توظيف الذكاء الاصطناعي في عقلنة القرار السياسي

توظيف الذكاء الاصطناعي في عقلنة القرار السياسي
إن الذكاء الاصطناعي يقدم فرصاً غير مسبوقة لتجاوز الأخطاء الإدراكية، وتفادي فخاخ الانحياز واغلال التعنت، ليرفع مستوى اليقين المعرفي في عملية اتخاذ القرار. بيد ان هذا التحول يظل رهنًا بالقدرة على إبقاء الإنسان، بحكمته وضميره، في مركز قيادة هذه الآليات المتقدمة. فالعقلنة لا تعني التجريد من الإنسانية، بل تعني تسليح الإنسانية بأقوى أدوات العقل والمنطق المتاحة في عصرنا، لخدمة الصالح العام وتحقيق الاستقرار الاستراتيجي، لان الهدف الأسمى ليس بناءَ حكومةٍ من الآلات، بل بناءَ آلاتٍ تخدم حكومةً أكثرَ إنسانيةً، عدلاً، وحكمة

   منذ فجر الحضارة، تطلعت عقول الفلاسفة والحكماء الى مجتمعٍ تحكمه قوانينُ العقلِ المجرّد من نزواتُ العاطفةِ وتحيزاتُ المصلحة ، وهي الغاية التي انساق اليها بشغفٍ عصرُ التنوير وحاول ادراكها بمؤسسات القانون واحكامه ، لكنه ظلّ حبيسَ القيود المعرفيةِ والإدراكيةِ للعقل البشريّ الفرديّ والجمعيّ. 

   ومع انطلاقة ثورة المعلومات اليوم وتسرب منجزاتها الى كل مفاصل الحياة ، تجدد الامل بولادة عصرٍ جديد اكثر اتساقا مع العلم وفضاء سياسيٍّ أكثر عقلانيةً وتجرداً واتّساقاً بالإفادة الطموحة من آلاتٍ وخوارزميات عديمةِ الروح والعواطف ، لكنها متسلحة بالمعلومات والمنطق 

   فبعد ان كان القرار السياسي - بمستوياته الاستراتيجية والتكتيكية - صناعةً إنسانية بامتياز تركن الى الحدس السياسي المستنير، والخبرة المتراكمة، والتحليل البشري الذي ينشد العقلانية بادوات المنطق والعلم بعيداً عن الانفعالات العاطفية أو الضغوط اللحظية. لتكون فكرة عقلنة القرار السياسي -وفق هذا الوصف والمنظور- محاولة لإثراء عملية صنعه ببيانات وتحليلات موضوعية لتقليل عدم اليقين والتحيز البشري، والانتقال من رد الفعل إلى الاستباقية؛ اذ ان القرار السياسي كبنية موضوعية يقطع في طريقه باتجاه العقلنة خمس محطات رئيسة هي : (الاستشراف، المحاكاة، الرصد، التخصيص، والتقليل من الضوضاء البشرية ، غدا ( هذا القرار السياسي ) اليوم بفضل التقانة والذكاء الاصطناعي اكثر قدرة على تجاوز حدود الإدراك البشريّ، باستيعاب كمٍّ هائلٍ من البيانات وتحليلها بدقة متناهية وحياد، لرؤية أنماطٍ خفيةٍ في تعقيدات الواقع الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ، وصولاً الى نسج الاحتمالات والبدائل وصياغة السياسات والقرارات الكفيلة بتعظيم المكاسب وتضييق حدود الخسائر وكبح جماح المفاجآت .

   إن عقلنة القرار السياسي باستخدام الذكاء الاصطناعي لا تعني استبدال الإنسان بالآلة، بل تعني تعزيز قدرة صانع القرار على مواجهة تعقيد البيئة والمعلومات بالقدرة الهائلة للحاسوب في جمع وتحليل البيانات، والاحتماء بحياد هذه الاخيرة وتجردها في مواجهة الميول والنزعات والانحيازات البشرية المصاحبة لصانع القرار، وصولاً لتحقيق أعلى قدر من الرشادة والشفافية عند إتخاذه. فهذه العملية تنطوي - بعبارة اوضح- على تزويد العقل المستنير لصانع القرار السياسي بآليات حسابية قادرة على فرز، وتحليل، ونمذجة الكميات الهائلة من المعلومات بطريقة تفوق قدرة أبرع المحللين السياسيين المحنكين. 

  وهكذا لم يعد الذكاء الاصطناعي -وفق السياق السابق- مجرد أداة تقنية صماء، بل غدا شريكاً فاعلاً ومنتجاً في عملية صنع وإتخاذ القرار السياسي العقلاني من خلال استشراف المشكلات ووضع التصورات ( او المحاكاة ) ، مرورا باتخاذ القرارات بكفاءة المتخصص وموضوعية الحكيم ، وانتهاء بتنفيذها ومراقبتها وتقييمها.

   فعند محطة التشخيص والاستشراف تعمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي على تغذية عقلانية القرار بتحليل ومعالجة كميات هائلة من البيانات لاستخلاص إشارات مبكرة عن مخاطر أو فرص اقتصادية واجتماعية وبيئية. هذه المعالجة لا تقتصر على البيانات المنظمة فحسب، بل تتعدّاها إلى تحليل النصوص في وسائل الإعلام والخطابات السياسية، ومشاعر الجمهور على منصّات التواصل، وغيرها من البيانات. وبالاعتماد على تقنيات "التعلّـم العميق" تستطيع هذه الأنظمة تحديدَ علاقاتٍ سببيّةٍ وشبكيّةٍ معقّدة بين متغيّراتٍ تبدو للعين البشريّة غير مترابطة. اذ تعتمد الأنظمة على ما يُعرف بـ "تحليل السلاسل الزمنية" لتحديد احتمالية وقوع أحداث مستقبلية. إنّها توفّر للصانع السياسيّ صورةً استباقيّةً ديناميكيّةً تشبه "منظار المستقبل"، تُظهر له عواقب قراراته قبلَ وقوعها، في بيئةٍ افتراضيّةٍ تحاكي الواقعَ بمستوًى عالٍ من الدقّة. هذه العملية تُمكّن صانعي القرار من «المبادرة الاستباقية والاستجابة قبل أن تتفاقم المشكلة» عبر نماذج توقع وتحليل أفضل.

   ففي مجال السياسة الخارجية، يمكن لنموذج الذكاء الاصطناعي، بعد تغذيته ببيانات تاريخية عن النزاعات والتغيرات الديموغرافية والتحركات العسكرية، أن يحسب "مؤشر المخاطر الجيوسياسية" بدقة فائقة . وعلى صعيد السياسة الداخلية ، يمكن لتحليل كميات كبيرة من البيانات المتعلقة بالتركيبة السكانية للناخبين وتفضيلاتهم وسلوكهم بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي، أن يتيح استهدافاً أكثر دقة لرسائل الحملة ومبادرات التوعية. ومن ثم، تعزيز فاعلية الحملات وزيادة إمكانية جذب الناس إلى مرشح معين او حتى تقديم الخدمات لهم والاستجابة الفاعلة لمطالبهم وتطلعاتهم.

   وعند محطة المحاكاة ووضع التصورات يمكن للذكاء الاصطناعي أن يولد نماذج محاكاة تفاعلية لكل قرار محتمل. هذه النماذج تسمح لمتخذ القرار بـ "تشغيل" القرار في بيئة افتراضية معقدة، ورؤية آثاره المتعددة الأبعاد (اقتصادية، اجتماعية، أمنية) قبل تطبيقه على أرض الواقع. وبدلاً من المخاطرة بمصائر الشعوب في تجاربَ سياسيةٍ واقعيةٍ ذات تكلفةٍ باهظةٍ، يصبح بمقدور الحكومات إنشاءَ نماذجَ رياضيّةٍ معقّدةٍ للمجتمع بكافة مكوناته: الأفراد، الأسواق، المؤسسات، والبيئة. ويُمكن في هذا المختبر الافتراضيّ اختبارُ سيناريوهاتٍ متعدّدةٍ للتعامل مع الازمات المتنوعة والمعقدة وصولا لانتقاء انسب البدائل باقل الكلف والاثمان بحساب المخرجات .

  وعلى مفترق الطريق بين الحقيقة المجردة والواقع المشحون بالمؤثرات العاطفية والديماغوجية يجيش في خلد صناع القرار ما يعرف بـ( التحيز المعرفي) ، وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي كأداةٍ لـ "تنقية" عملية التفكير، لإنّ الخوارزمية تتعامل مع البيانات دون مشاعرَ ولا مواقفَ مسبقةٍ ولا مصالحَ شخصية ، كونها تفحص جميع السيناريوهات الممكنة ببرودة المنطق الرياضيّ. وهذا لا يعني إلغاءَ الحدس البشريّ، بل يعني تزويدَه بنظامٍ لتصفية الضوضاء العاطفية والانحيازات اللاشعورية، ممّا يسمح باتخاذ قرارٍ أكثرَ استنارةً.

    وبالانتقال الى مرحلة التنفيذ وتقييم الأثر، تبحث السلطة في ركام الواقع عن بارقة الحقيقة والصواب المقرون بالفاعلية والمشروعية الشعبية لان في هذه المرحلة تجد هيئات الدولة في متابعة تنفيذ السياسات والقرارات، لاكتشاف انحرافات الأداء، وإجراء تعديلات فورية، لانتاج تحسينًا في الفاعلية والقدرة على المساءلة. وبينما كانت السلطة التقليدية في السابق تركن الى فنّ الإقناع البلاغيّ، وحشد التأييد الشعبيّ، والتأثير العاطفيّ، فانها ( أي السلطة) اليوم ستتسلح بالذكاء الاصطناعي لإعلاء شأن "الدليل الموضوعيّ" و"التوقّع القائم على البيانات"، ليضحى "الحقُّ" في القرار السياسيّ مُستنداً إلى تحليلاتٍ كمّيةٍ ونوعيّةٍ يمكن فحصُها ونقاشُها، وليس فقط إلى قوّة الحجّة أو السلطة. وهو الامر الذي اثبتت جدواه دراسةٌ شاملةٌ أجراها البنك الدوليّ عام 2023 من أنّ الحكومات التي طبّقت أدوات تحليلية متقدّمة في صنع سياسات الصحة والتعليم حقّقت نتائجَ أفضلَ بنسبة 25-40% مقارنةً بنظيراتها التي اعتمدت على الأساليب التقليدية. 

    تأسيساً على ما تقدم يظهر لنا بجلاء، إن الذكاء الاصطناعي يقدم فرصاً غير مسبوقة لتجاوز الأخطاء الإدراكية، وتفادي فخاخ الانحياز واغلال التعنت، ليرفع مستوى اليقين المعرفي في عملية اتخاذ القرار. بيد ان هذا التحول يظل رهنًا بالقدرة على إبقاء الإنسان، بحكمته وضميره، في مركز قيادة هذه الآليات المتقدمة. فالعقلنة لا تعني التجريد من الإنسانية، بل تعني تسليح الإنسانية بأقوى أدوات العقل والمنطق المتاحة في عصرنا، لخدمة الصالح العام وتحقيق الاستقرار الاستراتيجي، لان الهدف الأسمى ليس بناءَ حكومةٍ من الآلات، بل بناءَ آلاتٍ تخدم حكومةً أكثرَ إنسانيةً، عدلاً، وحكمة.


مراجع معتمدة 

- د. سيماء بنت سعيد عبد الجبار و د.ابهجيت غوش ، اثر استخدام الذكاء الاصطناعي على عملية اتخاذ القرار ، المجلة الدولية لنشر البحوث والدراسات ، المجلد السادس ، الإصدار 65 ، مارس 2025 ، ص 11 .

- د علي غسان سامي. "توظيف الذكاء الاصطناعي في عملية صنع القرار السياسي الخارجي". مجلة كلية القانون والعلوم السياسية, عدد 22, أكتوبر، 2023, ص ص 336 -339.

- الذكاء الاصطناعي والديمقراطية: كيف يُعاد تشكيل صنع القرار؟ ، مقال منشور على موقع موقع مسار ، يوليو 28, 2025|الذكاء الاصطناعي ، على الرابط https://masaar.net/ar 

- سجاد عابدي، الذكاء الاصطناعي وتأثيره على السياسة ، مقال منشور في صحيفة النهار بتاريخ 19/12/2024 ، على الرابط https://www.annahar.com 

أ. د. سامر مؤيد عبد اللطيف

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!