منذ تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، تصاعدت الخلافات بشكل جدي بين أمريكا وفنزويلا، برئاسة نيكولاس مادورو، إذ نشرت الحكومة الأمريكية، في مطلع شهر نوفمبر من العام الماضي، آلاف القوات والعتاد العسكري على مقربة من فنزويلا، بما في ذلك أكبر سفينة حربية في العالم. فضلًا عن سلسلة من الغارات الجوية الأمريكية ضد قوارب مزعومة لتهريب المخدرات في منطقة البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ. وبغض النظر عن المبررات والاهداف الأمريكية المعلنة وغير المعلنة، ومساعي الإدارة الأمريكية الحالية من سيطرتها على فنزويلا، هناك مجموعة من الملفات، التي تُشَّكل جوهر الخلاف بين الولايات المتحدة وفنزويلا، ولاسيما بعد تولي نيكولاس مادورو الرئاسة للمرة الأولى عام 2013. فما هي جذور هذا الخلاف، وما هي ابعاده الجيوسياسية والاقتصادية؟
إنَّ التصعيد الأخير والهجوم الأمريكي على فنزويلا، وما ترتب عليه من آثار متباينة، يعدان امتدادًا للأزمة العميقة التي طال أمدها بين الطرفين. فجذور هذه الأزمة تعود أساسًا إلى الخلافات الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية المتراكمة على مر السنين. ولاسيما أن الدولتين، تنتميان لفلسفتين متناقضتين على كافة المستويات، ومتصارعتين لأكثر من نصف قرن. فضلًا عن الابعاد الجيوسياسية (الاقليمية والدولية). إذ لا يمكن فهم هذا التصعيد، بمعزل عن السياق التاريخي الذي شهد بروز مشروع سياسي فنزويلي مناهض للنفوذ الأمريكي. هذا المشروع أحدث تغييرات جوهرية في موقع فنزويلا الإقليمي والدولي، وهو ما تراه الولايات المتحدة تهديدًا مباشرًا لدورها كقوة مهيمنة على المستويين الإقليمي والعالمي، حسب العقيدة التي كرَّسها الرئيس الخامس للولايات المتحدة »جيمس مونرو«.
تاريخيًا، إذا ما رجعنا إلى الوراء، وبالتحديد إلى أواخر القرن العشرين، نجد أن جدور الخلاف الأمريكي – الفنزويلي، يرتبط بصعود الرئيس السابق »هوغو شافيز« إلى السلطة. وهو الرئيس الذي تبنى نهجًا يساريًا معاديًا للهيمنة الأمريكية. إذ سعى شافيز، إلى تأميم الموارد الطبيعية للبلاد وضمان سيادتها بعيدًا عن النفوذ الخارجي. وتمَّيز بمواقفه الصريحة المناهضة للسياسات الأمريكية، وهيمنتها العالمية. وكان من أبرز داعمي الرئيس الكوبي الراحل »فيدل كاسترو«. فضلًا عن ذلك، فقد أقام شافيز علاقات قوية مع دول مثل الصين، روسيا، وإيران، مما أدى إلى تصاعد حدة التوتر والصدام الأيديولوجي بين كاراكاس وواشنطن. فالأخيرة تفَّسر هذه التحولات، بأنها تُشَّكل تهديدًا لسياساتها الإقليمية ولموازين القوى في القارة، ولاسيما على المستوى السياسي والاقتصادي، ومع استمرار كاراكاس بعلاقتها الدولية المتينة مع روسيا والصين.
وامتدادًا لأزمة شافيز، ارتبطت جذور الأزمة بين الولايات المتحدة وفنزويلا، في السنوات الاخيرة، بفوز الرئيس نيكولاس مادورو 2013. فقد امتنعت الولايات المتحدة أنذاك، ومعها جزء من المجتمع الدولي، عن الاعتراف بشرعية تولي مادورو، الزعيم الاشتراكي، رئاسة فنزويلا. ولاسيما بعد القمع العنيف للاحتجاجات التي اندلعت بعد انتخابه لأول مرة عام 2013، وبسببها، فرضت واشنطن عقوبات على عدد من المسؤولين البارزين في فنزويلا وشخصيات مرتبطة بالنظام؛ واتهامهم بانتهاكات تتعلق بحقوق الإنسان. كذلك شملت العقوبات "فيما بعد" كيانات اقتصادية ومؤسسات حيوية في البلاد. فضلًا عن العقوبات الاقتصادية، التي فرضتها واشنطن قبل عام 2013؛ فقد أثر هذا الوضع على سلسلة الإنتاج المرتبطة بالنفط؛ مما انعكس سلبًا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وعلى القدرة الشرائية للمواطنين، مع ارتفاع التضخم والبطالة، ودخول البلاد في أزمة اقتصادية خانقة.
وقد اعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية، إعادة انتخاب مادورو في عام 2018 "غير شرعية"، وهو الموقف ذاته الذي تبنته بشأن انتخابات 2024 التي أكدت المعارضة فوزها فيها. وبين عامي 2019 و2023، اعترفت واشنطن، بمساندة حوالي ستين دولة أخرى، بالمعارض »خوان غوايدو« كرئيس مؤقت، وهو الأمر الذي دفع السلطات في كاراكاس إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة. كما اتهمت فنزويلا "في مراتٍ عدة" الولايات المتحدة الأمريكية بالتَّدخل في شؤونها الداخلية. ففي عام 2019، وبعد محاولة تمرد، نفذها عسكريون، أكد نيكولاس مادورو: بأن واشنطن أمرت بـ"انقلاب فاشي". وفي العام التالي، اتهم الرئيس الفنزويلي نظيره الأمريكي ترامب بأنه "قاد مباشرة" محاولة "تسلل مسلح" عبر البحر، شارك فيها جنديان أمريكيان سابقان. لكن واشنطن نفت أية علاقة لها بالأمر. وبهدف اضعاف الاقتصاد الفنزويلي، ودفع مادورو للخروج من السلطة، فرضت واشنطن في عام 2019 حظرًا على النفط؛ مما شكل ضربة قوية لعماد الاقتصاد الفنزويلي الضعيف. فقبل سريان هذا الحظر، كان النفط يمثل 96% من إجمالي الدخل الوطني، فيما كانت الولايات المتحدة تستحوذ على ثلاثة أرباع العائدات النفطية كأحد أبرز العملاء؛ مما أدى إلى ترَّدي الاوضاع الاقتصادية في البلاد.
حديثًا، ومع عودة ترامب إلى الحكم في مطلع سنة 2025، وظفر "مادورو" بولاية جديدة في الرئاسة، عرفت العلاقة تصعيدًا كبيرًا ونهجًا أكثر صدامية، مع اتهام الأميركيين لـ"مادورو" بقيادة شبكات لتهريب المخدرات نحو أمريكا. ففي مارس/آذار 2020، وُجِّهت إلى نيكولاس مادورو في الولايات المتحدة تهمة "الإرهاب المرتبط بالمخدرات"، وعرضت واشنطن 15 مليون دولار، مقابل أي معلومات تؤدي إلى اعتقاله. ورفعت واشنطن هذه المكافأة إلى 25 مليونًا مطلع 2025، بعد تنصيب الرئيس الفنزويلي لولاية ثالثة، ثم إلى 50 مليونًا في أغسطس/آب، قبل أن تنشر الولايات المتحدة أسطولًا حربيًا كبيرًا في البحر الكاريبي وتشن ضربات ضد مشتبه بهم في الاتجار بالمخدرات. وهي بالمجمل، ذرائع سياسية تحاول واشنطن من خلالها أن تصل إلى خططها الاستراتيجية المتعلقة بالحفاظ على امنها القومي وفرض سلطتها المطلقة على الجزء الغربي من الكرة الأرضية.
جيوسياسيًا، يمكن قراءة الهجوم الأمريكي الأخير على فنزويلا، بأنه يعبَّر عن اتجاه واضح نحو توسيع نطاق عقيدة مونرو، التي تهدف إلى منع أي نفوذ خارجي في القارة الأمريكية. ويتسق هذا النهج مع إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة، التي ترى أن الجزء الغربي من العالم، يجب أن يظل منطقة نفوذ حصرية لها، مما يجعل دول أمريكا اللاتينية أشبه بحديقة خلفية تخضع للهيمنة الأمريكية. وهو ما تطرق له الرئيس الأمريكي الحالي في تعليقه على عملية الاختطاف التي قامت بها قواته للرئيس الفنزويلي. فبموازاة تلك العملية، وجه ترامب تهديدات إلى الرئيس الكولومبي »غوستافو بيترو« المعروف بتوجهاته اليسارية المعارضة للهيمنة الأمريكية، متهمًا إياه بالتورط في إنتاج الكوكايين. ووجه كذلك اتهامات إلى كوبا، التي تعد الخصم التقليدي للولايات المتحدة في المنطقة، فضلًا عن تهديداته المستمرة إلى المكسيك، التي يعتبرها معبرًا لتهريب المخدرات إلى الداخل الأمريكي. وتهدف واشنطن إلى منع أي تهديد لسياساتها أو ظهور ولاءات مناوئة أو تحالفات مع قوى دولية منافسة لها.
فضلًا عن ذلك، يمكن قراءة الابعاد الاقتصادية للهجوم الأمريكي على فنزويلا من عدة جوانب، ولاسيما الجانب النفطي، الذي يمثل محور التفكير السياسي الأمريكي، بالنسبة للإدارة الأمريكية الحالية. إذ تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، مما يجعلها مركزًا استراتيجيًا في أي خطة للتحكم بأسواق النفط العالمية. فالتحرك الأمريكي على فنزويلا، يهدف بالدرجة الاساس، فرض حكومة موالية للولايات المتحدة الامريكية، بما يضمن لها، تأمين مصادر النفط البديلة لنفط دول الخليج، وتحسبًا لأي توترات في منطقة الشرق الاوسط، سواء ضد إيران وحلفائها، أو بين أيران وإسرائيل، من شأنها أن تعطل امدادات النفط إلى امريكا والعالم، والحفاظ على اسواق الطاقة، والتحكم في اسعارها العالمية من خلال السيطرة على النفط الفنزويلي. فالتدخل الأمريكي، يشير إلى أن الهدف ليس التدخل الإنساني أو السياسي الداخلي، بل التحكم في تدفق الموارد الحيوية وتثبيت النفوذ الأمريكي في الأسواق العالمية.
بالمجمل، يبدو أن التوجه الأمريكي نحو فنزويلا، وخطف الرئيس وزوجته، يمثل مرحلة تحضيرية او استباقية، لتأمين مصادر الطاقة البديلة، وربما هو بمثابة تدرج استراتيجي، الهدف منها، الحد من قدرات إيران على التصعيد العسكري، دون خوض حرب شاملة مباشرة، تتمثل في تأمين مصادر الطاقة الحيوية خارج منطقة الخليج، وإضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة، وتحجيم قدرته على تهديد الملاحة البحرية، واضعاف قدرة انصارها، ولاسيما انصار الله الحوثيين، في تهديد الملاحة في مضيق باب المندب. ولاسيما اذا ما اخذنا التحركات الإسرائيلية الاخيرة في الصومال. وبالنتيجة، ربما الولايات المتحدة تهدف من وراء ذلك إلى تهيئة الظروف لصراع محتمل طويل الأمد في منطقة الشرق الاوسط، وبما يضمن التفوق العسكري والاقتصادي الأمريكي–الإسرائيلي، وبما يحقق تدفق النفط والطاقة للأسواق العالمية، ولاسيما للولايات المتحدة، ومن دون أن يؤثر على اسعارها العالمية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!