الأمن والاقتصاد في العراق: هشاشة مزدوجة

الأمن والاقتصاد في العراق: هشاشة مزدوجة

توجد علاقة وثيقة بين الامن والاقتصاد، إذ يرتبط كل منهما بالآخر بعلاقة تأثير متبادل وبدرجات متفاوتة.

حيث يسير الاقتصاد بشكل انسيابي كلما كان الأمن راسخاً ومستداماً، بينما يكون متعثراً حينما يكون الأمن هشاً ومتذبذباً.

وفي المقابل، يصبح الأمن أكثر هشاشةً وتذبذباً حينما يكون الاقتصاد ضعيفاً وغير قادر على تلبية الحاجات المجتمعية والأمنية.

ينطلق المقال من فرضية مفادها ان ضعف المؤسسات الامنية والاقتصادية يؤدي الى حالة من الهشاشة المتبادلة تؤثر على الامن والاقتصاد معاً.

ورغم التحسن النسبي في بعض المؤشرات الأمنية في العراق إلا إن ذلك لم ينعكس بصورة واضحة على الاداء الاقتصادي. 

فلماذا لم تنعكس هذه المؤشرات الى واقع اقتصادي أفضل ؟

سيتم تناول هذا الموضوع وفق النقاط الاتية:

اولاً: هشاشة الاقتصاد العراقي

تُفصح الارقام النفطية ان العراق يمتلك احتياطيات كبيرة من النفط الخام تُقدر بـ 140 مليار برميل، وينتج 3.77 مليون برميل يومياً ويصدّر 3.26 مليون برميل يومياً في المتوسط عام 2025 .

هذه الأرقام النفطية، بالتزامن مع ضعف المؤسساتية أدت الى هيمنة القطاع النفطي على الاقتصاد العراقي كما هو واضح في المؤشرات أدناه:

حيث يشكل قطاع التعدين والمقالع( النفط) ما نسبته 32% من الناتج المحلي الاجمالي بالأسعار الجارية، وما نسبته 50.7% بالأسعار الجارية للفصل الثاني عام 2025 .

كما شكلت الايرادات النفطية(الفعلية) ما نسبته 88% مقابل 12% للإيرادات غير النفطية من اجمالي الايرادات للموازنة الاتحادية لغاية شهر كانون الاول من عام 2025 .

ولم تقل نسبة مساهمة صادرات النفط الخام عن 90% مقابل 10% للصادرات الأخرى من الصادرات الاجمالية للفصل الثاني من عام 2025 .

وتجب الاشارة الى ان فرص العمل مرتبطة بشكل وآخر بالنفط عبر الانفاق العام بشقيه الجاري والاستثماري، حيث ان انخفاض الايرادات النفطية سيؤدي لتخفيض الانفاق العام وهذا ما يقلل الطلب وانخفاض فرص العمل وزيادة البطالة.

إذ تقوم الدولة ببيع النفط وتوزع ايراداته على الانفاق الجاري بنسبة 84% وعلى الانفاق الاستثماري بنسبة 16% من الانفاق العام عام 2025 . 

وهكذا فإن هيمنة النفط على الناتج والايرادات والصادرات والعمل، مع ضعف المؤسساتية، جعلت الاقتصاد العراقي اقتصاداً ريعياً هشاً.

ثانياً: الأمن الهش

يعرف الامن الهش بالحالة التي تفقد فيها الدولة القدرة على اداء وظائفها الأمنية الاساسية، وفي مقدمتها حماية أمن المواطنين واحتكار استخدام العنف وفرض سيادة القانون.

هناك العديد من المؤشرات التي تشير للأمن الهش في العراق يمكن الاشارة لبعضها في الاتي:

1- مؤشر السلام العالمي

حيث يحتل العراق المرتبة 147 من أصل 163 دولة عام 2025 في مؤشر السلام العالمي الذي يتكون من ثلاثة مجالات رئيسة وهي

الاول: النزاع المحلي والدولي المستمر، أي مدى انخراط الدولة في نزاعات داخلية وخارجية وحجمها ومدتها ودور الدولة فيها.

الثاني: السلامة والأمن والمجتمعي، أي مدى شعور الأفراد بالأمان داخل المجتمع.

الثالث: التسلح والعسكرة، يقيس مدى تسلح الدولة وعلاقة ذلك بمستوى السلام.

2- مؤشر الدول الهشة

يُقصد بالدولة الهشة هي الحالة التي تفقد الدولة فيها احتكار القوة وتآكل السلطة المشروعة وعدم القدرة على تقديم خدمات عامة وضعف القدرة على التفاعل مع الدول الأخرى. 

ورغم التحسن الكبير الذي حصل في مؤشر الدول الهشة من المرتبة الرابعة عالمياً عام 2006 الى المرتبة 31 عام 2024 من بين 179 دولة  إلا إنه لازال ضمن المربع الاول في هذا المؤشر.

هذا الترتيب يعطي صورة سلبية عن العراق مما يضعف جاذبية للاستثمار والتأثير سلباً على اداء الاقتصاد.

لان وقوع العراق في المربع الاول يعني ضعف مؤشرات التماسك(جهاز الأمن، النخب المنقسمة، استياء الجماعات) والمؤشرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتعقد بيئة الاستثمار أخيراً بدلاً من جاذبيتها.

3- مؤشر مدركات الفساد

رغم تركيزه على الفساد إلا انه يعد مؤشر رئيس لهشاشة الأمن، حيث ان غياب المساءلة والمحسوبية تُضعف مؤسسات الدولة الأمنية وتجعلها أداة للتوظيف السياسي بدلاً من حماية المواطنين.

ورغم تحسن ترتيب العراق في مؤشر مدركات الفساد من171 من أصل 175 دولة عام 2013 الى 136 من أصل 181عام 2025 إلا إنه لازال ضمن المربع الاول.

ولا يُستبعد أن يكون جزء من هذا التحسن هو نتيجة لسوء درجات الدول الأخرى وليس تحسن حقيقي، وذلك بحكم ملاحظة الواقع المتمثل في تعقد بيئة لا جاذبيتها.

إذ لم تتم مساءلة ومحاسبة مرتكبي أو من كانوا سبباً لكثير من القضايا، ومن أبرزها سقوط الموصل وتفجير مراقد الأئمة ع وقتلة المتظاهرين واستهداف الناشطين والإعلاميين وغيرهم.

ثالثاً: الأمن والاقتصاد في العراق

اتضح أعلاه ان الاقتصاد هش والأمن ايضاً، مما يعني ان كل منهما يغذي الآخر بالهشاشة.

بمعنى ان أي ضربة يتعرض لها الأمن تنتقل بشكل تلقائي للاقتصاد، كما ان أي ضربة يتعرض لها الاقتصاد تنتقل بشكل وآخر للأمن ايضاً.

حيث يؤثر الأمن على الاقتصاد من خلال ثلاث قنوات:

الاولى، التوقعات، الأمن الهش يجعل المستثمرين يتوقعون ان استثماراتهم ستكون عرضة للمخاطر فيحجمون عن الاستثمار.

الثاني، التكاليف، لأجل ان يحافظ المستثمرون على أعمالهم القائمة سيضطرون إلى اضافة تكاليف الأمن وهذا يقلل أرباحهم ويقل حافزهم على التوسع.

الثالث، الهروب، ان المستثمر لا يرغب بتعطيل أمواله وبنفس الوقت لا يريد أن يخاطر بها في بيئة غير آمنة فيضطر الى نقل رؤوس امواله او استثماراته الى بيئات أكثر استقراراً وأقل مخاطرةً.

تجب الاشارة الى ان استقرار البيئة الاقتصادية لا يرتبط بغياب العنف فقط، بل بوجود مؤسسات قادرة على فرض القانون بصورة مهنية ومستقرة.

فالمستثمر يهتم بوجود مؤسسات يمكن التنبؤ بسلوكها وقراراتها، لأن ارتفاع حالة عدم اليقين المؤسسي ينعكس سلباً على قرارات الاستثمار طويلة الأمد.

ولأجل معالجة الهشاشة الاقتصادية والأمنية لابُد من معالجة الأمرين كحزمة واحدة، أي العمل على تقوية الاقتصاد من جانب وتقوية الأمن من جانب آخر وكلاهما سيصبان بذات الهدف.

تقوية الاقتصاد

ان تقوية الاقتصاد تتطلب العمل على تنويع الاقتصاد وعدم الاعتماد على النفط بحد ذاته، وتوظيف الايرادات النفطية بما يسهم في تحسين البنية التحتية ومكافحة الفساد بشكل حقيقي.

لان سوء البنية التحتية وانتشار الفساد يمثلان أبرز التحديات التي تقف كعائق أمام فاعلية القطاع الخاص في الاقتصاد العراقي.

أي لا بد من فتح الباب أمام القطاع الخاص من خلال معالجة هذه التحديات مع استمرار اشراف الدولة لضمان عدم انفلات القطاع الخاص والاضرار بالمجتمع.

تقوية الأمن

أن تقوية الأمن يتطلب استقلال الأجهزة الأمنية من ناحية لمنع توظيفها سياسياً، والعمل على تنظيمها في هيكلية واضحة وتحديد أهدافها ومهامها لمنع تضارب قراراتها وصلاحياتها والعمل بالنافذة الأمنية الواحدة التي تعنى بتوحيد الإجراءات الأمنية المتعلقة بالمستثمر والمواطن ضمن جهة تنسيقية واحدة.

لان فقدان استقلالية الاجهزة الأمنية يعني عدم قدرتها على تحقيق أهداف بشكل مهني، كما ان عدم تنظيمها بهيكلية واضحة يعني استمرار تضارب الصلاحيات والقرارات وعدم وجود نافذة واحدة، وسوء بيئة الاستثمار أخيراً.

ولمنع انحراف الاجهزة الامنية، ينبغي أن تخضع للدستور والقانون والرقابة البرلمانية والقضائية.

تجارب

تشير التجارب الى ان الشرطة في كندا لا تعتبر فرعاً من فروع الحكومة ففي مقاطعة أونتاريو يتم تعيين ضباط الشرطة من قبل لجان شرطة عامة وليس من قبل الحكومة، هذا الاستقلال يصل الى درجة ان الشرطة ترفض تنفيذ أوامر الحكومة إذا رأت انها تخالف أوامر الميثاق الكندي للحقوق والحريات.

فعلى سبيل المثال خلال وباء كورونا، أصدرت حكومة أونتاريو أمرا يقيد سفر السكان، لكن الشرطة ظلت تتمتع بهامش مهني يسمح لها بالاحتكام إلى الميثاق الدستوري والقانوني في تنفيذ الأوامر .، مما يعني ان الولاء الاول للشرطة في كندا للدستور والقانون وليس للحكومة.

المملكة المتحدة: يحقق المكتب المستقل لسلوك الشرطة في الشكاوى والادعاءات المتعلقة بسوء السلوك ضد الشرطة، إذ يعمل بشكل مستقل عن الشرطة لضمان الشفافية.

الولايات المتحدة: العديد من المدن الأمريكية لديها لجان مراجعة مدنية تقوم بالإشراف والتحقيق في الشكاوى ضد الشرطة. وتتكون هذه اللجان من أعضاء وخبراء من المجتمع الذين يراجعون حالات سوء سلوك الشرطة المزعوم .

وبناءً على ما سبق، ولأجل معالجة الهشاشة المزدوجة وتقوية الأمن والاقتصاد لابد من العمل على مجموعة نقاط

1- اصدار تشريع يضمن استقلالية الاجهزة الأمنية عن السلطة التنفيذية وتكون مسؤولة امام البرلمان والقضاء وفق الدستور والقانون وتجريم التدخل الحزبي في عملها مع تعزيز عنصر الشفافية.

2- تنظيم هيكلية الاجهزة الامنية المتعددة في هيكلية موحدة وتوضيح أهداف ومهام وصلاحيات كل واحدة منها لمنع تضارب الصلاحيات وفتح نافذة أمنية واحدة لتبسيط الاجراءات.

3- تحسين واقع البنية التحتية كونها تمثل احد العناصر المهمة لتشجيع القطاع الخاص على ممارسة اعماله الاقتصادية.

4- مكافحة الفساد بشكل حقيقي لان الفساد يمثل عقبة امام انطلاق الاستثمار والنشاط الاقتصادي.

5- العمل على تنويع الاقتصاد العراقي من خلال وضع سياسات اقتصادية تحفز القطاعات الاقتصادية الاخرى.

بدون العمل على هذه الاجراءات سيبقى الاقتصاد عرضة للهشاشة الريعية، وستبقى الأجهزة الأمنية عرضة للتأثيرات السياسية، واستمرار حلقة تغذية كل منهما للآخر.


المصادر:

1 - موقع منظمة أوبك، متاح على الرابط أدناه: 

OPEC Digital Publications - Annual Statistical Bulletin

2 - البنك المركزي العراقي، التقرير الاقتصادي للفصل الثاني 2025، ص 3-4. متاح على الرابط أدناه:

https://cbi.iq/static/uploads/up/file-17707110877882.pdf

3 - وزارة المالية، حساب الدولة لغاية شهر كانون الاول 2025 للموازنة الاتحادية، متاح على الرابط أدناه:

https://mof.gov.iq/Budget-implementation-Archive.aspx

4 - البنك المركزي العراقي، مصدر سابق، ص25.

5 - تم استخراج النسبة بالاعتماد على وزارة المالية، مصدر سابق.

6 - Institute for Economics & Peace, Global Peace Index 2025, p9.

متاح على الرابط أدناه: https://www.economicsandpeace.org/reports

7 - Fund for Peace, Fragile States Index 2024.

متاح على الرابط أدناه:

https://fragilestatesindex.org/frequently-asked-questions/what-does-state-fragility-mean

8 - Transparency International, Corruption Perceptions Index 2025.

متاح على الرابط أدناه: https://www.transparency.org/en/countries/iraq 

9 - لاو دونغيان، الحديث عن مبدأ استقلال الشرطة في الدول ذات القانون العام، مقال منشور على موقع شبكة المعلومات القانونية في جامعة بكين، تمت ترجمته بواسطة كوكل. متاح على الرابط أدناه.

https://article.chinalawinfo.com/ArticleFullText.aspx?ArticleId=126802 

10 - روكان الدين، اصلاح الشرطة: دروس من الدول المتقدمة، مقال تمت ترجمته بواسطة كوكل، منشور على الموقع أدناه.

https://newagebd.net/post/opinion/245920/reforming-the-police-lessons-from-developed-nations 


حامد عبد الحسين الجبوري

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!