تعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم توترا، ليس في الوقت الحاضر فقط، وانما عبر مختلف الحقب التاريخية، منذ عهد الامبراطوريات القديمة: الرافدينية، والمصرية، والفارسية، والتركية، واليونانية، مرورا بإمبراطوريات العصور الوسطى، وصولا الى الوقت الحاضر. ويعود ذلك الى أسباب واضحة للغاية تتمثل في الاهمية الجيواستراتيجية الكبيرة للمنطقة، وضخامة ثرواتها الطبيعية، فضلا عن ارثها التاريخي والروحي الذي منحها مكانة خاصة لدى معظم شعوب العالم. ولذا لم تنعم المنطقة بالسلام والاستقرار، بل عانت شعوبها ودولها من صراعات مدمرة، بفعل عوامل داخلية وخارجية، لا زالت فاعلة ومؤثرة وتتسبب بالمزيد من انعدام الامن والاستقرار، الامر الذي يعرقل بصورة واضحة مشاريع التنمية المستقبلية.
وإزاء أهمية المنطقة الاستراتيجية، وخطورة الاحداث الجارية فيها، تبرز عملية بناء الدولة الحديثة كطوق نجاة لشعوبها، لتخليصها من معاناتها، ووضعها على المسار الصحيح نحو المستقبل الأفضل الذي تتطلع اليه. وما نقصده بالدولة الحديثة، هو دولة القانون والمؤسسات، تلك الدولة التي تستند العلاقة فيها بين الحاكم والمحكوم الى رابطة المواطنة المتساوية، فلا تفريق بين الافراد بسبب الجنس واللون والفكر والمعتقد، وانما الكل سواسية امام القانون في الحقوق والفرص والخدمات، فلا مواطن فيها من الدرجة الأولى وأخر من الدرجة الثانية او الثالثة ...
كما ان الدولة الحديثة لا تحكمها رؤية كلية، سواء كانت ثيوقراطية مغلقة، او شمولية تحتكر الحقيقة والسلطة، وانما تحكمها إرادة الشعب عبر الانتخابات الحرة النزيهة، والمؤسسات الدستورية الفاعلة، والمناهج التربوية والتعليمية الصحيحة. فهي دولة تتركز القوة فيها بيد المؤسسات لا الافراد في ظل سيادة القانون.
وفي الوقت الذي تكون فيه هذه الدولة قوية ومتماسكة داخليا، فإنها محدودة جغرافيا، بمعنى انها راضية ومقتنعة بحدودها الرسمية، ولا تمتلك أطماعا توسعية بأراضي جيرانها من الدول الأخرى. ولهذا شكل بزوغ الدولة الحديثة في أوروبا، بعد سيرورة تاريخية طويلة بدأت منذ معاهدة وستفاليا سنة 1648 وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945 الأساس المتين للاستقرار والرفاه والتقدم الأوروبي في الوقت الحاضر.
وعليه، فان الشرق الأوسط بحاجة الى تكرار هذه التجربة الاوروبية إذا ما ارادت شعوبه وقف حالة التوتر التي تعيش فيها منذ وقت طويل. ان بناء الدولة الحديثة ليس مشروع سلطة، بل هو مشروع نهضة تاريخية شاملة لهذه المنطقة، وهو مشروع لم يكتب له النجاح، حتى الان، لأسباب متعددة، يأتي في مقدمتها استمرار النزعات الامبريالية التوسعية لبعض دول المنطقة، تلك الدول غير القانعة بما لديها، وتحاول حكوماتها فرض نفوذها وهيمنتها على جيرانها، سواء عبر التوسع المباشر، ام عبر التحكم بقرارات الدول الأخرى والتأثير في مساراتها السياسية والامنية، كما هو الحال مع النزعة التوسعية العدوانية للكيان الإسرائيلي التي ساهمت في تعميق أزمات المنطقة، الى جانب صراعات بعض الدول الاقليمية الكبيرة التي جعلت من الدول الصغيرة والضعيفة ساحة لتصفية الحسابات والصراع على النفوذ فيما بينها. فضلا عن النزعة الامبريالية الإقليمية، فان النزعة الامبريالية الدولية لبعض الدول الكبرى تسببت بأضرار فادحة لمشروع بناء الدولة في المنطقة خلال القرنين الأخيرين، بل وحالت في كثير من الأحيان دون السماح له بالنجاح، اما لأطماعها الامبريالية بثروات المنطقة، واما لصراعها فيما بينها فوق ارضها لتحقيق الهيمنة والنفوذ العالمي.
إضافة الى ما تقدم، فأن فشل او إعاقة العمل بالخيار الديمقراطي في معظم دول الشرق الاوسط جعلها أسيرة أنظمة شمولية فردية وأوليغاركية، أو بيروقراطيات وراثية سلطوية أبقت إدارة السلطة، والوعي السياسي حبيسة عادات وتقاليد القرون الوسطى، فالدولة لا زالت في هذه المنطقة دولة الحاكم بأمره أكثر مما هي دولة تحكمها إرادة الشعب عبر قانون عادل، ومؤسسات قوية.
ان الخذلان الذي واجهه الخيار الديمقراطي في الشرق الأوسط هو امر باعث على الإحباط، لأنه سهل للقيادات السياسية الحاكمة الترويج لسرديتها في حكم شعوبها، وساعدها على التحكم بالثروات والفرص والخدمات، بل والتحكم في مساحة الحريات والحقوق المسموح بها للأفراد. وظلت العلاقة بين الحكام والمحكومين علاقة زبائنية تحددها المصالح غير العادلة، وحسابات النفوذ والاستئثار بالسلطة، في ظل تنامي مقصود للهويات الفرعية وارتباطاتها وامتيازاتها البدائية على حساب الهوية الوطنية، والمصالح العليا للدولة والشعب. الامر الذي ترك أثارا مدمرة على مشروع بناء الدولة الحديثة، حتى دخلت شعوبها القرن الحادي والعشرين، فيما لا تزال تحكمها أنظمة وثقافات تعود الى القرون الوسطى.
وفي الوقت الذي كان يواجه فيه مشروع بناء الدولة الحديثة كل هذه العقبات، جاءت التنظيمات الإرهابية الدينية وغير الدينية لتسدد له ضربة اضافية مؤلمة تفاقم من اخفاقه، فهذه التنظيمات وممولوها لم تكتف بإضعاف الدولة القائمة، بل طرحت نفسها كفواعل غير حكومية هدفها تفتيتها، وإعادة انتاجها بطريقة اكثر تخلفا وضعفا من خلال ما يسمى بظاهرة الدولة داخل الدولة، فساد التشظي في القرار السياسي والأمني بعض دول المنطقة، وصار الحفاظ على دولة الحاكم بأمره السائدة في الدول الاخرى إنجازا استثنائيا في مواجهة ظاهرة الدولة داخل الدولة.
لقد اجهضت الأسباب المذكورة في أعلاه، وأسباب أخرى مرتبطة بالثقافة والتاريخ والخصوصية الاثنية، مشروع بناء الدولة الحديثة في الشرق الأوسط، وما لم تتركز جهود النخب والشعوب في هذه المنطقة على استعادة المبادرة لتجذير هذا المشروع، وحمايته، وترسيخه، وتثقيف الناس عليه، صغارا وكبارا، بعده الضمانة الوحيدة للأمن والاستقرار والسلام، وحماية الحقوق والحريات، وترسيخ قيم المواطنة، واحترام القانون والمؤسسات، فأن التوتر والصراع سيبقى السمة السائدة، وستبقى دولها وشعوبها تدور في دائرة مغلقة من التخلف الشامل الذي لا نهاية له.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!