معضلة بناء الدولة في ظل تعدد مراكز القرار

معضلة بناء الدولة في ظل تعدد مراكز القرار
ان التساهل الرسمي او الاجتماعي مع ظاهرة تعدد مراكز صنع القرار داخل الدولة، ووجود فواعل غير حكومية تسلب الحكومة ارادتها وقوة قرارها ليس ظاهرة طبيعية، بل هي ظاهرة شاذة، غالبا ما تجر اسوء العواقب على الدولة والمجتمع، مما يعني ان تحذير رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي في مقاله أعلاه، ينبغي التعامل معه بجدية كبيرة ، وعلى اعلى مستويات صنع القرار في الدولة والمجتمع، لاسيما القوى والفصائل التي تشجع ظاهرة تعدد مراكز صنع القرار السياسي والأمني، وتدعم عمل الفواعل غير الحكومية، فخطر استمرار هذه الظاهرة لن يتوقف عند حد معين، بل سيشمل الجميع بدون استثناء

نشر القاضي فائق زيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق يوم الاثنين 23 اذار-مارس 2026 مقالا مهما تحت عنوان" اعلان حالة الحرب دستوريا" حاول من خلاله التأكيد على حصرية اعلان حالة الحرب دستوريا في العراق بالمؤسسات الدستورية ممثلة بالسلطتين التنفيذية والتشريعية، وفقا لما نصت عليه المادة (61/تاسعا) من الدستور العراقي النافذ لسنة 2005. 

لقد بين القاضي زيدان في مقاله ان المشرع الدستوري العراقي تشدد كثيرا في مسألة اعلان حالة الحرب من خلال ربطها بتقديم طلب مشترك من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ومصادقة ثلثي أعضاء مجلس النواب، مما يدل على خطورة هذا الاجراء، حيث اراد المشرع تجنب رهنه بإرادة شخص او جهة واحدة في هرم السلطة الدستورية، بل وحرص على ضمان تعبيره عن الإرادة الحرة لجميع العراقيين من خلال مؤسساتهم الدستورية المنتخبة. كما ذهب القاضي زيدان الى توضيح قضية غاية في الخطورة وهي ظاهرة انفراد فواعل غير حكومية بإعلان حالة الحرب بعيدا عن الأطر الدستورية، وما تشكله من ضرر بالغ على سلامة البناء الديمقراطي، وقوة المؤسسات الدستورية، وحقوق الشعب، وتهديد سيادة وهيبة الدولة، وفقدان الثقة بين المواطن والدولة. ناهيك عما يجره هذا الانفراد من عواقب وخيمة على علاقات العراق الخارجية، وأمنه، واستقراره السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

وتأتي أهمية هذا المقال من كونه صادر من هرم السلطة القضائية في العراق، فعلى الرغم من عدم اشارته الى الإجراءات الجزائية المترتبة على قيام الفواعل غير الحكومية العراقية بإعلان حالة الحرب، وتهديد المصالح والأصول الوطنية والأجنبية داخل العراق وخارجه، فانه جرم بشكل واضح أفعال هذه الفواعل وعدها خرقا جسيما للقانون لا يمكن السكوت عليه. 

وعندما يصدر هكذا مقال في وقت حرج تمر به المنطقة والعالم، لاسيما مع تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، فإنما يدل ذلك على حجم الإحساس بالخطر لدى كاتبه، وما يمكن ان يواجهه العراق من عواقب نتيجة استمرار اجتهادات الفواعل غير الحكومية بعيدا عن الأطر الدستورية.

ان الحالة التي حذر منها المقال تشير الى ما يُعرف بالدراسات السياسية والأمنية بتعدد مراكز صنع القرار السياسي والأمني، تلك الظاهرة التي تتضخم مخاطرها مع وجود فواعل غير حكومية تحاول احتكار القرار الحكومي او فرض الوصاية عليه، تحت ذرائع وحجج مختلفة. واستفحال هذه الظاهرة له اثار سيئة على بناء الدولة والمجتمع، ففضلا عما أشار له القاضي فائق زيدان، يعرقل وجود فواعل غير حكومية تحتكر قرار السلم والحرب، وتزاحم القرار الحكومي في محاولة منها لفرض الوصاية عليه، او التشكيك به، او تغييره بالقوة تنفيذ أي برنامج حكومي مهما كانت الفائدة المرجوة منه، فعلى سبيل المثال ورد في البرنامج الحكومي الثلاثي للحكومة العراقية الحالية منتهية الولاية (2023-2025) الإشارة الى بنود مهمة مثل:" مكافحة الفساد الإداري والمالي، تعزيز العلاقات مع الدول على أساس مبدأ الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وخاصة دول الجوار ودول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية الشقيقة الأخرى، وحل الإشكالات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، وانهاء ظاهرة السلاح المنفلت خارج نطاق المؤسسات الرسمية والشرعية للدولة، وتشجيع الاستثمار الوطني والاجنبي...الخ)، ومثل هذه البنود وغيرها ستبقى مجرد حبر على ورق مع وجود فواعل غير حكومية تتقاطع مصالحها ورؤيتها مع مصالح الحكومة العراقية ورؤيتها في إدارة الدولة داخليا، وتنظيم علاقاتها خارجيا.

كما تتحمل ظاهرة تعدد مراكز صنع القرار المسؤولية الكاملة عن تأخير انجاز الاستحقاقات الدستورية، نتيجة تشتت الآراء، وتقاطع المصالح، والوقوع في فخ المناكفات السياسية التي لا تحترم مخرجات الصندوق الانتخابي، كما حصل في إقليم كردستان العراق منذ الانتخابات المحلية التي جرت في تشرين الثاني -نوفمبر 2024، وتكرر الامر نفسه في الانتخابات الاتحادية العراقية التي جرت في تشرين الثاني-نوفمبر 2025. ان هذا التأخير في الإيفاء بالاستحقاقات الدستورية ليس امرا هينا، بل هو دليل عجز وفشل في بنية النظام الديمقراطي، سيترك اثاره الجسيمة على ثقة الناس بالعملية الديمقراطية برمتها، بل ويفاقم من الفجوة بينهم وبين نوابهم المنتخبين وكتلهم السياسية، وفي حال استمراره لوقت طويل يمكن ان يقود الى انفجار داخلي تكون ضحيته الأولى الديمقراطية بكل ما تمثله من انتخابات، وتعددية سياسية، وحريات، ومؤسسات دستورية.

فضلا على ما تقدم، اثبتت التجربة ان الدول التي تتعدد فيها مراكز صنع القرار، ويتفاقم داخلها الصراع بين هذه المراكز، لاسيما مع وجود فواعل غير حكومية قوية، غالبا ما تواجه خيارين لا ثالث لهما: 

الأول- خيار التقسيم، كما حصل في الهند سنة 1947، اذ انقسمت الهند التاريخية الى دولتين هما الهند وباكستان، ويحصل اليوم تقريبا في اليمن، حيث تنقسم اليمن الموحدة عمليا بين حكومتين: اليمن الشمالي تحت سيطرة جماعة أنصار الله الحوثي، واليمن الجنوبي تحت سيطرة مجلس القيادة الرئاسي.

الثاني- الحرب الاهلية والصراع الداخلي، وهذا ما شهدته ليبيا منذ سقوط القذافي سنة 2011 الى الوقت الحاضر، والجزائر (1991-2002)، واسوء هذه الأمثلة وأكثرها مأساوية هو ما تشهده السودان اليوم من حرب أهلية دموية ازهقت أرواح مئات الألوف، وتسببت بتهجير الملايين من البشر في اسوء كارثة إنسانية يشهدها العالم في القرن الحادي والعشرين لحد الان.

صفوة القول: ان التساهل الرسمي او الاجتماعي مع ظاهرة تعدد مراكز صنع القرار داخل الدولة، ووجود فواعل غير حكومية تسلب الحكومة ارادتها وقوة قرارها ليس ظاهرة طبيعية، بل هي ظاهرة شاذة، غالبا ما تجر اسوء العواقب على الدولة والمجتمع، مما يعني ان تحذير رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي في مقاله أعلاه، ينبغي التعامل معه بجدية كبيرة ، وعلى اعلى مستويات صنع القرار في الدولة والمجتمع، لاسيما القوى والفصائل التي تشجع ظاهرة تعدد مراكز صنع القرار السياسي والأمني، وتدعم عمل الفواعل غير الحكومية، فخطر استمرار هذه الظاهرة لن يتوقف عند حد معين، بل سيشمل الجميع بدون استثناء.  

أ. د. خالد عليوي العرداوي

العراق-كربلاء المقدسة

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!