يتأثر الصوت الانتخابي بالسياسة والاقتصاد بشكل عام وفي الدول الريعية بشكل خاص، لان الريع النفطي يعيد تشكيل العلاقة بين السياسة والاقتصاد والمواطن.
ويُعد العراق نموذجاً واضحاً لهذه العلاقة نتيجة اعتماده الكبير على النفط وتزامن ذلك مع ضعف الثقافة الديمقراطية وهشاشة المؤسسات.
الريع النفطي
يتصف الريع النفطي بعدة خصائص، أبرزها كونه صناعة كثيفة رأس المال لا العمل، وهيمنته على الاقتصاد، وتذبذب إيراداته تبعاً للأسعار العالمية للطاقة، فضلاً عن حاجته إلى إدارة استراتيجية رشيدة.
اعتمد العراق بشكل كبير على الريع النفطي ، نظراً لامتلاكه أكثر من 140 مليار برميل كاحتياطي نفطي وينتج قُرابة 4 ملايين برميل يومياً ويُصدر 3.3 مليون برميل كعدل يومياً عام 2024 (1).
انعكس الاعتماد على النفط بوضوح على بنية الاقتصاد العراقي، إذ شكّل القطاع النفطي نسبة كبيرة في عام 2025 وهي 32% من الناتج المحلي الاجمالي بالأسعار الجارية للفصل الثاني (2) و88% من الإيرادات العامة الفعلية لغاية كانون الاول (3) ولم تقل عن 90% من الصادرات الاجمالية للفصل الثاني من العام ذاته (4).
كما ان تذبذب اسعار الطاقة الدولية يؤثر بشكل مباشر على الايرادات النفطية، فإذا ما انخفضت أسعار النفط، انعكس ذلك على الإنفاق الاستثماري وهذا يلقي بظلاله على المشاريع الاستثمارية والبطالة ايضاً (5).
اضافة الى ان توجيه النفط بنسبة لا تقل عن 70% نحو الجوانب التشغيلية مقابل نسبة لا تزيد عن 30% نحو الجوانب الاستثمارية يعني تعميق ارتباط المجتمع بالدولة وفقدان استقلاليته الشخصية.
ولم يقتصر تأثير الريع النفطي على بنية الاقتصاد فحسب، بل امتد إلى القطاعات الاجتماعية وعلى رأسها التعليم، إذ من شأن التعليم أن تكون مخرجاته نوعية لتكون مطلوبة في سوق العمل.
ونظراً لارتباط التعليم بالدولة وتمويله بالريع النفطي أصبح التعليم يركز على الكم بشكل كبير، انعكس على ارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين، فضلاً عن تصاعد الاحتجاجات المرتبطة بضعف فرص العمل.
ضعف الثقافة الديمقراطية
رغم تحول النظام السياسي في العراق عام 2003 من النظام الشمولي الى النظام الديمقراطي إلا إنه لازال يقع في الربع الاخير، ويحتل المرتبة 126 من أصل 167 دولة عام 2024؛ في مؤشر الديمقراطية الصادر عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية.
وهذه نتيجة طبيعية لبلد ظل طويلاً يعيش تحت نظام الاستبداد ثم تحول فجأة للديمقراطية، إضافة الى ان هذا التحول جاء في سياق تدخل خارجي أكثر منه من تطور اجتماعي داخلي تدريجي.
تبني هذا التحول لم يكُن تحولاً اجتماعياً عميقاً بقدر ما كان شكلياً(قالباً)، حيث تم بناء المؤسسات وهيكليتها وآلية عملها لكن بدون روح ديمقراطية للمجتمع كونه لم يتم العمل على أي تهيئة اجتماعية مسبقة لاستقبالها.
تتمثل الروح الديمقراطية في الثقافة الديمقراطية والحريات المدنية، إلا أن العراق لم يحصل سوى على 1.88 من 10 في الثقافة الديمقراطية و1.2 من 10 في الحريات المدنية.
وبالمقابل حصلت التعددية الانتخابية على درجة أعلى وهي 4.28 من 10 وحصلت المشاركة السياسية على 6.11 من 10.
وسجل اداء الحكومة تقييماً منخفضاً للغاية وهو 0.0 من 10 حسب مؤشر الديمقراطية.
حيث ان تحسن التعددية الانتخابية والمشاركة السياسية لم تنعكسا على اداء الحكومة وذلك لضعف الثقافة الديمقراطية والحريات المدنية كما اتضح اعلاه.
ويعكس ذلك بصورة واضحة ان التعددية الانتخابية والمشاركة السياسية كانتا مدفوعتين بالمال السياسي والتحشيد الفئوي والمصالح الضيقة.
أي ان التحول الديمقراطي اقتصر على رأس الهرم دون قاعدته(الشعب) واختزال الديمقراطية في بعدها الاجرائي الانتخابي دون أن تكون نظاماً ثقافياً في حياة المجتمع والنتيجة غياب استقلالية الصوت الانتخابي.
هشاشة المؤسسات
أي عدم قدرة المؤسسات على تحقيق الاهداف التي أُنشأت لأجلها وذلك لأسباب عديدة قد تتعلق بفقدان استقلاليتها وتعرضها للتدخلات والضغوط أو أسباب أخرى تتعلق بذاتها أي ضعف امكانياتها الذاتية في تحديد مهامها وتحقيق أهدافها بوضوح.
ويمكن ملاحظة أثر ضعف المؤسساتية في العراق من خلال عدد من المؤشرات الدولية التي تقيس كفاءة المؤسسات واستقلاليتها، وهي:
1- مؤشر الديمقراطية
إذ يعد من أبرز المؤشرات التي تقيس مدى ضعف وقوة الديمقراطية وترتيبها دولياً، حيث حصل العراق على المرتبة 126 من أصل 167 في هذا المؤشر (6) .
مما يشير لضعف الديمقراطية في العراق بما فيها المؤسسة التشريعية على تشريع القوانين ومراقبة تنفيذها من السلطة التنفيذية.
2- مؤشر فعالية الحكومة
حصل العراق على نسبة 8.49% في عام 2023 في مؤشر فعالية الحكومة(المؤسسة التنفيذية) الذي يقيس مدى ضعف وقوة المؤسسة التنفيذية على رسم السياسات وتنفيذها وتقديم الخدمات.
تشير النسبة المئوية إلى ترتيب الدولة بين جميع الدول المشمولة بالمؤشر الإجمالي، حيث يعادل 0 أدنى ترتيب، و100 يعادل أعلى رتبة (7).
حصول العراق على 8.49% وهي نسبة منخفضة جداً مما تشير لضعف المؤسسة التنفيذية.
3- مؤشر سيادة القانون
من أبرز المؤشرات التي تركز على المؤسسة القضائية هو مؤشر سيادة القانون، والذي يقيس مدى ثقة والتزام الجميع(الحكومة والمواطنين) بالقانون، وخاصة جودة تنفيذ العقود، وحقوق الملكية، والشرطة، والمحاكم، بالإضافة إلى احتمالية وقوع الجريمة والعنف.
حصل العراق على المرتبة 177 من أصل 194 دولة في هذا المؤشر (8)، مما يعكس وجود تحديات كبيرة تواجه المؤسسة القضائية في تحقيق أهدافها بكفاءة وإلا لكان ترتيبها افضل عالمياً.
4- مؤشر حرية الصحافة العالمي
كذلك الأمر بالنسبة للمؤسسة الاعلامية، حيث يعد مؤشر حرية الصحافة العالمي من أشهر المؤشرات التي تقيس ضعف أو قوة المؤسسة الاعلامية.
ونظراً لاحتلال العراق المرتبة 155 من اصل 180 دولة عام 2025 (9) مما يعني ان بيئة الاعلام صعبة كونها تتعرض لضغوط سياسية وتهديدات أمنية تطال الصحفيين وغيرها.
5- مؤشر السلام العالمي
واخيراً المؤسسة الأمنية، حيث يُعد مؤشر السلام العالمي من أبرز المؤشرات التي تقيس مدى قدرة المؤسسة الأمنية على تحقيق الأمن بشكل راسخ.
ونظراً لاحتلال العراق المرتبة 147 من أصل 163 دولة عام 2025 في مؤشر السلام العالمي (10) مما يعني ان المؤسسة الأمنية لم تحقق الأمن الراسخ في العراق.
كيفية تأثر الصوت الانتخابي
ان اعتماد العراق الريع النفطي وسط ضعف الديمقراطية ثقافياً وضعف المؤسساتية اداءً ادى لتحيز الصوت الانتخابي.
بعبارة أخرى ان الصوت الانتخابي لم يكن مجرداً حراً مؤثراً، بل متحيزاً وتابعاً ومتأثراً بالريع النفطي وضعف الثقافة الديمقراطية في ظل هشاشة المؤسساتية.
لان اعتماد الريع النفطي بشكل كبير في الاقتصاد العراقي يعني انحسار توليد فرص العمل وزيادة البطالة وتزايد الاتجاه نحو التوظيف الحكومي.
كما ان اقتصار الديمقراطية على رأس الهرم الاجتماعي دون قاعدته، يعني سهولة توجيه الاخيرة لأغراض سياسية انتخابية وليس العكس.
وقد أسهم ضعف المؤسساتية في فتح المجال أمام توظيف الريع النفطي للتأثير على ارادة الناخبين لأن من شأن المؤسسات القوية ضبط إيقاع الريع النفطي ومنع توظيفه لأغراض سياسية انتخابية.
التجارب الدولية
رغم امتلاك فنزويلا أكبر ثروة نفطية في العالم إلا إنه لم ينعكس بشكل ايجابي عليها وذلك بسبب هشاشة المؤسسات والديمقراطية الاجرائية مما جعلها تقع في ذيل أغلب والمؤشرات الدولية (11)، بما فيها مؤشر الديمقراطية.
كما ان توفر ديمقراطية ناضجة ومؤسسات فعالة كما هو الحال في النرويج دفع لانعكاس النفط بشكل ايجابي عليها واصبحت تحتل الصدارة في أغلب المؤشرات الدولية على سبيل المثال لا الحصر تحتل المرتبة الاولى في مؤشر الديمقراطية العالمي عام 2025.
مرتكزات الاصلاح
ولجعل الصوت الانتخابي صوتاً حراً مؤثراً لا متحيزاً ولا تابعاً ولا متأثراً لابد من العمل على ثلاثة ركائز مهمة بشكل متوازي وهي بناء الثقافة الديمقراطية وتوظيف الريع النفطي نحو البنية التحتية وتقوية المؤسساتية.
ان بناء الثقافة الديمقراطية يتطلب العمل على اعداد منهج شمولي من شأنه زراعة الديمقراطية ابتداءً بالعائلة ومروراً بالمدرسة والجامعة والعشيرة ومنظمات المجتمع المدني وانتهاءً بالحكم المحلي والاتحادي سياسياً وادارياً.
توظيف الريع النفطي نحو الاقتصاد لا السياسة، وهذا يتطلب العمل على توجيه النسبة الأكبر من الريع النفطي نحو البنية التحتية لأجل تشجيع القطاع الخاص على الانطلاق وخلق فرص العمل وتقليل البطالة وتحرير الصوت الانتخابي من التأثر بالريع النفطي لأجل التوظيف الحكومي.
وأخيراً ضرورة تقوية المؤسساتية كونها تمثل القناة الرئيسية التي تضمن سير الريع النفطي نحو الهدف المطلوب وتعزيز اداء الاقتصاد بشكل عام، وبذلك يصبح الصوت الانتخابي أكثر استقلالية وقدرة على التأثير في العملية السياسية بعيداً عن الضغوط الريعية والتوظيف السياسي.
الخاتمة، إن إصلاح العملية الانتخابية في العراق لا يبدأ من صندوق الاقتراع فحسب، بل من إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس اقتصادية ومؤسساتية وثقافية أكثر استقلالاً وعدالة.
المصادر:
1 - بيانات اوبك.
2 - البنك المركزي العراقي، التقرير الاقتصادي للفصل الثاني 2025، ص 3-4. متاح على الرابط أدناه:
https://cbi.iq/static/uploads/up/file-17707110877882.pdf
3 - وزارة المالية، حساب الدولة لغاية شهر كانون الاول 2025 للموازنة الاتحادية، متاح على الرابط أدناه:
https://mof.gov.iq/Budget-implementation-Archive.aspx
4 - البنك المركزي العراقي، مصدر سابق، ص25.
5 - حامد عبد الحسين الجبوري، النفقات الاستثمارية اسيرة الايرادات النفطية في العراق، مقال متاح على موقع شبكة النبأ المعلوماتية.
https://annabaa.org/arabic/referenceshirazi/30499
6 - باسم علي خريسان، العراق في مؤشر الديمقراطية العالمي 2024، مقال متاح على شبكة المعلومات الدولية.
7 - مؤشر فعالية الحكومة، متاح على الرابط أدناه.
https://tradingeconomics.com/iraq/government-effectiveness-percentile-rank-wb-data.html
8 - مؤشر سيادة القانون، متاح على الرابط أدناه:
https://www.theglobaleconomy.com/rankings/wb_ruleoflaw/?utm_source=chatgpt.com
9 - مؤشر حرية الصحافة العالمي، متاح على الرابط أدناه:
https://rsf.org/en/index?year=2025
10 - Institute for Economics & Peace, Global Peace Index 2025, p9.
متاح على الرابط أدناه: https://www.economicsandpeace.org/reports
11 - حامد عبد الحسين الجبوري، نظام الحكم ومفارقة النفط والاقتصاد.. فنزويلا والنرويج مثالاً، متاح على الرابط أدناه.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!