تحديات الحكومة العراقية الجديدة بين الضغوط الداخلية والتعقيدات الإقليمية

تحديات الحكومة العراقية الجديدة بين الضغوط الداخلية والتعقيدات الإقليمية

لا تبدو مهمة أي حكومة عراقية مقبلة سهلة في ظل تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه البلاد. فالعراق، رغم امتلاكه ثروات نفطية هائلة وموقعًا جيوسياسيًا مهمًا، ما يزال يعيش حالة من عدم الاستقرار البنيوي الناتج عن تداخل الانقسامات الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية. ولهذا، فإن الحكومة المقبلة أو الجديدة لن تواجه مجرد ملفات خدمية أو سياسية تقليدية، بل ستجد نفسها أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على الحفاظ على الدولة ومنع انزلاقها نحو أزمات أكثر تعقيدًا.

ولعلَّ أولى هذه التحديات، تتمثل في الأزمة السياسية الداخلية، إذ لا يزال النظام السياسي العراقي، يعاني من الانقسام والتنازع بين القوى السياسية، ولاسيّما داخل البيت الشيعي نفسه، وفي ظل مقاطعة التيار الصدري للعملية السياسية، فضلًا عن الخلافات المستمرة بين بغداد وأربيل، والتوترات المرتبطة بتمثيل المكونات الأخرى، بالتزامن مع استمرار الخلافات بشأن توزيع المناصب والحقائب الوزارية؛ الأمر الذي يعكس هشاشة التوافقات السياسية القائمة. هذه الانقسامات تجعل أي حكومة مقبلة عرضة للضغوط الحزبية والمحاصصة، وهو ما يضعف قدرتها على اتخاذ قرارات إصلاحية حقيقية. فالمشكلة في العراق، لم تعد مرتبطة فقط بتشكيل الحكومة والتوافق السياسي حول تشكيل الكابينة الوزارية، بل بقدرتها على العمل باستقلالية بعيدًا عن نفوذ الكتل السياسية والمصالح المتشابكة والرغبات الخارجية (الإقليمية والدولية).

أما التحدي الثاني، فهو الفساد الإداري والمالي، الذي تحول إلى أزمة بنيوية تهدد مؤسسات الدولة. فعلى الرغم من تعاقب الحكومات ورفع شعارات الإصلاح، ما تزال شبكات الفساد قادرة على التكيف والبقاء داخل مفاصل الدولة. ويكمن الخطر الحقيقي في أن الفساد لم يعد مجرد حالات فردية، بل أصبح جزءًا من طبيعة النظام الإداري والسياسي القائم على المحسوبية والولاءات الحزبية. ويعاني العراق كذلك من تضخم كبير في القطاع العام والاعتماد المفرط على التوظيف الحكومي؛ الأمر الذي يستنزف الموازنة العامة ويقلل فرص التنمية الحقيقية. إذ تشير بعض التقارير المتخصصة، إلى أن أكثر من نصف الإنفاق الحكومي يذهب للرواتب والتقاعد، في ظل ضعف واضح في الإنتاجية والخدمات.  

التحدي الثالث يتمثل في الاقتصاد الريعي واعتماد العراق شبه الكامل على النفط. فالدولة العراقية ما تزال تعتمد على النفط بنسبة تفوق 90% من إيراداتها، ما يجعل الاقتصاد هشًا أمام أي انخفاض في أسعار النفط العالمية. ومع الحديث عن موازنة 2026، تتزايد المخاوف من تأثير تقلبات أسعار النفط على قدرة الحكومة المقبلة في تمويل الإنفاق العام والمشاريع الخدمية. هذا الواقع يفرض على الحكومة العراقية الجديدة، ضرورة التحرك نحو تنويع الاقتصاد، وتشجيع الاستثمار والقطاع الخاص، بدل الاستمرار بسياسة الاقتصاد الريعي التي كرَّست البطالة والاعتماد على الدولة. غير أن هذا التحول يحتاج إلى بيئة قانونية وأمنية مستقرة، وهي أمور ما تزال تواجه عقبات كبيرة.

وفي الجانب الأمني، ورغم تراجع خطر تنظيم "داعش" الإرهابي مقارنة بالسنوات الماضية، إلا أن الملف الأمني ما يزال معقدًا. فالعراق يعيش حالة من التداخل بين الدولة والجماعات المسلحة، إلى جانب استمرار تأثير الصراع الأمريكي–الإيراني داخل الساحة العراقية. والتحدي الأمني المقبل، لا يتمثل فقط في مواجهة الإرهاب، بل في قدرة الدولة على فرض سيادتها وإدارة التوازنات الداخلية والخارجية، ومدى التزامها بالبرنامج الحكومي وتحقيق الرغبة المحلية والدولية في بسط نفوذها على كل المجاميع المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة. وتزداد خطورة هذا الملف مع احتمال تحول العراق إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية، ولاسيّما في ظل التوتر المستمر بين واشنطن وطهران. فالحكومة المقبلة ستكون مطالبة بالحفاظ على سياسة توازن دقيقة تمنع انجرار البلاد إلى صراعات المحاور، وهو أمر يبدو بالغ الصعوبة في البيئة الحالية.

فضلًا عن ذلك، لا يقل ملف الخدمات أهمية عن بقية التحديات، إذ ما يزال المواطن العراقي يعاني من تراجع الكهرباء والمياه والبنى التحتية، رغم الموازنات الضخمة التي أُنفقت خلال السنوات الماضية. كما أن أزمة المياه باتت تهدد الأمن المائي والغذائي للعراق، ولاسيّما مع تراجع الإطلاقات المائية من دول الجوار والتغيرات المناخية المتسارعة. وتشير تقارير دولية إلى أن التصحر وشح المياه، أصبحا من أخطر التحديات المستقبلية التي تواجه العراق. بالإضافة إلى ذلك، تواجه الحكومة العراقية المقبلة تحديًا اجتماعيًا خطيرًا يتمثل في ارتفاع معدلات البطالة والفقر، ولاسيّما بين الشباب والخريجين. ومع تراجع فرص التعيين الحكومي وضعف القطاع الخاص، تتزايد حالة الإحباط الشعبي، ما قد يؤدي إلى موجات احتجاج جديدة إذا لم تتمكن الحكومة من تقديم حلول ملموسة.

ومن التحديات المهمة أيضًا مسألة بناء الثقة بين المواطن والدولة. فسنوات الفساد وضعف الخدمات والصراعات السياسية، خلقت فجوة واسعة بين الشارع والطبقة السياسية. ولم يعد المواطن العراقي يقتنع بالشعارات السياسية التقليدية، بل أصبح يطالب بنتائج فعلية تمس حياته اليومية، وقد تزداد تلك التحديات في ظل تردي واقع الكهرباء والماء والخدمات بشكل عام، بالتزامن مع فصل الصيف الحار، ولاسيّما في ظل تحركات زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر الاخيرة، ومهلة التسعين يوم التي منحها لحكومة السيد الزيدي لتحسين واقع العملية السياسية والعراق بشكل عام.  

بالمجمل، يمكن القول إنَّ الحكومة العراقية المقبلة لن تُقاس بقدرتها على تشكيل تحالفات سياسية فقط، بل بقدرتها على إدارة دولة مثقلة بالأزمات والتناقضات. فالعراق يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. إما الانتقال نحو مرحلة إصلاح تدريجي يعزز الدولة والمؤسسات، أو الاستمرار في دوامة الأزمات التي تستنزف قدراته وثرواته. وإن التحدي الأكبر ليس في تشخيص المشكلات، فالجميع يدرك حجمها، وإنما في امتلاك الإرادة السياسية لاتخاذ قرارات حقيقية قد تكون مكلفة على المدى القصير، لكنها ضرورية لإنقاذ العراق على المدى البعيد.

م. ميثاق مناحي العيسى

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!