التداعيات الاقتصادية للصراع في مضيق هرمز: هل من مسارات بديلة للعراق؟

التداعيات الاقتصادية للصراع في مضيق هرمز: هل من مسارات بديلة للعراق؟

شهدت الحرب بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وايران من جهة اخرى تحولا كبيرا بعد ان وظفت ايران ، وبفعل قوتها الصاروخية والطائرات المسيرة، مضيق هرمز جيو-اقتصاديا لتحقيق اهداف سياسية، ولمزيد من الضغط على النظام الاقتصادي العالمي وبالتالي الولايات المتحدة الاميركية وتحميلها مسؤولية الحرب ودفعها لمواجهة ضغوط دولية متعددة.

وعلى الرغم من ان المنطقة تشهد صراعات واحداث وتطورات امنية متنوعة، الا انها لم تصل الى مرحلة التهديد الذي يعيشه النظام الاقتصادي الدولي وحركة التجارة الدولية وانعكاسات ذلك على اسعار السلع ولا سيما النفط والطاقة والسلع الزراعية والغذائية، اذ تمر عبر المضيق حوالي 20بالمئة من الاسمدة التي تستخدم في الزراعة. 

حالة الصراع الاخيرة كشفت عن فجوات كبيرة في البنية التحتية لتصدير النفط والغاز لكثير من دول المنطقة ومنها العراق، ولم تفكر او تنجح دول المنطقة، عدا العربية السعودية (ميناء ينبع على البحر الاحمر) والامارات نسبيا (ميناء الفجيرة)، والعراق وبشكل متقطع وعليه اشكالات كبيرة ( التصدير عبر انبوب النفط الى ميناء جيهان التركي )، في ايجاد منافذ فعالة اخرى لتصدير النفط والغاز. 

 وبالرغم من ذلك ، ذكرت وكالة بلومبيرغ Bloomberg News بأن المملكة العربية السعودية قد أبلغت منظمة "أوبك" بأن إنتاجها من النفط الخام قد شهد تراجعاً حاداً إضافياً خلال شهر نيسان الماضي، ليصل الى أدنى مستوياته منذ عام 1990؛ وذلك في ظل تعطل الصادرات النفطية من منطقة الخليج العربي جراء الحرب الدائرة مع إيران وغلق مضيق هرمز.

وأبلغت السعودية منظمة أوبك أن حجم الإنتاج قد انخفض بمقدار 651 ألف برميل يومياً إضافية خلال شهر نيسان، ليستقر عند مستوى 6.316 مليون برميل يومياً؛ وذلك وفقاً لتقرير شهري صادر عن الأمانة العامة لمنظمة "أوبك"، حصلت وكالة "بلومبرغ" على نسخة منه، بينما كانت السعودية تصدر بحدود 10 مليون برميل يومياً قبل اندلاع الحرب على إيران.

وتتفاوت طبيعة وحجم الآثار بشكل ملحوظ بين البلدان، ويتحدد ذلك بمدى قربها من الصراع وبدرجة تعرض قنواتها الاقتصادية للتعطيل او التدمير. وتقع ايران والعراق ولبنان ودول مجلس التعاون الخليجي في بؤرة هذا الصراع. وتعد هذه الاقتصادات الاكثر تأثرا بحكم موقعها الجغرافي، اذ قيد اغلاق مضيق هرمز حرجة التجارة البحرية، الى جانب الاضرار التي لحقت بالإنتاج والبنية التحتية المدنية.

بالنسبة للعراق ودول مجلس التعاون الخليجي، يتمثل الاثر الاقتصادي المباشر والفوري للإغلاق الفعلي لمضيق هرمز امام حركة الملاحة الدولية، وهو ما ادى الى تعطل صادرات النفط والغاز. ومع الامتلاء المتسارع للطاقة التخزينية، اضطرت منشآت الانتاج الى التوقف عن العمل ، فيما لحقت اضرار بعدد كبير منها. ,تسهم هذه الاضطرابات المضاعفة الى انكماش كبير في انتاج الهيدروكربونات. 

ويكشف الصراع الحالي عن مواطن ضعف وخلل في الاقتصاد العراقي، من بينها الاعتماد بشدة على طريق واحد للتصدير . وتشكل الجغرافيا جزءا من المعوقات، وكذلك عدم كفاءة البنية التحتية. اذ انه حتى قبل الصراع ، كان خط الانابيب العراقي الى تركيا يعاني من التردي والنزاعات السياسية ولم يكن قادرا على الا على التعامل مع جزء ضئيل من طاقته المصممة.

إن اعتماد العراق على صادرات النفط عبر مضيق هرمز – الذي يواجه عقبات كبيرة في المرور والملاحة - قد يؤدي الى كارثة مالية لبغداد، التي لديها خيارات محدودة لتجنب الأزمة.  

يمر عبر مضيق هرمز عادةً أكثر من 94% من صادرات النفط العراقية. ونتيجةً لإغلاق هذا الممر المائي الاستراتيجي والهجمات التي شُنت على البنية التحتية النفطية العراقية، انخفض إنتاج النفط في الحقول الجنوبية بنحو 80% في آذار الماضي، من متوسط 4.3 مليون برميل يومياً قبل الحرب الى 800 ألف برميل يومياً في ذلك الشهر. وارتفع الإنتاج الى 1.5 مليون برميل يومياً، وفقاً لما صرّح به نائب وزير النفط العراقي، باسم محمد، في 2 /أيار. والى جانب القيود المفروضة على الصادرات والتي أجبرت على خفض الإنتاج، اختارت بعض المنشآت العراقية إيقاف تشغيلها احترازياً بسبب التهديدات أو الأضرار الناجمة عن هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ.

بعد هجوم إيراني على ناقلتين لنقل النفط العراقي في 12/ آذار، قرر العراق أن الصادرات البحرية غير آمنة، فأوقفت عمليات منصات النفط في الجنوب المطلة على الخليج العربي. ولم يستأنف العراق الصادرات من محطة البصرة الجنوبية إلا في 17/ نيسان، على الرغم من تصريح مقر قيادة العمليات للقوات المسلحة الايرانية خاتم الأنبياء في 4/ نيسان، بأن العراق مستثنى ن أي قيود على عبور مضيق هرمز. ووصلت ناقلة النفط "أجيوس فانوريوس 1"، التي ترفع علم مالطا، الى البصرة في 17/نيسان لتحميل النفط الخام من حقول العراق الجنوبية، بعد أن منعت إيران السفينة من عبور المضيق في وقت سابق من ذلك الشهر. ومع ذلك، ووفقًا لبيانات نظام التعريف الآلي (AIS)، بقيت السفينة عالقة لايم عدة في الخليج العربي، قبيل مضيق هرمز. فضلا عن ذلك، وصلت ناقلة النفط "هيلغا" التي ترفع علم جزر القمر الى البصرة في 24 /نيسان. ويبدو أن السفينة قد غادرت مضيق هرمز في نهاية شهر نيسان أو بداية شهر آيار. واعلن العراق انه صدر خلال شهر آيار الماضي حوالي عشرة ملايين برميل بعد ان كان يصدر ما يزيد عن 90 مليون برميل شهريا. 

ولا يزال عدم الاستقرار الإقليمي يُعقّد قدرة العراق على تصدير النفط، ولا سيما وأن البلاد تفتقر الى أسطولها الخاص وتعتمد على ناقلات نفط أجنبية، والتي تتخوف من الهجمات الأمنية وتكاليف التأمين. وفي 18 /نيسان، أعلنت وزارة النفط العراقية استئناف الإنتاج في جميع الحقول، لكن من غير الواضح ما إذا كانت طاقة التصدير ستكون كافية لاستيعاب هذا الإنتاج. وكرر محمد في 2 /أيار: " أن إنتاج النفط وتصديره قد يعودان إلى مستوياتهما الطبيعية في غضون أسبوع من انتهاء النزاع، إلا أن الأضرار الناجمة عن الهجمات وتداعيات إيقاف الإنتاج قد تُعيق هذه العودة السريعة".

ومع استئناف تصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي ، الا ان المؤشرات تؤكد ان الانتاج المصدر اقل بكثير عن حجم الصادرات اليومية خلال المدة السابقة للحرب. ففي 19 /آذار، أعلن العراق أنه بدأ تصدير النفط عبر خط أنابيب يمتد من كركوك شمال العراق الى ميناء جيهان التركي على البحر الأبيض المتوسط، بطاقة أولية تبلغ 250 ألف برميل يومياً. مع ذلك، بلغت الصادرات عبر هذا المسار في أوائل أيار حوالي 200 ألف برميل يوميًا. ويأمل العراق في زيادة صادراته عبر هذا المسار إلى 650 ألف برميل يوميًا، منها 250 ألف برميل يوميًا من الحقول الشمالية و400 ألف برميل يوميًا من حقول إقليم كردستان. ومع ذلك، سيظل هذا الإجمالي أقل بكثير من متوسط حجم الصادرات اليومية للعراق البالغ 3.45 مليون برميل في عام 2025.

كذلك تكيف العراق مع أزمة مضيق هرمز بتصدير النفط الخام عبر شاحنات (صهاريج) عبر سوريا. اذ وافقت الشركة العامة لتسويق النفط العراقية (سومو) على تصدير 650 ألف طن متري من النفط شهريًا من نيسان الى حزيران عبر سوريا. ويعادل هذا الإجمالي حوالي 4.2 مليون برميل شهريًا، وهو ما يعادل إنتاج العراق في يوم واحد تقريبا قبل الحرب. ففي الأول من نيسان الماضي، دخلت 299 شاحنة الأراضي السورية عبر معبر التنف/الوليد الحدودي من محافظة الأنبار غرب العراق، متجهةً الى ميناء بانياس على ساحل سوريا المطل على البحر الأبيض المتوسط. وتبلغ الصادرات البرية الأولية حوالي 10,000 الى 15,000 برميل يومياً. وصرح مدير مديرية الرطبة في الأنبار، لشبكة روداو الإعلامية، بأن ما بين 500 و700 ناقلة نفط كانت تعبر معبر التنف/الوليد يوميًا في منتصف نيسان. إلا أن ميناء بانياس السوري لا يستطيع استيعاب سوى 300 ناقلة، أي ما يقل قليلًا عن 60 ألف برميل يوميًا. وقد أضاف افتتاح معبر اليعربية/الرابعة بين العراق وسوريا في محافظة نينوى شمال العراق في 20 نيسان منفذًا تصديرياً إضافيًا. ويواجه تصدير النفط عبر سوريا تأخيرات إدارية ولوجستية في كل من الموانئ والمعابر الحدودية، فضلاً عن ضرورة معالجة المخاوف الأمنية أثناء النقل. 

هل من مسارات بديلة؟

الحكومة العراقية امام تحدي استراتيجي مهم، اذ ليس من المنتظر في المستقبل القريب او المتوسط ان تتغير اتجاهات وفلسفة وبنية الموازنة العامة في العراق لتستغني عن ايرادات النفط كإيرادات رئيسة (اكثر من 92 %) في الموازنة حتى لو بدأت الخطوات العملية والسياساتية لتحقيق ذلك الآن. كما من غير المتوقع ان يقود اي اتفاق بين ايران والولايات المتحدة الى انهاء اي تهديدات لحركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز. ولهذا، فأن التحدي الابرز هو ايجاد مسارات بديلة:

المسار الاول: هو تصدير النفط عبر خط الانابيب الى ميناء جيهان التركي، الامر الذي يتطلب من الحكومة الجديدة وحكومة الاقليم ايجاد آلية عملية واقعية تستند على اطر قانونية وتنظيمية وعلى رأسها قانون النفط والغاز الاتحادي. ومن ثم اعادة احياء الاتفاق بين بغداد وانقرة لتصدير النفط وفق صيغ تجارية اوسع بين البلدين. 

المسار الثاني: مع دخول العلاقات العراقية السعودية منحدرا خطيرا عقب استهداف العربية السعودية بعشرات المسيرات والصواريخ من الاراضي العراقية من قبل ما تسمى " فصائل المقاومة" في الحرب الاخيرة بين الولايات المتحدة واسرائيل من جانب واسرائيل من جانب اخر، الا ان الموقف الرسمي للعراق الرافض لهذه الهجمات ربما يمهد الطريق لتصحيح المسار واعادة الحياة الى العلاقات بين البلدين بعد ضمان عدم تكرار تلك الهجمات.

بعد ذلك، بإمكان الحكومة الجديدة التواصل مع الرياض واعادة تفعيل مجلس التنسيق الاقتصادي العراقي السعودي الذي تشكل بعد هزيمة داعش في العام 2018 – الاطار الجديد الناظم للعلاقات بين البلدين بعد اكثر من عقدين ونصف من التباعد - والذي حققت فيه بعض المنجزات مثل تبادل تجاري بسيط للسلع الغذائية والزراعية بين البلدين، فضلا عن اعادة اعمار منفذ عرعر الحدودي بتمويل سعودي. كما بالإمكان تضمين هذا المجلس احياء الخط الاستراتيجي الناقل للنفط الخام العراقي من جنوب البلاد الى البحر الحمر عبر الموانئ السعودية.

أ. د. حسين أحمد السرحان

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!