النخب والشأن العام في العراق

النخب والشأن العام في العراق

ينصرف مفهوم النخب في اللغة الى الصفوة او الفئة المختارة من المجتمع، اما في الاصطلاح السياسي والاجتماعي فانه يشير الى الفئة الأكثر نفوذا وتأثيرا وقدرة على التحكم في الموارد والقرارات والرأي العام والمؤسسات العامة. ولذلك يصدق هذه المفهوم على فئات عديد مثل: النخبة السياسية، والنخبة الاقتصادية، والنخبة العسكرية، والنخبة الدينية، والنخبة الاجتماعية، والنخبة الثقافية. فالنخب هي مجموعة محدودة تمتلك قدرا كبيرا واستثنائيا من السلطة والنفوذ داخل المجتمع والدولة. 

اما الشأن العام فهو كل نشاط او مصلحة او موضوع يرتبط بالمجتمع والدولة، ويؤثر في الناس بصورة جماعية، مثل: الأمن، والسياسة، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، والقوانين، والخدمات العامة، والهوية الوطنية، والبيئة، والحريات العامة...الخ. ويرتبط الحديث عن الشأن العام بالصالح العام للشعب، وغالبا ما يجري هذا الحديث ضمن ما يسمى بمؤسسات المجال العام، من خلال صورها التقليدية (الجامعات، البرلمانات، الأحزاب ...)، وغير التقليدية (وسائل التواصل الاجتماعي، المنصات الرقمية...).

 ان العلاقة بين النخب والشأن العام علاقة طردية، فكلما زاد انشغال النخب بالشأن العام زاد ترشيد القرارات، وتحسين أداء المؤسسات العامة، وتعزز احترام الحقوق والحريات العامة، وارتفع مستوى انفاذ القانون، وتفعلت آليات الرقابة والمحاسبة، وجرى تشريع القوانين المهمة للصالح العام، والعكس صحيح. والدور الذي تضطلع به النخب في مجتمع ما يساهم بفاعلية في نهوضه او انحداره، لذا لا غرابة ان تركز الدراسات التاريخية على الدور الأساسي للنخب في قضية صعود الامم او سقوطها. فالنخب التي تفقد اهتمامها بالشأن العام تخسر مع مرور الوقت قدرتها على القيادة والتأثير والاقناع وإدارة المجتمع والدولة بصورة فعالة، مما يخلق فجوة متسعة بينها وبين المجتمع تقود الى ما يسمى عادة بأزمة النخب، والتي من مظاهرها فقدان الثقة المجتمع بالنخب، وعجزها عن انتاج الحلول المناسبة لبناء المجتمع والدولة، وخضوعها للجمود وضعف التجديد، وانشغالها بالصراعات الثانوية على حساب بناء الهوية الوطنية، فضلا عن استفحال الصراع بين النخب نفسها، وانتشار الفساد وتغليب المصالح الخاصة على المصالح العامة.

وبقدر تعلق الامر بالعراق، فان البلد يمر بوقت عصيب، نتيجة الازمة الكبيرة التي تعاني منها نخبه على اختلاف مسمياتها، والتي تجسدت فيها معظم مظاهر ازمة النخب المشار اليها آنفا. ولفهم حجم هذه الازمة يمكن تقسيم النخب العراقية في ضوء علاقتها بالشأن العام الى الفئات الآتية:

الفئة الأولى: نخبة الموظفين، وهي فئة واسعة من الافراد تنتمي لجميع مؤسسات الدولة الرسمية، وما يميزها انها نخب رواتب ومصالح خاصة أكثر من كونها نخب قضايا ومصالح عامة، وقد ارتضى جزء واسع منها لنفسه عدم الاهتمام بالشأن العام، ربما لعدم ايمانه بقدرته على تغيير الاوضاع والتأثير الفعال فيها، او لعدم تطلعه للعب هذا الدور. وهي وان لم تكن مشاركة بصورة مباشرة في تهديم الدولة والمجتمع، الا انها لا تبدي رغبة حقيقية في المشاركة الفاعلة في عملية البناء. ولذا تبدو غالبا خاملة وسلبية ومنزوية تماما عن الشأن العام، لكنها تنشط عندما تشعر بالتهديد لرواتبها ومصالحها الخاصة. وغالبا ما تغازل السلطات هذه النخبة او تختبر ردود افعالها بين مدة وأخرى، بهدف زيادة التحكم بها، فتقع فريسة التهديد والترغيب من خلال الراتب الشهري.

الفئة الثانية: نخبة الحكم، وهي على قلتها النسبية، الا انها الأكثر قوة وتأثيرا بين النخب العراقية، وتمتد لتشمل أطيافا متعددة من السياسيين، والتجار، والقادة الأمنيين والدينيين، وبعض الأكاديميين والكتاب وصناع المحتوى العام والإعلاميين... ويمكن تسميتها بـ (عصبة السلطة، والمال، والسلاح). وهذه الفئة -للأسف- على الرغم من قوة تأثيرها في إدارة الموارد العامة والقرارات الحكومية والرأي العام، الا ان محور نشاطها وشغلها الشاغل ليس خدمة الشأن العام بقدر ما هو تحقيق المصالح الخاصة المرتبطة بالسلطة والمال والنفوذ. ولذلك تنشط في تعزيز مواقع افرادها والمرتبطين بهم، لكنها بالمقابل لا تهتم كثيرا بما يشغل الشأن العام، بل قد تؤثر بعض افعالها سلبا على المصالح العامة، وتتسبب في تعميق الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء، بما يقود في النهاية الى زيادة الشعور العام بغياب العدالة الاجتماعية في توزيع الخدمات والثروات والفرص.

الفئة الثالثة: نخبة الناقمين، وهي فئة محدودة داخل المجتمع تضم مجموعة متنوعة من الافراد والتيارات الشعبوية، وهي لا تفكر كثيرا بإصلاح الشأن العام وبناء الدولة والمجتمع على أسس صحيحة بقدر اهتمامها بتهديم المعبد على ساكنيه. وبقدر ما تبدو بعض مواقفها منطقية ومفهومة في سياق الاحتجاج على الأوضاع العامة، الا ان الاتجاه العام لبعض نشاطها يثير خوف المجتمع من الانزلاق نحو الفوضى والشعبوية المنفلتة. فالناس بقدر رغبتهم في تغيير أوضاعهم نحو الأفضل، لا يرغبون في النهاية بالوقوع فريسة الفوضى وانهيار النظام العام. ولذلك تجد -أحيانا- ان فئة الحكم تستثمر وجود هذه الفئة لضمان طاعة الناس، من خلال ربط فكرة التغيير بالفوضى وعدم الاستقرار المجتمعي.

الفئة الرابعة: نخبة اليائسين، وهذه الفئة تشكل -أيضا- نسبة لا بأس بها من الافراد، وتنفرد عن غيرها بانها فقدت الامل تماما بإمكانية التغيير، وأتسم نشاطها بالسلبية الواضحة، وهي لا تخشى اظهار هذه السلبية في مختلف وسائل التعبير والاعلام. لذلك تجدها مثبطة لكل تحرك في الشأن العام يستهدف الإصلاح او التغيير، ففقدان ثقتها بنفسها أفقدها تدريجيا الثقة بكل شيء تقريبا.

الفئة الخامسة: النخبة العضوية، وتضم هذه الفئة جميع الافراد الذين يشكل الشأن العام جزء لا يتجزأ من نشاطهم وتفكيرهم، ويرون ان العمل من اجل الصالح العام لا ينفصل عن العمل من اجل بناء الدولة والمجتمع. وينتمي اليها افراد من مختلف شرائح المجتمع مثل: السياسيين، والقادة الأمنيين، وعلماء الدين، والأكاديميين، والمثقفين...الخ. ان وجود هذه الفئة يعد من أبرز العلامات الايجابية على الدور الفاعل للنخب، ولكن المؤسف أن دورها ما زال محدودا في العراق اليوم، كما أنها تتعرض باستمرار الى الاستنزاف والتهميش لمصلحة الفئات الأربع الأخرى.

ان تشظي النخب العراقية، وتصارعها، وقلة اهتمام جزء كبير منها بالشأن العام، وتركيز معظمها على المصالح الخاصة أربك عملية بناء الدولة والمجتمع بصورة كبير، ولذلك تجد المجتمع العراقي اليوم يتحرك بلا بوصلة واضحة تهديه، ولا قيادة فاعلة توفر له المشروع الوطني الجامع، وإذا ما بقي الحال على ما هو عليه، فان مصير الامة العراقية قد يصبح مشابها لمصير أمم أخرى تسببت أزماتها النخبوية بإضعاف الدولة والمجتمع، ودفعتها نحو الانحدار الحضاري. 

أ. د. خالد عليوي العرداوي

العراق-كربلاء المقدسة

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!