الكاظمي واستعادة دور الدولة... ما العمل؟
استعادة دور الدولة العراقية ليست نزهة سياسية، كما انها ليست لعبة هواة، بل هي مهمة خطيرة للغاية، وستكون الحكومة في وضع لا تحسد عليه فيما لو توفرت لديها الارادة الحقيقية لبلوغ هذا الهدف..
استعادة دور الدولة العراقية ليست نزهة سياسية، كما انها ليست لعبة هواة، بل هي مهمة خطيرة للغاية، وستكون الحكومة في وضع لا تحسد عليه فيما لو توفرت لديها الارادة الحقيقية لبلوغ هذا الهدف..
ان المواطنة والقيم المدنية تشكل اليوم معيارا للحرية الحقيقية، ومقياسا على كون الناس في دولهم مواطنين احرار فعلا، ام انهم مجرد رعايا يرزحون تحت عبودية جماعة ما: دينية ام عرقية ام فكرية ام متغلبة. ومن العبث البحث عن مواطن فعال (مبادر) في دولة رعايا وعبيد..
لا مقاومة مشروعة مع الدولة، ولا دولة مع المقاومة المشروعة، وخلاف ذلك من الكلام اما ناجم عن جهل قانوني بالموضوع او يهدف إلى نسف دولة شرعية قائمة لمصلحة مقاومة غير مشروعة لا تعترف بوجود الدولة التي تعيش على أرضها..
المائة عام الأخيرة من عمر الشرق الأوسط تحكي قصة فشل كبيرة لجميع بلدان المنطقة في التطور الديمقراطي، محكومة بأسوء اشكال الحكم، من حيث تقييد الحريات، والاستئثار بالسلطة، واحتكار الثروة والنفوذ، فيما بقيت شعوبها مجرد رعايا لنظام الحكم لا مواطنين تربطهم رابطة المواطنة الواحدة المتساوية..
العراق والمنطقة مقبلة على احداث مهمة، وتحولات سريعة وخطيرة، ومن لم يعد العدة لها لن يُرحم، ففي حلبات المصارعة، كما في رقعة الشطرنج لن يتحقق النصر بالتهور، وسرعة الاندفاع، بل بفهم قواعد اللعب، وتوظيفها بذكاء ضد نقاط ضعف الخصم لإلحاق الهزيمة به في الوقت المناسب..
إن اثارة هذا الموضوع، في هذا الوقت، الغرض منه هو لفت الانتباه إلى التأثير السلبي الجسيم لبعض تقاليد وعادات الأسلاف في الثقافة المعاصرة لمجتمعنا العراقي، حتى إن مشاكلنا الكثيرة التي نعيشها اليوم في أنفسنا وأسرنا ومؤسساتنا وأنماط الحكم والإدارة لدينا سببها هيمنة تلك العادات والتقاليد، فتجدها تأسر عقولنا، وتقمع فعلنا، وتمنعنا من إنتاج عادات وتقاليد جديدة تتناسب مع مقتضيات عصرنا..
المرحلة القادمة ستكون حاسمة بالنسبة للإصلاح الديمقراطي وتصحيح مسار الحكم في العراق، وهي تتطلب تحالف فاعل وتعاون جدي بين جميع القوى التقليدية والمدنية الراغبة بالحفاظ على مصالحها العامة والخاصة..
لا تبدو الشهور القادمة مشرقة للعراق حكومة وشعبا، وستكون هناك تداعيات سياسية واجتماعية أكثر خطورة من التداعيات الصحية والاقتصادية..
وقت اللعب بالطريقة القديمة أوشك تماما على الانقضاء، وان الكارت الأحمر سيشهر على كثير من القيادات المتنفذة، وما لم يتم تدارك الأمور بحكمة وحزم وقوة فإنها ذاهبة الى منزلق خطير للغاي..
يظن السياسيون الشيعة المتسيدين للمشهد في العراق منذ عام 2003 الى الوقت الحاضر أنهم قادرون على الاستمرار بلعبتهم السياسية الفاشلة التي اعتادوا عليها الى ما لانهاية، لكنهم قريبا سيدركون انهم واهمون للغاية..
العملية السياسية الجارية في العراق اليوم باتت كالرجل المريض الذي فشل الأطباء (القادة السياسيون) في مداواة علله الحقيقية، فاستفحلت هذه العلل بشكل كارثي، لدرجة ان موته وإصدار شهادة وفاته ما هي الا مسألة وقت ليس الا..
ليست مصلحة نظامنا التعليمي الجامعي في إخفاء الحقائق، أو تجاهلها، أو اتهام من يسلط الضوء عليها، بل مصلحته في الحرص على بحث مشكلته بجميع أبعادها، وتلافي الأخطاء التي ارتكبت أو لا زالت ترتكب، فمصير التعليم يتوقف عليه مصير الوطن بكامله، ولا نهوض لوطن تكون سياسته التعليمية فاشلة أو جامدة وعصية على التغيير نحو الأفضل..
ومع دخول عام 2020 يبدو ان العراق سيستمر بمفاجئة الجميع بمجرياته احداثه، لذا تبرز تساؤلات ملحة عديدة حول ما يحمله العام الجديد له من توقعات، لاسيما ان محيطه الإقليمي يغلي على صفيح ساخن، مدعوما بتقاطع مصالح وسياسات واضح بين القوى الكبرى الرئيسة المؤثرة في الشرق الأوسط..
ما لم تعيد طهران حساباتها في سياساتها المحلية والدولية، وتلتفت بعناية أكبر الى ميدان حربها الحقيقي، لاستعادة ثقة الناس بها، وانجذابهم الى انموذجها، فان الثورة الخفية لن تلبث طويلا حتى تتحول الى ثورة علنية حقيقية تطيح بكل ما يمثله النظام هناك وفي الشرق الأوسط..
خرجت واشنطن وطهران منتصرتين من التصعيد الأخير بينهما؛ لكونهما ادارى اللعبة بمنطق الدولة، ووحدة القرار السياسي والعسكري، وخرج العراق مهزوما مأزوما وأكثر انقساما؛ لكونه أدارها بمنطق السلطة والانقسام والفوضى، وستبقى بغداد تحصد الهزائم والمآسي طالما ان مشروع الدولة خارج سياق تفكير نخبها السياسية والعسكرية والدينية والمدنية..
الرد الذي حصل بدخول الخضراء ومحاولة اقتحام السفارة الامريكية يُظهر بدرجة كبيرة لا تقبل الجدل ضعف حكمة الحكومة العراقية والقوى الرئيسة المهيمنة عليها، فهو الى جانب كونه خطأ لا يُغتفر، فأن له تداعيات وعواقب وخيمة على سمعة الدولة العراقية، ومستقبل قياداتها السياسية..
لقد برز التأثير السيء الناتج عن كل ما تقدم من خلال النقمة الشعبية المستمرة، التي اظهرتها معظم الاطياف الاجتماعية العراقية – بين فينة وأخرى-وتجسدت، أخيرا، في شكل انتفاضة شعبية، واسعة وناقمة، في مناطق الوسط والجنوب، منذ الأول من تشرين الأول-أكتوبر 2019 والى الوقت الحاضر، قادت الى اسقاط حكومة السيد عادل عبد المهدي، وتهدد بتغيير موازين القوى بشكل قد يغير كامل المعادلة لما سمي بالعملية السياسية التي جاءت عقب الاحتلال الأمريكي..
ان نجاح الحكومة في جميع او بعض ما أعلنته من حزم إصلاحية لا يعفيها من مسؤولية ما حصل اطلاقا، بل قد يُرتب نجاحها المزيد من المسؤولية عليها تحت طائلة أسباب تقاعسها عن القيام بمثل هذه الإجراءات قبل اندلاع موجة الاحتجاجات الأخيرة ووقوع هذا العدد الكبير من الضحايا..
يخطأ كثيرا من يظن ان العراق فقد تأثيره العالمي، فهو لا زال وسيبقى لديه هذا التأثير، من خلال ما يمتلكه من رصيد زاخر من القوة الناعمة، الا ان هذا الرصيد سيبقى مجرد قوة محتملة وكامنة تحتاج الى بشر اذكياء لديهم الإرادة والتصميم والقدرة على تحويلها الى قوة حقيقية تنتج دولة تمثل بشعبها وحكامها ونظام ادارتها أنموذجا جذابا للعالم..
إذا أراد العراق أن يكون رائدا في محيطه، آمنا على مستقبله، ومؤثرا على مستوى العالم، فعليه توفير المرتكزات اللازمة لترسيخ ديمقراطيته، وفي مقدمتها تعزيز المواطنة الفعالة لمواطنيه؛ لأنه بين خيارين لا ثالث لهما: إما النجاح في تجربته الديمقراطية، وإما الاستسلام لدكتاتورية جديدة قصيرة العمر تعقبها الفوضى العارمة التي قد تهدد وجوده السياسي بالكامل..
ليست مشكلة العراق اليوم بالسيد عادل عبد المهدي كشخص، انما مشكلته الحقيقية في عدم وجود مشروع وطني جامع تلتف حوله القوى السياسية، فالظاهر الدستوري للدولة شيء، والواقع التنفيذي لها شيء آخر، اذ لا توجد رغبة لدى معظم اللاعبين الأساسيين في احترام القانون وسيادة الدولة، ويرون انهم فوق القانون والسيادة، بل انهم أصحاب السيادة بأنفسهم واحزابهم وولاءاتهم..
الحشد الشعبي هو قوة ردع عراقية حاسمة وفاعلة لا يمكن التفريط بها أو إهمالها، ولكن إذا لم تلتفت قياداته إلى المخاطر الإستراتيجية المحدقة بها، وتتعامل معها بحكمة وذكاء لمنع توريط نفسها في مواقف فردية غير محسوبة العواقب، فلا يوجد ما يمنع تحوله إلى قنبلة موقوتة سيقود انفجارها إلى زعزعة وحدة واستقرار العراق لوقت طويل..
كانت، ولا زالت، مشكلة العراق هي افتقاره للقيادة السياسية المدركة لحجمه ودوره، ولديها الرؤية الاستراتيجية لاستثمار كل إمكاناته لبناء دولة حديثة بمعنى الكلمة تقود منطقتها نحو التطور والنمو الحضاري..
ان استمرار وتصاعد نسب الفقر ينذر بضياع الديمقراطية العراقية الهشة، وانهيار الثقة بمشروعها ورجالها وقيمها، كما يبذر البذور المنتجة لكل التهديدات السياسية والاجتماعية والأمنية-الان وفي المستقبل-فالفقر هو الكلمة الملخصة للفشل الحكومي التام، وهو صندوق باندورا الذي ستخرج منه كل الشرور..