ما نتج بعد هذا التوتر وانتهاء الاحتجاجات هو ليس انتصارا لإيران، بقدر ما هو وضع لطهران على جادة الازمة المركبة والعمل على تكريس اسباب الاحتجاج والرفض للنظام الحاكم على مستوى الداخل. فالانقسامات السياسية واختلاف الرؤى فيما يخص السياسة الخارجية وادارة شؤون البلاد الاقتصادية والصعوبات المعيشية للمواطنين، والتحديات الدولية والعقوبات الدولية، وضعت النظام الحاكم امام تحديات خطيرة غير ظاهره الا انها تمكنت من التوغل الى داخل النظام، وستزيد من هشاشته، وهذا الامر أخطر كثيرا من الحرب او الضربات العسكرية..
اشتدّت التوترات النووية بين إيران والغرب بشكل ملحوظ مع إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة السابقة لعام 2015 على طهران في أيلول 2025. وجاء هذا التطور نتيجةً لقيام الدول الأوروبية الثلاث - فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة - بتفعيل آلية العودة السريعة للعقوبات snapback (آلية قانونية لاستعادة العقوبات المتفق عليها مسبقًا في الأمم المتحدة) التابعة لخطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) قبل شهر..
الإصرار على استدامة المكاسب المالية من قبل جهات متنفذة متحكمة بنافذة بيع العملة وتهريب الدولار رغما عن الحكومة والمركزي العراقي ستدفع بسعر الصرف الحقيقي للدينار العراقي الى الانخفاض اكثر مقابل الدولار، وسيدفع الفيدرالي الامريكي الى مزيد من التصعيد في الاشهر القادمة وربما تطال العقوبات البنك المركزي العراقي نفسه، وربما منع الحكومة من الوصول الى احتياطاتها من الدولار في البنك الاحتياطي الفيدرالي الامريكي. وستكون الفوضى حينها ليست اقتصادية وتجارية فحسب، بل سياسية وامنية..
أن تطبيق حظر استيراد النفط الإيراني يدفع إيران الى غلق مضيق هرمز، لمنع كل من (العراق، الكويت، الامارات، قطر، البحرين، عمان، السعودية) من تصدير نفطها ايضاً، وبذلك ستوفر هذه الخطوة ضغط اضافي على الاقتصاد العالمي سيؤدي الى محاولة ايجاد حلول سريعة للأزمة..
يمكن ان تقدم الولايات المتحدة الكثير من المساعدة للإيرانيين وتقويض شرعية النظام الفاسد الذي يضطهده، ولكن لحين إيجاد استراتيجية شاملة ترمي الى تقويض الحرس الثوري الإيراني فإن أي جهد دبلوماسي او حملة ضغط قصوى سوف تفشل في تحقيق أهدافها وتسبب القطيعة بين الشعب الإيراني والولايات المتحدة اما بسبب وقوفها مع النظام في عهد أوباما او معاقبته كما يحدث في عهد ترامب..
تعول أمريكا قبل تنفيذ تلك الضربة لإحداث تغيير من الداخل الإيراني نظراً للتحديات الاقتصادية والاجتماعية للشعب الإيراني؛ لإبراز الضعف الايراني كجزء من الحرب النفسية التي تعمل عليها لإضعاف عزيمة الجيش الإيراني واحباط الروح المعنوية لديه وتشجيع الشعب على معاداة نظامه عبر نشر الاخبار والدعاية والاعلان بأن الشعب الإيراني هو شعب صديق وطموح وان هدف العقوبات هي محاسبة ومحاصرة النظام..
عند اخذ التضخم الخارجي بالاعتبار وعلى فرض 3 بالمائة سنويا يكون سعر الصرف الحقيقي للريال الإيراني ينخفض سنويا بأكثر من 6 بالمائة. ومن المتوقع، نظريا على الأقل، ان ينعكس هذا في تطوير قدرات إيران على التصدير لأن الكلفة النسبية للصادرات الإيرانية تتناقص بأكثر من 6 بالمائة سنويا..
مهما اشتدت المقاطعة والإجراءات الأمريكية لحصار الاقتصاد الإيراني من المستبعد ان يتراجع الى أدنى مما كان عليه في السنوات 2013-2015. ومن الممكن السيطرة على حركة الاسعار وسعر الصرف ضمن مديات تتكيف معها انشطة الانتاج والاستثمار..
ما يثير الاستغراب حقاً هو أن تؤمن بمبادئ وتخالفها بالسلوك فبالاضافة إلى هيمنتها اللاشرعية عالمياً، فقد أصبحت الولايات المتحدة الامريكية تسير بعكس الإتجاه الذي تتبناه سياسياً واقتصادياً خصوصاً بعد قيادتها للعولمة ووصول ترامب ذو العقلية الأنانية إلى سدة الحكم..