيف يمكن أن نستفيد وسط هذا التنافس الكبير، حيث توجد شركات عملاقة، والعراق ليس له قيمة لكي يسمحوا له بالدخول في هذا المجال، ماذا يمكن أن يفعل العراق وسط هذا الزحام، من الممكن أن نشتغل على خطين، كمثل يعني، الخط الأول: نحن نختار نخبة من الشباب كما نختار نخبة ونرسلهم في دورة طيران لكي يتمكنوا من قيادة طائرة F16 لا تعود لنا، لكي لا تسقط به الطائرة وهي ذات سعر عال 0 أو 40 مليون دولار.
يمكن أن نختار نخبة من الشباب الأذكياء أجعل منهم نواة للذكاء الاصطناعي في العراق، أخسر عليهم وأتعب عليهم وأعزلهم عن الواقع وأطورهم مثلا.
الأستاذ حسين شاكر الطيار باحث وأكاديمي
لا أريد أن أكرر ما قاله المتداخلون، سواء في الإجابة عن السؤال الأول أو الثاني، لكن طبيعة هذا الجيل كما سبق القول، من الأستاذ عباس معاش الذي قال أنا أريد أن أكون حرّا، هذا الجيل هذه طبيعته، عنده حرية نوعما، يطالب بحريته الشخصية، واستقلاليته في العمل، وهذا سوف يتعارض مع الوظيفة، وثمار ترك الوظيفة تحتاج إلى وقت كي نصل لنتائجها.
أتذكر عندما كنا شبابا وحدث التغيير السياسي والسقوط، أول شيء حدث هو أصبحت الرواتب في عشرة أضعاف أو عشرين، فأصبح التوجه كله على التعيين في الدولة، واعتدنا على هذا الشيء وهو خاطئ، والآن دفعنا ثمن ذلك.
الان نلاحظ أن الفرص في القطاع الخاص أفضل، الخطأ في التعامل مع هذا الجيل أنه يتم قبول أعداد كبيرة من الطلبة ومن الشباب نضعهم في الدراسات الإنسانية، وهذه التخصصات لا توفر أيدي عاملة، نعم توفر أفكار ورؤى، وأشياء انت استغنيت عنها حاليا، مثلا في القانون، في الآداب، في التربية، والآثار، هي موجودة ولكن نحتاج إلى أعداد قليلة، أما إذا كانت أعداد الخريجين كبيرة فهذا تدمير وتعطيل للبلد.
قبل أيام رأيت تقريرا تلفازيا تكلموا فيه عن إيران، وقالوا إنها أكبر بلد ينتج مهندسين، وهذا موجود فعلا حيث توجد 2000 جامعة لديهم، وكل الجامعات الأكاديمية لا تتجاوز 400 جامعة، والبقية كلها جامعات تعليم تقني، بينما في العراق التعليم التقني تراجع، ,اصبح الطالب كسولا، مع العلم إن التعليم التقني أهم مفصل من مفاصل الاقتصاد.
وهو المحرك (الداينمو)، وهو الذي يبدا ببراءة الاختراع، وهو الذي يبدأ بالابتكار، وهو الذي يشتغل، وهو يحرك سوق العمل، وهو يمثل الأيدي العاملة، وهذه هي الطبقة الوسطى، لكن نحن لدينا فجوة كبيرة في الطبقة الوسطى وفي الأيدي العاملة، طبعا حاليا توجد مبادرات في التعليم التقني لكن تحتاج استقلالية في الجامعات.
الجامعات الأهلية تبدأ تطور نفسها عبر شراكات مع الطلبة، مثلا أدعمك في شيء معين إذا قدمت لي براءة اختراع معينة، هذه الأمور تحتاج إلى تحفيز وأموال، لكن الأموال التي تصرف حاليا في العراق تذهب عبثا.
الأستاذ عدنان الصالحي مدير مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية
نحن نتحدث اليوم عن الاقتصاد دائما، وعن فرص التحول وغيرها، لكن إذا تحدثنا عن أصل الفكرة، وهنا (سوف أتحدث بشكل عام)، الآن نحن نتحدث كبلد أو كفكرة عامة، إذا نتحدث عن بلد نحن أين من الاقتصاد وأين نحن من التحول الرقمي، هل يوجد لدينا اقتصاد معين وما هو نوع اقتصادنا، وهل لدينا هوية اقتصادية أو اقتصاد ممنهج تتبناه الحكومة، والدولة لنقول اليوم نحن لدينا اقتصاد نعمل عليه اليوم، أين هي فكرة الاقتصاد في بلدنا وأين استراتيجيتنا الاقتصادية، وأين هو اقتصادنا؟
نحن أقل أزمة الآن نكون في مهب الرياح، وضعنا لا يُعرَف، فالتحول الرقمي، هل نمتلك التحول الرقمي أم أننا متأثرين به فقط؟، بمعنى هل نحن رقم فعال في هذا المجال أم متأثرين؟
لذلك أقول إن رقمنا يقع في نهاية المعادلة، وكأننا نكاد أن نركض وراء البوصلة أينما ركضت أو اتجهت، طبعا هذا ليس تشاؤما بقدر ما هو وصف للحالة كما أعتقد.
أما هذا الجيل الموجود في الوقت الحاضر، والجيل الذي بعد أما الجيل الحالي فهو أمر آخر، اما الاقتصاد الريعي تحوّل كأنما نحن أناس على الدولة أن تطعمها وتكسيها وإذا ضجرت يجب أن تمنحها عطلة لكي ترتاح، وبالنتيجة نحن ليس لدينا اقتصاد، وإنما لدينا مخزون من النفط يوجد من كهبة من الله عز وجل، نستخرجه لكي نبيعه ثم نعود لنصرفه على مجتمعنا بشكل أو بآخر، إضافة إلى الملفات والثقوب السوداء للفساد.
وهنا لا أعتقد أننا هنا نناقش إحدى القضايا العلمية، هل يستطيع جيل زد قيادة التحول نحو العالم الرقمي، ماذا يمتلك جيل زد؟، ونحن ماذا منحنا هذا الجيل، هل منحناه فرصة لكي يعتمد على نفسه، ويواجه الحياة ويتمكن منها، العشبة الصحراوية على قول أمير المؤمنين عليه السلام أكثر مقاومة وأكثر شجاعة من سواها.
هذا الجيل في هذا الوقت لم يواجه الصعوبات التي واجهتها الأجيال الأخرى، فماذا يستطيع أن يقدم؟، فأقل احتكاك أو أزمة ربما يواجه هذا الجيل مأساة، لم نستطع أن نقدم له شيء من العلم ولا استطعنا أن نعطيه شيء من المؤهلات، ولا منحنا له الفرصة لكي يواجه المصاعب ويبني حياته بشكل صلب، وإنما حياته عادية.
فالقضية بحاجة إلى إعادة تأهيل لكل هذا الجيل وكيف يمكن أن ننميه فعلا، وكيف نعلمه الاعتماد على نفسه وليس نعلمه كيف يطالب بالطعام والحريات المفلتة وليست الحريات الحقيقية، أعتقد تحتاج هذه القضية إلى إعادة تصميم من الأصل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!