ان النذر المشؤومة تطرق أبواب الجميع، ولا ينكرها الا الحمقى وقصيري النظر ممن يمنون أنفسهم بمصير غير المصير المتوقع لهم، ولكن ما لم تعالج أسباب النقمة والغضب الجماهيري، ويعاد النظر بالقيادات والمؤسسات والسياسات والأنظمة الخاطئة، فلن تتوقف عجلة الاحداث عن الدوران حتى حصول الانفجار المدمر القادم..
إن واقع تصدع الدولة العراقية بعد عام 2003 ، وفشلها في عملية بناء ذاتها، وادراجها في مقدمة الدول الفاشلة، لصالح الجماعات اللادولتية المدعومة إقليميا ، فرض تحديا هائلا أمام التنمية في العراق ومسار بناء الدولة، و ضيق الخيارات أمام الناس، وما يزال يفرض تحديات كبيرة، تع قد من عملية البناء وتقف حجر عثرة في طرق التنمية البشرية بمختلف مجالاتها..
لم يحقق الاحتجاج كل الاهداف المرسومة، لكن ضغط الاحتجاج نجح في تحقيق بعض الخطوات رغما عن " القوى السياسية" على الرغم من عنجهية تعامل تلك القوى والسلطات مع الحركة الاحتجاجية التي تجسدت بقتل المتظاهرين واغتيال الناشطين الذي فاق عددهم الـ (600)، وخطف وتغييب الكثير ولازال البعض منهم غير واضح مصيره..
يبدو أن اتفاق سنجار قد حّرك أو سيحّرك هواجس القوى اللادولتية، التي لم تخشى اتفاق سنجار فحسب، بل أن يقود هذا الاتفاق إلى اتفاقات أخرى مشابهة له، أو أن يكون الخطوة الأولى للدولة في استعادة بعض المناطق التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة، على الرغم من أنها قد تكون خطوة محفوفة بالمخاطر، إذا ما ارغمت تلك القوى على الخروج منها..
إن المخاوف العراقية من اجراء غلق السفارة الأمريكية في بغداد، مبنية على فرضية أو فكرة ما سيحصل بعد الاغلاق، وهي سيناريوهات وخيمة جداً، من الممكن أن تطيح بالعملية السياسية والنظام السياسي العراقي، الذي شكلته ودعمته واشنطن بعد عام 2003، ولاسيما أن اغلاق السفارة وانسحاب البعثات الدبلوماسية من بغداد، يعني سحب الشرعية الدولية من النظام السياسي العراقي..
تريد الادارة الاميركية من التهديد بسحب سفارتها من بغداد اختبار الحكومة العراقية - برئاسة الكاظمي التي حظيت بالدعم الاميركي المحدود في الفترة الماضية -والتأكد من قدراتها في التصدي للجماعات المسلحة التي تستهدف مصالحها، وذلك لحسم موقفها من الحكومة العراقية، اما التعامل معها كحليف استراتيجي لها، او التعامل معها على انها ضمن المحور الايراني..
سيطرة الاحزاب السياسية والمافيات في العراق تعيق باستمرار اصلاح وتطوير هذا المرفق المالي المهم من اجل ضمان السيطرة على تلك المنافذ وتأمين ايرادات مالية ضخمة، تقدر بـ (10) مليار دولار سنويا وفقا لنواب في اللجنة المالية البرلمانية، لتمويل الاحزاب وضمان الهيمنة على النفوذ والسلطة في العراق..
عدم الاكتراث لأوضاع البلاد من قبل "القوى السياسية الشيعية" والانشغال بمصالحها الضيقة ليس جديدا. ولكن الجديد في الامر هو الازمة المركبة الحالية، والرفض الشعبي للقوى السياسية كافة من دون استثناء. كما ان هذا الانقسام سرعان ما كشف زيف مواقف بعض القوى التي حاولت التقرب من الجماهير المنتفضة..
رغم ان البلد في مرحلة انتقالية، وهي مهمة بالنسبة لدولة تريد أن تتبنى نظام سياسي ديمقراطي، لكن للأسف الشديد كانت البداية هي الطائفية والقوائم الانتخابية المغلقة والاحزاب السياسية التي عبارة عن مجموعات تبحث عن المغانم والمكاسب الضيقة حزبية كانت ام شخصية، لذا تبرز نحتاج لوضع معايير لهذه المرحلة الانتقالية حتى نضمن تداول سلمي للسلطة ونضمن تنشئة سياسية جيدة ونضمن سلوك سياسي منضبط ونضمن ذوق عام، يشعر بالمسؤولية تجاه سيادة القانون والحفاظ على النظام العام..
ومع دخول عام 2020 يبدو ان العراق سيستمر بمفاجئة الجميع بمجرياته احداثه، لذا تبرز تساؤلات ملحة عديدة حول ما يحمله العام الجديد له من توقعات، لاسيما ان محيطه الإقليمي يغلي على صفيح ساخن، مدعوما بتقاطع مصالح وسياسات واضح بين القوى الكبرى الرئيسة المؤثرة في الشرق الأوسط..
تأخر "القوى السياسية" في العراق – وبالأخص القوى "الشيعية" - خطوات وسنوات عن التحول الاجتماعي الحاصل بسبب عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية عدة، جعلها في مأزق اليوم وهي تواجه حراك اجتماعي احتجاجي واسع شكل صدمة كبيرة لها في جغرافية يعتقدون انها عمق انتخابي وجماهيري لهم..