العراق: المعضلة الامنية تزيد من مخاطر العزلة الاقليمية والدولية

العراق: المعضلة الامنية تزيد من مخاطر العزلة الاقليمية والدولية
مع ان المواقف الرسمية الحكومية اللاحقة وموقف وزارة الخارجية العراقية حول رفض تلك الاعتداءات على البعثات الدبلوماسية والدول العربية، الا انها لا يمكن ان تساهم في ترميم الاوضاع مع الدول العربية المجاورة. فهذه الدول تُدرك جيدا ان العراق يفتقر لوحدة القرار السياسي والامني، كما انه يفتقر للبيئات الداخلية المتراصة والتي يمكن ان تساهم في لجم تلك الهجمات. وهذا احراج آخر للدولة العراقية ويجعلها ضمن تصنيف الدول الغير محايدة والمهددة للامن الاقليمي

تسارعت تداعيات الحرب الاميركية الاسرائيلية على ايران اقليميا ودوليا سياسيا وامنيا واقتصاديا، وكان، ولايزال، العراق من الدول التي تأثرت مباشرة بهذه الحرب بدءا من اليوم التالي للهجوم الاميركي الاسرائيلي على ايران بعد ان وجهت مسيرات تجاه بعض المصالح الاميركية في بغداد واربيل. وجرى التصعيد لمستجدات خطيرة اذ توسعت دائرة الاهداف ولم تعد تقتصر على المصالح الاميركية بل تعداها الى استهداف مواقع ذات اهمية سياسية وامنية ودبلوماسية بالنسبة للعراق، وهذا جعل الحكومة العراقية في موقف حرج جدا، بعد سنوات حقق العراق نجاحا نسبيا في علاقاته الخارجية الاقليمية والدولية بعد هزيمة داعش اواخر العام 2017. 

في 16 اذار الجاري حصل تطور خطير تمثل في استهداف فندق الرشيد وسط المنطقة الامنية (المنطقة الخضراء) في العاصمة بغداد والذي يؤوي بعثات دبلوماسية ودولية واهمها البعثة الدبلوماسية للاتحاد الاوروبي. وبسبب هذا التصعيد الامني الخطير، فضلا عن هجمات استهدفت المصالح الخليجية، اعلنت بعدها البعثات الدبلوماسية السعودية والقطرية مغادرة العراق.

نظرياً، قرار الحرب والسلم قانونياً هو قرار الحكومة العراقية، الا ان محاولة التطاول على مشروعية الدولة وتجاوزها سلب من الدولة قرارها ، ولم يقتصر الامر هذا المستوى فقط، بل ان هناك مصالح وطنية اقتصادية ومؤسسات امنية جرى استهدافها مثل بعض المنشآت النفطية في جنوب وشمال البلاد، وكذلك مقر جهاز المخابرات العراقية، وربما تمتد قائمة الاهداف لتشمل مؤسسات وطنية اخرى. 

هذا الوضع يمثل معضلة امنية شديدة التعقيد والخطورة على الدولة العراقية. ففي الوقت الذي يكون فيه العراق بأمس الحاجة الى التعاون الدولي والاندماج ضمن المنظومة الاقليمية، واهمها الخليجية صاحبة التأثير الابرز في المنظومة العربية وصاحبة التأثير الاقتصادي اقليميا ودوليا، والحليف الموثوق فيه بالنسبة للولايات المتحدة الاميركية، فضلا عن الحاجة للجهود الدولية لتثبيت الاستقرار ودعم الاقتصاد الوطني ومواجهة بقايا الارهاب والتطرف، ودعم المنظومة الامنية، الى ان اصرار حالة اللادولة لزج العراق في حرب ليس حربه، يجعل البلاد في مواجهة حالة خطيرة تتمثل بتزايد رقعة العزلة الدولية والاقليمية سياسيا واقتصاديا وامنيا.

ومع ان الحكومة العراقية اعلنت في وقت سابق اعتقال اربعة متهمين بتنفيذ هجمات من الاراضي العراقية في محاولة بائسة لترميم جسور الثقة بالدولة العراقية، الا ان مواقف اللادولة لازالت تجسيدا لمتضمنات المعضلة الامنية. بهذا الوضع، الاشكالية السياسية والامنية تخيم على الدولة العراقية ومؤسساتها وتجعلها اسيرة قرارات اللادولة. وتضعه في موقف عزلة اقليمية ودولية.

تجسدت اولى ملامح عزل بغداد خلال يوم 26 اذار الجاري بعد اتصالين تلقتهما حكومة اقليم كردستان العراق من المبعوث الاميركي الخاص لسوريا والعراق توم باراك والذي أعرب عن تعازيه للقادة الكرد والشعب الكردي واصفا اياهم بالقادة الحقيقين والشركاء، موجها الشكر لهم على استئناف تصدير النفط، ثم اتصال من وزير الخارجية الاميركية مارك روبيو مع رئيس حكومة الاقليم السيد مسرور برزاني والذي نقل تعازي الحكومة الاميركية على ضحايا الهجمات التي وصفها بـ "الارهابية" والتي تعرض لها الاقليم بدءا من اليوم الثاني للحرب. 

قبل ذلك صارحت دول الخليج العربية – عدا عُمان – اضافة الى الاردن، العراق ببيان شديد وصريح حول الهجمات التي وصفتها ب" الارهابية " التي انطلقت من العراق تجاه بعض دول الخليج العربية. واصفة تلك الاعتداءات بانها جاءت عبر فصائل مسلحة موالية لطهران في المنطقة. وقالت تلك الدول " إن الهجمات التي تنطلق من الأراضي العراقية ضد دول الجوار ومنشآتها تمثل خرقًا للقانون الدولي وقرار مجلس الأمن رقم 2817 لعام 2026، الذي يطالب إيران بوقف أي اعتداء أو تهديد للدول المجاورة، بما في ذلك عبر الوكلاء". 

 " ودعت الدول الحكومة العراقية إلى اتخاذ إجراءات فورية لوقف هجمات الفصائل المسلحة من أراضيها، مؤكدة في الوقت ذاته حقها في الدفاع عن النفس وفقًا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة ". وهذا يعني ان هذه الدول ربما تساهم في استهداف مواقع تلك الفصائل في العراق. 

المواقف الحكومية الرسمية تجاه الاستهدافات الاميركية والاسرائيلية جاءت متأخرة جدا وتعبر عن تضامنها مع تلك الفصائل واصفة تلك الهجمات على انها استهداف لمؤسسات امنية عراقية وطنية. وبسبب تأخر هذه المواقف، رجحت مصادر اعلامية وتقارير خبرية انها " جاءت بضغط من تلك الفصائل على الحكومة لتبني هذا الموقف، ومؤكدةً ان الضغوط وصلت الى حد توجيه الحكومة الى القوات الامنية بالرد على الاستهدافات". في وقت اكدت واشنطن " ان اي استهدافات للجيش العراقي هي افتراءات ".

ومع ان المواقف الرسمية الحكومية اللاحقة وموقف وزارة الخارجية العراقية حول رفض تلك الاعتداءات على البعثات الدبلوماسية والدول العربية، الا انها لا يمكن ان تساهم في ترميم الاوضاع مع الدول العربية المجاورة. فهذه الدول تُدرك جيدا ان العراق يفتقر لوحدة القرار السياسي والامني، كما انه يفتقر للبيئات الداخلية المتراصة والتي يمكن ان تساهم في لجم تلك الهجمات. وهذا احراج آخر للدولة العراقية ويجعلها ضمن تصنيف الدول الغير محايدة والمهددة للامن الاقليمي. 

أ. د. حسين أحمد السرحان

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!