في اول مؤتمر صحفي بعد اقتياد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة "لن تنسى عقيدة مونرو بعد الآن"، في إشارة مباشرة إلى العقيدة التاريخية التي تقوم على اعتبار نصف الكرة الغربي مجالاً حيوياً خاصاً بالولايات المتحدة الاميركية. وأضاف أن العملية تتماشى الى حد كبير مع "عقيدة مونرو"، المسمّاة باسم الرئيس الخامس للولايات المتحدة، جيمس مونرو، والتي أعاد ترامب تسميتها بـ "عقيدة دونرو".
في مواجهة النفوذ الصيني والروسي والايراني السياسي والاقتصادي في اميركا اللاتينية والذي بدأ واضحا خلال العقود الاخيرة، لم يجن امام الرئيس الاميركي دونالد ترامب، الا ان يعيد الى الاذهان مبدأ مونرو الذي اعلنه الرئيس الخامس للولايات المتحدة الاميركية جيمس مونرو عام 1823 والذي ينص على عدم تدخل الولايات المتحدة بالشؤون الاوروبية مقابل عدم تدخل الدول الاوروبية في شؤون الاميركيتين، أي محاولة تقوم بها دولة أوروبية للسيطرة على أي دولة في نصف الكرة الأرضية الغربي أو قمعها سينظر إليها على أنها عمل عدائي ضد الولايات المتحدة، الامر الذي بسط الهيمنة الاميركية على الاميركيتين الوسطى والجنوبية.
زيادة على ذلك، وفي ظل فرط القوة التي تتمتع بها الولايات المتحدة الاميركية والتي يتغنى بها ترامب مراراً وتكراراً، ومبادئ السياسة الخارجية التي اعلنها في استراتيجية الامن القومي الاميركي والتي تؤكد في جانب كبير منها على تعزيز المكاسب الاقتصادية للولايات المتحدة، يعمل ترامب على تحقيق انجازات سريعة. ولهذا يلاحظ ان التركيز على منطقة الاميركيتين واعادة ترتيب النفوذ الاميركي فيهما، لم يعد يقتصر على النفوذ الاوروبي، بل مواجهة النفوذ الصيني والروسي والايراني هو جزء من اعادة ترتيب الهيمنة الاميركية على الاميركيتين، والتعامل بمقاربة امنية مباشرة.
العلمية العسكرية الاميركية في فنزويلا السريعة والخاطفة شكلت صدمة للنظام العالمي، ولاسيما مع التأكيد الاميركي المتكرر ان الرئيس الفنزويلي مطلوب للقضاء الاميركي، وكأن القانون الاميركي بات يُطبق على خارج اقليم الولايات المتحدة الاميركية في قضايا الارهاب والمخدرات وغيرها. واصبح الامر لا يقتصر على ذلك، بل ان العملية شكلت بداية تفوق القانون الاميركي على القانون الدولي. وهذا التخوف اشار له امين عام الامم المتحدة انطونيو غوتريش بالقول" انه يخشى على احترام القانون الدولي".
زيادة على ذلك، يأتي تأكيد وزير الخارجية الاميركي روبيو " ان تهديدات الرئيس ترامب تجد طريقها الى التنفيذ في حال استمرار التهديد للولايات المتحدة وامنها القومي". وهذا تذكير لتهديدات الرئيس الاميركي بحق ما اطلق عليها "الدول المارقة" في اميركا اللاتينية ضد كولومبيا وكوبا وحتى وصل التهديد الى المكسيك ، كمنتجين وموردين للمخدرات الى الولايات المتحدة الاميركية، وربما تكون الخطط قيد المناقشة في الوقت الحاضر في تكرار ما جرى في فنزويلا – الذي تم الاعداد لها منذ شهر آب 2025 الماضي – مع كولمبيا وكوبا.
المقاربة الامنية والاقتصادية للادارة الاميركية – والتي جرى توضيحها في استراتيجية الامن القومي الاميركي الاخيرة - وتسيدها على المبادئ الاخرى للسياسة الخارجية الاميركية، لا تجعل الاميركيتين فقط تحت التعامل المباشر في ظل المبادئ الاميركية الجديدة، بل يرشح، وبشكل قوي، باقي مناطق الازمات في العالم للتعامل بذات الطريقة ووفق نفس المبادئ.
منطقة الشرق الاوسط وما تشتمل عليها من ازمات بدءا من الحرب في غزة ولبنان مرورا للتفاهمات بين سوريا واسرائيل، والشروط التي فرضتها ادارة ترامب على القوى السياسية في العراق وانتهاءا بالتهديدات ضد ايران بسبب التعامل مع الاحتجاجات وملف الصواريخ والمنشآت النووية ، جميعها تُدلل على عزم ادارة الرئيس ترامب على ان تكون المقاربة الاقتصادية والامنية حاضرة في كل تلك الملفات.
باتت واشنطن هي من تقود تغييرات في النظام الدولي قائم على التدخل الاميركي المباشر والمحدود والهادف. وهذا لم يلاقي معارضة شديدة من الاقطاب الفاعلة في النظام الدولي كروسيا والصين، التي لم تمتلك سوى الادانة والرفض لما جرى في فنزويلا، كما جرى في الضربة تجاه ايران، وليس من المرجح ان تتصاعد المواقف الروسية والصينية تجاه اي تدخل اميركي في اي منطقة في العالم.
الدول الفاعلة اقليميا في منطقة الشرق الاوسط بدأت تريد ادراك ما يجري والتكيف مع ملامح جديدة وفق مبادئ السياسة الخارجية الاميركية، وهذا واضح في عدم وجود موقف واضح من قبل تلك الفواعل اقليميا عدا ايران التي استنكرت ما حصل في فنزويلا مهددةً بإستهداف المصالح الاميركية في المنطقة في حال تكرار ما حصل في كراكاس مع طهران. وعلى الجهة الاخرى اسرائيل التي ابدت موقفا مؤيداً لما قامت به ادارة ترامب مع الرئيس الفنزويلي.
الحكومة العراقية القادمة مدعوة الى التمعن في مبادئ السياسة الخارجية الاميركية الواردة في استراتيجية الامن القومي، والتي يتم ترجمتها الى سلوك سياسي خارجي اميركي، والهدف الاستراتيجي هو تحييد الفواعل الدوليين والاقليميين المعارضين للمصالح الاميركية حول العالم.
كذلك يعد ابعاد العراق عن الضربة العسكرية من قبل اسرائيل مهمة شاقة امام الحكومة العراقي. والضامن لذلك هو الادارة الاميركية وهذا ما حصل بعد تشرين الاول 2023 ولغاية انتهاء حرب ال12 يوم بين اسرائيل وايران. ولهذا لابد من خطاب سياسي واضح فيما يخص العلاقات مع الولايات المتحدة على المستويات السياسية والاقتصادية والامنية، وتعزيز المصالح والاستثمارات الاميركية في العراق والتماهي مع الرؤية الاميركية فيما يخص الفواعل والجهات المسلحة غير الحكومية. فالمرحلة القادمة للمنطقة هي مرحلة الدولة الوطنية بعيدا عن اي جماعات مسلحة خارج سيطرة الدولة الوطنية ولا سيما في لبنان والعراق وغيرها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!