بناء الثقة: الحلقة المفقودة في معادلة الأمن الوطني العراقي

بناء الثقة: الحلقة المفقودة في معادلة الأمن الوطني العراقي
ما يجب فهمه وادراكه هو ان استعادة ثقة الانسان بنفسه وغيره، ليست مهمة رجل الأمن وحده، كما يتصورها البعض، بل هي مهمة تشاركية تتحملها الاسرة، والنخب الفكرية، والمؤسسات الدستورية (تشريعية وتنفيذية وقضائية)، والمؤسسات التربوية والتعليمية، والمنظمات المدنية، والقيادات السياسية والدينية والاجتماعية. وبدون قيام كل هذه الجهات بدورها الفاعل في تصحيح أخطاء الماضي، وتحمل المسؤولية الأخلاقية لإصلاح الحاضر، ومعالجة المشكلات الأساسية التي تواجه الفرد والمجتمع، ستبقى المخاطر محدقة بأمننا الوطني، وستبقى معالجتها من قبل رجل الامن مهمة صعبة، ان لم تكن مستحيلة

في القرن السادس قبل الميلاد أخبر الفيلسوف الصيني الشهير كونفوشيوس طلابه ان الثقة بنظام الحكم اهم من الخبز والسلاح، وان الحاكم الذي يفقد ثقة شعبه به لا دوام لحكمه. وهذا الدور الكبير الذي تلعبه الثقة يبعث على التساؤل عن أهميتها في حياة الافراد والمجتمع؟ وطبيعة علاقتها بالأمن الوطني المعاصر؟

ان الثقة كلمة صغيرة في لفظها، ولكنها كبيرة في معناها، فهي تشير الى حال الاطمئنان، وقابلية الاعتماد على الاخر بين الانسان وأخيه الانسان، كما تشير الى الرباط الوثيق الذي يربط الافراد ببعضهم. فالثقة علامة إيجابية، وشرط جوهري للتواصل العقلاني بين البشر، واكتسابها يمثل حصيلة التجارب الطيبة، والاستمرارية، والصدق، والالتزام الأخلاقي المتبادل.

وتكون الثقة على نوعين: ثقة الانسان بنفسه، وثقته بغيره. فثقة الانسان بنفسه هي الأساس المهم لمشاعره الإيجابية، وقوة شخصيته، وفاعليته على مستوى التفكير والسلوك، بل هي المنطلق الذي لا غنى عنه لثقته بالغير. ومن لا يشعر بالثقة بنفسه سوف تتزلزل ثقته بغيره، بل سيفقد ثقته بالحياة، وجدوى الوجود والعيش المشترك مع الاخرين. اما بالنسبة لثقة الانسان بغيره، سواء كان فردا ام مجتمعا ام سلطة، فهي الأساس المتين لبناء العلاقات المثمرة، والحوارات الجيدة، والتعاون المتبادل، وحل المشاكل والأزمات تحت سقف العقلانية، والحاجة المشتركة الى التعايش والامن والاستقرار والتطور.

وتبرز أهمية بناء الثقة في حماية الامن الوطني المعاصر، إذا أدركنا ان معنى الامن لم يعد محصورا بحماية حدود الدولة ومؤسساتها من التهديدات المباشرة، بل أصبح يشمل أمن الانسان والمجتمع معا. فكما تحتاج الدولة الى تعزيز كفاءة وقدرة أجهزتها الأمنية والعسكرية لردع التهديدات والمخاطر المحتملة، من خلال التسليح والتعبئة والتدريب والقيادة. كذلك هي تحتاج الى بناء الانسان والمجتمع، من خلال معالجة مشاكل الفقر، والبطالة، والامن الصحي، والأمن الغذائي، والتعليم الجيد، ومحاربة الفساد، وتجفيف منابع الفكر المتطرف والسلوك الإرهابي، والاختراقات السيبرانية... الخ. وان ثمرة معالجة هذه القضايا هو بناء الثقة، التي بدونها يبقى جدار الأمن مثقوبا مهما كانت القدرات التي تتمتع بها الاجهزة الأمنية والعسكرية.

لقد لوحظ في كثير من الأحيان ان المؤسسات المعنية بحماية الامن الوطني في بلادنا تهتم كثيرا بمعالجة الاعراض المرضية للظواهر الاجتماعية أكثر من اهتمامها بمعالجة أسبابها، فهي مثلا تحاول توعية الشباب بمخاطر الانتحار او التطرف او الانتماء الى التنظيمات الإرهابية والمنحرفة، دون معالجة الأسباب التي تسمح لهذه المخاطر في ان تجد طريقها الى الشباب، وجعلهم فريسة سهلة لها. ولو تم تتبع هذه الاسباب لاتضح انها تكمن بالدرجة الأولى في فقدان الثقة بالنفس. فالشخص الذي تعوزه الثقة بنفسه، يكون خائفا، ومضطربا، وقلقا من المستقبل، ويشعر بعبثية وجوده، وهشاشة روابطه بالأخرين، فتغزوه الأفكار السلبية والإحباط والتشاؤم، مما يدفعه الى الجنوح نحو ارتكاب الجرائم الكبرى، كالانتحار، وتعاطي المخدرات، والجريمة العادية والمنظمة، كما قد يصبح لقمة سائغة للتنظيمات الإرهابية والمنحرفة، فهو يحاول الهروب من واقعه السلبي الى واقع زائف يشعر فيه بالخلاص من الوهن الذي يعانيه. 

وبالنظر لكثرة الكوارث والمصائب التي مر بها المجتمع العراقي، وما افرزته من مشاكل وازمات مستمرة لوقت طويل، فمن الطبيعي ان تهتز ثقة العراقيين بأنفسهم. وقد انعكست هذه الحالة من خلال مظاهر اجتماعية مقلقة كارتفاع مستويات الانتحار، والتفكك الاسري، والجريمة، وتعاطي المخدرات، وتنامي مشاعر الغضب في سلوك الافراد، والانتماء للتنظيمات المتطرفة والمنحرفة... مما يجعل مسؤولية حماية الامن الوطني في هذه الظروف امرا لا يمكن تحقيقه بتوعية الافراد بالمخاطر الخارجية المحيطة بهم، بل يتطلب -أيضا-تحصينهم داخليا منها، من خلال استعادة ثقتهم بأنفسهم.

ولا تقل ثقة الانسان بغيره (افرادا، وجماعات، وسلطة) أهمية عن ثقته بنفسه، فهي كما أشرنا مسبقا، أساس مهم لبناء الاواصر المتينة للعلاقات الإيجابية، والتعاون المشترك، والحوار البناء... والعراق للأسف- دولة واجتماعا - مر بظروف عديدة ساعدت على تقطيع جسور الثقة، بدلا من تجسيرها، سواء عموديا (بين السلطة والشعب)، او افقيا (بين الافراد والجماعات)، حتى أصبحت ارضه خصبة لانتشار مشاعر الشك والخوف المتبادل بين اطيافه المختلفة، فضلا عن الشك والخوف المتبادل بين الحكومة وشعبها.

ومثل هكذا فقدان مزمن للثقة المتبادلة، يعقد مهمة الأجهزة الأمنية في حماية الامن الوطني، بسبب غياب الأرضية المشتركة للحوار المستدام، والتعايش المشترك، وبناء الهوية الوطنية الجامعة، فهي وان حاولت بجدية تحقيق هذه المهمة الا انها تصطدم بسرعة تحول الحوارات العادية الى صراعات مزعجة، وتحول الاتفاقات السياسية والاجتماعية الى مجرد كتابات ورقية ينقصها التطبيق العملي، فضلا عن سرعة الانتقال من حالة الاستقرار الهش الى اللا استقرار المقلق على المستوى الأمني والسياسي والاجتماعي. 

ان الافتقار الى الثقة، العمودي والبيني، يفخخ الساحة الاجتماعية والسياسية العراقية، ويجعلها سريعة التأثر بالإشاعات المعادية، والاخبار المفبركة، لاسيما مع ما تحمله هذه الاشاعات والاخبار من جودة في التزييف، وسرعة الانتشار في ظل التقدم التكنلوجي المتسارع، فضلا عن تهويل الاحداث والمواقف البسيطة. كما يجعلها سهلة الاختراق من قبل الدول والتنظيمات غير الصديقة، حتى ان الأفراد أنفسهم يعملون أحيانا- بوعي او لا وعي- على ان يكونوا أسلحة سهلة الاستخدام بيد هذه الدول والتنظيمات لتهديد أمن مجتمعهم وبلادهم.

ولكن ما يجب فهمه وادراكه هو ان استعادة ثقة الانسان بنفسه وغيره، ليست مهمة رجل الأمن وحده، كما يتصورها البعض، بل هي مهمة تشاركية تتحملها الاسرة، والنخب الفكرية، والمؤسسات الدستورية (تشريعية وتنفيذية وقضائية)، والمؤسسات التربوية والتعليمية، والمنظمات المدنية، والقيادات السياسية والدينية والاجتماعية. وبدون قيام كل هذه الجهات بدورها الفاعل في تصحيح أخطاء الماضي، وتحمل المسؤولية الأخلاقية لإصلاح الحاضر، ومعالجة المشكلات الأساسية التي تواجه الفرد والمجتمع، ستبقى المخاطر محدقة بأمننا الوطني، وستبقى معالجتها من قبل رجل الامن مهمة صعبة، ان لم تكن مستحيلة.

أ. د. خالد عليوي العرداوي

العراق-كربلاء المقدسة

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!