يُعد جيل زد الذي يضم الشباب المولودين في أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، من أكثر الأجيال تأثيرًا في تشكيل ملامح المستقبل، لاسيما في الدول التي تمر بتحولات اقتصادية وإدارية معقدة مثل العراق. حيث يتميز هذا الجيل بإمكانية كبيرة على التكيف مع التكنولوجيا، وانفتاحه على العالم، وتطلعه المستمر إلى مستقبل جيد يمنحه فرصا أكثر وأفضل، إلا أنه في الوقت نفسه يواجه تحديات كبيرة تتمثل في ضعف البنية الإدارية، عبر محدودية الفرص، والتقلبات الاقتصادية المستمرة.
في العراق، يشكل جيل زد نسبة كبيرة من السكان، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في تحديد اتجاهات التنمية الاقتصادية والإدارية. لكن الفجوة بين طموحات هذا الجيل والواقع الحالي قد تؤدي إلى نتائج متباينة، تتراوح بين الابتكار والإبداع من جهة، والهجرة أو الإحباط من جهة أخرى. من هنا، تبرز أهمية دراسة دور جيل زد ليس فقط كفئة عمرية، بل كقوة اقتصادية واجتماعية قادرة على إحداث تغيير حقيقي في حال تم استثمار إمكاناتها بشكل صحي، ويمكن فهم هذا الدور من خلال معرفة النقاط التالية:
1- خصائص جيل زد في العراق
من الأمور المعروفة أن الأجيال التي تعقب بعضها بعضا لا تتشابه تماما من حيث القدرات والذكاء وطبيعة الزمن وما إلى ذلك، وهذا يعني أن هنالك تباينات واختلافات بين جيل وآخر، من هنا يمكن القول بأن جيل زد في العراق يتميز بوعي رقمي مرتفع، وقدرة على استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل فعال. كما يتسم بالمرونة والانفتاح على الثقافات المختلفة، إضافة إلى رغبته في تحقيق الاستقلال المالي والمهني في سن مبكرة. ومع ذلك، يعاني هذا الجيل من فجوة بين مهاراته ومتطلبات سوق العمل، نتيجة ضعف النظام التعليمي وعدم مواكبته للتطورات الحديثة، ما يحد من قدرته على الاندماج السريع في الاقتصاد الرسمي.
2- التحديات الإدارية التي تواجه جيل زد
ومن القضايا الصعبة التي تعترض طريق هذا الجيل هي مخلفات الأجيال السابقة، وبالأخص الجيل الذي سبقه أو أقرب جيل سابق له حيث خلف له مصاعب كبيرة، فقد واجه جيل زد في العراق بيئة إدارية تتسم بالبيروقراطية، وضعف الكفاءة المؤسسية، وغياب الشفافية في بعض الأحيان. هذه العوامل تؤدي إلى صعوبة حصول الشباب على فرص عمل عادلة، أو المشاركة في صنع القرار داخل المؤسسات. كما أن الاعتماد الكبير على العلاقات الشخصية (الوساطة) في التوظيف يمثل عائقًا أمام الكفاءات الشابة، ما يضعف ثقة هذا الجيل بالمؤسسات الإدارية ويحد من مشاركته الفاعلة.
3- التحديات الاقتصادية وتأثيرها على الجيل
كذلك هنالك مشكلة أخرى يعاني منها جيل زد، وهي تخص طبيعة الاقتصاد العراقي، حيث يعيش جيل زد في ظل اقتصاد يعاني من تقلبات مستمرة، وارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب. كما أن الاعتماد على القطاع العام كمصدر رئيسي للتوظيف يخلق ضغطًا كبيرًا على الدولة ويحد من فرص النمو في القطاع الخاص. هذه الظروف تدفع الكثير من الشباب إلى البحث عن فرص خارج البلاد أو الاتجاه نحو العمل غير الرسمي، ما يؤثر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
4- دور جيل زد في التغيير الاقتصادي والإداري
ومع هذه العقبات ذات التأثير الشديد على جيل زد في المحاور الاقتصادية المختلفة، إلا أنه يتمتع بالقدرة على عبور المصاعب الاقتصادية المعقدة، إذ على الرغم من التحديات، يمتلك جيل زد القدرة على أن يكون محركًا للتغيير في العراق. من خلال ريادة الأعمال، والعمل الحر، واستخدام التكنولوجيا، يمكن لهذا الجيل أن يساهم في خلق فرص جديدة وتحفيز الاقتصاد. كما أن مشاركته في العمل المؤسسي والإداري يمكن أن تعزز من الكفاءة والابتكار داخل المؤسسات، خاصة إذا تم منحه الفرصة والدعم اللازمين.
5- السياسات المطلوبة لتمكين جيل زد
يتطلب تمكين جيل زد في العراق تبني سياسات تركز على تطوير التعليم وربطه بسوق العمل، ودعم المشاريع الشبابية، وتحسين بيئة الأعمال. كما يجب إصلاح النظام الإداري ليكون أكثر شفافية وعدالة، مع توفير فرص متكافئة للشباب. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة أمام هذا الجيل، ويسهم في دمجه بشكل فعال في الاقتصاد.
وبهذا يمثل جيل زد في العراق فرصة حقيقية لإحداث تحول اقتصادي وإداري شامل، إلا أن تحقيق هذا التحول يتطلب معالجة التحديات التي يواجهها هذا الجيل بشكل جاد وفعّال. فبينما يمتلك الشباب مهارات وإمكانات كبيرة، فإن البيئة المحيطة بهم قد تعيق استثمار هذه القدرات بالشكل الأمثل.
إن تمكين جيل زد لا يقتصر على توفير فرص العمل فقط، بل يشمل أيضًا بناء نظام إداري عادل وشفاف وقادر على وضع الأمور في نصابها الصحيح، والمساعدة على بلورة اقتصاد متنوع قادر على استيعاب طاقات الشباب. كما أن دعم الابتكار وريادة الأعمال يمكن أن يحول هذا الجيل من باحث عن فرصة إلى صانع لها، مما يعزز من استقرار الاقتصاد الوطني.
في النهاية، لابد أن يعرف جميع المعنيين سواء كانوا يمثلون وينتمون إلى الجانب الحكومي (الاقتصاد العام) أو كانوا ينتمون إلى الجانب المدني (القطاع الخاص) بأن مستقبل العراق يعتمد بشكل كبير وأساسي على كيفية استثمار طاقات جيل زد، إذ أن هذا الجيل ليس مجرد متأثر بالأزمات، بل يمكن أن يكون جزءًا أساسيًا من الحل إذا ما توفرت له البيئة المناسبة والدعم الكافي لتحقيق طموحاته والمساهمة في بناء اقتصاد أكثر استدامة وعدالة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!