ان ضعف المجتمع المدني يعد عيبا خطيرا في جسد الديمقراطية العراقية بعد 2003، فهو يجعلها هشة ورخوة في الان نفسه، ويحرمها من المستلزمات البشرية والقيمية المطلوبة لتعزيز قوة ومتانة هياكلها المادية المؤسساتية، وبدون اصلاح هذا العيب لن يكون مستغربا ابدا اسقاط هذه الديمقراطية يوما ما على يد اعدائها الطبيعيين من المغامرين والانتهازيين والمتطرفين، فقوة الديمقراطية الحقيقية تكمن في وجود قيمها ومؤسساتها الداعمة، وبدون وجود المجتمع المدني لا وجود لهذه القيم والمؤسسات..
ان الوضع الجديد يتطلب طرح العواطف والتزمت المبدئي والمواقف الفوقية المستعجلة بعيدا، والتركيز فورا وبلا تأخير على متطلبات حفظ مصالح البلدين بحيث لا يشكل كل منهما تهديدا غير مقصود للآخر، وعدم ربط مصالحهما ببعضها بشكل صارم الى درجة تجعل أي تهديد لمصالح طهران يعني بالضرورة والتلازم تهديد مصالح بغداد..
تمثل دعوة اوجلان فرصة طيبة للكرد أنفسهم، ولحكومات وشعوب المنطقة لفتح صفحة جديدة من الامن والاستقرار والسلام، وهي تأتي في ظل ظرف حساس للغاية، مما يقتضي اقتناصها والاستفادة منها الى اقصى حد، ومن الخطأ تجاهلها او اهمالها او إساءة التعامل معها، لا سيما ان البدائل الأخرى غير آمنة وعواقبها مجهولة، فهل يمكن استثمار هذه الفرصة وعدم اضاعتها؟ هذا السؤال سوف تجيب عنه تطورات الاحداث في الأشهر والسنوات القادمة..
لا شك ان الشعب الكُردي من الشعوب العظيمة في الشرق الأوسط، وأنه تحمل الكثير من المعاناة في تاريخه وهو يطالب بحقوقه السياسية والاقتصادية والثقافية، وكانت -ولا زالت- الديمقراطية هي طوق النجاة للتخلص من معاناته والتمتع بحقوقه، ولكن عندما توفرت الفرصة له ليحكم نفسه بحرية داخل عراق فدرالي تعددي فرطت قياداته بطوق نجاته وركضت مغمضة العينين وراء سياسات وممارسات للحكم تسببت لها بالأذى عبر التاريخ، وجردتها من فاعليتها وقوة تأثيرها...
مما تقدم يبدو ان القاهرة وعمان ستتعرضان لضغط امريكي هائل ومستمر لإجبارهما على تنفيذ مبادرة ترامب بشأن غزة، لاسيما وان رفضهما للمبادرة رد عليه آدم بولر مبعوث ترامب لشؤون الاسرى بالقول: " على مصر والأردن تقديم بديل بعد رفضهما استقبال الفلسطينيين"..
من المتوقع ان هدنة غزة لن تستمر، وان الأوقات الصعبة لحماس والشعب الفلسطيني لم تنته، واذا لم يكن لواشنطن دورا مؤثرا في لجم جماح نتنياهو وأركان حربه، فان شهوتهم للقتال، ورغبتهم في التخلص من مشاكلهم الخارجية والداخلية بواسطتها ستكون لهما الغلبة في النهاية..
تحتاج أنظمة الحكم والمجتمعات الحريصة على مستقبلها الى الحفاظ على منظومة قيمها المدنية، وتجنب الاسباب التي تشكل خطرا عليها، وهنا سيبرز أهمية تفعيل دور الاسرة، والمدرسة، والجامعة، والمؤسسات الدينية، والمدنية، ووسائل الاعلام، ومؤسسات انفاذ القانون...كأدوات ناجعة ومؤثرة في حماية هذه المنظومة، وتعزيزها، وترسيخها كمصدر مهم من مصادر قوة المجتمع والدولة، بل أهمها على الاطلاق، ولكن يبقى دائما الدور الرائد في هذا الموضوع هو للقيادات السياسية والاجتماعية..
هناك قلق وتخوف من عودة ترامب لا يرتبط بالدرجة الأولى بمذكرة القاء القبض الصادرة بحقه من احدى المحاكم العراقية، وانما يرتبط القلق والتخوف بالسياسة الامريكية اتجاه منطقة الشرق الأوسط والمحكومة بالصراع بين واشنطن وطهران من جهة، وطبيعة الوضع الداخلي العراقي من جهة أخرى..
ان ما نشهده في هذه الأيام من أصوات متعالية تستهدف الحكومة العراقية ورئيسها ترتبط -للأسف – حول إدارة السلطة في بغداد، فتأثير هذه الحقائق هو الذي يحرك عجلة الدعايات والمواقف المضادة للسوداني، ولا علاقة لما نراه بما يسمى بفشل البرنامج الحكومي او ملفات الفساد والتجسس وغيرها من الملفات المحرجة التي ظهرت مؤخرا، فالخوف من خسارة التأثير والنفوذ السياسي او بعضه لصالح السوداني هو الذي يشكل هاجس القيادات والقوى التي تقف خلف هذه الدعايات والمواقف..
من الخطأ الجسيم ان تمر الفصائل المسلحة على كتاب شكوى العتبة العباسية مرور الكرام، كما فعلت لحد الان، فهو كتاب خطير الدلالات، ويعكس استعدادا ضمنيا لدى مرجعية النجف للتصعيد ضد هذه الفصائل، وربما نزع الشرعية عنها في لحظة ما، وقد يشي -أيضا- بوجود صراع داخلي (شيعي-شيعي) فيما يتعلق بالقيادة الدينية، قد تتكشف مظاهره المزعجة بعد غياب السيد السيستاني..
بعد ان اتضح للقارئ الكريم في المقالين الأول والثاني طبيعة العوامل المؤثرة في تشكيل الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر، وانعكاساتها على البنية الفكرية لهذا الخطاب، بات من الضروري جدا في هذا المقال تقديم ما يراه كاتب هذه السطور مناسبا من الاضاءات لتجديد وتطوير هذا الخطاب في المستقبل..
ليس امام هذا الخطاب من سبيل للنجاة من الانحدار والزوال، الا البدء بسرعة بإعادة النظر في منطلقاته الفكرية والعملية، من اجل تجديدها وتقديم خطاب مختلف ينسجم مع حاجات العصر، وقادر على الاستجابة لتطلعات الشعوب المسلمة وغير المسلمة في العالم الإسلامي، وان السبل الى ذلك ستكون موضع المقال الثالث لهذه السلسلة..
أن حكومة السيد السوداني بحاجة الى التحلي بالحكمة، وبعد النظر، والحذر الشديد وهي تتعامل مع موضوع حساس كموضوع رفع قيمة الضرائب والرسوم والغرامات على مواطنيها، فهذا الموضوع طالما تسبب بسقوط حكومات لم تكن تنقصها النية الحسنة في خدمة مواطنيها، ولكن تنقصها الحكمة في اختيار الوقت المناسب لاتخاذ قراراتها..
كان العراق –ولا زال-واحدا من أكثر الساحات التي خاضت فيها القوى الإسلامية منافساتها وصراعاتها، لأثبات وجودها، وتأكيد نفوذها، والبرهنة على صحة اطروحاتها، ولكن الخطاب السياسي لهذه القوى لم يكن يخلو-في كثير من الأحيان-من ثغرات وعثرات، سببها طبيعة الظروف التي خرجت من رحمها هذه القوى، من جانب، والبنية الداخلية الفكرية التي حكمت مسارها الحركي في الحياة السياسية، من جانب آخر..
ان الشرق الأوسط في سنة 2024 لن يكون اقل سخونة من سنة 2023، بل على العكس قد تكون سخونة الشهور الأخيرة من سنة 2023 مجرد احماء لما هو قادم في السنة الجديدة، فكل الأطراف تشحذ سيوفها، وطبول الصراع تقرع بأعلى اصواتها، ولن ينجوا مما هو قادم الا الدول القوية التي تتصف بقيادات حكيمة فعالة تمتلك الثقة والاحترام من قبل شعوبها، ولديها القدرة على التكيف الإيجابي مع تطورات الاحداث، اما الضعفاء والحمقى فمصيرهم السحق والاذلال..
ان هذه القمة والبنود التي تبنتها الدول العربية والإسلامية في بيانها الختامي على أهميتها لن تردع تل ابيب عن المضي في تحقيق أهدافها التي وضعتها لحربها في غزة، طالما اقتصرت مواقف هذه الدول على الشجب والادانة والاستنكار والرفض والمطالبة وتقديم المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني، فما كان يخيف تل ابيب وحلفائها هو وجود استعداد عربي واسلامي لتوسيع الصراع عند الضرورة، وبغياب هذا الخيار او التلويح به تكون بقية التبعات قابلة للتحمل..
ان الثمن الباهض الذي دفعه صانع القرار العربي والإسلامي الشرق أوسطي ولمرتين متتاليتين يبدو انه تم استيعابه أخيرا بشكل ما، وما التوجه السعودي باتجاه الحفاظ على سيادة الدولة الحديثة، وتقوية مؤسساتها، وعدم التدخل الخارجي في شؤونها، سواء في اليمن ام سوريا ام العراق ام غيرها الا مؤشر على هذا الامر، ولكن تحرك الرياض بحاجة الى دعم واسناد واتخاذ خطوات مماثلة له من بقية الأطراف الإقليمية..
فشلت واشنطن والطبقة السياسية العراقية الحاكمة لمرات عديدة في السنوات العشرين الماضية، فيما كسب الشعب العراقي امتحاناته العسيرة لأكثر من مرة، ولكن لا زال المستقبل يُظهر مؤشرات كثيرة من اللا يقين، كما يخفي مخاطرا لا يمكن نكرانها، وهي مخاطر تثير الخوف والهلع وتنذر بالمزيد من الامتحانات الصعبة، وما لم يتم الاتعاظ من دروس الماضي القريب، فسيبقى العراق وشعبه عالقا في دوامة المعاناة والتدخل الخارجي الذي لا ينتهي..
لقد كسبت البلدان العربية في حال التزامها بمقررات اعلان بكين سلامها وحيادها واستقرارها، ولكن خسرت تل أبيب فرصتها في تشكيل تحالف إقليمي معادي لطهران، كما خسرت طهران قوة ردعها العسكرية القائمة على التهديد بالحرب الشاملة، واصبحتا لأول مرة وجها لوجه امام بعضهما البعض، وعليهما اتخاذ القرار لتحديد مسارات الصراع المستقبلي بينهما، وتحمل مسؤولية ما ستقررانه..
على الرغم من الدور الذي بذله كل من العراق وسلطنة عمان في اذابة الجليد بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمملكة العربية السعودية في السنين الماضيتين، الا أن طهران والرياض اكتفتا بشكرهما فقط عندما اختارتا بكين لتكون مكان الاعلان الرسمي عن تطبيع العلاقات بينهما، وذلك في يوم الجمعة الموافق للعاشر من شهر آذار-مارس الجاري، بعد أربعة أيام من التفاوض بين وفدين رفيعين مثلا الطرفين..