في كل مرة تُطرح فيها المفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران إلى الواجهة، يتبادر إلى أذهاننا والرأي العام السؤال التقليدي: هل سيتمَّكن الطرفان من الوصول إلى اتفاق أم لا؟ إلا أنَّ هذا السؤال، على الرغم من أهميته، يبقى سؤالًا سطحيًا، إذا ما قورن بالسؤال الأعمق: ماذا يشمل هذا الاتفاق أصلًا؟ وما هي المجالات التي يسعى كل طرف لإعادة تنظيمها من خلاله، وكيف سيتوَّصل الطرفان إلى تفاهمات بالمجالات الأمنية والعسكرية، كتلك التي تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية، فضلًا عن النفوذ الإقليمي؟
إنَّ الاتفاق الأمريكي – الإيراني، سواء جاء بصيغة رسمية، أو تفاهمات غير معلنة، فهو بالتأكيد لا يقتصر على الملف النووي كما يُروّج غالبًا، ولاسيّما أن المشروع النووي الإيراني، لا يُعد العقبة الأساسية في طريق الاتفاق، على الرغم من أنه يمثل حجر الأساس في الوصول إلى أي اتفاق بين الطرفين، بل يمتد إلى شبكة معقدة من القضايا التي تتقاطع فيها السياسة بالأمن والاقتصاد، وصولًا إلى التأثيرات الإقليمية بعيدة المدى.
ولعل أول هذه المجالات، هو الملف النووي، الذي يمثل حجر الأساس في أي تفاهم محتمل بين الطرفين. إذ تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني ومنع تحَّوله إلى مسار عسكري، بينما ترى إيران، أن امتلاك التكنولوجيا النووية حق سيادي لا يمكن التنازل عنه. لكن في واقع الأمر أصبح هذا الملف، بمثابة الورقة التفاوضية الاساسية، أكثر منه هدفًا بحد ذاته، إذ تسعى طهران من خلاله لرفع العقوبات المفروضة عليها منذ سنوات، بينما تحاول واشنطن أن تستخدمه لضبط السلوك الإيراني في ملفات أخرى.
المجال الثاني هو العقوبات الاقتصادية، وهو المجال الأكثر تأثيرًا على حياة الإيرانيين، وعلى استقرار النظام السياسي في إيران. لهذا فأن إيران تسعى إلى تثبيت هذا المجال وتضمينه في أي اتفاق حقيقي مع الولايات المتحدة الأمريكية، ورفع العقوبات بشكل تدريجي أو دفعة واحدة، ولاسيّما تلك العقوبات المرتبطة بـ (النفط والبنوك) وغيرها من العقوبات التي أثرت على الاقتصاد الإيراني وانهيار العملة. بموازاة ذلك، تطالب الولايات المتحدة بضمانات طويلة الأمد، ما يجعل هذا الملف ساحة شدّ وجذب مستمرة، إذ لا يريد أي طرف، أن يقَّدم تنازلات دون مقابل ملموس. ولاسيّما مع استمرار حالة الشك وعدم الثقة التي تتسم بها طبيعة العلاقة والمفاوضات بين الطرفين.
أما المجال الثالث، فهو الأمن الإقليمي، الذي يبدو الأكثر تعقيدًا من بين المجالات السابقة. فالنفوذ الإيراني في العراق ولبنان واليمن، يشَّكل مصدر قلق دائم للولايات المتحدة وحلفائها، ولاسيّما إسرائيل. لهذا، فإن أي اتفاق يطرح بين الطرفين، لا بد أن يتضمن بشكل مباشر أو غير مباشر، تفاهمات حول حدود هذا النفوذ. والمشكلة تكمن هنا، بأن إيران ترى هذه الملفات جزءًا من أمنها القومي، بينما تراها الولايات المتحدة الأمريكية، تهديدًا للاستقرار الإقليمي وأمن حلفائها في المنطقة. هذا التناقض والاختلاف، يجعل من الصعب الوصول إلى صيغة تفاوضية واضحة، وغالبًا ما يتم التعامل معه عبر تفاهمات ضمنية بدلًا من نصوص معلنة؛ مما يجعلها عرضة للاختراق.
المجال الرابع يتمَّثل في أمن الطاقة والممرات البحرية، ولاسيّما في الخليج العربي ومضيق هرمز، الذي أصبح بمثابة ورقة الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية والعالم أجمع في الحرب الأخيرة التي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران. ولاسيّما مع ارتفاع اسعار الطاقة، إذ تسعى الولايات المتحدة واغلب الدول المستهلكة للنفط، إلى استقرار تدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية بشكل سلس ومستمر دون تقييد، في حين تستخدم إيران موقعها الجغرافي وسيطرتها الملاحية على مضيق هرمز، كورقة ضغط استراتيجية. لذلك، فإن التوصل إلى أي اتفاق، سيشمل بشكل أو بآخر ضمانات بعدم التصعيد في هذه المناطق، حتى وإن لم يُعلن ذلك صراحة. فضلًا عن ذلك، لا يمكن إغفال المجال العسكري، إذ تسعى الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، إلى الحد من تطوير قدرات إيران للصواريخ الباليستية، بينما ترفض طهران إدخال هذا الملف ضمن التفاوض، باعتبارها جزءًا من قدراتها الدفاعية. ومع ذلك، تشير التجارب السابقة إلى أن هذا الملف غالبًا ما يُناقش بشكل غير مباشر، ضمن حزم تفاوضية أوسع.
بموازاة ذلك، من الممكن أن يكون هناك مجال للتعاون غير المباشر بين الطرفين، ولاسيّما في مكافحة الإرهاب، أو إدارة الأزمات الإقليمية، إذا ما توَّصل الطرفين إلى أتفاق حقيقي. وعلى الرغم من العداء المعلن بينهما، إلا أن هناك فترات سابقة، قد شهدت تنسيقًا محدودًا بين الطرفين في بعض الساحات، مثل العراق. وهذا النوع من التعاون، قد لا يظهر في الاتفاقات الرسمية، لكنه يبقى عنصرًا مهمًا في حسابات الطرفين.
بشكلٍ عام، إنَّ ما يميز المجالات التفاوضية أعلاه، هو أنها مترابطة بشكل يصعب فصله أو تفكيكه. إذ لا يمكن تحقيق تقدم في الملف النووي، دون أن يكون هناك تقَّدم أو تفاهم في موضوع العقوبات. وكذلك لا يمكن ضبط النفوذ الإقليمي الإيراني، دون أن تكون هناك تفاهمات أمنية أوسع. لذلك، فإن أي اتفاق أمريكي – إيراني، هو في جوهره صفقة شاملة، لا يمكن تجاهل أي مجال من المجالات أعلاه، حتى وإن تم تقديمه للرأي العام على أنه اتفاق محدود. أما اذا اضطر الطرفان إلى ابرام اتفاق محدود، فأنه قد ينهار في أي لحظة، أو مع أي تصعيد، أو في حال تغَّير الإدارة الأمريكية، كما حدث مع اتفاق الإطار الاستراتيجي الذي توصلت له دول (5 +1) عام 2015، بشأن الاتفاق النووي الإيراني، عندما انسحبت منه الولايات المتحدة في الولاية الأولى للرئيس الحالي دونالد ترامب. لكن السؤال الأهم: هل يمكن أن ينجح مثل هذا الاتفاق؟ والإجابة ليست بسيطة، أو يمكن أن نقول (نعم) أو (لا)؛ لأن التجارب السابقة، أظهرت أن المشكلة لا تكمن في الوصول إلى الاتفاق بقدر ما تكمن في استدامته. فالتغيرات السياسية داخل الولايات المتحدة، والانقسامات الداخلية في إيران، فضلًا عن ضغوط الحلفاء في المنطقة، ولاسيّما إسرائيل، جميعها عوامل، من الممكن أن تجعل أي اتفاق هشًا وقابلًا للانهيار. أما أذا تمكن الطرفين من التغلب على كل تلك التحديات، وتمكنا من التوصل إلى اتفاق حقيقي وشامل حينها يمكن القول: إنَّ الاتفاق الأمريكي – الإيراني، لن يكون مجرد وثيقة دبلوماسية، بل ربما يكون إعادة رسم جزئية لتوازنات القوة في الشرق الأوسط، فهو هو ليس اتفاقًا بين دولتين فقط، بل بين مشروعين ورؤيتين متناقضتين لطبيعة النظام الإقليمي. ومن هنا، فإن فهم مجالات هذا الاتفاق، لا يعني فقط فهم بنوده، بل فهم الصراع الأوسع الذي يدور خلفه؛ صراع النفوذ، والهوية، والمصالح، الذي لن ينتهي بتوقيع اتفاق، بل سيستمر بطرق أخرى.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!