الشرق الأوسط في استراتيجية الأمن القومي الأمريكية

الشرق الأوسط في استراتيجية الأمن القومي الأمريكية
أعلن البيت الأبيض، في 4 كانون الاول 2025، عن وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة، والتي حددت المبادئ والأهداف التي تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقها، وطرق تنفيذها من خلال الوسائل العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية وأدوات القوة الناعمة، وحددت بعد ذلك توجهاتها في مناطق العالم وكان ترتيب ورودها في الاستراتيجية: الأميركيتان، وآسيا، وأوروبا، والشرق الأوسط، وإفريقيا

في نشاطه الدوري قدم مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية ورقة بحثية ناقشت الأوضاع الراهنة في الشرق الأوسط، وذلك ضمن الجلسات المتواصلة لملتقى النبأ الأسبوعي الذي ينعقد في مقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام، وحضر هذه الحلقة التي انعقدت يوم السبت الموافق 7/ شباط/ 2026 نخبة من الباحثين والأكاديميين ورؤساء المراكز البحثية، حيث قدم الباحث في مركز الفراد الدكتور حسين السرحان ورقته الموسومة (الشرق الأوسط في استراتيجية الأمن القومي الأمريكية: قراءة استشرافية لمستقبل العراق في المعادلة الإقليمية الجديدة)، وجاء في هذه الورقة:

" يواجـــه النظـــام العالمي ضغوطا وتوتـــرات هيكليـــة عميقـــة ذات عواقـــب وخيمـــة محتملـــة طويلـــة الامـــد:

- تضافرت معا كل مـــن أجنـــدات القـــوى العظمـــى المتنافســـة، واضطرابـــات سلاســل التوريد/الامـــداد، والتعـــافي الاقتصـــادي الهـــش، 

- واتســـاع مناطـــق الصراع لتنتـــج بيئـــة استراتيجيـــة شـــديدة التقلـــب. 

- يتجلى هذا بوضوح في الشرق الاوســـط، حيـــث تتقاطـــع وتتداخـــل الازمـــات في غـــزة ولبنـــان وســـوريا والعراق واليمـــن وليبيـــا والســـودان مـــع أزمـــات الطاقـــة العالميـــة والتجـــارة البحريـــة والمواجهـــات بين القـــوى الكبرى. 

ديناميكيات الشرق الأوسط

تداخلـت العوامـل المؤثـرة في تشـكيل الجغرافيـا السياسـة العالميــة مــع ديناميكيــات الشرق الاوســط؛ ممــا أدى الى تضخيـم نقـاط الضعـف والثقـل الاستراتيجـي للمنطقـة؛ إذ كشـف المدة 2023 - 2025 عـن انقسـامات عميقـة في جميـع أنحـاء الشرق الاوسـط. ولـم تعـد المنطقـة مجـرد مسرح لأزمــات متعــددة؛ بــل أصبحــت ســاحة تتقاطــع فيهــا أجنــدات القــوى العالميــة والاقليميــة، والتــي غالبــًا ما تتعــارض أهدافهــا.

ازمات المنطقة

- غــزة والصراع الاسرائيلي الفلســطيني: حالة اللاسلم واللاحرب.

- لبنان: استمرار التصعيد ضد الجنوب.

- سوريا: صراع متعدد الطبقات.

- ايران: تذبذب النفوذ الاقليمي.

- اليمن: الدخول في صاحة الصراع الاسرائيلي الفلسطيني.

- ليبيا: تفاقم التشرذم والتفتت.

- السودان: الصراع على مناطق الموارد والموانئ وطرق الموارد وتدخلات اقليمية.

استراتيجية الامن القومي الاميركية الجديدة

- أعلن البيت الأبيض، في 4 كانون الاول 2025، عن وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة، والتي حددت المبادئ والأهداف التي تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقها، وطرق تنفيذها من خلال الوسائل العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية وأدوات القوة الناعمة، وحددت بعد ذلك توجهاتها في مناطق العالم وكان ترتيب ورودها في الاستراتيجية: الأميركيتان، وآسيا، وأوروبا، والشرق الأوسط، وإفريقيا.

محاور الاستراتيجية:

1- أولوية المصالح الوطنية الأمريكية قبل أي اعتبار آخر.

2- احترام استقلال الدول وحقها في اختيار نظم الحكم النابعة من تاريخها وتقاليدها وثقافتها؛ ومن ثم ضرورة الالتزام بعدم التدخل لنشر مبادئ الليبرالية والديمقراطية.

3- إعادة ترتيب العلاقات والتحالفات الدولية، وتحول دور الولايات المتحدة من قيادة نظام دولي ليبرالي متعدد الأطراف إلى إقامة تحالفات وفقاً للمصالح الأمريكية الواقعية.

4- ربط الأمن القومي بالأمن الاقتصادي والتكنولوجي.

5- السلام من خلال القوة.

الاستراتيجية لا تدع مجالاً للشك بأن الهدف الأسمى لها هو الحفاظ على دور القيادة الأمريكية للعالم، عبر استمرارها الدولة الأكثر ثراءً، والأسبق تكنولوجياً، والأقوى عسكرياً؛ وهي الاستراتيجية التي وصفها بيان البيت الأبيض بمناسبة إطلاقها بأنها خارطة طريق لضمان بقاء الولايات المتحدة أعظم وأنجح دولة في التاريخ البشري.

تراجع اهمية الشرق الاوسط في الاستراتيجية

• أكدت أهمية تحديد الأولويات؛ موضحة أن هدف السياسة الخارجية هو حماية المصالح الحيوية أو الجوهرية للدولة، وليس إدارة كل قضايا العالم. وفي الجزء الخاص بمنطقة الشرق الأوسط تحت عنوان "نقل الأعباء وبناء السلام"، أشارت الاستراتيجية إلى تراجع أولوية الشرق الأوسط في المنظور الأمريكي، وأن الهيمنة اليومية للمنطقة على جدول أعمال السياسة الأمريكية "انتهت إلى غير رجعة"؛ حيث لم تعد المنطقة تحتل نفس الأهمية التي كانت لها في الفترات الماضية. 

• تعد الاستراتيجية أن الأسباب التاريخية التي دفعت واشنطن إلى التركيز على منطقة الشرق الأوسط، لم تعد قائمة. فعلى سبيل المثال، انتهى الاعتماد الأمريكي على نفط المنطقة، ولم تعد مسرحاً للتنافس الرئيسي بين القوى العظمى، كما لم تعد مجالاً لصراعات تهدد بالاتساع عالمياً.

تراجع اهمية الشرق الاوسط في الاستراتيجية

• دعم هذا التراجع تحول الاهتمامات الأمريكية تجاه قضايا أخرى، أبرزها المنافسة مع الصين، ومكافحة "الكارتلات" وعصابات التهريب والمخدرات في منطقة الأمريكيتين؛ والتي أعطتها الوثيقة الأولوية في الترتيب قبل أوروبا.

• تؤكد الاستراتيجية القبول الأمريكي بالأوضاع السياسية لدول المنطقة، وأشارت صراحةً إلى تخلي الولايات المتحدة عن "المحاولات الفاشلة" لتغيير النظم السياسية من الخارج؛ معتبرة أن مفتاح العلاقة الناجحة "قبول المنطقة وقادتها وشعوبها كما هي مع التركيز على المصالح المشتركة".

• أشارت الاستراتيجية إلى العمل مع هذه الدول على تنمية المصالح المشتركة في مجالات التجارة والاستثمار.

• التزام واشنطن بالعمل لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر؛ وهو ما يُعد جزءاً من استقرار سلاسل الإمداد العالمية.

• ألا تكون المنطقة حاضنة أو مصدراً للإرهاب ضد المصالح أو الأراضي الأمريكية، وكذلك حماية أمن إسرائيل،

• توسيع الاتفاقات الإبراهيمية لتشمل دولاً عربية وإسلامية أخرى.

• الالتزام الأمريكي بالعمل دون سيطرة أي قوة أخرى على المنطقة، ولكن دون التورط في عمليات عسكرية طويلة أو مكلفة. 

مخاطر وفرص محتملة

• اعادة ترسيخ اقتصاديات الحرب والاقتصادات غير الرسمية.

• الفواعل من غير الحكومات (جماعات مسلحة شبكات التهريب)

• بيئة بحرية غير مستقرة وغير آمنة.

• تصعيد التوتر بين ايران واسرائيل.

• انهيار المؤسسات في الدول الهشة / غير المستقرة.

• النفوذ العالمي والاقليمي المتداخل.

الفرص:

- التوسع في جهود تهدئة بعض الصراعات في الإقليم.

- الاتجاه نحو تعزيز سلطة الدولة الوطنية بعيدا عن الجماعات الطائفية والقومية.

- التوافق على تحجيم أنشطة الجماعات المسلحة من غير الدول.

- توسع عمليات إعادة الدمج لبعض الدول في النظام الإقليمي.

- تراجع أسعار الفائدة العالمية وتحسن بيئة التمويل الإقليمي.

- طفرة مراكز البيانات ونظم الذكاء الاصطناعي وتصاعد التوجه الإقليمي نحو قطاع الطاقة المتجددة.

- التوافق الاقليمي على اهمية الامن الاقليمي وامن المنطقة.

- مكافحـة اقتصـادات الحـرب وشـبكات التهريـب. 

- إدراك صانعـــو السياســـات يتجـــاوز مجـــرد الاســـتجابة للازمـــات. فالوقايـــة الاستراتيجية تتطلـــب بنـــاء مؤسســـات في ظـــل الفراغـــات القائمـــة، ومواءمـــة الحوافـــز الاقتصاديـــة مـــع الاســـتقرار الســـياسي.

العراق: قراءة واقعية طموح السلطة اقوى من فهم الدولة

- سياسياً: تشكيل الحكومة بين متطلبات الداخل وتحديات الخارج اقليميا ودولياً.

- اقتصاديا: بلا رؤية، وبلا سياسات، فقدان القرار الاقتصادي لصالح الداخل وخضوعا لمتطلبات الهيمنة الاميركية.

- امنيا: بلا مفهوم أمني واحد، وتنازع حزبي على السلطة الامنية، تنافس الطموحات الحزبية مع المتطلبات الاقليمية والدولية. 

العراق: قراءة استشرافية

المشهد الاول: الاستمرارية 

 (واقع محلي، واقع اقليمي، واقع دولي).

المشهد الثاني: الاستمرارية مع تغيير مساحات النفوذ.

(متطلبات داخلية، متطلبات اميركية، تراجع التأثير الايراني، براغماتية بعض «القوى السياسية»)".


وبعد إتمام قراءة الورقة البحثية، طرح الباحث، سؤالين على الحاضرين للمشاركة في إثراء الموضوع وهما:

• السؤال الاول/ في ضوء ما ورد في العرض، كيف تنظر لمستقبل الشرق الاوسط في ظل استراتيجية الامن القومي الاميركية الجديدة؟

• السؤال الثاني/ ما هي التحديات التي تواجه الدولة العراقية في ظل المعادلة الاقليمية الجديدة، وماهي الفرص التي يمكن توظيفها لتعزيز الدور الاقليمي للعراق؟ 


 المداخلات:

الأستاذ حسين شاكر العطار باحث وأكاديمي

الورقة البحثية غطت الموضوع في جوانب وأقسام كثيرة، منها الأزمات المستمرة في الشرق الأوسط وهي محور الحديث، هذه الصراعات الدولية تشهد احتدام مستمر بين حين وآخر، لكنه ينتهي بنتائج محددة، لكن في الشرق الأوسط ولغاية الآن هناك عشرون سنة من الصراع الإقليمي المسلح، ولم نشهد وضوح الرؤية، وهذا يعني أن هناك نقطة تقاطع دولية في الأجندات الدولية بالشرق الأوسط.

بالتالي فإن هذا الاستمرار في الصراع متواصل سواء في المجال الاقتصادي أو الأمني، والمهم هنا إنه صراع مستمر ومنطقة الشرق الأوسط على صفيح ساخن ومستمر.

بالنسبة للحرب الاقتصادية للولايات المتحدة خاصة ضد الصين هي حرب وجودية، ولذلك نحن نرى أن الرئيس الأمريكي بعقليته الاقتصادية التي هي واضحة جدا، وتفكيره واضح جدا في الاستراتيجية الأمريكية بأنه متواجد في خضم المعركة، وذلك من خلال تصريحاته وقراراته هو يمارس حرب اقتصادية، ويكون مداها أو تأثيرها ذا مستوى بعيد، خاصة في قضية فرض الضرائب، وتراجعه عن بعضها وكأنه يخوض حربا، لذلك ترامب يمارس الحرب حاليا وهو داخل في حرب.

أما التركيز الأمريكي على أمريكا اللاتينية، بحسب وجهة نظري، ما حدث بين إيران وإسرائيل رغم أن المسافة واسعة بينهما، استشعرت الولايات المتحدة الأمريكية أن أمريكا اللاتينية هي مناوئة دائما لها، لذلك بدأ ترامب يتحرك ويتدخل ويجعل هذه القارة ضمن أولوياته، خوفا من تكرار هذه التجربة، أو مثلا قضية فنزويلا أو سواها، يعني إن الدخول في أي نزاع من الممكن أن يستهدف الولايات المتحدة. هذا هو المشهد الأول، اما المشهد الثاني أو النقطة الثانية، فإن الهدف من أمريكا اللاتينية هو الموارد النفطية الضخمة.

ولو لاحظنا أن أمريكا اعتبرت غرينلاند تمثل حماية للأمن القومي، وهي عبارة عن مساحة شاسعة جدا، وكبيرة، وتشكل حماية لأمريكا من الجهة الشمالية، خوفا من الصواريخ الصينية والروسية، بالإضافة إلى كونها منطقة معادن، فهي تمثل الأمن والمعادن، لذلك فإن أمريكا اللاتينية وغرينلاند تمثلا نفس الهدف وهذا واضح جدا للجميع.

أما في العراق فإن مفهوم الدولة العراقية المستقرة سوف تضر بإسرائيل حسب اعتقادها، بسبب وجود الفصائل المسلحة، لأن عقدية الفصائل ضد إسرائيل والأخير هي دولة عقائدية أيضا، بالتالي فمن أهم أهدافهم الآن ضرب الجماعات المسلحة من خلال تجفيف مصادر التمويل، إضافة إلى وجود توافق أمني في المنطقة كما جاء في الورقة البحثية.

ودور العراق في رأيي خاصة في مجال مكافحة الإرهاب، كان مركزيا ومهما وممتازا، حسب وجهة نظري، بغض النظر من وجود بعض الصراعات داخل الأجهزة الأمنية، لكن في الحقيقة شهدنا سيادة وسيطرة واضحة على تنظيم داعش سواء داخل العراق أو حتى في سوريا وبعض الدول الأخرى، وهذا شيء إيجابي جدا.

أما من الناحية السياسية في العراق وتأثيره السياسي على الشرق الأوسط، فلا يوجد له أي تأثير، باعتبار أن الصراع الذي يخوضه صراع داخلي، وبالتالي وجود هذا الفشل الاقتصادي الذريع أيضا، لا يؤثر، أما من الناحية الأمنية، فعلى الرغم من هذا الصراع، لكن توجد لدينا الأجهزة الأمنية التابعة لروح الدولة، وهي المخابرات التي قامت بأداء ممتاز، وكذلك وجود أجهزة استخبارية واختراقات للتنظيمات الإرهابية، واستقبالهم من سجون سوريا بطريقة أمنية ذكية أفضل من أن يتم تركهم، وهذا يساهم في استقرار المنطقة.

في النهاية حول الإجابة عن السؤال الأول بالذات، حول كيف ننظر إلى الشرق الأوسط، هنا يبرز دور الإطار التنسيقي بالذات، فهو حاليا مطالَب وكل يوم تزداد مسؤوليته شيئا فشيئا رغم تكيفه مع الصراع الإقليمي في المنطقة، سواء في لبنان أو سوريا أو إيران، هذا الصراع الإقليمي يجعل مسؤولية الإطار التنسيقي كبيرة جدا من خلال اختيارات الحكومة باعتبار أن الإطار هو المكلَّف بتشكيل الحكومة، أو ترشيح وتكليف رئيس الحكومة.

هذا الدور المهم، يكبر يوما بعد يوم، وبالتالي فإن الإطار التنسيقي هو الذي يتحمل مسؤولية استقرار العراق في المنطقة حاليا، وواضح جدا أن الصراع الإقليمي سوف يتأثر به العراق، وسوف يؤثر به، وبالتالي نحتاج إلى قرار صحيح يجنب العراق المشاكل الأمنية والاقتصادية والسياسية، وفي نفس الوقت يؤثر إيجابيا على    


الشيخ مرتضى معاش باحث ومفكر اسلامي 

بالنسبة إلى الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي المطروحة الآن، هي استراتيجية تقليدية، وهي تدخل ضمن العقيدة الأمريكية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، وبالنتيجة هي استمرار لتلك العقيدة وذلك الأسلوب الذي بنت عليه أمريكا استراتيجيتها في الأربعينيات والخمسينيات على وجه الخصوص.

إن الشرق الأوسط يعتبر إرث للولايات المتحدة الأمريكية وهو جائزة الولايات المتحدة لإنقاذها العالم، من هتلر، وجائزة انتصارها في الحرب العالمية الثانية، وهذا يعتبرونه جزء جوهري وأساسي في الاستراتيجية الأمريكية، لذلك ما قال الدكتور الباحث، هم يحافظون على الوضع الراهن، ويحافظون على الدول الموجودة مهما كانت، بما يمثل مصالح أمريكا وعدم خروجها عن الخطوط الحمراء.

هذه هي سايكس بيكو القديمة، وهي المناطق الجيوسياسية التي تعتبر من حق أمريكا، ولكن نلاحظ التأكيد على هذا الشيء كما يرد في الاستراتيجية المكتوبة، والتركيز على البقاء أي بقاء الوضع كما هو موجود، من الذي يريد أن يحدث تغيير، فهم أولئك الذين تضرروا من هيمنة أمريكا وكانوا يطمحون إلى ما هو أكثر، مثلا أوربا، وفرنسا بوجه خاص، وأمانيا كذلك.

طبعا بريطانيا تلعب في الوسط، لذلك هي تسير دائما مع الولايات المتحدة تقريبا في هذا الشأن، لأن الولايات المتحدة الأمريكية لا تستطيع أن تحكم تلك المنطقة ونعني بها الشرق الأوسط إلا بوجود بريطانيا التي لها خبرة كبيرة جدا في إدارة هذه المنطقة، لذلك فإن الفاعل الجديد في المنطقة هي إسرائيل، والتي لها طموحات كبيرة جدا في أن تكون هي التي تقود المنطقة.

لذلك نلاحظ أن الإشارات الموجودة في الاستراتيجية المذكورة، أن الأمور كلها موجهة إلى إسرائيل، بخصوص أن لا تتجاوز الخطوط الحمراء الموضوعة في المنطقة، وهذه الاتفاقية الموجودة في الخمسينيات، في حكومة الرئيس ولسون، فهناك مبادئ ولسون واتفاق بين إسرائيل وأمريكا أنه لا يحق لإسرائيل أن تتجاوز خارطة فلسطين، لها الحق أن تعمل في داخل فلسطين فقط، وليس لها الحق خارج فلسطين.

هذا اتفاق أمريكي إسرائيلي قديم، وإسرائيل كما قال نتنياهو: (نحن نريد أن نؤسس إسرائيل الكبرى) ليس بمعنى الدولة العقائدية الأيدولوجية والتي لها نفوذ في كل الدول الموجودة في المنطقة، عبر تقسيم الدول وتقسيم المناطق، فقد دعموا استقلال إقليم كردستان، ودعموا استقلال قسد، ودعموا الدروز في سوريا، ودعموا قوات الدعم السريع في السودان، ويدعمون، ويدعمون كل الفصائل أو القوات الانفصالية في جميع دول المنطقة فهناك دعم قوي وهذا أمر واضح كما في قضية تحالفهم مع الإمارات، وأيضا فيما يخص (أرض الصومال) حيث اعترفت بها إسرائيل وتم تقسيم الصومال.

فهذه المعادلة الاستراتيجية موجهة إلى إسرائيل وإيقافها، فأمريكا ليست مستعدة أن تعطي لإسرائيل الجائزة الكبرى، وقد قالها نتنياهو (نحن من ربحنا الحرب وجائزتنا هي أن نسيطر على المنطقة)، لذلك هم يحمون النظام الإيراني، وكل هذا الأسطول الأمريكي هو لأجل حماية النظام الإيراني وليس لمواجهته، نعم صحيح هنالك ضغط، لكن الهدف هو حماية النظام الإيراني من أي حركة انفصالية تتحرك في إيران.

وهذا على ضوء الاستراتيجية الأمريكية، والآن هناك في باكستان حركة، وبدأت حرب في بلوشستان وعمليات إرهابية واضحة، وأيضا الهدف منها واضح، وهو الضغط على التحالف الجديد الذي نشأ بين السعودية وباكستان وتركيا ومصر وقطر وهذا هو التحالف الجديد حيث يبدو واضحا، باعتبار أن باكستان تمتلك الأسلحة النووية، والهدف النووي لهذا التحالف، هو الضرب عليها بقوة لجعل هذا التحالف هشا.

فهذه الاستراتيجية الأمريكية كما أتصور إنها موجّهة حيث أن الأمن القومي الأمريكي يعتقد بتحجيم إسرائيل إلى أبعد حد، وإلا فإن باقي الدول لا تشكل خطورة على أمريكا، فهناك تعاملات وتحالفات بين دول المنطقة وأمريكا وهناك تعاون مطلق، لأنها جميعا تعتمد على أمريكا، حتى بالنسبة إلى إيران، فأمريكا ليس عندها مشاكل كبيرة مع إيران إلا إسرائيل والعقوبات التي نشأت بسبب الضغوط الإسرائيلية في أمريكا.

وهناك نقطة مهمة جدا لابد أن أضيفها وهي، لماذا حصل التغيير في العراق؟، فإذا كانت استراتيجية الأمن القومي لا تعتمد على النظام، فما حصل أن المحافظين صعدوا، وهم لديهم اتجاه قوي فاعل يؤمن بالفوضى الخلاقة، وبتغيير كل قواعد اللعبة الموجودة ونعني بها قواعد اللعبة السياسية، قواعد اللعبة الاقتصادية، والنقدية أيضا وكل هذا هو نتيجة لصعود خط المحافظين.

فهذا الخط موجود الآن في عهد ترامب ويشكل (لوبي قوي) ويتحرك بقوة، ولكن ترامب حجّمه بشكل كبير جدا، لكي لا يستطيع أن يتجاوز حدوده، كما حجم اللوبي اليهودي في البيت الأبيض، لذلك يمكن لمن يريد أن ينظر إلى هذه القضية بالنسبة لنوري المالكي فهو أحد إفرازات المحافظين الجدد، وهو أحد نتائج حركة المحافظين في العراق، لذلك ربما هو ليس عنده ثقة بالمالكي باعتباره يمتلك نفس عقلية لوبي المحافظين الجدد الموجود في البيت الأبيض حيث قدم دعما لنوري المالكي، وهذا يعتبر تجاوز للخطوط الحمراء الأمريكية الأمنية للاستراتيجية الأمن القومي، وهذه النقطة تحتاج إلى التفكير بها لكي يعرف هل هذه القضية موجودة أم لا؟، وهذا الشيء أمر واقع وموجود.

أما بالنسبة للعراق، فأتصور أن مشكلته داخلية، وهي ليست قضية مسيَّرين، فهناك ملاحظة مهمة جدا وهي أن السياسة معقّدة جدا، فتحتاج إلى فهم معقد، لذلك عندما نحن أناسا عاطفيين مؤدلجين، وننظر إلى الأمور من زاوية عقائدية، فلا نعرف الأمور على حقيقتها، بالنتيجة تكون قراراتنا وأفكارنا انفعالية عاطفية، غير واقعية لكي نفهم هذه الأمور، فيمكن أن نفهم الاستراتيجية الأمريكية، ونعرف كيف نتعامل مع هذه الاستراتيجية.

لذلك نلاحظ أن الساسة الموجودين في داخل العراق، ليس مهما لديهم ما يجري في الخارج، وقد كنت منذ البداية مهتما بأن السياسية هي قضية واحدة في العالم، وعندما جئت إلى العراق، وجدتُ أن العراق وحده يفكر سياسا خارج العالم، فأي شخص في العراق عندما يفكر، فهو لا يفكر بأن العراق جزء مرتبط بالعالم، بل هو جزء منفصل وله طابعه الخاص، وهو لا علاقة له بالتفكير العالمي.

فهذه القضية تعد مشكلة خطيرة، لذلك نرى أن المشكلة الموجودة لدينا في العراق هي الصراع على السلطة، والأمريكان ليس مهما بالنسبة لهم هذا الصراع على السلطة، وإنما المهم لهم هو أن السياسي أو النظام لا يتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعوها الأمريكان، وهذه في رأيي مشكلة داخلية، ولحد الآن لا يوجد هناك فهم لهذا الشيء، لكن القطريين أكثر فهما، والسعوديين أكثر فهما، والسوريين أكثر فهما للمعادلات السياسية الدولية وللنظام العالمي وكيف يتحرك؟، بينما العراق لحد الآن لا يزال لم يستفد من تجاربه ونلاحظ كيف تتكلم مراكز الدراسات عن هذا الشيء، وماذا تكتب وكيف تحلّل.

أما العراقيون لا يزالون حتى الآن لا يعرفون كيف يتحرك العالم وكيف يعمل، لذلك أنا أتصور أن هذه النقطة هي مشكلتنا نحن، وإذا لم تفهم حركة العالم تبقى مجرد تابع للآخرين، فيركضون على السلطة ويبقى أكثر شيء يهمهم هو السلطة.


الأستاذ عدنان الصالحي مدير مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية

أعتقد نحن على أعتاب مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، فهناك حدود محددة لكل المساحات ما عدا المنفصلة التي يجب أن تكون خارج المعادلة، حكومات ضمن ضوابط وقوانين واضحة، من دون فصائل مسلحة ومن دون خطوط سوداء للفساد، وهذه أمور واضحة بكل المعالم، ونحن الآن نتحدث عن الحكومة هل هي تابعة، متعاونة، وجزء من هذا الشرق الأوسط الجديد، لكن يجب أن تكون بعناوين واضحة.

هذا فيما يخص المشهد بشكل مختصر، وهناك تحديات تواجه الدولة العراقية، أنا باعتقادي كما ذكر سماحة الشيخ مرتضى معاش، الدولة العراقية باعتقادي على المستوى الإقليمي والدولي تحيَّر بها، لأنها كما تبدو لا هي تعالج نفسها ولا تسمح للآخرين بأن يعالجوها، لا تتعاون مع الخارج في قضية محاربة الفساد، وضبط السلاح وغير ذلك، ولا هي قادرة على ضبط هذه الأمور.

بالنتيجة هي تمثل مشكلة للمحورين الإقليمي والدولي، ولذلك هم يتوقعون أن هذه القضية ضبابية حتى يبقون في موقع (لستُ معك ولا ضدك)، لكن هذا ليس قرارا، فأما أن تقول بأن مستواي عقائدي إقليمي مع الجمهورية الإسلامية وانتهى الأمر، فتندمج معها وما يحدث لها سيحدث لك وينتهي الموضوع، أو تقول كلا، أنا علاقاتي وارتباطاتي وبعدي الإقليمي مع الجمهورية الإسلامية ولكن ارتباطي السياسي على الجمهورية الإسلامية أن تلتزم بضوابط الأمم المتحدة، فيما يخص عملية نزع السلاح، وعدم تطوير قدراتها النووية، بمعنى يجب أن تكون هناك كلمة دولة في هذا الجانب.

فعلاقاتك الشخصية وارتباطاتك العقائدي هذه لا تؤثر على قرارات الدولة لأنك جزء من دولة، مرة تكون أنت رجل دولة تتخذ قرارا، ومرة أخرى كلا أنت تكون رئيس حزب وانتهى الأمر، ولهذا عليك أن تبقى داخل حزبك وتنفصل عن الحكومة وشكّل حكومة ظل ولا توجد مشكلة في هذا الجانب، على أقل تقدير يكون لدينا حكومتان، حكومة واضحة المعالم، وحكومة ظل رديفة لها.

البقاء على هذه الطريقة، قدم في المعارضة وقدم في الحكومة، أو نحن مع عدم استخدام أراضينا في شن اعتداء على دول الجوار، وفي نفس الوقت نحن باقين جزء من اتهامات التمويل لإيران في قضية الأموال وغيرها، هذه السياسية لن تنتج قوة للحكومة العراقية، وسوف تتباطأ عملية التعافي في قضية الجانب الاقتصادي، وكذلك تعرقل عملية النمو الاقتصادي، وهذا تخصص لا أتدخل فيه.

والأهم من ذلك توجد لدينا بُنى تحتية شبه منتهية ونحن في سنة 2026، وهذا هو وضعنا، لا نزال حتى الآن نتعامل مع نفاياتنا من خلال الحاويات، ولا تزال شوارعنا وكأنا شوارع السودان أو الصومال، ومستواياتنا في الجوانب الصحية والطاقة الكهربائية متردية.

فقد تكون بعض الجوانب التي يحتك بها المواطن لفترة معينة لكنها في الحقيقة هي أزمة وشحّة، لماذا نحن نعاني من أزمة رغم أن منتوجاتنا النفطية وأزمة الغاز وغيرها، بحيث أبسط أزمة تحدث تعاني منها كثيرا، مع أنها أصبحت خدمات تديرها شركات بسيطة في دول العالم، هذه الأمور كلها مؤشرات على تراجع قدرات الدولة والحكومة في بناء دولة خدماتية لمواطنيها، ومسك جميع الأمور في يدها.


الأستاذ علي حسين عبيد كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية

يطرح الباحث الدكتور حسين السرحان في الورقة موضوعا في غاية الأهمية والحساسية، وهو يتعلق باستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية التي تقوم حسبما اعتقد على هدفين أساسين، الأول هو حماية الأمن القومي الأمريكي، والثاني هو تأمين الموارد والمواد التي تحتاجها الإدارة الأمريكية، وهي كبيرة وكثيرة جدا، رغم أن الولايات المتحدة تعد المنتج الأول في العالم والمستهلك الأول في العالم أيضا.

لذلك سوف تواجه (وكما نلاحظ اليوم) وقبل عدة عقود، مشكلات كبيرة في هذا الجانب، لكن بالنسبة لأهدافها الأساسية، تحاول وتسعى أن تحققها ضمن سياسات مدروسة ومخطَّط لها وضمن طريق منتظَم، ومن ضمنها تحديد هذه الاستراتيجيات بشكل دوري ومستمر ومنتظم أيضا.

ومن أكثر المخاوف التي تعاني منها الإدارات الأمريكية المتعاقبة وتفكر في مواجهتها، هي دولة الصين وكذلك روسيا التي تأتي ربما في الدرجة التالية بعد الصين، بينما الصين تشكل اليوم للولايات المتحدة المشكلة الأكبر سواء في مجال الاقتصاد، ومد النفوذ الاقتصادي في دول العالم أو في مجالات أخرى.

لذا أنا أرى أن ما طرحه الدكتور الباحث السرحان، ( وهو أهم شيء كما أظن وأعتقد ورد في هذه الورقة)، وهو الفرص المتاحة للعراق الآن التي جاءت في ختام الورقة، حيث أعتقد أن مثل هذه الفرص في غاية الأهمية، لذلك نتمنى على الساسة العراقيين أن يدرسوها جيدا وبشكل دقيق وواقعي ويعملون بها.

كذلك أشار الدكتور الباحث السرحان، إلى قضية أخرى إيجابية بالنسب للسياسة العراقية، وهي سياسة التهدئة التي تبنتها وتوسطت فيها أكثر من حكومة عراقية، ومنها قضية الموازنة في سياسة العراق والتوسط في تقريب وجهات النظر والسياسات بين الجمهورية الإسلامية والسعودية مثلا، والتوسط والموازنة في العلاقات الأخرى التي هدَّأت أو ساعدت على ترسيخ طابع التهدئة في منطقة الشرق الأوسط.

بالنتيجة نحن في العراق نحتاج في الحقيقة إلى حكومة قادرة وذكية ومتمكنة وواعية لكي تعمل بنجاح على حفظ سيادة العراق، وعلى موارد العراق، ومعالجة القضايا التي تتعلق بالشعب العراقي ومنها تقديم الخدمات الأساسية بجودة عالية وديمومة بشكل عام.


الأستاذ محمد الصافي إعلامي وباحث في مركز الإمام الشيرازي

سوف أركز في مداخلتي هذه على الوضع العراقي الداخلي فقط، لأنه هو الذي يتحكم بدوره إذا كان له دور في المنطقة إقليميا أو دوليا، صراحة إن المؤشرات الموجودة في الداخل العراقي لا تدل على أن يكون هناك دور للعراق مؤثر الآن أو حتى على صعيد المستقبل القريب، لأنه توجد هشاشة كبيرة جدا فيما يتعلق بمفهوم الدولة الوطنية، فماذا يعني أصلا هذا المفهوم؟

لذلك من الصعب أن يكون له دور، أما القضية الثانية نحن نلاحظ أن الأحزاب أو المكونات السياسية الموجودة اليوم في العراق، تتصارع على مغانم داخلية، وهذه الأحزاب لا تمتلك رؤية حتى فيما يتعلق بإدارة الصراع في الداخل العراقي، فكيف يمكن أن يكون لها تصدي للسياسة الخارجية والتعامل معها، أنا أرى أن هذا الشيء أمر مستحيل الآن وليس على مستوى بعيد المدى.

والدليل أننا اليوم نرى (ترندات) موجودة وهي التي تحرك الرأي العام داخل العراق، هي بعيدة كل البعد عن الذي يحدث الآن في المنطقة، وفي العالم، والتحديات في العالم وفي الأسواق العالمية، والقضية الثانية المهمة جدا، هي أن الحكومات العراقية المتعاقبة لحد الآن لا والت تعتمد اعتمادا تاما على السياسة الاقتصادية الريعية، وضمن السياسة الاقتصادية والاعتماد التام على النفط، ونحن نلاحظ اليوم أية مشكلة تحدث في العالم بخصوص النفط، حين تكون هناك مشاكل وأحداث في الطرق المائية أو ما يتعلق بالتصدير، فإن العراق أو المتضررين من هذه المشاكل في طرق التصدير.

فكيف سيكون له دور في السياسة العالمية، وهو أساسا وعه مقلق جدا من هذه الناحية، كذلك ذكر ترامب في قمة شرم الشيخ بأن العراق لديه إمكانيات ولديه أموال ولديه أوراق يستطيع من خلالها أن يكون له دوره المؤثر في المنطقة، لكنه لا يجيد هذه الأموال والإمكانات، فأما أن يكون تصريحه في تلك اللحظة يتعلق بوضع الوصاية الأمريكية على العراق في المرحلة القادمة، وأمريكا هي التي تدير ملف العراق مباشرة، ويرتبون أوراق العراق الأمنية والاقتصادية ويرسمون سياساته، أو يبقى الوضع على ما هو عليه ولا يكون هناك دور مؤثر للعراق وتسود حالة اللا دولة.


الأستاذ حامد الجبوري باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية    

مداخلتي باختصار تتعلق بالسؤال الثاني، حول النقد والسكان، فنحن نعرف بأن العراق يعتمد بشكل كبير على تسويق النفط ووارداته، والنفط متّجه عالميا نحو انخفاض الأسعار، وبعدم أهمية النفط لاعتبارات عديدة، أهمها موضوع التطور التكنلوجي في مجال البحث عن البدائل للطاقة، ودخول موضوع الطاقة المتجددة إلى جانب مصادر الطاقة الأخرى.

ولا يزال موضوع البحث عن البدائل حاضرا، وهو يتعلق بقضية البحث عن البدائل، وهذا الشيء يقلل الاعتماد على النفط وهذا يؤدي إلى خفض أسعاره ومن ثم قلة الاهتمام بالثروات النفطية، وهذا سوف يكون من أبرز التحديات التي سوف تواجه الدولة العراقية مستقبلا.

نحن الآن في العراق نواجه زيادة في حجم السكان، ومشكلة في عائدات النفط، ولهذا سيحدث تقاطع مستقبلا، من خلال انخفاض الإيرادات مع زيادة في السكان، ما يعني زيادة في المتطلبات مع زيادة في انخفاض الموارد، وهذه التحدي سيكون واضح المعالم بشكل كبير، لذلك نحتاج في العراق إلى إعادة النظر على صعيد التنويع الاقتصادي على المستوى المالي، على المستوى الإنتاجي، وعلى مستوى التجارة الخارجية.

هذا الأمر يتعلق بموضوع التجارة في العراق في المنطقة، لأننا حاليا نستورد كل السلع وهذا يجهد العراق ماليا، ولذلك يجعلنا هذا الشيء ضعفاء وتابعين للخارج، وعلى كل المستويات سواء التكنلوجية أو السلعية أو المالية، لذلك إذا تم تعزيز الاقتصاد الداخلي، فإن هذا سوف يعزز من قدرتنا التفاوضية في الخارج، ويكون لنا دور أكبر.

إضافة إلى موضوع الجنبة السكانية، فنحن لدينا اليوم زيادة في الحجم السكاني، على حساب النوعية، فماذا نحتاج هنا، نحتاج إلى زيادة سكانية مع نوعية هؤلاء السكان وليس إلى كمية، وهذا أيضا يجعلنا نحتاج إلى نوع من المهارات يكون لها سوق ويكون عليها طلب في سوق العمل. 

لأننا نعرف بأن العالم يتجه اليوم نحو الذكاء الاصطناعي، ونحن ليس لدينا مهارات في هذا المجال، مما يجعل من موضوع البطالة تحديا لنا على المستوى السياسي. لذلك فإن معالجة المسألة النفطية والاقتصادية والسكانية من الجانب الثاني، هذا سوف يعزز من دورنا على مستوى المنطقة.  


الدكتور خالد الأسدي أكاديمي وباحث في مركز الإمام الشيرازي

إن مشكلة الساسة العراقيين يوجد فيها ضبابية إلى الآن فيما يخص عمل المؤسسات العراقية، ويبدو أنهم لا يعرفون ماذا يفعلون حقيقة، حسنا القرار بيد من؟، هم أنفسهم لا يعلمون بذلك، بمعنى إن أصحاب العراق أنفسهم لا يعلمون هل القرار بأيديهم أم لا؟، بالنسبة للدول الخارجية هي تتحكم بالعراق لأن العراق لا يمتلك قرارا سياسا يصدر من مجموعة سياسية تقول بأن هؤلاء هم أصحاب القرار.

لذلك نلاحظ أن هناك دولا يمكنها أن تتحكم بالعراق بطريقة أو بأخرى، مشكلة العراق المستقبلية أو القادمة وهي المشكلة الآنية الرئيسة هي رفض أمريكا لترشيح المالكي، وإذا أصرّ الإطار التنسيقي بأن يمضي قُدما في ترشيح المالكي، كما قال السفير الأمريكي بأن قادة العراق لا يحترمون قرار ترامب، وهذه إشارة واضحة ضد العراق، لذا يبقى القرار بأيديهم، فأما أن يذهبوا بالعراق إلى الهاوية، أو ينقذوه بطريقة أو أخرى من خلال استبدال المالكي والإتيان بشخصية أخرى.

وقد قال المالكي نفسه إن قرار عزله هو بيد الإطار التنسيقي، فهذه مشكلة كبيرة إذا لم يقوموا بحلها فستكون هناك مشكلة كبيرة أمام العراق.


الأستاذ باسم الزيدي باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث

جلساتنا هذه من الفرص القليلة التي تتيح للإنسان أن يدلي برأيه بحرية، حتى وإن كان على خطأ، هذه من الحسنات طبعا، أولا أتفق مع سماحة الشيخ مرتضى معاش على ما ورد في تعقيبه، فهذه الاستراتيجية ليست جديدة وإنما هي موجودة من المعادلات الكلاسيكية وإن اختلفت في عنوانها أو طريقة تنفيذه، باعتبار أنه في الحرب الباردة كانت هناك قوة الردع التي كانت تُستخدم كوسيلة لحفظ السلام بين الدول النووية أو بين الدولتين العظميين فيحدث نوع من التوازن.

فالعبارة التي تم الإشارة لها أعتقد هي تشكل مركز أو لبّ الاستراتيجية الأمريكية، وهي القوة بالسلام أو السلام بالقوة، وهذا هو المبدأ الذي استخدمه ترامب مثلا، أما الشيء الذي اختلف في هذا الجانب، عما كان في السابق بحسب رأيي، أولا إنه قام بتوسيع هذه النظرية كي تشمل الجميع، باعتبار إنه قد كانوا في الإدارات السابقة يوجهونها نحو مسألة معينة وبعض الملفات المركونة أو المهملة أو المنسية كي يرحلوها إلى مراحل أخرى قادمة.

أما الآن فإن الجميع يتساوون أمام هذه النظرية، وهي استخدام القوة لتحقيق السلام، الأمر الثاني أن الإدارة الأمريكية مشغولة الآن وبدأت تعدّ نفسها للعمل في جميع القارات، ولا يوجد شيء مخفي بعد الآن، فإن ترامب يذكر في معظم تصريحاته بأنني أنهيت أربعة حروب أو سبعة حروب أو ثمانية أو عشرة وهكذا.

المسألة الأخرى وقد أشار لها الدكتور الباحث، أن ترامب بدأ يقوم بعمليات جراحية، فليس هناك بعد اليوم أن أدخل في هذا الصراع ولا أعرف نهايته، فحسب تصوري أن ترامب في عقليته إذا دخل في صراع يضع توقيتا لحل ذلك الصراع، سواء بعملية جراحية أو بحرب خاطفة، بمعنى أن العملية محسوبة حساب تاجر.

المسألة الأخرى المهمة أن ترامب جاء لينهي ما بدأ به، فحربه الأولى هي داخل أمريكا، لأن شعاراته المعلنة دائما بأن أمريكا عظيمة من جديد، وسنوحّد أمريكا، لأنه هناك لوبيات كثيرة تعمل بالضد من ترامب وسياسته الجديدة القديمة، ولذلك هو عنده أصلا حرب في الداخل، ويحاول أن يسترجع قوة أمريكا من جديد عبر التجارة، وعبر فرض السلام بالقوة، حتى يحصل على موارد اقتصادية وغير ذلك. حتى مسألة المهاجرين والقوانين الجديدة، هذه كلها تدخل في إعادة تشكيل أمريكا من جديد.

الملاحظة الثانية من الممكن أن ندرسها أو نركز عليها، إن ترامب بدأ في الآونة الأخيرة يشيع وينشر بأن أمريكا لا يمكن أن تكون قوة عظمى أو دولة عظيمة من جديد بدون الدين، وهذا الأمر وإن لم يكن مكتوبا في عقيدة ترامب، أو في هذه الاستراتيجية، ولكن هذا الأمر مهم جدا، لماذا يركز ترامب الشعبوي على التدين من جديد، وما هي الفوائد التي يجنيها ترامب من أجل الدين أو إعادة التدين وما هو التديّن الذي يقصده؟

ملاحظة أخرى حول استخدام القوة، فلماذا استخدام القوة؟ من أجل إحلال السلام، فهو ليس حلا جذريا في الشرق الأوسط أو في غيره، السبب ببساطة أن هذا الاجراءات التي يقوم بها ترامب هي ليست حلا للمشاكل، وإنما تجميد لهذه المشاكل من أجل أن يمرر سياساته، والدليل إنه لو أراد أن يفرض السلام يجب أن يبحث في كل دولة عن جذور هذا الصراع، الأثنية والقومية والمذهبية وإلى آخره، لكي يقوم بحلها، ولكنه يريد أن يمرر سياسة تخدم أمريكا بالدرجة الأولى حتى ينجح في مساعيه.


الأستاذ أوس ستار الغانمي صحفي وكاتب في شبكة النبأ المعلوماتية

أرى إن المستقبل في الشرق الأوسط في ظل استراتيجية الأمن القومي الأمريكية، يتجه نحو إعادة ترتيب الأولويات، وترتيب الأولويات يعتمد على إدارة التوازن الإقليمي، وهذا سوف يفتح المجال أما أدوار إقليمية مرنة، لكن في نفس الوقت هذا سوف يزيد من حدة النقاش والتنافس والصراعات غير المباشرة، أما من ناحية العراق فإنه من المؤكد سوف يواجه تحديات، لكن يجب أن يتخذ القرار الذي يحافظ على سيادته وسط هذا التنافس القوي وبناء سياسة قوية داخلية وخارجية واضحة متوازنة تحمي مصالحه.

فهل يستطيع العراق أن يتحول من موقع متأثّر إلى موقع مؤثّر في هذه التحولات الحاصلة؟، الإجابة الواضحة هي كلا، ولكن متى سيكون العراق كذلك، ففي الماضي كان يقع تحت موقع المتأثر، وفي الحاضر أيضا، ولكن في المستقبل هل سيتحول إلى موقع التأثير في الآخرين؟


الدكتور علاء الحسيني أكاديمي وباحث في مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

الحقيقة إن موضوعة الاستراتيجية الأمريكية تذكرنا بهذا التساؤل، متى يضع العراق استراتيجيته الأمنية، على أقل تقدير نحن بحاجة لمثل هذه الاستراتيجية لإصلاح الوضع العراقي، بكل تجلياته وقطاعاته، نتذكر سويا قبل ثلاث سنوات ونيف لما جاءت الحكومة الحالية ببرنامج حكومي فضفاض، وعبارات رنانة، وكثير من الآما الكبيرة والعريضة، والادعاءات التي ادعتها في حينها، وأنها استلمت خزينة خاوية وما شاكل ذلك، وإنها ستعيد المياه إلى مجاريها، لكن يصادفنا للأسف أن هذه الحكومة أيضا ستسلّم للحكومة القادمة خزائن خاوية وأزمات اقتصادية سكانية اجتماعية ثقافية بيئية كبيرة جدا. 

وهذا ديدن كل الحكومات العراقية تقريبا ما خلا الحكومتان الأوليتان اللتان جاءتا بعد التغيير السياسي، فكل الحكومات المتعاقبة جاءت بأزمات وخلفت أزمات للحكومة التي أعقبتها، وهذا الشيء حقيقة لن يحقق للعراق الاستقرار ولا التنمية التي يحلم بها الشعب العراقي، فنحن نقف إزاء تحديات كبيرة جدا، تحدى على المستوى الاقتصادي، فجرد أن وزارة المالية حاولت أن تجري إصلاحا بسيطا في مسألة الكمارك واعتماد نظام (الايسكوادا) جوبهت بممانعة شعبية تم تغذيتها من قبل بعض الأطراف الاقتصادية أو التجارية وما شاكل ذلك، للتأثير على الرأي العام في قضية الاقتصاد.

الإصلاح يحتاج إلى تضحيات، والإصلاح يحتاج إلى قوة، ويحتاج إلى أنه من الممكن أن نعطي تضحيات كبيرة وكبيرة جدا، ومن الممكن أن يعاني الشعب لسنوات كثيرة من مشكلات كبيرة، لكنه بعدها سوف يحصل متنفس أو إصلاح اقتصادي معين والانتقال من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد من الممكن أن يكون منتجا.

اليوم يعاني العراق أيضا من مسائل تتعلق بالسكان، وهناك التخبط الكبير في المجال الاقتصادي، والتخطيط الاقتصادي، الصناعة العراقية، ولكن هناك أماكن منيرة إذا اعتمدنا مسألة الاستثمار في بعض المفاصل في القطاع الخاص، هنالك إصلاحات حقيقية حصلت، وهناك تطور وتقدم، يعني مثلا انتاج معمل اسمنت كربلاء من 23 ألف طن ارتفع خلال ثمان سنوات إلى 300 ألف طن، وهذه التفاتة كبيرة وانتقالة كبيرة جدا.

وهذا يعني أن هناك ضوء في نهاية النفق، لكن الوصول إلى هذا الضوء يحتاج إلى تضحية كبيرة جدا ومقدمات كبيرة، الوضع السكاني أيضا خطير جدا، وهذا الانفجار السكاني مع سوء التخطيط السكاني أو الحضري او على مستوى كربلاء، نتصور أنها خلال السنوات العشر القادمة تتحول إلى بنغلادش أخرى، باعتبار أنها هي وبغداد سوف تتحول إلى كتلة من الاسمنت، وتزاحم كبير جدا على الموارد وهي موارد محدودة أصلا.

الحكومة تغفل دائما وأبدا مشكلتنا مع سوريا ومع تركيا في مسألة المياه، وهي من الموارد التي من المحتمل أن تنضب، قبل أن ينضب النفط، وبالتالي ماذا نعمل بالنفط إذا لم نستطع العيش على هذه الأرض مثلا؟

متى نبدأ بالبناء، هذه الاستراتيجية الوطنية، وهذا هو السؤال الذي يطرحه المواطن العراقي وينقله إلى ساحة السياسيين الذين هم في عالم آخر بعيد كل البعد عن الواقع العالمي والواقع الوطني والواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.


الخاتمة للباحث الدكتور حسين السرحان

قبل أن أختم هذه الحلقة أعرج على الإشارات التي طرحها المشاركون في مداخلاتهم، عودا على كلام سماحة الشيخ مرتضى معاش حول قضية منظومة الحكم الحالية، فترامب حاليا في رؤيته السياسية ورؤيته للنظام الدولي تختلف عن رؤية السابقين، طبعا المحافظون الجدد الذين أشار لهم سماحة الشيخ مرتضى معاش يتبنون نوعا من الليبرالية السياسية القائمة على حرية التعبير والتفكير والأحزاب وإقامة التجمعات الحزبية ونظم سياسية ديمقراطية وحقوق الإنسان.

على المستوى الاقتصادي هناك الليبرالية الاقتصادية للاقتصاد الحر، وعمل عليه بريمر في ظل سلطة الائتلاف المؤقتة، في العراق وموضوع حرية الاقتصاد الحر، أما إدارة ترامب فهي تنظر إلى نظام الحكم الحالي في العراق هو نتاج من نتاجات المحافظين الجدد، وهؤلاء تراجع دورهم بشكل كبير في الولايات المتحدة الأمريكية.

موضوع التدين الإنجيلي، الذي أشار له الأستاذ باسم الزيدي، هذا ما تقوم به الخارجية الأمريكية فالكنيسة الإنجيلية مؤثرة جدا في السياسة الخارجية الأمريكية، لماذا؟ نحن دائما نربط الصهيونية باليهود، ولكن قبل الصهيونية توجد صهيونية مسيحية، قائد ومفكر والقاعدة الفكرية والأيديولوجية والشعبية، فهذه الصهيونية المسيحية هم الإنجيليين حيث يتراوح عددهم من السبعين إلى ثمانين مليون نسمة في الولايات المتحدة الأمريكية، وهم مؤثرون جدا في السياسة الخارجية الأمريكية.

لذلك نلاحظ أن ترامب في بداية تنصيبه ذهب إلى الكنيسة في وقتها، فهؤلاء مؤثرون، وتوم باراك الموجود حاليا وهو السفير الأمريكي في تركيا، هو ينحدر من هذا المكون، وهؤلاء يأملون بأن تمكين اليهود وتوسيع قدراتهم وإمكانياتهم لكي يكونوا مخلِّصين للسيد المسيح في المستقبل ثم نهاية العالم.

لذا لا تجد في الاستراتيجيات الأمريكية إشارة للإنجيليين، لكن هم كلوبي مؤثر نعم، فالبعض أحيانا يشيرون إلى اللوبي اليهودي كثيرا، كلا المشكلة ليس باللوبي اليهودي، وإنما اللوبي الكنيسي الإنجيلي مؤثر أكثر من اللوبي اليهودي، يعني حقيقة واقعا أن اللوبي الإنجيلي أكثر تأثيرا على ترامب من غيرهم، وعلى كثير من الإدارات الأمريكية، حتى المحافظين الجدد أيضا، لكن ترامب ليس منتميا لأحد، وإنما لكل الجماعات التي أيدته أربع إلى خمس جماعات من ضمنها الإنجيليين، وهم يمثلون قوة انتخابية واسعة جدا.

وكذلك يذهب تأثيرهم على مجتمع الأعمال، وخلق فرص العمل وسواها، أما متى يكون العراق مؤثرا، فإن التأثير يأتي من الإمكانيات، والأدوات، لا يوجد لدينا في العراق موقف سياسي حول وضع إقليمي معين، مثلا في سوريا نلاحظ التشتت الذي حدث في سوريا، ولكن الموقف الحكومي العراقي شكل والمواقف غير الحكومية شكل آخر، ولكن نلاحظ الدعم السعودي لسوريا والاستثمارات في المطارات وتحلية المياه ومشاريع أخرى كثيرة، أما ترامب فقد شجع الرئيس السوري ووصفه بالشجاع.

أما الحكومة العراقية مستقبلا سوف تكون لها فرصة لتحاول أن تسيطر على كامل إقليم الدولة اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، لأن العالم كله يسير خصوصا في الشرق الأوسط باتجاه تعزيز قوة الدولة الوطنية.

حسين علي حسين

مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!