يأتي المنهاج الوزاري لحكومة السيد الزيدي (2026–2029) في مرحلة تواجه فيها الدولة العراقية تحديات اقتصادية معقدة.
من أبرز هذه التحديات هو استمرار الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية، وضعف مساهمة القطاعات الإنتاجية في الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع معدلات البطالة، فضلاً عن الضغوط الناجمة عن التحولات الجيوسياسية والاقتصادية الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق يطرح المنهاج رؤية تقوم على بناء "دولة مستقرة واقتصاد منتج وشراكات متوازنة"، وهي رؤية تعكس إدراكاً واضحاً للحاجة إلى تجاوز النموذج الريعي التقليدي الذي حكم الاقتصاد العراقي لعقود طويلة.
اقتصادياً
يمكن اعتبار المنهاج محاولة للانتقال من مرحلة إدارة الإيرادات النفطية إلى مرحلة إدارة الاقتصاد.
إذ يركز المنهاج بصورة واضحة على بناء اقتصاد متنوع قادر على التكيف مع المتغيرات وتقليل التعرض للصدمات الخارجية.
هذه النقطة تمثل أحد أهم جوانب القوة في المنهاج، لأن هشاشة الاقتصاد العراقي ترتبط أساساً بارتباط المالية العامة بأسعار النفط العالمية، فكل انخفاض حاد في الأسعار ينعكس مباشرة على الإنفاق الحكومي بشكل عام والاستثماري بشكل خاص كون الاخير أسير الايرادات النفطية.
مالياً
يتبنى المنهاج مبدأ الانضباط المالي وإعادة هيكلة الإنفاق العام وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وتعد هذه التوجهات ضرورية لمعالجة الاختلالات المزمنة في الموازنة العامة التي تعاني من ارتفاع النفقات التشغيلية مقارنة بالنفقات الاستثمارية.
كما أن التوسع في رقمنة الجباية وتطوير الإيرادات غير النفطية يمثل خطوة مهمة نحو توسيع القاعدة المالية للدولة وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر شبه وحيد للإيرادات.
مصرفياً
ومن النقاط اللافتة في المنهاج الاهتمام بإصلاح القطاع المصرفي الحكومي والخاص وفق المعايير الدولية.
لان النظام المصرفي العراقي ما زال يعاني من ضعف الكفاءة وانخفاض مستويات الشمول المالي وتواضع دوره في تمويل التنمية والاستثمار.
لذلك فإن أي إصلاح اقتصادي حقيقي لن يكون ممكناً من دون تطوير القطاع المصرفي وتحويله من مجرد وسيط مالي محدود النشاط إلى محرك رئيس لتمويل المشاريع والاستثمارات المنتجة.
القطاع الخاص
يتضمن المنهاج توجهاً واضحاً نحو تمكين القطاع الخاص وجعله محركاً للنمو الاقتصادي والتشغيل.
هذه الرؤية تتوافق مع الاتجاهات الحديثة في التنمية الاقتصادية، حيث لم يعد ممكناً الاعتماد على القطاع العام وحده في توفير فرص العمل واستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
إلا أن نجاح هذا التوجه يتطلب إصلاح البيئة التشريعية والقانونية وتحسين مناخ الأعمال وتقليل البيروقراطية والفساد الإداري، وهي عوامل ما زالت تشكل تحديات حقيقية أمام المستثمرين المحليين والأجانب.
استثمارياً
يطرح المنهاج إجراءات إيجابية مثل تفعيل النافذة الواحدة وتأسيس مجلس أعلى للاستثمار وإعادة بناء فلسفة جذب الاستثمار الأجنبي المباشر.
تمثل هذه الخطوات محاولة لمعالجة واحدة من أبرز نقاط الضعف في الاقتصاد العراقي، وهي ضعف تدفقات الاستثمار المنتج مقارنة بحجم الموارد والإمكانات المتاحة.
غير أن جذب الاستثمار لا يعتمد فقط على القوانين والمؤسسات، بل يرتبط أيضاً بعوامل الاستقرار السياسي والأمني والقضائي، فضلاً عن توفر البنى التحتية والخدمات الأساسية.
صندوق الاجبال
ومن الجوانب المهمة التي تضمنها المنهاج اقتراح تأسيس "صندوق الأجيال".
تعد هذه الخطوة من الأدوات الحديثة في إدارة الثروات الطبيعية، إذ تهدف إلى تحويل جزء من الإيرادات النفطية إلى أصول واستثمارات طويلة الأجل تحفظ حقوق الأجيال القادمة.
يعكس هذا التوجه فهماً متقدماً لمفهوم الاستدامة المالية، خصوصاً في ظل التوجهات العالمية نحو التحول الطاقوي واحتمال تراجع الاعتماد على الوقود الأحفوري مستقبلاً.
طاقوياً
يبدو أن المنهاج ينطلق من تشخيص واقعي للأزمة المزمنة التي يعاني منها العراق في ملف الكهرباء.
فالتركيز على إصلاح منظومات الإنتاج والنقل والتوزيع، وتطوير إنتاج الغاز المحلي، وتقليل حرق الغاز المصاحب، يمثل توجهاً اقتصادياً مهماً، لأن العراق يخسر سنوياً موارد مالية كبيرة نتيجة استيراد الطاقة والغاز من الخارج.
كما أن الاستثمار في الغاز والصناعات البتروكيمياوية يتيح للعراق الانتقال من تصدير المواد الخام إلى إنتاج سلاسل قيمة مضافة تحقق إيرادات وفرص عمل أكبر.
صناعياً
يركز المنهاج على دعم الصناعات الاستراتيجية وحماية المنتج المحلي وتطوير المدن الصناعية ومحاربة الإغراق السلعي.
وتأتي أهمية هذه الإجراءات من حقيقة أن مساهمة الصناعة في الناتج المحلي العراقي ما زالت دون الإمكانات المتاحة.
كما أن تعزيز التصنيع المحلي يمكن أن يسهم في تخفيض الاستيراد وتحسين الميزان التجاري وتوفير فرص العمل، خصوصاً للشباب.
زراعياً
يربط المنهاج بين الأمن الغذائي والأمن المائي، وهو ربط منطقي في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه العراق بسبب تغير المناخ وتراجع الإطلاقات المائية من دول المنبع.
كما أن التركيز على التقنيات الحديثة والاستثمارات الزراعية وتطوير الإنتاج الحيواني يعكس فهماً لأهمية القطاع الزراعي ليس فقط كمصدر للغذاء، بل أيضاً كقطاع اقتصادي قادر على خلق فرص العمل وتقليل الاستيراد.
مؤسسياً
يحسب للمنهاج تركيزه على الحوكمة والتحول الرقمي ومكافحة الفساد.
إذ ان التجارب الدولية أثبتت أن تنمية الاقتصاد لا تعتمد على حجم الموارد فقط، بل على كفاءة المؤسسات وقدرتها على إدارة تلك الموارد.
لان تعزيز الشفافية والرقابة والتحول الرقمي يمثل شرطاً أساسياً لتحسين كفاءة الإنفاق العام ورفع ثقة المستثمرين والمواطنين بالدولة.
نقاط الضعف
ورغم ما يتضمنه المنهاج من نقاط قوة، فإنه يواجه مجموعة من التحديات.
إذ ان معظم الأهداف الواردة فيه تتسم بالطابع الاستراتيجي العام، بينما تفتقر إلى مؤشرات كمية محددة يمكن من خلالها قياس النجاح أو الفشل.
كما أن العديد من الإصلاحات المقترحة تحتاج إلى توافقات سياسية واسعة وإرادة تنفيذية قوية واستقرار تشريعي ومؤسسي قد لا يكون متاحاً بالدرجة المطلوبة.
وفي المحصلة، يقدم المنهاج الوزاري لحكومة الزيدي رؤية اقتصادية أقرب إلى برامج التحول الهيكلي منها إلى برامج الإدارة اليومية للاقتصاد.
فهو يضع التنويع الاقتصادي والإصلاح المالي وتمكين القطاع الخاص والطاقة والصناعة والزراعة في قلب العملية التنموية.
إلا أن نجاح هذه الرؤية سيعتمد على قدرة الحكومة على تحويل المبادئ العامة إلى سياسات تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس ومشاريع واقعية ذات أثر ملموس على حياة المواطنين.
ولذلك يمكن القول إن التحدي الحقيقي أمام الحكومة لا يكمن في صياغة الرؤية الاقتصادية، بل في القدرة على تنفيذها وتحويلها من وثيقة سياسية إلى نتائج اقتصادية ملموسة تدعم النمو والتنمية والسيادة الاقتصادية للعراق.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!