مسارات المواجهة بين إيران والتحالف الصهوأمريكي بعد اغتيال المرشد؟

مسارات المواجهة بين إيران والتحالف الصهوأمريكي بعد اغتيال المرشد؟
تبقى لحظات الانتقال القيادي لحظات حساسة وهشّة بطبيعتها، ولحظة مفترق طرق، تتقاطع فيها الحسابات العقلانية مع الانفعالات والضغوط الداخلية، ولاسيّما فيما يتعلق باغتيال شخصية مهمة بحجم المرشد الإيراني؛ ما يجعل مسار المواجهة مفتوحًا على أكثر من احتمال، بين نار التصعيد، وفرصة إعادة التموضع الاستراتيجي

بعد اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي – بوصفه أعلى سلطة دينية وسياسية في بنية النظام الإيراني، والماسك الحقيقي لكل مفاصل الدولة والنظام الإيرانيين – صباح يوم السبت الماضي، فإن العلاقة المتوترة أصلًا بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ستدخل طورًا جديدًا من الحسابات الاستراتيجية والشك وعدم اليقين. وعلى الرغم من أنَّ غياب شخصية مركزية تمسك بمفاصل التوازن بين المؤسسات الإيرانية الفاعلة (مكتب المرشد، الحرس الثوري، مجلس صيانة الدستور، ورئاسة الجمهورية)، وهو القائد العام للقوات المسلحة، وصاحب كلمة الفصل في السياسات العليا (المحلية والخارجية للدولة) والولّي الفقيه، لا يعني بالضرورة انهيار النظام، إلا أن غيابه، يُعد عاملًا مؤثرًا في مسار الحرب من حيث القرار، والردع وإدارة التصعيد. وإنَّ غيابه، قد يحدث فجوة مؤقتة في مركز القرار، على الرغم من وجود ووضوح الآليات الدستورية في اختيار سلفه. هذه الفجوة، قد تؤدي إلى بطء اتخاذ القرار، وتفتح الباب أمام مسارات متعددة للمواجهة، أو إعادة التموضع. مبدئيًا، ربما يتقَّدم الحرس الثوري الإيراني لملء الفراغ الذي سيخلفه غياب المرشد، ويحاول سد الفراغ وإدارة المواجهة، وهذا من الممكن أن يزيد من مسار التصعيد. ربما لحد الآن، لا يستطيع أحد أن يتكهن بمستقبل الصراع بين الطرفين، لكن يمكننا أن نضع تصَّور لمسارات المواجهة الجارية بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة آخرى، وطبيعة تأثير غياب المرشد على هذه السيناريوهات أو المسارات. وفقًا لمجموعة معطيات سياسية واقتصادية وأمنية منفردة أو مجتمعة لكل طرف من الاطراف، فضلًا عن تداعيات الحرب على الوضعين الاقليمي والعالمي والشرق الاوسط بشكل عام:

أولًا: مسار التصعيد الشامل 

على الرغم من أنَّ مسار المواجهة في هذا السيناريو غير متناظرة، فأن إيران قد تتجه إلى توحيد الصف الداخلي، ولاسيّما مع وجود قوى داخل إيران تعمل على هذا الموضوع، كتلك القوى المرتبطة بالمؤسسة الأمنية، من خلال تبَّني خطاب تعبوي يقوم على »الثأر« واعتبار الاغتيال عدوانًا مباشرًا. وهو ما قامت به إيران فعلًا، وأعلنت عنه صباح يوم الأحد على لسان رئيسها بقوله "الانتقام والثأر لجريمة اغتيال خامنئي يعد واجبًا" وكذلك ما صرح به لاريجاني بأن إيران "ستضرب الولايات المتحدة وإسرائيل بقوة لم يسبق لهما أن اختبروها من قبل". وهنا قد تتكثف أدوات الرد غير المتناظر، استهداف مصالح أمريكية عبر ساحات إقليمية، تصعيد في الخليج، أو تسريع خطوات البرنامج النووي لرفع كلفة الضغط. أما بالنسبة لواشنطن وإسرائيل، سيُنظران إلى أي تحرك إيراني بوصفه اختبارًا للردع؛ وستسعى واشنطن إلى تعزيز وجودها البحري والجوي، وفرض عقوبات إضافية، وربما تنفيذ ضربات محدودة لاحتواء التصعيد. غير أن هذا المسار يحمل مخاطر الانزلاق إلى صدام أوسع، ولاسيّما في ظل تداخل الساحات من العراق إلى الخليج، إذ يصبح سوء التقدير عاملًا حاسمًا في توسيع دائرة الاشتباك. ولعل غياب المرشد الإيراني عن هذا السيناريو، سيكون بمثابة تعبئة قومية تحت شعار »الدفاع عن السيادة والانتقام« بما يعزز التماسك الداخلي، أو ربما يفتح نقاشًا داخليًا في اوساط المؤسسات الإيرانية الرسمية، حول كلفة الحرب، وأوليات الدولة الإيرانية، ومستقبل النظام السياسي، ولاسيّما مع تزايد الضغوط الاقتصادية. وهنا ربما يكون الرأي العام مؤثرًا في هذا المسار أيضًا.  

ثانيًا: مسار الاحتواء المنضبط 

انطلاقًا من تأثير الرأي العام، ومخاوف المؤسسات الإيرانية بشأن مستقبل الدولة والنظام من سيناريو التصعيد الشامل، قد تلجأ إيران إلى مسار إدارة الأزمة دون حرب مفتوحة، لحسابات مهمة يدركها صانع القرار الإيراني. فقد تدرك النخب الإيرانية، أن لحظة ما بعد الاغتيال هي لحظة انتقال داخلي حساسة، وأن أولوية النظام ستكون تثبيت الاستقرار واختيار قيادة جديدة ضمن الأطر الدستورية. في هذه الحالة، يُحتمل أن يُدار الرد الإيراني بطريقة رمزية أو محدودة تحفظ ماء الوجه دون استدراج مواجهة شاملة. بموازاة ذلك، قد تلجأ واشنطن إلى استراتيجية »الردع الهادئ«، أي بمعنى إبقاء الضغط الاقتصادي والسياسي قائمًا، مع تجنب خطوات عسكرية كبرى قد توَّحد الداخل الإيراني ضدها. هذا المسار يقوم على حسابات عقلانية مفادها أن الطرفين، رغم العداء، لا يرغبان في حرب مفتوحة ذات كلفة إقليمية ودولية مرتفعة، ولاسيّما في ظل أزمات الطاقة والاقتصاد العالمي. وعلى الرغم من أن مسار الاحتواء المنضبط لا يلغي التوتر، لكن من شأنه أن يحوله إلى صراع طويل الأمد منخفض الوتيرة، تُستخدم فيه أدوات العقوبات، الحرب السيبرانية، والحرب بالوكالة بدل المواجهة المباشرة. وسيكون لغياب المرشد دور في اخذ هذا المسار؛ لكونه قد يخفف التفاهمات مع المؤسسات الإيرانية المعنية بهذا السيناريو، وربما يكون هناك اجماع إيراني حول هذا المسار. أما بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، فأنهما سينظران إلى غياب المرشد من زاويتين، اولهما احتمال ضعف مؤقت في بنية النظام والقيادة؛ مما يشجعهما على الضغط العسكري والسياسي. وثانيهما تتعلق بعدم وضوح توجهات القيادة الجديدة؛ مما يزيد من احتمالات سوء التقدير المتبادل. 

ثالثًا: مسار التحول التفاوضي 

إنَّ نافذة إعادة ترتيب العلاقة بين طهران وواشنطن، قد تكون مطروحة في قادم الايام، على الرغم من أن هذا المسار، الأقل احتمالًا في المدى القصير، إلا أنَّ مرحلة ما بعد اغتيال المرشد، قد تُنتج قيادة إيرانية تسعى إلى إعادة تعريف أولوياتها، ولاسيّما إذا رأت، أن تخفيف الضغوط الاقتصادية ضرورة داخلية، أو أن تكون القيادة الجديدة، أقل تصلبًا في مواقفها السياسية والايديولوجية تجاه امريكا والغرب من السيد علي الخامنئي. وهذا المسار، قد يكون مدفوعًا، بالوضع السياسي والاقتصادي الإيراني، ومستقبل الدولة والنظام السياسي في إيران، ورؤية القيادة الجديدة ومخاوفها من استمرار الحرب، التي بدورها قد تستنزف الداخل الإيراني. هنا قد تنشأ فرصة لإعادة إحياء مسار تفاوضي حول الملف النووي أو ترتيبات أمنية إقليمية. أما بالنسبة لواشنطن، ربما ستنظر إلى التحول القيادي في إيران، فرصة لاختبار إمكانات "تغيير السلوك" عبر مزيج من الحوافز والضمانات. غير أن نجاح هذا المسار يتوقف على عدة عوامل: طبيعة القيادة الجديدة، موقف الحرس الثوري، ومواقف الحلفاء الإقليميين، الذين قد ينظرون بقلق إلى أي تقارب مفاجئ. فضلًا عن الموقف الإسرائيلي الذي يعد موقفًا فاصلًا في إعادة احياء هذا المسار. 

بالمجمل، يمكننا القول: إنَّ هناك عدة عوامل من شأنها أن تؤثر في ترجيح أحد هذه المسارات، ولاسيّما فيما يتعلق بتوازن القوى داخل إيران، فهل تميل الكفة نحو التيار الأمني المتشدد أم نحو مقاربة براغماتية تسعى لخفض التوتر؟ ومدى استعداد واشنطن لتحَّمل كلفة التصعيد الإقليمي، ولاسيّما في ظل أولويات عالمية أخرى. فضلًا عن الدور الإقليمي، ووحدة الساحات، والرأي العام المحلي بالنسبة لإيران، وحسابات السياسة الداخلية والانتخابات، بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية. قد يكون الاحتمال الأكبر، مزيج بين التصعيد المحدود والاحتواء المنضبط، ولاسيّما أن كل طرف، قد يسعى إلى فرض معادلة ردع جديدة دون الانجرار إلى حرب شاملة. ومع ذلك، تبقى لحظات الانتقال القيادي لحظات حساسة وهشّة بطبيعتها، ولحظة مفترق طرق، تتقاطع فيها الحسابات العقلانية مع الانفعالات والضغوط الداخلية، ولاسيّما فيما يتعلق باغتيال شخصية مهمة بحجم المرشد الإيراني؛ ما يجعل مسار المواجهة مفتوحًا على أكثر من احتمال، بين نار التصعيد، وفرصة إعادة التموضع الاستراتيجي. 

م. ميثاق مناحي العيسى

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!