منذ أن تولى دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة في ولايته الأولى، لم يكتفِ بإلقاء تهديدات صادمة تمسّ أُسس النظام والقانون الدولييَّن، بل صار مجرد التلويح بالاستيلاء على أراضٍ، أو ممارسة الإكراه إلى واقع سياسي ملموس، يقوّض فكرة الالتزام بـقواعد واسس النظام والقانون الدولييَّن. ولا نعرف، هل أن ترامب يُدرك: إنَّ ما بعد وستفاليا، يختلف عما قبلها؟ أم أنَّ الرئيس ما زال ينتمي إلى فصيلة المؤرخ اليوناني القديم »ثوسيديدس«؟ وهل أنَّ النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، يختلف عما قبله؟ وهل أنَّ دونالد ترامب، الذي أستَّشهد بعقيدة الرئيس الأمريكي الخامس»جيمس مونرو« في تبرير اعتدائه العسكري على فنزويلا، وخطف رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، يُدرك أهمية عقيدة سلفه »وودرو ويلسون« الذي سعى بعد نهاية الحرب العالمية الأولى إلى إنشاء عصبة الأمم؛ لمنع وقوع مثل هذه الكوارث؟ وهل يعلم أن خلفيتها »الأمم المتحدة« ساهمت - إلى جانب الردع النووي - في منع نشوب حربٍ شاملة بين القوى العظمى خلال الثمانين عامًا الماضية؟ وربما لسنَّا متأكدين من أنَّ ترامب يمتلك الرؤية الكاملة لهذا العالم، ويريد أن يضفي اخلاقه وعقيدته المشوهةٌ على القانون والنظام الدولييَّن؟
في هذا المقال، نسعى للإجابة عن كل الاسئلة آنفة الذكر، من خلال قراءة سلوك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتهديداته للبعض الدول في الأمريكيتين والشرق الأوسط وأوروبا. وكذلك نسعى إلى التأكد من الفرضية القائلة: بأنَّ العالم في عصر ترامب: »تحكمه القوة« وأنَّ القيد الوحيد الذي يُلزمه هو »الاخلاق الشخصية« وليس القانون ومبادئ النظام الدولييَّن، أو المؤسسات الدولية، وفقًا للعقيدة الترامبية، وإلى أي مدى يمكن أن يصل العالم بهذه السلوكيات؟
لعل الجميع يعلم، أنَّ دونالد ترامب منذ بداية رئاسته، حمل تهديدًا محتملاً لزعزعة استقرار النظام القانوني الدولي. ومع انطلاقة فترة ولايته الثانية، أطلق تصريحات مثيرة، مثَّل فيها عزمه على استعادة »قناة بنما« وضَم »كندا« كولاية أمريكية إضافية، والاستحواذ على »غرينلاند« وكذلك السيطرة على »غزة«. إذ ما يزال الرئيس الأمريكي يصر على توجيه تحذيراته الاستفزازية المباشرة لكوبا والمكسيك، لتشمل التحذيرات والتهديدات كندا، ليجدد رغبته في ضمها لبلاده، وكذلك الحل بالنسبة لجزيرة غرينلاند، التي جدد ترامب رغبته في الاستحواذ عليها بيعًا، أو احتلال كيفما كان الامر؛ المهم أن تكون الجزيرة تحت هيمنة أمريكا. ولا يمكن أن نتجاهل ما أعلنه ترامب بشأن »غزة«، إذ عبر الرئيس الامريكي عن رغبته في الحصول على هذه الارض الفلسطينية وتحويلها الى "ريفيريا أو منتجع" سياحي عالمي بعد تهجير أهل القطاع جميعًا.
هذه التصريحات دفعت خبراء السياسة الخارجية إلى التعامل معها بتردد، إذ اعتبروها في كثير من الأحيان متناقضة وغير مستندة إلى رؤية مدروسة. ومع ذلك، كانت لتلك التصريحات وقعها وتأثيرها الواضح. إنَّ مثل هذه التهديدات تلقي بظلال حول التزام ترامب بالبنية القانونية، التي ساهمت الولايات المتحدة وحلفاؤها في تأسيسها منذ ثمانين عامًا. إلا أنَّ استخفاف ترامب الصريح بها، كان ينذر بانهيارها بالكامل. ولعل النقطة الأكثر خطورة تمثّلت في العملية العسكرية التي قامت بها الولايات المتحدة في فنزويلا بتاريخ 3 يناير، التي تضمنت اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته من قصرهما الرئاسي. فهذه العملية لم تحصل على تفويض من مجلس الأمن، ولا تفويض أو مصادقة من الكونغرس، ولم تُبرر بدعوى الدفاع عن النفس؛ مما يجعلها مثالًا صارخًا على انتهاك مبدأ حظر استخدام القوة الذي يشكّل أحد الأعمدة الرئيسية للنظام العالمي، الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية. ولم يعد السؤال المطروح، ما اذا كانت ادارة الرئيس ترامب ستتجه لتوجيه ضربة عسكرية الى ايران بدعوى حماية الشعب الايراني، كافٍ لفهم مساعي الرئيس الأمريكي، فكل المؤشرات ترَّجح أن ترامب يسعى لاستغلال ما يحدث في الشارع الايراني والمجازفة بمحاولة الاطاحة بالنظام السياسي الإيراني، تحقيقًا للمصلحة الأمريكية في المنطقة وتعزيزًا لأمن إسرائيل.
وإذا ما توَّقفنا عند التدخل العسكري الأمريكي لاختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو، الذي يُفترض أنه تحت حماية القانون الدولي، ويُفترض أيضًا، أن لفنزويلا سيادة لا يمكن المساس بها أو انتهاكها، سنجد أن هذه العملية، التي انتهكت بصورة صارخة جميع الأعراف والقوانين الدولية وأُسس النظام الدولي المتفق عليها، لا تقتصر فقط على استهداف الجار الفنزويلي. بل إنها تمتد لتشمل مصالح الحليفين »الروسي والصيني« اللذين يعتمدان بشكل كبير على النفط القادم من فنزويلا. وعلى الرغم من أن ترامب لم يواجه المنافسين (الروسي والصيني) بشكل مباشر في هذه القضية، إلا أن من الواضح أن المعركة أوسع وأشمل مما يظهر للعيان. إذ لم تعد إدارة ترامب تهتم بالتعامل ضمن هذا الإطار النظامي للقانون والمجتمع الدولييَّن. فقد قضت العام الماضي بمهاجمة وتفكيك البنية القانونية لهذا النظام القائم، عبر معاقبة القضاة والمحامين في المحكمة الجنائية الدولية لعرقلة ملاحقة الجرائم. كما أقامت الحواجز التجارية، وانتهكت اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، متراجعة بذلك عن مبدأ التجارة الحرة، الذي كان يشكل أساسًا للاستقرار العالمي. فضلًا عن ذلك، تأخرت عن الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه الأمم المتحدة، وقررت الانسحاب من عدد كبير من المعاهدات أو خرقت بنودها. كما أنها تمارس تهديدًا علنيًا ضد دول وأقاليم ذات سيادة، مثل فنزويلا حاليًا، وكولومبيا وكوبا وغرينلاند والمكسيك مستقبلًا، وإيران، دون أي مسوغ قانوني صادر عن مجلس الأمن الدولي، بل باستخدام أساليب القوة والإكراه الأحادي بشكل غير قانوني. ولأن العديد من البلدان تعتمد على الولايات المتحدة في ضمان أمنها واستقرارها الاقتصادي أو كليهما، فإن معظم هذه الدول، باستثناء عدد قليل للغاية، اكتفت بمراقبة هذه الفوضى دون أي تحرك. فالرئيس الأمريكي، يريد تحقيق كل ما يتمناه، وفقًا لرغباته السياسية والشخصية، وما تمليه عليه اخلاقه والمصلحة القومية الأمريكية، بغض النظر عن إرادة ورغبات الآخرين، ومبادئ وأُسس القانون والنظام الدولييَّن. ففي خطابه الافتتاحي الأول، أوضح ترامب للعالم رؤيته التي ترتكز على أن لكل دولة حقًا أصيلًا في أن تضع مصالحها الوطنية على رأس أولوياتها. لم يكن ذلك مفاجئًا بالنظر إلى أن شعار حملته الانتخابية »لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى«. كما أن موقفه الحازم تجاه استخدام الوقود الأحفوري يعكس حرصه على تحقيق مصلحة بلاده من خلال تأمين طاقة رخيصة، متجاهلًا التداعيات التي قد تلحق الشعوب الأخرى نتيجة لتغيَّر المناخ. بذلك، تبدو مبادئ ترامب الأخلاقية مركزة على السعي لتحقيق المصالح الذاتية لأمريكا أولاً وقبل كل شيء. إلا أنَّ هذه المبادئ الأخلاقية عرضة للاعتراض القائل: »إذا اتبع الجميع النهج نفسه وتصرفوا بناءً على مصالحهم الذاتية فقط، لأدى ذلك إلى تدهور أوضاع الجميع«. إن تغير المناخ، يُعد مأساة عالمية بكل المقاييس. ومع ذلك، قام ترامب بسحب الولايات المتحدة من المعاهدة الحاسمة التي وقعها الرئيس بوش الأب في عام 1992، وهي المعاهدة التي تشكل حجر الأساس للتعاون الدولي في الحد من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري. ورغم ذلك، يجب أن نتساءل: هل ما يوجه ترامب حقًا يرتبط بأي نوع من الأخلاق؟ وكيف يمكن لدولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية أن يعبَّث بقوانينها واعرافها، فضلًا عن قوانين والاعراف وأُسس القانون والنظام الدولييَّن، شخص مثل ترامب، دون رادع قانوني أو تشريعي أو مؤسساتي؟
يبدو أنَّ رؤية العالم بالنسبة لترامب، ليست جديدة، فهي تستند إلى تفسيرات النظريات الواقعية بمختلف مسميَّاتها ومدارسها، وإلى حالة الطبيعة البشرية الأولى، التي نظَّر لها فلاسفة ومفكري العقد الاجتماعي، ومن قبلهم المؤرخ اليوناني »ثوسيديدس«. ولعل جواب نائب رئيس موظفي البيت الأبيض »ستيفن ميلر« عن سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة تُدير فنزويلا، تلخص ذلك، كما يلخص فلسفة ترامب في الحكم خير تلخيص. إذ قال ميلر لجيك تابر من شبكة CNN: "يمكنكم الحديث كما تشاؤون عن المجاملات الدولية وما إلى ذلك، لكننا نعيش في عالم... تحكمه القوة، تحكمه القوة، تحكمه السلطة. هذه هي القوانين الحديدية للعالم منذ الأزل... بحكم التعريف، نحن المسيطرون لأن لدينا قوات عسكرية أمريكية متمركزة خارج البلاد". فهذه الرؤية التي يطرحها رئيس موظفي البيت الابيض في إدارة ترامب، ليست أمرًا جديدًا، ولاسيما أنهُ كان يكرر تلك العبارات التي نسبها المؤرخ اليوناني القديم »ثوسيديدس« إلى الأثينيين عندما غزا جيشهم الضخم جزيرة »ميلوس الصغيرة«. إذ جاء في كلماته أنَّ "الأقوياء يمارسون سلطتهم بقدر ما يستطيعون، بينما يُضطر الضعفاء لتحمل ما يُفرض عليهم. وأكد أن البشر، بحكم طبيعتهم، يسعون للحكم متى ما توفرت لهم الفرصة. الأمر ليس بجديد أو خاص بهم، بل إنه قانون موجود منذ القدم، التزم به السابقون وسيبقى قائماً للأجيال القادمة".
ما يثير الدهشة في اعتماد ميلر على ما يعتقد أنه قانون تاريخي صارم، هو استبعاده لأي احتمال لتحقق تقدم أخلاقي، سوى اخلاق ترامب الشخصية، لكن حتى وأن افترضنا ذلك، فإن شواهد التقدم الأخلاقي واضحة في عالم اليوم. إذا ما استثنينا الانتقائية الأمريكية والإسرائيلية من ذلك. فعلى عكس الأثينيين الذين قد يكونوا اعتبروا العبودية مجرد مثال آخر على استغلال الأقوياء لسلطتهم، فالعالم اليوم لا يملك عبيدًا، ويضَّمن للرجال والنساء حقوقًا قانونية متساوية. فضلًا عن ذلك، يَحظر استخدام التعذيب، ويَضع قوانين تجرّم القسوة تجاه الحيوانات.
وبعد مرور ثلاثة أيام من مقابلة ميلر، أجرى ترامب مقابلة مع مجموعة من صحفيي نيويورك تايمز، إذ طُرح عليه سؤال عن حدود نفوذه على الساحة الدولية: "هل ترى أي قيود يمكن أن تعرقل تحركاتك دوليًا؟" أجاب ترامب: "بالطبع هناك شيء واحد فقط، وهو مبادئي الأخلاقية وقناعاتي الشخصية. هذا الشيء وحده يمكن أن يوقفني، وهو أمر إيجابي للغاية." ثم تابع أحد الصحفيين بسؤال آخر: "ألا يمثل القانون الدولي قيدًا عليك؟"، فرد ترامب: "لا أحتاج إلى القانون الدولي. أنا لا أسعى أساسًا لإلحاق الأذى بالآخرين." وعند سؤاله بشكل مباشر حول التزام إدارته بالقانون الدولي على الساحة العالمية، أكد ترامب أن إدارته تلتزم به، لكنه أضاف ملاحظة أثارت التساؤلات: "الأمر يعتمد على تعريفك لماهية القانون الدولي." ومع ذلك، لم يستفسر الصحفيون عن الكيفية التي يصيغ بها ترامب تعريفه الخاص لهذا المفهوم. فمن الصعب التوفيق بين تصريحات ترامب بشأن التزام إدارته بالقانون الدولي، والتعريف المعروف لذلك القانون، الذي يعد نظامًا عالميًا معتمدًا على مجموعة من القواعد والمبادئ، يُنظم العلاقات بين الدول ذات السيادة. فما زلنا نفتقد لحد الآن إلى المسَّوغ القانوني والاخلاقي الذي يتيح لترامب وإدارته، استخدام القوة في احتجاز الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ولاسيما أنه يعد خرقًا واضحًا للمبدأ الأساسي للقانون الدولي كما جرى تحديده في ميثاق الأمم المتحدة. إلا أنَّ الملفت للنظر هنا، هو تعليق ترامب السابق، بأن العامل الوحيد الذي قد يقيده في اتخاذ القرارات الدولية هو "مبادئه الأخلاقية". لكن تبقى التساؤلات: ما هي هذه المبادئ الأخلاقية التي تحدث عنها؟ وما هي انعكاساتها على العالم؟ وهل أصبح عالم اليوم رهن لأخلاق وقيم الرئيس الأمريكي، ولاسيما في ظل المراجعات والسلوكيات السياسية التي سلَّكها وأتخَّذها في ولاَّيتيه (الأولى والثانية) لحد الآن؟ والاجابة على هذه التساؤلات، قد تكون بجملة واحدة: إنَّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قد أهان القانون والنظام الدولييَّن (قولًا وفعلًا) وما يزال يستمر بإهانتهما، وإهانة المجتمع الدولي، بدون أي رادع، لا من قبل حلفاء الولايات المتحدة، ولا من قبل منافسيها مثل (روسيا والصين). وهذا ربما يقودنا إلى صحة أدعاء ترامب بأن عالم اليوم تحت تصرفه، وسيتصرف كما يشاء على الساحة الدولية، ولا شيء يمنعه أو يقيَّده سوى مبادئه الأخلاقية. وإنَّ هذا ربما سيحَّدد مسار العلاقات الدولية لعقودٍ قادمة، وما إذا كان العالم سيقبل عودة ترامب إلى الهيمنة المطلقة للقوى العظمى. وهذا بالتأكيد، سيَّقودنا إلى انحطاط اخلاقي عالمي، تكون فيه الانتقائية الاخلاقية الأمريكية – الإسرائيلية المعيار الوحيد الذي يحكم عالمنا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!