ازدواجية السلطة في العراق: مقاربة في إشكاليات تشكيل الحكومة

ازدواجية السلطة في العراق: مقاربة في إشكاليات تشكيل الحكومة

عقد مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية يوم السبت الموافق 9/5/2026 حلقته النقاشية الشهرية، في ملتقى النبأ الأسبوعي الكائن بمقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام، حيث قدم الدكتور حسين السرحان الباحث في مركز الفرات، ورقة بحثية حملت عنوان (ازدواجية السلطة في العراق: مقاربة في إشكاليات تشكيل الحكومة الجديدة)، وقد حضر هذه الجلسة نخبة من المفكرين والكتاب والأكاديميين ومدراء المراكز البحثية، وشاركوا فيها عبر مداخلات ومناقشات أثرت هذه الورقة التي جاء فيها:

 قبل كل شيء لابد أن ننحى منحى علمي أو بحثي حيث تبدو هناك أهمية كبيرة لهذا الموضوع، وما هي الأسباب التي دعتنا لمناقشته، فكل المظاهر السياسية التي نعيشها هي مظاهر فيها إشكالات وعليها ملاحظات كثيرة وكارثية في نفس الوقت، منها التدخلات الخارجية التي تأتي من خارج الحدود، ومنها المحاصصة وغيرها، وكل هذه المظاهر التي نلاحظها هي ليست إشكاليات حقيقية في بنية النظام، وإنما هي من وجهة نظري نتاجات لاختلالات هيكلية في البنية الاجتماعية والبنية السياسية في العراق.

هذه الأهمية تجعلنا نتساءل كيف يكون هذا الشيء لذلك نطرح إشكالية العنوان، فنحن في الدولة العراقية لدينا مؤسسات، ولدينا نظام دستوري قانوني، نعم توجد هناك ملاحظات، وكل الأنظمة والدول عليها ملاحظات، لكن مع كل ذلك لازالت الاختلالات الهيكلية تبين لنا في كل دورة انتخابية مظاهر سياسية جديدة وغريبة تعمق وترسخ هذه الاختلالات الهيكلية، والسؤال هو لماذا يحدث ذلك؟، هذا هو السؤال المهم.

لنفترض ان هناك مجموعة إشكاليات اجتماعية واقتصادية قادت إلى ما يُعرف اليوم في الحالة العراقية بموضوع ازدواجية السلطة، لنأت الآن إلى الإشكالات الاجتماعية التي يشير لها الكتاب والمتابعين لموضوع الاجتماع السياسي، طبعا هذه الاختلالات كبيرة جدا، وقبل أن نبحث في هذه الاختلالات، دعونا نقف عند مجموعة المفاهيم الأساسية بشكل واقعي فيما يخص الحالة العراقية، بداية لنفهم ما هي الدولة؟

فهل لدينا إشكالية معينة في نظرتنا للدولة، أو في انتمائنا للدولة، إذا استطعنا أن نحلّ هذه الإشكالية، وإذا استطعنا أن نصل إلى مفهوم واضح للدولة، أعتقد أن كثيرا من هذه المظاهر سوف نتجاوزها، فالدولة كما يعرّفها المختصون بالقانون الدولي والعلوم السياسية والعلاقات الدولية، هي تنظيم أو هي كيان قانوني وسياسي منظّم، فيه مجموعة أفراد يعيشون في كيان جغرافي معين، وهؤلاء الأفراد وهنا لا أريد أن أدخل في نظريات الدولة، ولنذهب إلى نظرية العقد الاجتماعي باعتبار أن تجلياتها لازالت موجودة إلى الآن.

هؤلاء الأفراد اختاروا تكوين سلطة أو نظاما سياسيا ليدير شؤونهم وخولوه بشكل كامل، هذا وفق نظرية العقد الاجتماعي لجان جاك روسو وهوبز، والآن نأتي إلى هذه الدولة، إذن هي تنظيم سياسي، وهي كيان سياسي قانوني منظم يضم مجموعة من الأفراد، قد يكون هؤلاء الأفراد من اثنيات وتسميات متعددة وربما من أديان متعددة أو لهم دين واحد فيه طوائف متعددة، وطبعا كل أو أغلب الدول في العالم توجد فيها هذه التعددية، من قوميات متعددة ومن أديان متعددة، دين واحد وطوائف متعددة.

وكل أو أغلب الدول في العالم توجد فيها هذه التعددية، ومن هذه التعددية انبثقت لنا تعدديات سياسية، وبالنتيجة انبثقت منها تعدديات حزبية، قد يقول أحدهم هل الكيان الإسرائيلي دولة وفيها تعددية، نعم لا توجد فيها تعددية ولكن هناك تيارات يهودية متشددة وهناك تيارات دينية معتدلة، القصد من كلامنا هذا أن التعددية موجودة، وقد تكون تعددية عرقية أو اثنية أو دينية أو طائفة، فهي موجودة، وتكون مصدر قوة إذا ما تم توظيفها اجتماعيا بشكل قوي.

نأتي إلى مفهوم آخر يتعلق بمفهوم النظام السياسي، وهنا أريد أن أقف عند الحالة العراقية، فما هو النظام السياسي في العراق وهل لدى العراق نظام سياسي أو مسمّى آخر؟، لأن النظام السياسي يختلف عن الدولة وعن الحكومة والمجتمع، الدولة هي المعنية والذي يؤسس لفلسفة الدولة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا هو النظام السياسي ومتبنياته الفكرية عناصره وإطاره العام.

فما هي عناصر هذا النظام السياسي؟

إن أبرز عنصر من عناصر النظام هو الأحزاب، ولكن هل لدينا في العراق أحزاب يمكن أن نسميها سياسية؟، بصراحة ومن وجهة نظر بسيطة ومتواضعة جدا، لا يمكن أن نوصف النظام السياسي بشكله الدقيق إذا نطلقه على الحالة العراقية، لماذا؟، لأن النظام السياسي وهذا التنظيم فيه نوع من التماسك ويُدار وفق قواعد وأطر قانونية وتنظيمية معينة.

ومن يدير ويتحكم بهذه الأطر القانونية والتنظيمية هم العناصر التي تتمثل بالأحزاب السياسية والمؤسسات، حاليا في الحالة العراقية الأحزاب الموجودة هي ليست أحزاب سياسية، إلا ما ندر خصوصا أحزاب الإسلام السياسي السنية والشيعية، وحتى الأحزاب القومية الكردية ليست سياسية، بل عبارة عن مجموعات تبحث عن فساد داخل الدولة، لا تريد أن تبني دولة، بل هدفها أن تصل إلى السلطة وهذا شيء مشروع ولا مشكلة فيه، ولكن إدارتها للدولة وتعاملها مع هذا الكيان على أنه غنيمة وتحاصص وهذه مشكلة كبيرة.

إن هذا الموضوع أعمق من استحقاقات وطنية وتشكيل حكومة، بل هذه القضية كبيرة جدا، من المؤسف أننا بعد ست دورات انتخابية تجد رؤساء أحزاب سياسية عريقة معارضة تمكنت من استلام السلطة في العراق لكنها تبحث عن نقاط، أما العدالة والهيئات العامة المستقلة صارت عليها نقاط وليس كالسابق من دون نقاط، أي حالها حال الوزارات، الآن رئيس الوزراء المكلف يقول حتى الهيئات يجب أن تكون لها نقاط أيضا، بصراحة هذا الطرح مقزز ومقرف ويدلل على إشكاليات راسخة في بنية هذا النظام.

لنبحث في هذه الإشكاليات لكي نصل إلى ازدواجية السلطة وهذا هو الإطار العام، فما نعيشه حاليا هو ازدواجية السلطة، التي تأتي من السلطة السياسية، أو من سلطة دينية، أو جماعات لديها سلاح، وكل هذه عبارة عن سلطات في الدولة العراقية أو في الحالة العراقية، فكل هذه السلطات متعارضة ومتداخلة، تتفق في جانب وتختلف في جوانب أخرى، رغم الإطار التنظيمي والقانوني في دستور 2005 والقوانين والأطر القانونية الموجودة هي جيدة، وهذه هي إشكاليتها بصراحة، أو إشكالية الموضوع.

نأتي إلى الإشكاليات الاجتماعية الراسخة في هذا النظام، واحدة من هذه الإشكاليات، نحن بعد 2003، يفترض أي تغيير سياسي هو نتاج لتغيير اجتماعي، أليس كلك؟، وأي تغيير اقتصادي لابد أن يستجيب لمتطلبات التغيير الاجتماعي وأهدافه، وكذلك التغيير الثقافي وغيره، المشكلة أن التغيير الاجتماعي بعد 2003 لم يحدث بشكل متدرج، ولم تكن لدينا أطر فكرية تنظيمية معينة ولا كانت لدينا إدارة دولة فاهمة ومستوعبة ومدركة لأهمية إدارة التغيير الاجتماعي والأخذ به من حالة الصراع وانعدام الثقة إلى بناء الثقة والترابط الاجتماعي.

وقد يقول قائل إن كثيرا من الدول حدث فيها تغيير سياسي مباشرة وشكلت حكومات، ولكن الحالة هنا اعتقد هي مختلفة بشكل كبير، أي يكمن الاختلاف، يكمن في طريقة الفهم للدولة، فهذه الإشكاليات التي صاحبت التغيير الاجتماعي لم تكن تتأسس على أطر قانونية معينة، أو على هوياتية معينة كأن تكون هوية وطنية، وهناك إشكاليتان في هذا الجانب:

الإشكالية الأولى: ضعف ووهن كبير في الترابط الاجتماعي، بين المكونات وهذا الضعف في الترابط الاجتماعي، أبرز تجلياته انعدام الثقة بين الأحزاب، وتولدت مخاوف كثيرة، وهذه المخاوف انتقلت إلى مناطق أبعد، وهي مخاوف على مستوى الأحزاب، فهناك تناحر وفقدان ثقة ومخاوف حتة وصل الأمر إلى حد التهديد بالسلاح، وهذا شيء غير طبيعي، وهو الذي جاء نتيجة للتغيير الاجتماعي غير المنضبط، هذا ما تسبب به غياب الترابط الاجتماعي  

الإشكالية الثانية: مشكلة إدارة التنوع، نحن يوجد لدينا تنوع وهذا التنوع يجب أن يُدار على أساس المصالح الوطنية للدولة، بمعنى إن كل المكونات وكل عناصر هذا التنوع يجب أن يدعم الدولة ومصالحها ومصالح الأفراد، وبالتالي يكون انتماؤنا وهويتنا للوطن، هذه المشكلة وهذه الإشكالية في التنوع المجتمعي، قادتنا إلى إشكاليات عديدة، واحدة منها موضوع الفساد وتأسست على انعدام الثقة وأسسنا ذلك على أسس خاطئة جدا.

أسسنا نظام انتخابي بُنيَ على أساس القائمة المغلقة، ولا زلنا حتى الآن نعاني من أصوات تدعو للعودة إلى القائمة المغلقة، وبعضهم يطالب بالقائمة المغلقة والقائمة المفتوحة، وهذا الطرح يحاول أن يدفع بنا نحو نفس الإشكاليات القديمة، كذلك توجد لدينا إشكالية مواطنة، وحدثت بسبب انعدام الثقة وضعف الترابط الاجتماعي، والخلل الكبير في إدارة التنوع الاجتماعي، أدى ذلك إلى الانتماء للطائفة وانتماء للمكون وانتماء للحزب.

حتى في داخل هذه الأحزاب نلاحظ وجود أجنحة، وهناك اجنحة متضارب تخرج منها تصريحات متضاربة من هنا وهناك، والإشكالية الأخرى موضوع التعارض والتصادم بين الهويات الفرعية والهوية الوطنية، وهذا بصراحة يمثل مشكلة كبيرة فنحن اليوم بغض النطر عن كون هذه الهوية قومية او دينية، او طائفية من عدة طوائف صار هنا سعي لبعض القوى وبعض القنوات والنشاطات والفعاليات الاجتماعية ذهبت باتجاه ترسيخ الهوية الطائفية حتى داخل الدين الواحد، وذهبت باتجاه ترسيخ الهوية القومية.

كذلك ذهبت باتجاه تعبئة الرأي العام وتحشيده باتجاه الخوف من الآخر، واستحضار الماضي حتى القريب [ان الآخر فعل بنا كذا وكذا، وهذا لا يزال موجودا حتى الآن، ولنضرب مثالا حول وجود التحالف الاستراتيجي بين القوى الشيعية والقوى الكردية، هذا التحالف الاستراتيجي أنتج لنا مثلا حكومة 2010، وكان فيها تجاوز على مصالح جهة معينة ولا زلنا نعاني من هذه الحالة، فما هو مصير وواقع أو مستقبل هذا التحالف الشيعي الكردي، كلا الطرفين تعاونا في انتخاب رئيس الجمهورية مؤخرا، وحدث تجاوز كبير على هذا التحالف.

إذن يوجد لدينا هويات فرعية محل اعتزاز ومحل احترام، لكن لا يمكن مهما كانت أهمية ووة الهوية الفرعية، لا يمكن أن تعلو على الهوية الوطنية أو هوية الدولة، فالهوية الجامعة هي هويتنا جميعا، نحن جميعا موظفين وأفراد في هذه الدولة أو النظام أو الكيان العام، وهو الكيان والقانون السياسي المنظّم، نحن جميعا موجودون فيه، شيعة وسنة وأكراد ومسيحيين كاثوليك أو غيرهم، فنحن جميعا يجمعنا هذا الإطار بغض النظر عن هويتنا الفرعية.

الذي حدث هو العكس تماما، فكثير من الشخصيات حاليا حتى على مستوى مجلس النواب للأسف، في بعض طروحاتهم في الإعلام هم يتغنون بالهويات الفرعية، ولا زالوا بعدين عن الهوية الوطنية، وعندما تقول له هذه هويتك الوطنية، يقول لك كلا، لاحظ الكردي كيف يتكلم عن هويته الفرعية وكذلك السني، لذلك هذه مشكلة عميقة حيث توجد لدينا اختلالات في موضوع الهويات ولذلك وصلنا إلى مرحلة أن العقيدة أو المذهب أهم من الدولة.

إن الانتماء للدين موجود وكذلك الانتماء للمذهب، وللطائفة أو للقومية هو موجود في كل الأحوال لكن حين ارتضيت لنفسك ان تندمج مع مكونات أخرى وهويات دينية وقومية أخرى في إطار هذا الكيان القانوني المنظم فيجب أن يكون هو الهوية الأساس، وبعد ذلك تأتي الهوية الخاصة بك وهي محل اعتزاز واحترام وليس فيها أي إشكال، لكن لا يمكن أن تُبنى الدول وتُدار مؤسسات الدولة والنظام السياسي على أساس المصالح المذهبية والطائفية والقومية والدينية، لا يمكن أن تبنى الدول في هذا الإطار.

قبل فترة كان لقاء في الجامعة ضمن حلقة صغيرة لما جاء الحديث عن ما يسمى بالحاكمية الشيعية، نحن لم نلاحظ أيران خلال أيام الحرب الراهنة حتى الإيرانيين أنفسهم لم يتكلموا بالطائفية، ولا بالحاكمية الشيعية ولا بأي هوية فرعية أبدا، وحتى المتشددين داخل النظام الحاكم في إيران لا يتكلمون بالعقائد وإنما بالدولة الإيرانية، وبالمصالح الوطنية، ويقولون نحن لا نهزَم لا أمام أمريكا ولا غيرها، ولم يتغنوا بهويتهم الدينية.

هذه الإشكاليات في التغيير الاجتماعي وإدارة التنوع، قادتنا إلى إشكاليا هي موجودة أصلا، والموضوع هو ريعية الاقتصاد، بصراحة ريعية الاقتصاد جعلنا ننظر إلى الدولة على أنه نظام معين مهمته يبيع النفط ويوزع الرواتب، أما انتماؤنا للدولة، فنحن ننتمي لها في حالة وجود مصلحة لنا معها، وهذه مشكلة معقدة حاليا يعيشها العراق وأيضا لبنان واليمن ودول عديدة في أوربا في أزمات قديمة عاشت هذه الإشكالية.

يفترض نحن عندما نتغنى بهويتنا العقائدية نتغنى بها ونستعرضها ونفتخر بها لما تكون وسيلة وطريق للاهتمام بهوية وطنية تقودنا إلى مصالح وطنية، ولهذا كل هذه الإشكاليات أفرزت لنا قضية ازدواجية السلطة في العراق، وهذا هو موضوع ازدواجية السلطة، لا يمكن أن يُرفع علمان في نفس البلد، ولا يمكن أن تكون هناك سلطة لأحزاب أعلى من سلطة الدولة أو مجاميع أعلى من سلطة الدول، لذا يجب أن تسير الدولة بكاملها وفقا لمصالح هذه الجماعات ويمكن أن نعطل تشكيل الحكومة سنة أو سنتين إلى أن تتحقق مصالحهم، ولاحظنا ذلك في لبنان تأخر انتخاب رئيس الجمهورية لمدة سنتين، وكذل لك في العراق كما حصل مع حكومة السوداني وحتى التأخير حصل في الحكومة الحالية هي تسير على حقل ألغام فيما يخص المصالح السياسية المتعارضة.

ونلاحظ هناك تصريحات الآن تدل على أن رئيس الوزراء مكبل باتجاه مكون معين سياسي او برلماني او غيره، ورئيس الوزراء القادم إذا أراد ان يعمل اصلاح اقتصادي او سياسي على مستوى الدولة لا يمكن ان يحظى بتأييد نيابي.


وفي ختام قراءة الورقة البحثية طرح الباحث على الحاضرين سؤالين هما:

س1: كيف يمكن تجاوز إشكالية ازدواجية السلطة في العراق؟

س2: ما هي التحديات التي تواجه الحكومة العراقية في ظل المعادلة الإقليمية الجديدة، وكيف يمكن مواجهتها؟


المداخلات

الأستاذ أوس ستار الغانمي إعلامي وكاتب في شبكة النبأ المعلوماتية.

مشكلة ازدواجية السلطة في العراق تبدأ عندما يكون القرار موزعا بين أكثر من جهة، فتضعف قضية المسؤولية أمام الناس، تجاوز هذه المشكلة يحتاج إلى اتفاق بين الجميع على أن الدولة هي المرجع في اتخاذ القرار السياسي والأمني، مع تقوية المؤسسات وتطبيق قاعدة القانون فوق الجميع، من دون استثناء أي جهة.

فعندما تكون الصلاحيات واضحة يصبح اتخاذ القرار أكثر استقرارا، أما بالنسبة للتحديات التي تواجه الحكومة اليوم، فهي تتعلق بالتغييرات الإقليمية، والطموحات السياسية والاقتصادية داخل البلد، فالعراق مطالب بأن يحافظ على توازن علاقاته الخارجية من دون أن يتحول إلى ساحة للصراعات، وفي نفس الوقت يجب أن يعالج الملفات الداخلية، التي تمس حياة المواطن في الخدمات والاقتصاد والاستقرار. قوة العراق اليوم في هذه المرحلة تعتمد على وحدة الموقف الداخلي، لأن الدولة في هذه الحالة ستكون قوية من الداخل، وتكون أقدر على حماية مصالحها.


الأستاذ الدكتور خالد العرداوي مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

اليوم لو أننا نظرنا إلى الدولة العراقية وقرأنا وضعها الحالي، هل العراق دولة أم ليس دولة؟، من الناحية الشكلية وتبعا للقانون والنظم السياسية يعد العراق دولة كاملة الأركان، فهنالك شعب وهنالك إقليم جغرافي وهنالك سلطة سياسية تدير هذا الإقليم الجغرافي، وبالنتيجة الإطار الشكلي للدولة هو موجود، وهناك اعتراف دولي بهذه الدولة، وهي دولة غير خاضعة للاحتلال، ويفترض أن تملي أفعالها بإرادتها الحرة، سواء في إدارة شؤونها الداخلية أو الخارجية.

لربما الشيء الذي تفتقر له الدولة العراقية الحالية، هي في إطارها القانوني دولة، ولكنها ليست دولة حديثة، وليست دولة قانون ومؤسسات، الفرق بين الدول حاليا هو أنه هنالك دول لا تُدار بطريقة القانون والمؤسسات لنقول عنها بأنها دولة حديثة، حيث أن الروابط التي تربط الأفراد داخل هذه الدولة هي رابطة المواطنة، وبالنتيجة رابطة المواطنة هي رابطة قانونية حقوقية قائمة على أن هناك حقوقا للمواطن وعليه واجبات تجاه هذه الدولة.

وعندما تختل الدولة كدولة مؤسسات، سوف تختل معها رابطة المواطنة، وعندما لا يشعر الفرد بأن ارتباطه بالدولة ارتباط قانوني وفقا لمنطق الحقوق والواجبات، عندها يتم سلخ المواطن من رابطة المواطنة إلى الروابط الأولية وهي الهويات الفرعية، فيصبح كل فرد يغني على ليلاه، وكثير من الدول توجد فيها هذه الحالة، بمعنى إن أغلب الدول النامية تعاني من نفس ما يعاني منه العراق، بمعنى نحن لسنا بدعة بين الدول.

حسنا، أين تكمن مشكلتنا في العراق؟، لماذا نحن لسنا دولة أكثر فاعلية مما نحن عليه الآن؟، لأننا الواقع الذي تُدار به الدولة يمثل شكلا من أشكال الأوليغارشية، يعني الدولة تدار بحكم القلة، هنالك قلة يديرون هذه الدولة، ويمسكون بالسلطة فيها.

هل وجود قلة تدير الدولة حالة استثنائية في العراق فقط؟، كلا هناك دول كثيرة من أيام روما واليونان إلى الوقت الحاضر وجدت فيها قلة تدير السلطة ، حسنا ما هي مشكلة الأوليغارشة الحالية عندنا في العراق؟، إن الأوليغارشية الموجودة حاليا في العراق، هي أوليغارشية غير منسجمة، وغير متناغمة، متقاطعة المصالح، متقاطعة الولاءات، متقاطعة الرؤى، لا تنتمي لمنظومة فكرية واحدة، بحيث ينتج عن هذه المنظومة الفكرية رؤية محددة لإدارة الدولة.

نحن في العراق لدينا أوليغارشية متقاطعة المصالح، والهويات، هذه الأوليغارشية انعكس التقاطع في مصالحها وفي رؤاها على ادارتها للدولة فهي لا تديرها بطريقة الفريق الواحد المنسجم وإنما تتقاطع مع بعضها، وهذه مشكلة كبيرة خلقت لنا استفحال لحالة الازدواجية، فإذا كانت الازدواجية موجودة في دول أخرى، فإن الازدواجية هنا أصبحت مستفحلة وسيئة في إدارة الدولة العراقية.

وأعتقد أن هذا الأمر إذا بقي سيكون أمرا سلبيا، لذلك نحن نتخوف أن تقودنا هذه الأولغارشية إلى التقسيم، بمعنى تقاطع المصالح، فمثلما جعلها تقاطع المصالح تنتج الأزمات، وتضرب التوقيتات الدستورية مثلا، وكذلك حتى في قضية الإرهاب، والجماعات الإرهابية، لربما في يوم من الأيام إذا تقاطعت مصالحها اكثر من الممكن أن تقسم الدولة، وهذا الأمر متوقع.

الجانب الآخر، إن الأوليغارشية العراقية ليس لديها التزام أخلاقي في بناء الدولة، يعني الأوليغارشية في اليابان فيها مصالح خاصة نعم، ولكن اليابان كدولة لديهم تعلو على كل شيء، وفي سنغافورة أيضا بمعنى إن الدولة تعلو على المصالح الخاصة، بمعنى المصلحة العامة تعلو على المصالح الخاصة بشكل كبير، المشكلة لدينا في الأولغارشية العراقية المصالح الخاصة تعلو على المصالح العامة، ولذلك نلاحظ في الوقت الذي فيه الاقتصاد العراقي هش، وأولادنا يتخوفون من المستقبل، فالحكومة تستحدث مناصب جديدة للترضية فقط، أي ترضية الأولغارشية الموجودة في السلطة.

التحديات التي تواجه الحكومة القادمة، نحن نعرف أن الحكومة القادمة والمرشح لم يخرج من رحم انتخابات شعبية، وهو لم يتزعم كتلة سياسية وهو لم يكن لديه تجربة بل هو مرشح الأولغارشية نفسها، هذه الأولغارشية التي تدير السلطة وعلى الرغم من أخطائها هي نفسها جاءت بمرشح للسلطة، ولكن لكي تنجح الحكومات وتكون فاعلة ينبغي ان يعمل الفريق الحكومي كفريق متكامل ومتجانس ومبسوط الإرادة ويعمل بحرية، في اتخاذ القرار السياسي وفي إدارة الدولة.

مع وجود هذه الأولغارشية رئيس الحكومة القادمة لن يكون مبسوط الإرادة، بل سيكون أشبه بالمدير التنفيذي لدى هذه الأولغارشية، وهذا سوف يجعل عليه قيود كبيرة جدا، في إدارة الدولة، ومن التحديات الكبيرة التي ستواجهه هو كيف سيوازن بين حرية إرادة الحكومة باتخاذ القرارات التي تنسجم مع المصلحة العامة للدولة، وبين ضغوط الأوليغارشية التي تريد منه أن يراعي مصالحها الخاصة؟ كيف يستطيع أن يوازن بين مصلحة العراق السياسية الخارجية وبين المصالح السياسية للاوليغارشية المتنوعة في رؤيتها للمصالح الواردة من السياسة الخارجية، والولاءات المتنوعة، كيف سيستطيع أن يواجه قضية الاقتصاد؟، فالاقتصاد العراقي اليوم يحتاج إلى إدارة، وحتى رجل الأعمال ينبغي أن تكون قراراته نابعة من رؤيته، فكيف يستطيع رئيس الحكومة الجديد أن يتخذ القرارات الاقتصادية المناسبة إذا كان هنالك قيد كبير عليه ويقيد حركته في اتخاذ القرارات والسياسات الاقتصادية؟

لذلك أعتقد إن هذه التحديات هي تحديات كبيرة سوف تواجهها الحكومة القادمة، ولكن الحكومة القادمة علامتها الإيجابية الوحيدة أن ترامب راض عنها، ولكن رضا ترامب عن المرشح السيادي الأول في الدولة لا يعني أن الإدارة إدارة سليمة، وإنما يعني أن هنالك عقبات وتحديات كبيرة قادمة.


الدكتور صلاح البصيصي أكاديمي وباحث سياسي

هذه الورقة البحثية تعد من متطلبات الساعة كونها تتعلق بتشكيل الحكومة، فهذا الموضوع فيه تعقيد كبير، ونعني موضوع ازدواجية السلطة، خاصة نحن في القانون لما تغير العراق من نظام الدولة البسيطة إلى الدولة الفيدرالية، واحدة من الأسباب أننا لدينا تنوع، ثقافي ديني اجتماعي وعدة قوميات، فكان من المؤمل أن النظام الفيدرالي كما في الدول الفيدرالية هو يعالج مسألة الأقليات الموجودة وبالتالي يعطيهم نوعا من الحرية لتمشية شؤونهم الخاصة مع مراعاة الأولوية حيث يوجد في الفيدرالية ثلاثة أشياء تبقى مرتبطة بالحكومة الاتحادية كما في الولايات المتحدة وفي كل التجارب الناجحة في العالم.

فالأمور الأمنية تبقى مركزية، والأمور المالية تبقى تحت سيطرة الحكومة الاتحادية، وكذلك الأمور العسكرية والأمنية وما يتعلق بالسياسة الخارجية، وهذه معروفة في كل الدول الفيدرالية الناجحة، ولكن عكس هذا الأمر يحدث في الفيدرالية بالعراق، فهناك ازدواجية في السلطة، هناك أحزاب تغلب مصلحتها الحزبية الخاصة على مصلحة الدولة، وحتى فيما يخص القوانين، فنحن لدينا في القانون يوجد لدينا دستور أستطيع أن أقول عنه جيد، وقوانين جيدة قوانين أحزاب ولكن للأسف الشديد لا يوجد تنفيذ لهذه القوانين.

أبسط الأمور نحن نقول إن عناصر الدولة شعب إقليم سلطة، وأحيانا نطلق عليه سيادة، فحتى نكون أمام دولة حقيقية يجب أن لها سادة واحدة، ويجب أن تمسك الحكومة بعصا السيادة والسلطة، ولكن للأسف الشديد نجد هناك أكثر من رأس وأكثر من سلطة في داخل الدولة وهذا في الحقيقة أدى إلى ضعف الدولة، لذلك نحن نتألم عندما نسمع في الأخبار أن البعض يقول عن العراق (بين قوسين) دولة فاشلة.

قبل أيام محلل بحريني فاشل، يطلق على العراق (جمهورية الموت)، فعلا عندما تقرأ ما بين السطور تشعر أن هناك فعلا تشتت في السلطة، وتشتت في مراكز القرار، تسمح للآخرين مع الأسف الشديد أن يطلقوا مثل هذه التصريحات السلبية تجاه العراق، ليس هذا فحسب بل يتغنون بالتغريدة بأن ترامب في تغريدة واحدة أفشل السلطة والمالكي وبالتالي نحن كحكومة نتقيد أو نتمسك بهذه التغريدات أيا كانت سواء كنا مع المرشح لرئاسة الوزراء أو لم نكن معه، بمعنى من المعيب أن تغريدة هي التي تضع الخيار لحكومتنا في قضية تشكيل الحكومة.

من الأمور المهمة الأخرى كما ذكرت سابقا، يوجد لدينا عدة قوانين، أحد هذه القوانين الذي تمعنت جيدا في قراءته، مثلا نحن نقول لتكن هناك جنبة سياسية في تشكيل الحكومة، لا توجد مشكلة في ذلك لدينا، كأحزاب وتأخذ استحقاقات حسب النقاط ليس لدينا مشكلة، الفروض حتى في مسألة احتساب النقاط يجب أن يختاروا الكفاءات، نعم نجيء بأشخاص من الأحزاب لكن يجب أن يكونوا من ذوي الكفاءة، وذوي شهادات، وأقدم أفضل ما عندي على الأقل، لكي تتولى هذه المناصب في حين نحن نلاحظ أن كثيرا من الأحزاب تختار الشخص ذو الولاء الأكثر وليس الذي كفاءته أكثر.

وقبل أن أدخل هذه الجلسة اطلعت على قانون المستشارين، ينظم كيفية اختيار المستشارين، رقم 3 لسنة 2022، وهذا القانون وضع شروطا لاختيار المستشار، فصاحب المنصب السياسي من الذي يعينه؟، طبعا المستشار، اقتصادي قانوني وإذا في وزارة الزراعة مستشار في الشؤون الزراعية، فالقانون اشترط في الرئاسات الثلاث أن لا يزيد عدد المستشارين عن ستة، يعني رئاسة الجمهورية ستة مستشارين، وكذلك الحكومة، والبرلمان أيضا لا يزيد عن ستة مستشارين، زائدا لكل وزارة يجب أن يكون مستشارا واحدا.

وعندما اطلعت على الشروط يجب أن يحمل المستشار شهادة الدكتوراه، ويجب أن تكون عنده خدة 15 سنة، وإذا يحمل ماجستير لديه خدمة 18 سنة، وشهادة بكلوريوس خدمة 20 سنة، خدمة في مجال الاختصاص، ولكن هل المستشارين فعلا تنطبق عليهم هذه الشروط الموضوعة في هذا القانون؟، للأسف الشديد مثل هكذا قانون من المفترض أن يكون هناك التزام به وبفقراته، أتذكر رئيس وزراء كندا (ترودو) هو شاب جدا، سألتهم لماذا كندا لها حكومة ناجحة، فكان جوابهم لأن المستشارين أكفاء.

لذا يجب أن ننشئ مؤسسات تحافظ على الدولة، مهما يحدث تغيير في الحكومة، يوجد هنا أناس مستشارون، وهناك محكمة اتحادية عليا نتمنى منها أن تحافظ على استقلاليتها، ولا يجوز أن أغير أحكامي بحسب المزاج السياسي، فالذي يحافظ على الدولة اليوم هي المحكمة الاتحادية التي تكون موجِّهة للمسار السياسي، إذا لاحظت حدوث خرق للدستور.

لذلك بالنسبة للسؤال الثاني حول التحديات التي تواجه الحكومة، طبعا نحن في وضع لا يُحسد عليه العراق، من جانب خاصة في الحرب الأمريكية ضد إيران في هذه المرحلة، من جانب قلوبنا مع إيران باعتبارها دولة إسلامية، لكن نحن في نفس الوقت لا يوجد لدينا مستلزمات الوقوف ضد الولايات المتحدة الأمريكية، من النقاط المهمة متى يفك ارتباط العملة العراقية عن البنك الفيدرالي الأمريكي، هذه مسألة مهمة جدا، فأمريكا اليوم تمسكنا من اليد التي تؤلمنا، كل إيراداتنا تذهب إلى البنك الفيدرالي ولا تذهب إلى البنك المركزي العراقي.

لذلك فأي موقف بسيط نتخذه ضد الولايات المتحدة تستطيع أن تدمر الاقتصاد العراقي، ونحن منذ 2003 إلى الآن لماذا لم نفك ارتباط الإيرادات النفطية عن البنك الفيدرالي وما زالت أمريكا ممسكة بهذا الملف بحيث تتحكم بإيراداتنا، وتسليحنا، واستثماراتنا، لذا أتمنى من الحكومة المقبلة أن تعالج هذه التحديات وأتمنى أن يكون لديها مستشارين أكفاء، لكي نتعلم كيف نحافظ على بلدنا، وعلى اقتصادنا في ظل هذه التحديات التي تواجه الحكومة في المستقبل.


الشيخ مرتضى معاش كاتب وباحث موسوعي  

في البداية توجد لدي ملاحظتان حول قضية الطوائف والقوميات وإشكالية الدولة، الإشكالية الأولى لها علاقة بالهويات الفرعية والطوائف، لو أننا قرأنا وضعنا بشكل جيد ربما يكون العراق من أفضل الدول في مسألة التعايش الموجود بين المذاهب والطوائف والقوميات، وربما نقرأ ذلك قراءة اجتماعية وليس سياسية، وهذا أمر واضح وهو أن العراقي لا يتعامل سياسيا في هذه القضية، ولكن بالنتيجة الأحزاب الموجود تتغذى من التحشيد الأيديولوجي والاستغلال الطائفي والقومي.

بالنتيجة يستثيرون العواطف والانفعالات ويثيرون الناس، في أوقات الانتخابات وغيرها من أجل حصد الأصوات الانتخابية والحصول على المزيد من المناصب، وهذه قضية واضحة لا تحتاج إلى نقاش، لذلك أنا في رأيي هذه ليست قضية هيكلية لأنه لابد أن يكون هناك وعي اجتماعي لفصل السياسي عن المذهبي وفصل السياسي عن القومي، هذه القضية تحتاج إلى وعي اجتماعي حتى لا يُستغل المواطن لمصالح خاصة بالأحزاب.

الإشكالية الثانية هي إشكالية الدولة، إن الدولة العراقية في الواقع ليست دولة حقيقية تاريخيا، وإنما هي دولة مصطنعة، دولة مستورَدة، حديثة وبالنتيجة كل بنيتها هي بنية مستوردة، لذلك نلاحظ أن بنيتها هجينة لا ترتبط بالواقع العراقي، ولا ترتبط بالتاريخ العراقي القديم، ولا ترتبط بتراث العراق وأديانه وقومياته، بل ترتبط بصناعة استعمارية حديثة استوردت جزءا من التراث العثماني والتراث البريطاني العثماني أسس لهذه الدولة.

لذلك نلاحظ أن البيروقراطية العراقية الموجودة هي التي تحكم، بأنظمتها الإدارية وقوانينها الخاصة وبقضائها وبالأجهزة الأمنية، فالسياسي الذي يلاحظ هكذا نظام سياسي هجين وبنية تحتية مستمرة في الفساد وفي الاستغلال، فيستغل هذا الواقع الموجود ويتعامل مع هذا الوضع، وهذا هو أصل المشكلة، فلا يمكن تغيير الدولة العراقية ما لم يتم تغيير الجذور، أي يتم تغيير البيروقراطية من جذورها، وتبدأ عملية بناء واقع جديد.

وهناك إشكاليات في هذه القضية فالعراق كان أكبر مما عليه الآن، العراق ليس هذا الموجود على الخريطة، فالإشكالية الموجودة هي في القيادة، أين القيادات التي تأتي هي قيادات نفعية وليست أخلاقية، فالقيادة الوطنية هي قيادة أخلاقية، تنظر إلى المبادئ ولا تنظر إلى المصالح، وحتى عندما تنظر إلى المصالح تنظر لها من خلال المبادئ، وإلا المصالح التي تفرغ من المبادئ هي ليست مصالح وإنما هي انتهازية لذلك فإن هذه القيادة ليست أخلاقية بل براغماتية انتهازية المهم بالنسبة لها البقاء في المنصب والاستمرار في تغذية حاشيتها المجموعة التي تلتف حولها في غياب الإطار الأخلاقي وحضور الجانب النفعي في قضية القيادة.

الشيء الآخر الذي يؤدي إلى هشاشة الدولة هو إشكالية التبعية، وهي في الجغرافية العراقية قديمة وأصبحت مستوطنة استيطان شديد جدا، ولا يمكن الفكاك منها، والحديث عن الفيدرالي هو نوع من الاستيطان التبعي الموجود في جذور السياسة العراقية، الثقافة العراقية، تبعية تركية، تبعية إيرانية، لذا أصبح العراق بلد لا يمتلك القدرة الاستقلالية.

اللطيف في الأمر أن العراقي هو فلسطيني أكثر من الفلسطينيين، وهو إيراني أكثر من الإيرانيين، لذلك تراه يمتدح الإيرانيين دائما، كما لاحظت اخوتنا وأصدقائنا أنهم يمتدحون إيران أكثر من العراق، يعني يضرب العراق ويمتدح إيران، ويقارن العراق بالقيادة الإيرانية وبالشعب الإيراني، وهذا الأمر يعني وجود إشكالية حتى الأخوة الذين لديهم اطلاع وثقافة يفكرون بهذه الطريقة، إذن هناك إشكالية في داخل الشخص حول قضية عدم انتمائه للعراق.

فالمواطن عندما يذهب إلى دائرة حكومية ويرى فيها عبارة عن دائرة لصوص، لهذا ذكرت في البداية البيروقراطية اللصوصية، قيل هناك أولغارشية ولكن أنا في رأيي بيروقراطية لصوصية، فإذا لا يتم القضاء على هذه البيروقراطية تبقى المشكلة قائمة عند المواطن العراقي بعدم تصور العراق بلده، لأن الموظف العراقي يسرقه، يذهب الطالب إلى المدرسة ويلاحظ وضع المدرسة الرديء فلا يشعر بالانتماء للمدرسة الحكومية لأنها سيئة جدا.

فكيف يمكن للمواطن أن يشعر بالانتماء، إذا كان النظام التعليمي في العراق يجرد المواطن من إنسانيته، فلا يبقى عنده انتماء للدولة، هذه البيروقراطية موجودة قديما ولا تزال مستمرة، وطويلة المدى، ليس لها علاقة، لا بالطائفية ولا بأشياء ثانية، فالعراقي عندما يذهب إلى بلد ثان يراه أحلى من بلده، لذلك لا يشعر بانتمائه العراقي.

النقطة الأخرى، إشكالية عدم الاستقرار فالعراق لا يوجد في استقرار، عندما ننظر إلى تاريخه الأخير وإلى الآن، تجده كله حروب وصراعات، الآن هذه الحرب هي ليست حربا عراقية ولكن تؤثر على الاستقرار بشكل كبير جدا، فالمواطن العراقي لا يشعر بالاستقرار ولهذا فإنه لا يفكر في بناء الدولة، فلتحترق الدولة أو تُدمَّر المهم أنا أحصل على الأكل، عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة، هذا هو التفكير الموجود وهو نوع من البرمجة تمنعه من الشعور بالانتماء إلى الدولة.  

لذلك نحن ذكرنا بأن التحديات نفسها مستمرة، لذا نلاحظ أن معظم الدول الإقليمية تم ضربها في الحرب الحالية لكن العراق هو أكثر الدور المتأثرة بالحرب، لذلك تبقى تحديات التبعية موجودة، تبعية إلى أمريكا، تبعية إلى إيران، ويبقى الشعور بعدم الاستقرار، والشعور بعدم الثقة ما لم تُحل القضية من جذورها.  

ونقصد بذلك عملية بناء الدولة تحتيا عبر تغيير جذري شامل يأتي تحتيا عبر تغيير القوانين تغيير الأنظمة وتغيير السياسات الحكومة من كل الجهات، وتغيير عقلية التفكير عند النخب الحاكمة، النخب الإدارية، والقضاء نفسه وهو يمثل مشكلة كبيرة جدا ويعد من البنى التحتية المصطنعة في تاريخنا الحديث. كل هذا يجب أن يتغير حتى نتمكن من تجاوز إشكاليات الاستقرار، وإشكاليات التبعية وإشكاليات الاستغلال الطائفي.


 الدكتور علاء الكاظمي باحث في الشأن السياسي

مما يعمق ازدواجية السلطة في العراق وفقا لتشكيل الحكومة الذي حدث، أعتقد أنه هذه أول حكومة يتدخل فيها القضاء بشكل مباشر، سابقا كانت الأحزاب السياسية هي التي تشكل الحكومة، أما الآن القضاء له الكلمة الفصل، ودخل مباشرة على الخط، والزيدي الآن مدعوم من فائق زيدان رئيس القضاء، فالقضاء بالنتيجة داخل بشكل مباشر وهي سابقا لم تكن موجودة، يدخل القضاء مباشرة وهو يأتي بالمرشح، وفائق زيدان هو أعلى سلطة قضائية ولا يمكن أن يقيله وهذا الطرح غير مسبوق أصلا.

هذا الأمر في تصوري يقود العراق إلى مخاطر أكبر وأكثر، ويعمق ازدواجية السلطة أيضا في العراق، وهناك نقطة أخرى، أنا في تصوري إن مشكلة العراق ليست داخلية فقط، فإذا حدثت اليوم ثورة معرفية وإصلاحية في عملية الانتخاب، هل الأمور سوف تحل إذا قمنا بتغيير هذه الوجوه الفاسدة، أنا أعتقد إن الفساد داخلي وخارجي، ليس لدينا الآن أحزاب تتصارع على السلطة فقط، إنما هناك قوى دولية تتصارع على السلطة في العراق، وهذا ما نراه نحن جميعا في كل دورة انتخابية، فهناك صراع دولي وإقليمي في تشكيل الحكومة في العراق.

كل طريف يريد أن تتشكل الحكومة وفق مزاجه، ومصالحه ورؤيته، أما ما يدور تحت الطاولة فهو معروف بالنسبة لكل الوزارات، وحتى ما هو أدنى من الوزارات، فكل طرف يريد حصة ونحن نرى ذلك، وهذا في تصوري حتى لو قمنا بحل المشكلة الداخلية تبقى لدينا المشكلة الخارجية، أما إذا جاءت حكومة وطنية مثل حكومة مصدّق في إيران ثم تم ضربها مباشرة، وهكذا جاءت حكومات وطنية كثيرة ولكن لم يُكتب لها أن تبقى. لذا أعتقد إن الفساد ليس داخليا فقط وإنما هو فساد خارجي أيضا، وهذا ما يعمق من قضية ازدواجية السلطة.

أما الحلول فهي صعبة جدا، وعملية تشخيص المشكلة نقطة أساسية، ولكن عملية معالجة المشكلة، هذه ليست قضية بسيطة، فنحن اليوم لو شخصنا مشاكلنا، هل لدينا القدرة على أن نصلح هذه المشاكل خصوصا إن بعض الإصلاحات تتطلب، دفع أثمان باهظة، فمثلا لو جئنا بمثال عن الإمام الحسين عليه السلام الذي خرج ثائرا من أجل عملية إصلاحية (إنما خرجت لإصلاح امة جدي) ماذا كان الثمن؟، الثمن كان دما، ولم يكن ثمنا طبيعيا. فهذا البلد إذا حدد مشكلاته، فهل لديه القدرة على دفع الأثمان، فالعملية الإصلاحية في تصوري شيء مستبعَد.


الأستاذ علي حسين عبيد كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية   

أعتقد أن السؤالين يشكلان تحديان قويان للحكومة القادمة ولرئيس الوزراء القادم، بالنسبة للسؤال الأول والذي يتعلق بتجاوز إشكاليات ازدواجية السلطة، يحتاج رئيس الوزراء القادم إلى اتخاذ قرارات صعبة جدا، لذلك فهو لا يمتلك العصا السحرية التي بإمكانها أن تحل هذه الإشكاليات، فالضعف أصلا موجود في بنية الدولة العراقية.

فطالما لم تكن هناك مؤسسات قوية راكزة وسلطة قوية في العراق، لا يمكن معالجة هذه الإشكاليات ومنها مثلا، تقليل الفصائل أو تفكيكها أو تهميشها، لذلك هذه المشكلة سوف تبقى قائمة وربما تكون غير قابلة للمعالجة في ظل الظروف الراهنة على الأقل.

أما بالنسبة للسؤال الثاني، فإن التأثير الإيراني والأمريكي معروف وأيضا لا يستطيع رئيس الوزراء القادم أن يحل هذه المشكلة العقيمة لأنها في حقيقة الأمر قائمة منذ اكثر من عقدين من السنوات، وهي مشكلة رافقت جميع الحكومات التي تعاقبت على قيادة وإدارة العراق، ولهذا كما أعتقد سوف تبقى هذه المشكلة قائمة أيضا حتى في ظل الحكومة القادمة.  


الأستاذ حسين شاكر العطار أكاديمي وباحث سياسي

يمكن أن نلخص ازدواجية السلطة في العراق بعدد من النقاط:

النقطة الأولى: عدم وجود هوية لهذا النظام السياسي

الدستور العراق يشرح لنا بأن العراق كما في المادة الثانية فيه مصدر أساس للتشريع، وأن لا يتعارض مع مبادئ الديمقراطية، في بعض الأحيان هناك تضارب بين الدين والديمقراطية، فمن الذي يحل هذه المشكلة، لا توجد لدينا فلسفة واضحة وهوية واضحة لهذا النظام.

النقطة الثانية: عدم وجود فصل بين السلطات.

أي عدم وجود فصل بين السلطات المختلفة وبين النظام، فهم يعتدون أن هذا النظام هو صاحب السلطة وفي نفس الوقت لا يوجد فصل بينه وبين الدولة، هم يعتقدون بأن الدولة دولة الفصيل السياسي الفلاني الذي يسيطر أو هذه المجموعة السياسية وهذه هي الدولة، لذلك فإن المشاكل موجودة ليس في هذا اليوم وإنما منذ زمن قديم.

في 2003 حدث نهب لمؤسسات الدولة، وعندما تقول للسارق هذه الأشياء ملك الدولة يجيب كلا هذه ممتلكات صدام، وهذه القضية موجودة وترسخت حاليا ووصلت إلى أعلى المستويات.

النقطة الثالثة: ليست هناك قناعة بالنظام.  

 بعض الأحزاب السياسية وما تطرحه من أفكار ومن رؤى ومن تصرفات، ليس لديها قناعة بهذا النظام رغم وجود أركان مثل الانتخابات والتداول السلمي للسلطة وغير ذلك، لذلك نلاحظ وجود (خلطة العطار)، كما وصف السيد مقتدى الصدر ذلك، فالحكومة نفسها هي إسلامي علمانية، حزب مستقل، مهني، سارق لذلك هي خلطة عطار ولن تنتج لنا شيء.

النقطة الرابعة: عدم الفصل بين الأحزاب والمغانم

فالحزب يمكن أن يصل إلى السلطة، وهذا شيء أكيد، لكن السلطة ليست غنيمة، ولذلك كل حزب يبرر أخطاءه لنفسه، وهذا التبرير خطير جدا، وعدم الفصل بين الحزب وبين المغانم التي يحصل عليها شيء خطير.

النقطة الخامسة: حل المشاكل بطريقة عشائرية

وهذا يدل أنه ليست هناك عقلية للقانون، لدينا مؤسسات دستورية، ولدينا محكمة اتحادية، ولدينا برلمان، يمكن أن تحل فيه المشاكل، لكننا نحل مشاكلنا بطريقة عشائرية.

النقطة السادسة: عدم الاهتمام بحق المواطنة

هناك اهتمام بكل شيء إلا في حق المواطنة، وهذا الشيء بعيد عن تفكير الطبقة السياسية، أما الإجابة عن كيفية تجاوز إشكالية السلطة، هذا يعتمد على وجود روح المواطنة، ولكن ما موجود حاليا هو مجرد شكليات، للأسف الشديد، نحتاج إلى تعريف محدد للهوية الوطنية العراقية وتترجم على شكل مناهج، حتى في المدارس يجب أن يتعلم الطالب منذ الصغير الربط بين الوطن وبين تنظيف الصف وكيفية عبور الشارع وكيف يخدم المدرسة، هذا يعزز الروح الوطنية وبالتالي تكون لدينا هوية وطنية وانتماء حقيقي لهذا البلد.


الأستاذ حيدر الأجودي باحث في مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية

إن إشكالية ازدواجية السلطة لا يمكن أن تُحل بالصدام المباشر، وهذا ما تواجهه الحكومة الجديدة، الأمر لا يتعلق بقضية سلاح خارج الدولة، الأمر يتعلق بقرار يُدار في مراكز حزبية وفئوية، تؤثر هذه القرارات على أوضاع الدولة على المستوى الأمني والسياسي وحتى الاقتصادي، فإذا ما أرادت الحكومة الجديدة أن تنجح في عملها، عليها أن لا تتخذ من هذه المراكز إسنادا لها ولا تعمل بقراراتها، ولا تلجأ أيضا إلى الصدام المباشر.

لأنها ستكون عقبة كبيرة، فما هو الحل، إنه يكمن في التفكيك التدريجي وذلك من خلال حصر الملف الأمني بيد الدولة عبر المنظومة الأمنية، وعلى رأسها رئيس مجلس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة، أيضا يجب الفصل ما بين السلاح والعمل السياسي، فمن أراد أن يعمل في مجال السلاح هناك المؤسسات العسكرية موجودة، ومن أراد الانخراط في العمل السياسي أيضا توجد المنظمات السياسية يمكنه أن يعمل فيها.

أما إدماج العملين (العمل في السلاح والعمل السياسي) فهذا يؤثر على قرارات الدولة، الأمر الثالث أو التفكيك الثالث يتم عبر السيطرة على المال السياسي، من يملك المنافذ الحدودية، من يملك الموارد الاقتصادية، غير الرسمية خارج نطاق الدولة يؤثر بشكل أو بآخر على قرارات الدولة، وهذا يمثل عقبة وتحدي يقف أمام الحكومة الجديدة.

نعم العراق اليوم يمر في ظل الصراعات الإقليمية يمر في تحديين كبيرين وهما التحدي الداخلي والتحدي الخارجي يتم مثلا عبر تأثير إيراني وتأثير أمريكي والضغط التركي، العراق اليوم لا يمكن أن يتخلى عن العلاقة مع إيران لكون المنطقة تربطنا جغرافيا مع إيران، واقتصاديا عبر الغاز وغيره، وأيضا العلاقات الاجتماعية، ولكن يجب أن تكون هذه العلاقات عبر البرتوكولات الدولية، أي تكون علاقة دولة مع دولة، ولا تكون مع أفراد، يمثلون القرار السياسي العراقي، أيضا العلاقات مع أمريكا لا يمكن الاستغناء عنها، باعتبار أن المال العراقي في البنك الفيدرالي الأمريكي.

كذلك هنالك التحديات الداخلية، يوجد الفساد، وكثير من الأمور الداخلية، هذه التحديات يجب أن تكون بيد الدولة ضمن قرار موحد وقوي وأيضا يجب أن تنتهج علاقة توازن خارجية لا تنحاز إلى طرف دون آخر، الأمر صعب نعم ولكن إذا ما حققت الحكومة الجديدة حتى 1% يمثل لك نجاحا للعراق.


الأستاذ باسم الزيدي باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث  

الجميع متفق على أن الازدواجية التي تواجهها السلطة في العراق، هي عقبة قوية جدا، أمام مفهوم بناء الدولة الحديثة، باعتبار إن الدولة العراقية موجودة، لكن بناء دولة بمفهوم حديث هذه هي الازدواجية التي يواجهها العراق.

الجواب التقليدي عن كيف نتجاوز هذه الإشكالية، حسبما يقول المحللون والبرلمانيون بناء دولة مؤسسات مقابل دولة المكونات، ولكن كيف يمكن بناء دولة مؤسسات والازدواجية متغلغلة في كل طبقات الدولة العراقية، بمعنى توجد لدينا ازدواجية متشعبة، في النظام الإداري والاقتصادي والسياسي والاجتماعي والقانوني.

أيضا توجد لدينا مشكلة كبيرة برزت بعد 2003، وهي أن الذي يمارس الازدواجية يمتلك الشرعية، باعتبار إنه وصل السلطة عن طريق صناديق الانتخابات، فكيف يمكن أن تقضي على ازدواجية يمارسها من يمتلك السلطة باعتبار أنه الحاكم.

المشكلة الأخرى التي تواجهنا، ما هو الحل أو البديل؟، إن البديل هو أننا أمام خيارين، أما نقوم بانقلاب بنيوي ناعم يستهدف بنية الدولة، باعتبار الازدواجية متغلغلة فيها، أو الصدام المباشر، والأخير جربناه واكتفى منه العراق.

نأتي إلى التغيير البنيوي وهنا سوف تواجهنا عقبة أكبر من الأولى، وهي أن من يمتلك أدوات التغيير هو نفسه مستفيد من هذه الازدواجية، باعتبار أنه يمتلك أدوات السلطة والقضاء والمال وغير ذلك، وهي الأحزاب بالدرجة الأولى ومن يتبعها، هذه هي بالأساس مستفيدة من عملية ازدواجية السلطة، فليس من صالحها أن تمارس عملية التغيير البنيوي الناعم يؤدي إلى بناء دولة بمفهوم حديث.

طيب على ماذا نعول في النهاية؟، أكيد على التغيير الشعبي، وهذا التغيير يأتي من وعي الشعب، وبهذه العبارة أختم، تذكرت فيها قولا للإمام الشيرازي رحمه الله، قال: واحدة من أهم أسباب انهيار الأمم أو المجتمعات أو الدول، تكمن في أمرين:

الأول قلة الوعي لدى الجماهير، والثاني استحكام المستبد أو الاستبداد في هذه الدولة، والمشكلة أن كلا الأمرين موجودان في العراق، لذلك نحن سوف نرجع إلى استهلاك نفس المفردات.


الأستاذ أحمد جويد مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات  

إن موضوع الازدواجية متغلغل في داخل الشخصية العراقية، فالإنسان العراقي اليوم حين يحضر في المنظمات السياسية والملتقيات وسواها ويصفهم بالفاسدين، لكن حين يلتقي أيا من الذين يصفهم بالفاسدين، يستقبله ويمدحه ويرافقه بالذهاب إلى المآتم (الفاتحة)، وهذا يؤكد الازدواجية التي يعيشها العراقي، مثلا نحن ننتقم من السياسي في منشوراتنا وغيرها ونقول قبل الانتخابات بأنهم فاسدون ولم نحصل منهم على شيء، وكل ناخب منا يوصي الآخر بالامتناع عن الانتخاب، لكن هو نفسه يقوم بما أوصى به الآخرين.

إذن الازدواجية موجودة في داخل الإنسان العراقي، وعندما يصل هذا الإنسان إلى السلطة سوف يطرح شعارات كبيرة حول الوطن والسيادة وغير ذلك، لكن نراه يعمل بالضد منها، بالإضافة إلى تضارب المصالح، فنحن شعب نعيش في دولة واحدة، وكل جهة ترفع لها راية معينة سواء كانت هذه الراية صريحة أو في الخفاء.

مثلا الأكراد يقولون إننا عراقيون مؤمنون بالسلطة برئاسة الجمهورية وغير ذلك لكنهم قاموا باستفتاء حول الاستقلال وحتى البيشمركة لا تأتمر بأوامر القوات المسلحة، والحقيقة الخطأ الأكبر الشائع بالمصطلح (حصر السلاح بيد الدولة) ليس هذا هو الصحيح ويفترض حصر قرار استخدام السلاح بيد الدولة، دع السلاح بيد الفصائل لكنها يجب أن تكون ضمن المؤسسة العسكرية وقرار استخدام السلاح يكون بيد القائد العام للقوات المسلحة.    

الحقيقة إن الإشكاليات مع الإقليم أو المحيط الإقليمي أعتقد لا تنتهي لأنه لحد الآن السلطة في العراق لم تطرح نموذج يقتدي به الإنسان العراقي مثل المهاتما غاندي، أو نلسن مانديلا، أو مهاتير محمد، هذا النموذج لم نره في العراق خلال 24 سنة، ولم تفرز الساحة السياسية العراقية هذا النموذج وبهذا لن أمتدح السياسي الإيراني الذي يصعد سيارة بسيطة (بيجو أو سواها)، لأن لدينا سياسيون عراقيون يركبون دراجات هوائية ويذهبون بها إلى عملهم.

ولدينا ساسة عراقيون ليس لهم امتيازات، فهل يتوفر مثل هذا النموذج من الساسة في العراق، لذا الازدواجية تأصلّت في العراق، يحدث هذه الأيام في الإمارات نوع من الفرقة والتشرذم، كما فعلت امارة الشارقة ورفعت راية خاصة بها، هذه علامات تنذر بنوع من التفكك، كذلك أغلب السياسيين كان لديهم ازدواج في الجنسية ونقلوا عوائلهم إلى الدول الأخرى.

لذا نحتاج إلى مؤسسة قضائية قوية، قضاء يقوده فعلا رجل فاعل، فالقضاء له دور كبير ولديه سطوة رغم أنه لا يمتلك أجهزة عنيفة، لكن القضاء الآن سيف على رقاب الفاسدين ويخشونه جدا، فإذا تم تفعيل هذه المؤسسة القضائية بالإضافة إلى المؤسسة الأمنية ويوضح خط أحمر أمام الفاسدين فيها، من الممكن أن نقوي مؤسسات الدولة الأخرى كالمالية وغيرها، يمكن أن نبني مؤسسات دولة يحتمي بها المواطن ويشعر بالعدالة.

فالعراقي اليوم إذا يشعر بوجود عدالة في المجتمع يشعر بالاطمئنان، ولكن هنالك خوف من الرجوع إلى الفوضى، وعدم الشعور بالأمان.


الأستاذ حامد الجبوري باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية 

ما جرى في العراق عام 2003 يعتبر نقطة مفصلية في العراق بشكل عام، واعتقد هي نقطة مفصلية شبيهة بما جرى في عام 1958، عموما لقد تحول العراق بعد 2003 نحو نظام ديمقراطي لكنه في الحقيقة خال من الديمقراطية الاجتماعية، لذلك نحن نعمل بقالب الديمقراطية لكن من الناحية الجوهرية لم نعمل بها، وهذه حد ذاتها نوع من الازدواجية.

النقطة الثانية تتعلق بالاقتصاد والتوجه نحو الرأسمالية والعمل بالحرية الاقتصادية لكن في الواقع، ليس هناك تحول نحو اقتصاد السوق وصنع فرص عمل لكي يستقطب الأيدي العاملة ويقلل من تحرير الصوت الانتخابي في الانتخابات، فالصوت الانتخابي متحيز بحكم وجود الريع، فإذا قضينا على الريع يتم التصويت للكفاءة والاستحقاق والبرنامج لكي يحقق مشاركته كفرد.

وهناك نقطة ثالثة حيث أصبح هناك تحول سياسي في هذه الحالة، من دون تحول اجتماعي، فحدث نوع من التصادم، وكان من المفترض أن يكون هناك تحول اجتماعي يستوعب التحول السياسي والتحول الاقتصادي حتى يكون هناك نوع من التناغم وعدم وجود تقاطعات لغرض تحقيق التغيير واختصارا للوقت.

وهناك نقطة مهمة جدا تم ذكرها في مداخلة سابقة، تتعلق بالسلطة الأمنية، مرتبطة برئيس الوزراء وهي حاليا مرتبطة برئيس الوزراء في حين أعتقد أن السلطة الأمنية يجب أن تكون مستقلة، بحد ذاتها حالها حال السلطة البرلمانية أو السلطة القضائية أو السلطة التنفيذية، ولكن مؤكد أنها مرتبطة بالسلطة البرلمانية باعتبار إن الشعب هو مصدر السلطات.

في هذه الحال سيكون مسؤول أمام البرلمان، ولا يكون قراره الأمني مسيس بحكم التبعية إلى رئيس الوزراء، وهذا يرتبط طبعا ما ما يمكن أن نسميه الأمن الريعي، وهنا أصبح لدينا أمن ريعي ودولة ريعية، بالنتيجة أيضا يتم توظيف الأمن لقضايا سياسية. 

لذلك نحن نحتاج إلى مراجعة الاقتصاد الريعي والدولة الريعية حتى نجرد كل القضايا الأخرى المرتبطة وتحقيق الأهداف التي وجدت من أجلها. عدم وجود تجريد الاقتصاد الريعي والدولة الريعية سيبقى الحال كما هو عليه. 


الخاتمة للباحث الدكتور حسين السرحان

هناك إشارة حول ما دفعني لاختيار هذا الموضوع، معادلة الصراع الإقليمية التي زُجّ فيها العراق بهذه الكثافة وبهذا التأثير باعتبار هناك دول متأثرة كثيرا، وهذه الحرب عرَّت البنية السياسية وأعني بنية الحكم في العراق، ولذلك أقترح أن تستمر النقاشات حول هذا الموضوع لك نتمكن ربما من خلق وعي أكبر ضمن هذا الجانب.

المشكلة في العراق ليست داخلية بل المشاكل الداخلية دائما تقود إلى المشاكل الخارجية كما أشار دكتور علاء الحسيني، والدول الهشة هي مدعاة للتدخل، لأن جميع الدول تتعامل معك على أساس مصالحها، والدول لا تستند على مذهب ولا على دين ولا قومية ولا غيرها، يعني القضية هي قضية مصالح.

فإذا تم ضبط الوضع الداخلي ويكون هناك نوع من إدارة التنوع بشكل صحيح، ومصالح وطنية وبناء دولة سائرة في الطريق الصحيح، سوف تلجم أفواه الآخرين، ومنع التدخل.

أما موضوع المعالجة فنحن شخصنا ذلك، لكن المعالجة من أين تبدأ؟، من الأعلى للأسفل أم العكس، يعني من النظام السياسي المتحكم أم من القاعدة؟، أنا في رأيي البسيط، هو التغيير قرار، والقرار يحتاج إلى سلطة، لكي يتم تنفيذه يحتاج إلى سلطة التنفيذ، فأعتقد إن القرار من الأعلى لكن القواعد العامة أما أن تسير بطريقين أما علم التنشئة والتحشيد والتثقيف باتجاه دولة ونظام وضمان المصالح الوطنية والتنوع فهو ليس مشكلة وإنما هو قوة.

في نفس الوقت هناك قرار سياسي سيادي يخلق بيئة قانونية سياسية ملائمة لهذا الموضوع، وحول موضوع الهوية لنأخذ الأسرة مثلا، فالأسرة التي لا يوجد فيها هوية ولا رؤية في إدارة شؤونها لا تعتبر موجودة، وأعيد وأكرر حول الإشكالية التي ركز عليها الأستاذ حامد الجبوري مشكورا حول قضية الاقتصاد الريعي، وفعلا إن ريعية الاقتصاد هي التي قادتنا إلى هذا النظام السياسي أو البنية السياسية الحالية.

مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

حسين علي حسين

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!