عندما يكون هذا النظام السياسي وليد الانتخابات فهذا لا يعني بأن النظام ديمقراطي، لأن الانتخابات هي واحدة من مظاهر النظام الديمقراطي، هناك مظاهر حرية التعبير وحرية الرأي وإنفاذ القانون والأمن وقضية سيطرة الدولة على السلاح، والتداول السلمي للسلطة، والالتزام بالدستور وشرعية السلطة ومشروعية أدائها كل هذه هي مؤشرات وانتخابات أيضا..
إذا أصر تحالف الفتح على الاشراف على عملية تشكيل الحكومة وأعاد توجه بغداد السياسي نحو طهران، فقد تعود العلاقات إلى أيام الاضطرابات خلال الإدارة الأمريكية الأولى لترامب، عندما كان العراق ساحة معركة فعلية بين إيران والولايات المتحدة، وكانت الشركات الأمريكية تفضل الابتعاد عن البلد..
في العراق من الممكن أن تحدث تلك الهجمات، أو التوظيفات، تأثيرًا سياسيًا واجتماعيًا وأمنيًا واسع النطاق، ومن الممكن أن يتعدى ذلك، ويصل إلى حالة الاستقرار السياسي "الحذر" الذي يشهده البلد منذ احداث ليلة المنطقة الخضراء والمواجهات المسلحة بين انصار التيار الصدري والفصائل المسلحة التابعة للإطار التنسيقي بعد اعلان نتائج انتخابات 2021 وفشل القوى السياسية العراقية في تشكيل الحكومة..
إنَّ تحقيق الإصلاح في العراق يحتاج إلى إرادة سياسية من النخبة، ويمكن تعزيز هذه الإرادة عبر تعاون شبكي بين المجتمع المدني والفاعلين الإصلاحيين داخل النظام؛ لخلق ضغط فعّال من أجل التغيير. فمن دون اجراء إصلاح هيكلي، تبقى الانتخابات في العراق مجرد منافسة نخبوية، ولن تحقق مساءلة المواطنين، لذا فالإصلاح هو السبيل لإعادة بناء الثقة والديمقراطية الحقيقية..
ينبغي على القيادات والقوى السياسية النافذة عدم جعل التجربة الديمقراطية العراقية مجرد مريض محتضر ينتظر الموت ولو بعد حين، بل عليها جعلها وليدا واعدا ينمو يوما بعد يوم ليصل الى مرحلة النضج والقوة والاحترام، فنجاح هذه التجربة سيمثل نجاحا لكل العراقيين بصرف النظر عن خلفياتهم الاثنية والعرقية، واختلافاتهم السياسية والفكرية اما فشلها وانهيارها فهو خسارة بالغة سيعاني منها، وسيتحمل وزرها الجميع..
لترسيخ النظام أو البناء الديمقراطي في العراق یحتاج إلى تحولات عمیقة، ومن أهمها تثبیت مبدأ المواطنة بكل دلالاتها كحق لأفراد المجتمع؛ مما یمكنهم من المشاركة في العملیة السیاسیة، وبالتالي فإن غیاب هذا المبدأ أو محاولة تغییبه أو تهميشه، سوف ینعكس سلبًا على أي محاولة لبناء نظام دیمقراطي أكثر استقرارًا. فضلًا عن الاغتراب السياسي، الذي يعد من اهم الآثار المترتبة على العزوف الانتخابي، إذ يتولد شعور لدى اغلب المواطنين، ولاسيما عند فئة الشباب، حالة من اليأس وفقدان الأمل من القدرة على احداث تغيير سياسي أو حكومي أو في نتائج الانتخابات..
ان التراجع الحاد الذى سجلته انتخابات تشرين في حصة بعض الاحزاب والقوى السياسية، يؤشر إلى أن هناك توجهاً جديداً يحكم الرأي العام العراقي، مؤداه أن الشعب لن يتنازل عن التغيير، وتحديداً ذلك النوع من التغيير الذى يخرج العراق من فلك وسيطرة الأحزاب التقليدية وانتماءاتها الايديولوجية. ولعل قانون الانتخابات الجديد الذي صاغه مجلس النواب بعد احداث تشرين، كان السبب المباشر في الإطاحة بتلك الأحزاب..
لا يبدو الإسلام السياسي الشيعي في أحسن حالاته، فهناك انقسامات داخلية عميقه بين قواه السياسية، وهناك خلافات حادة جراء تناقض مصالح قياداته وتفرق أهوائهم. فالخلافات لم تعد تلك الخلافات السياسية التي تدور حول رئاسة الوزراء كخلافات حزب الدعوة والتيار الصدري أو الخلاف على بعض الحقائب الوزارية، التي نراها مع بداية التشكيلة الحكومية او الوزارية، بل امتدت إلى المؤسسات الأمنية، كالخلافات التي ظهرت مؤخراً بين فصائل الحشد الشعبي أو بين الحشد الشعبي وحشد العتبات..
يبدوا ان "القوى السياسية والتيارات والحركات السياسية" المؤثرة والكبيرة عملت منذ قرار اجراء الانتخابات المبكرة على عدم وجود نظام انتخابي يؤدي الى ايجاد تمثيل حقيقي للجماهير بقدر ما عملت على ترسيخ وجودها بالسلطة والحفاظ على قوتها وتأثيرها السياسي على الاقل لما يترتب عليه من مكاسب مادية والافلات من المحاسبة والمساءلة..
مقابل القوائم والتحالفات والاحزاب والحركات التي اعلنت مشاركتها في الانتخابات، اعلنت قوى وتيارات واحزاب جديدة اوجدتها احتجاجات تشرين واخرى احزاب عريقة كالحزب الشيوعي العراقي وحزب الشعب للإصلاح – والذين لديهما نواب في مجلس النواب العراقي-انسحابهم من المشاركة في الانتخابات. وهذه القوى عددها كبير وهو مؤشر على عمق المخاوف والشكوك التي تساورها من إمكانية إجراء انتخابات حرة ونزيهة وعادلة في البلاد..
يمكننا أن نصف الدعاية الانتخابية الحالية بالدعاية الزبائنية؛ لكونها دعاية مركزة على قطاع وجمهور وزبائن كل حزب ولا يمكنها أن تتعدى حدودها الزبائنية؛ وهذا ربما يعود إلى التطور في الوعي الانتخابي العراقي بعد انتفاضة تشرين من جهة، وانعدام فرص الاستثمار الانتخابي التي توافرت في الانتخابات السابقة كـ (الحرب الطائفية، وتوظيف المذهبية، والانسحاب الأمريكي، والانتصار على داعش) من جهة أخرى، فضلاً عن طبيعة القانون الانتخابي، الذي حصر المنافسة بالدوائر الانتخابية..
أن رئاسة الوزراء القادمة تمثل معركة سياسية بين القوى السياسية الشيعية، التي ستؤثر كالعادة في طبيعة استحقاقهم الانتخابي وستؤثر على طبيعة توازناتهم وتحالفاتهم داخل السلطة التشريعية، وستكون القوى الشيعية رهينة البراغماتية الكردية وستكون أربيل قبلتهم السياسية، التي ستملي شروطها عليهم بتحالفها الانتخابي، وبموازاة الموقف السياسي للقوى السياسية السنية. فكيف ستواجه القوى السياسية الشيعية استحقاق رئاسة الوزراء هذه المرة وكيف ستحل هذه المعضلة، التي اصبحت نقطة ضعف كبيرة تؤشر على القوى السياسية الشيعية واداءها السياسي...؟..
هناك تداعيات خطيرة، ستترتب على انسحاب الصدر من الانتخابات المقبلة، سواء ما يتعلق منها بالنتائج المترتبة على العملية السياسية والنظام السياسي بشكل عام، او ما يترتب على طبيعة التحالفات السياسية ونفوذ القوى السياسية الشيعية داخل قبة مجلس النواب، أو في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة؛ لذلك ربما يصبح خيار تأجيل الانتخابات أو إلغائها خياراً سياسياً مطروحاً بقوة، إذا ما أصر السيد الصدر على عدم المشاركة فيها..
أن الانتخابات القادمة قد تكون مختلفة عن سابقاتها بحدثين مهمين: الأول، هو أن الانتخابات يمكن اعتبارها مبكرة، كمطلب مهم ورئيس من مطالب انتفاضة تشرين. أما الحدث الثاني، فيتمثل بالقوى أو الحركات السياسية – التي تصنَّف بأنها تشرينية أو ممثلة عن حركات الاحتجاج، التي ستشارك في الانتخابات القادمة، وما يمكن أن تضيفه هذه الحركات على مخرجات العملية الانتخابية على المستوى التشريعي والتنفيذي..
بعد سلسلة حوادث الاغتيالات والخطف والاشكال الاخرى للعنف، وتطورات الاوضاع الامنية والسياسية والمواقف الحزبية، افرزت مجموعة اشكاليات مبطنة وغير ظاهره. وهذه الاشكاليات، اذا ما استمر تغذيتها ستقود حتما الى البلاد الى حافة الهاوية. كما ان هذه الاشكاليات هي نتاج لسلوكيات " قوى واحزاب " بعضها له دوره السياسي (التشريعي والتنفيذي) الكبير، وبعضها احزاب جديدة نشأت مؤخراً عن الحراك الاحتجاجي..
يعتقد الكثيرون بأن تمسك الصدريين برئاسة الوزراء القادمة، ربما يضع البلد ايضاً في مسارات وسيناريوهات معقدة جداً، وقد يقترب الصدر من نهايته بمحاولة الوصول إلى الثقب الأسود المسمى برئاسة وزراء العراق. فهل يُصر زعيم التيار الصدري على موقفه القاضي بإحكام قبضته على رئاسة الوزراء القادمة أم سيصطدم بعقبة العرف السياسي السائد وتتبخر مساعيه بحجم الأزمة والتعقيد الذي يرافق عملية تشكيل الحكومة واختيار رئيسها ؟..
ان تلك "القوى" لا تريد للتدهور ان يتوقف، وللخراب ان ينتهي، وللأمن ان يتحقق، ولا التنمية الاقتصادية ان تتحقق. وبالنتيجة ستتعزز حالة الرفض الشعبي وستتعزز حالة عدم الشرعية للنظام والمنظومة السياسية. وسيكون من الطبيعي التعبير عن حال الرفض متوافرة، كما حصل بعد انتخابات ايار/2018. فالأسباب المباشرة لإعلان حال الرفض متوفرة وهي الازمة المتعددة الابعاد التي تخيم على النظام السياسي والدولة منذ 2003 ولغاية الآن..
رغم ان البلد في مرحلة انتقالية، وهي مهمة بالنسبة لدولة تريد أن تتبنى نظام سياسي ديمقراطي، لكن للأسف الشديد كانت البداية هي الطائفية والقوائم الانتخابية المغلقة والاحزاب السياسية التي عبارة عن مجموعات تبحث عن المغانم والمكاسب الضيقة حزبية كانت ام شخصية، لذا تبرز نحتاج لوضع معايير لهذه المرحلة الانتقالية حتى نضمن تداول سلمي للسلطة ونضمن تنشئة سياسية جيدة ونضمن سلوك سياسي منضبط ونضمن ذوق عام، يشعر بالمسؤولية تجاه سيادة القانون والحفاظ على النظام العام..