كثيرًا ما يُفترض في السياسة الدولية، أنَّ التفوق العسكري، يمكن أن يحقق انتصارًا سريعًا وحاسمًا في أي صراع. لكن تجارب السنوات الأخيرة، أثبتت أنَّ الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير، ولاسيّما في منطقة الشرق الأوسط. فالصراعات الحديثة والمعاصرة، كالتي نشاهدها اليوم في المنطقة، لم تُعد تُحسم بسهولة عبر الضربات العسكرية المباشرة، أو الحملات القصيرة، بل أصبحت تعتمد على مجموعة من العوامل (السياسية والاقتصادية والنفسية...وغيرها من العوامل). وفي هذا السياق تبرز حالة الحرب القائمة منذ شهر تقريبًا بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بوصفها مثالًا واضحًا على قدرة دولة ما على تحويل “الصمود” إلى استراتيجية بحد ذاتها، في مواجهة ضغوط قوى كبرى، كما يحدث في الحرب الدائرة الآن. إذ اعتدنا على أنَّ الحروب التقليدية في القرن العشرين تُقاس بنتائج ميدانية واضحة، أو حتى مطلع القرن الحالي كـ (احتلال أراضٍ، إسقاط حكومات، أو توقيع اتفاقيات استسلام) كما حدث في افغانستان والعراق 2003، فضلًا عن ما حدث في المنطقة العربية فيما سُمي، بالربيع العربي. إلا أنَّ طبيعة الصراعات في العقد الاخير من القرن الحادي والعشرين أو في السنوات الاخيرة، تغيّرت بشكل ملحوظ. فالدول التي تواجه خصومًا أقوى منها عسكريًا، أو تُفرض عليها الحروب، لم تعد تعتمد على المواجهة المباشرة، بل تلجأ إلى استراتيجيات مختلفة تقوم على إطالة أمد الصراع ورفع كلفته على الطرف الآخر، على الرغم من حجم الخسائر الذي يتكبَّدها على كافة المستويات، وبهذا المعنى يصبح الصمود، وتحمل نتائج الحرب وإطالة أمدها، إنجازًا استراتيجيًا، لأنه يمنع الخصم من تحقيق أهدافه بسرعة التي تجنبه تكلفة أكبر. ويمكن فهم هذه المقاربة من خلال النظر إلى طبيعة تعامل إيران مع الضغوط الدولية خلال السنوات الماضية، ولاسيّما ما تعَّرضت له طهران من ضغوط من أمريكا وأوروبا خلال العقدين الاخيرين. فمنذ عقدين تقريبًا، تواجه طهران عقوبات اقتصادية وسياسية وعسكرية متعددة الأبعاد، ومع ذلك لم تنهار الدولة أو النظام السياسي، ولم تفقد الدولة قدرتها على التأثير في محيطها الإقليمي. بل على العكس، استطاعت إيران، أن تحافظ على حضور سياسي وأمني في أكثر من دولة في الشرق الأوسط؛ الأمر الذي يجعل أي محاولة لحسم الصراع معها بسرعة مسألة بالغة الصعوبة. وبغض النظر، سواء اتفقنا أو اختلفنا، بشأن طبيعة حضورها الإقليمي في المنطقة، ودوره في أضعاف الداخل الإيراني، ومساهمته في رفع النقمة الشعبية ضد الدولة والنظام الإيرانيين، فضلًا عن الصورة السلبية التي خلفَّها هذا الدور عن إيران وطبيعة علاقاتها الإقليمية لدى شعوب المنطقة، لكنه يبقى واحدًا من الاستراتيجيات التي اعتمدتها إيران في المنطقة.
إنَّ أحد أهم أسباب فشل فكرة »الحرب السريعة« ضد إيران، يعود إلى طبيعة الاستراتيجية التي تعتمدها إيران. فإيران لم ترَّكز على القوة العسكرية التقليدية فقط، وإنما عملت على بناء منظومة ردع متعددة المستويات، تستطيع من خلاله الوصول إلى أهدافها في المنطقة بسهولة، سواء كانت الاهداف مباشرة، كالتي توجه ضد إسرائيل – الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية – والمصالح الأمريكية في المنطقة، أو الاهداف غير المباشرة، كتلك التي تهدد بضربها في دول الخليج، إذا ما تعَّرضت طهران إلى حرب تستهدف بنيتها التحتية. وهذه المنظومة، تشمل القدرات الصاروخية والتقنيات العسكرية غير التقليدية، فضلًا عن شبكة من العلاقات السياسية والأمنية الرسمية وغير الرسمية في المنطقة.
من جهة أخرى، تبدو أنَّ فكرة الحرب السريعة، لم تعد واقعية كما كانت في الماضي. فالتجارب التي خاضتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين أظهرت أن التفوق العسكري، لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقرار السياسي، وأن الانتصار العسكري، قد يكون ممكنًا في المدى القصير، إلا أن إدارة ما بعد الحرب غالبًا ما تكون أكثر تعقيدًا. وهذا ما يجعل صناع القرار أكثر حذرًا في الدخول في مغامرات عسكرية واسعة قد تتَّحول إلى صراعات طويلة ومكلفة، أو تحَّول الدولة المستهَدفة إلى دولة فاشلة، غير قادرة على إعادة بناء نفسها، أو حماية كيانها؛ الأمر الذي يزيد من حالة الصراع وعدم الاستقرار في المنطقة بشكل عام. كما أنَّ إيران تدرك هذه المعادلة جيدًا، ولذلك تعتمد في كثير من الأحيان على استراتيجية ما يسمى بـ"النفس الطويل”. فبدل السعي إلى تحقيق انتصارات سريعة، تركز على الاستمرار والصمود أمام الضغوط، بهدف زيادة تكلفة الحرب على خصومها، وأحراجهم أمام الرأي العام العالمي، ولاسيّما في حال كان الخصم يبحث عن نصر سريع وخاطف. ولعلَّ هذه المقاربة التي اعتمدتها إيران في حربها الأخيرة، تقوم على هذه الفكرة البسيطة الفعّالة، ومفادها »إذا كان الخصم يبحث عن نصر سريع، فإن إطالة أمد المواجهة قد تكون كافية لإفشال خططه«. وفي هذه الحالة يتحول الزمن نفسه إلى أداة استراتيجية لصالح الدولة المستهدفة، كما حصل في الحرب الصهيو – أمريكية على إيران، فالرئيس الامريكي، كان يبحث عن نصر سريع على إيران من خلال استهداف رؤوس النظام وقيادته، وبعض الضربات العسكرية الحساسة، ومن ثمَّ جر طهران إلى طاولة المفاوضات بالقوة وتحت طائلة التهديد. فضلًا عن ذلك، لا يقتصر الأمر على الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى البعد النفسي والسياسي أيضًا. فحين تستطيع دولة ما أن تظهر قدرتها على الصمود أمام الضغوط والعقوبات، فإنها تعزز صورتها داخليًا وخارجيًا باعتبارها دولة قادرة على المقاومة. وهذا بدوره يمنحها هامشًا أكبر في التفاوض والمناورة السياسية. وبمرور الوقت قد يصبح مجرد بقاء النظام السياسي واستمراره نوعًا من الانتصار الرمزي، بالرغم من الضربات الموجعة التي يتعَّرض لها. بموازاة ذلك، تواجه القوى الكبرى تحديًا مختلفًا، فهي غالبًا ما تكون تحت ضغط تحقيق نتائج سريعة تبرر سياساتها أمام الرأي العام. لكن عندما يتحول الصراع إلى مواجهة طويلة دون نتائج حاسمة، يبدأ التساؤل حول جدوى الاستمرار فيه. وهنا يظهر التناقض بين من يراهن على الحسم السريع ومن يراهن على الصمود الطويل. وهذا النمط من الصراعات أو الحروب، ربما ليس جديدًا، بل هو استراتيجية تتبعها بعض الدول، التي لديها مؤهلات جغرافية طبيعية وقوة بشرية وسياسية، قادرة على الصمود بوجه الاعتداءات العسكرية المباشرة وغير المباشرة. وهو نمط، أصبح أكثر وضوحًا في العصر الراهن. فالكثير من الدول أو الحركات التي واجهت قوى عسكرية أكبر منها اعتمدت على الاستراتيجية نفسها: تجنب المواجهة المباشرة، إطالة أمد الصراع، ورفع كلفة المواجهة على الطرف الأقوى. وفي حالات كثيرة أثبتت هذه المقاربة قدرتها على تعطيل خطط الخصوم أو على الأقل منعهم من تحقيق نصر واضح، وأحراجهم أمام الرأي العام الداخلي والعالمي.
بالمجمل، يمكن القول: إنًّ معادلة الحرب الصهيو – أمريكية على إيران، لا يمكن فهمها من زاوية القوة العسكرية فقط، وما تمتلكه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من قوة عسكرية هائلة، وامكانات مادية واقتصادية وترسانة نووية وقواعد عسكرية وتحالفات عالمية، وإنما من خلال قدرة كل طرف على إدارة وتوظيف الوقت والموارد والتحالفات، ولاسيّما اذا ما كانت نوايا الخصم مكشوفة للطرف الآخر، وأنه يسعى إلى تحقيق حسم سريع، حينها سيراهن الطرف الآخر على الصمود الطويل، وستكون النتيجة صراعًا طويلًا ومفتوحًا، لا يحقق فيه أي طرف انتصارًا كاملاً، كالذي يتحقق في الحروب التقليدية والمباشرة؛ لهذا السبب تبدو فكرة الحروب السريعة أقل واقعية عندما يتعلق الأمر بصراعات معقدة كالصراع الدائر منذ اكثر من شهر تقريبًا مع إيران؛ لكون الأمور لا تتعلق فقط بمن يمتلك السلاح الأقوى، بل بمن يستطيع إدارة الصراع لفترة أطول دون أن ينهار. ولاسيّما في عالمنا المعاصر، الذي تتداخل فيه المصالح الإقليمية والدولية، إذ يصبح الصمود في الحرب أحيانًا أهم من الانتصار نفسه. وخلاصة القول، قد لا يكون السؤال الحقيقي في هكذا حروب، هو مَن سينتصر في هذا الصراع، بل من يستطيع الاستمرار فيه لفترة أطول؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!