رغم اتجاه العالم نحو بدائل النفط مازال العراق يعتمد عليه بشكل كبير مما سيجعل اقتصاده في أسوء الاحوال بالتزامن مع تزايد السكان.
تزايد السكان
حيث يتزايد عدد السكان بشكل كبير، ويُعد من بين الدول عالية النمو السكاني؛ حيث أوضحت وزارة التخطيط عبر الجهاز المركزي للإحصاء ان عدد السكان سيبلغ أكثر من 51 مليون نسمة عام 2030.
أي ان عدد السكان في العراق يزيد مليون نسمة كل سنة، رغم سوء الاداء الاقتصادي، مما يعني ان الزيادة السكانية لا تتأثر بالعامل الاقتصادي بقدر ما تتأثر بعوامل أخرى قد تكون دينية أو اجتماعية أو غيرها.
هذا يعني ان عدد السكان سيستمر في الزيادة، ما دامت العوامل الاخرى هي الأكثر تأثيراً، واستمرار توليد المزيد من الضغوط على الاقتصاد الذي يعاني بالأساس من الهشاشة والضعف.
وبذات الاتجاه يرافق الزيادة السكانية ضعف القطاع التعليمي، حيث يركز هذا القطاع على الجانب الكمي لا النوعي، هذا ما يزيد حدّة الضغوط السكانية على الاقتصاد.
لان مخرجات التعليم ستكون فقيرة وغير مطلوبة في سوق العمل، بالتزامن مع التطور العالمي ودخوله في مختلف المجالات وخلق فرص جديدة تتطلب معارف ومهارات جديدة.
ان وجود فرص جديدة لا يعني انخفاض البطالة لان مخرجات التعليم غير مسلحة بالمعارف والمهارات اللازمة لأشغال تلك الفرص والنتيجة اضافة تلك المخرجات لصفوف البطالة المتفاقمة بالأساس.
ان تأثير البطالة لا يقتصر على الاقتصاد وحسب بل يمتد ليشمل أبعاد أخرى نفسية واجتماعية وسياسية ودولية.
المشكلة الاخطر ان الزيادة السكانية لا تتأثر بالعامل الاقتصادي والبطالة بالخصوص كونها ناجمة عن عوامل أخرى، وبالمقابل ان آثارها تمتد لتشمل أبعاد عديدة، مما يعني ان البطالة تمثل تحدي حقيقي للاقتصاد.
تراجع النفط
رغم ان النفط مادة ناضبة وغير متجددة إلا ان هذه الصفة أصبحت أقل أهمية بحكم التطور التكنولوجي الباحث عن البدائل.
أي ان أهمية النفط تراجعت ليس بسبب ان مادته نفدت أو أصبحت قريبة من النفاد، بل ان اكتشاف البدائل هو الذي قلل من أهميته.
حيث تعود جذور اكتشاف بدائل النفط الى سبعينيات القرن الماضي حينما استخدم النفط كسلاح في الحرب العربية-الاسرائيلية وعلى أثرها ارتفعت اسعار النفط بشكل كبير.
هذا الارتفاع دفع بالدول المتقدمة المستهلكة للنفط للتفكير في البديل عن النفط لأسباب سياسية واستراتيجية واقتصادية وبيئية وعلى هذا الاساس تم انشاء منظمة الطاقة الدولية.
أخذت هذه المنظمة على عاتقها أمرين:
الاول، البحث عن النفط خارج منظمة أوبك لكسر أهميتها في ادارة اسعار النفط.
والثاني، تسخير التطور التكنولوجي لاكتشاف بدائل النفط سواء طاقة نظيفة كالغاز أو طاقة متجددة كالشمس والرياح وغيرها.
في الوقت الحاضر بدأت تتحقق اهداف منظمة الطاقة الدولية، حيث تراجع دور منظمة أوبك عما سبق من ناحية، وتزيد نمو الطاقة النظيفة والمتجددة من ناحية ثانية، وتراجع اسعار النفط من ناحية ثالثة.
ليس هذا وحسب، بل سيزداد نمو الطاقة النظيفة والمتجددة بشكل أكبر مقابل انخفاض اوبك والنفط، وذلك بحكم التغير المناخي الذي أصبح ظاهرة عالمية.
أي ان العالم اصبح برمته يعاني من التغير المناخي مما يحتم عليه مواجهة هذا التغير ومن بين سُبُل مواجهته هو التوجه نحو التخلي عن النفط واعتماد الطاقة النظيفة والمتجددة في قطاعات الاقتصاد المختلفة.
بهذا الصدد يمثل قطاع النقل والمواصلات النسبة الأكبر في استهلاك النفط وانبعاثات التلوث، مما دفع العالم للتركيز على تحويل اعتماد هذا القطاع من النفط الى الطاقة النظيفة والمتجددة ومازال العمل جارياً بوتيرة متسارعة.
وبهذا الصدد توضح منظمة الطاقة الدولية في تقاريرها ان مبيعات السيارات الكهربائية تسير بوتيرة متسارعة سيصل الى 13.8 مليون سيارة عام 2030 بعد ان كان 600 الف سيارة عام 2015.
هذا يعني ان الطلب سينخفض بشكل كبير ومن ثم انخفاض اسعاره وبالتالي الايرادات النفطية للدول التي تعتمد على النفط بشكل كبير كما هو حال العراق.
انخفاض الايرادات النفطية يعني تعثر الانفاق الحكومي الجاري وبالخصوص الاستثماري لان الاخير هو أسير الايرادات النفطية.
ما يرافق هذا الانخفاض، حالاً ومستقبلاً؛ بالنسبة للعراق انه يفتقر للبنية التحتية المتطورة، التي من شأنها تخفض التكاليف وتزيد الارباح للمستثمرين، أي ان بيئة الاستثمار طاردة غير جاذبة للاستثمار.
هذا الافتقار الى جانب انخفاض الايرادات النفطية يعني ان الاقتصاد العراقي سيتوقف عن النشاط المتولد حالياً بفعل الدولار النفطي.
تقاطع تزايد السكان وتراجع النفط
اذا ما تحقق هذا التقاطع، بين تزايد السكان واهمال نوعية التعليم من ناحية وبين تراجع النفط واهمال البنية التحتية من ناحية أخرى؛ لمدة ليست بالقصيرة الى جانب استنفاذ الخيارات الأخرى كالاقتراض والاحتياطي الاجنبي وغيرها، في هذه الحالة ستظهر الاختلالات الاقتصادية للعلن بشكل صدمة كبيرة.
أي ان هذه الحالة، حالة التقاطع؛ ستمس الجميع بشكل وآخر، لماذا ستمس الجميع؟ لان الجميع يعتمد على النفط سواء بشكل مباشر او غير مباشر.
هل هذا التقاطع حتمي الحدوث؟
هذا التقاطع حتمي الحدوث إذا لم يحصل أي تغير في اتجاه أطراف التقاطع، أي إذا لم يحصل تراجع في الزيادة السكانية وزاد الاهتمام بنوعية التعليم بالتزامن مع تراجع وتيرة اعتماد الطاقة النظيفة والمتجددة عالمياً وزيادة الاعتماد على النفط مجدداً والاهتمام بالبنية التحتية محلياً.
متى يحصل هذا التقاطع؟
لا يمكن تحديد تاريخ معين سيحصل عنده هذا التقاطع، لان الموضوع مرتبط بسرعة الزيادة السكانية من ناحية وسرعة اعتماد الطاقة النظيفة والمتجددة وتراجع النفط من ناحية أخرى.
وسلوك كلا الناحيتين يشران الى ان حدوث التقاطع لم يتأخر كثيراً، في العراق؛ إذ ما زال عدد السكان في العراق في تزايد مستمر من ناحية وكذلك ان العالم سائر بنحو أسرع باتجاه اعتماد الطاقة النظيفة والمتجددة، مما يعني ان نقطة التقاطع ليست بعيدة زمنياً.
اربعة نقاط مهمة
ولأجل تلافي هذا التقاطع وآثاره لابد من العمل بشكل جدي وحقيقي على اربعة نقاط مهمة وهي:
اولاً: الاهتمام بالبنية التحتية، لان وجود بنية تحتية يعني وجود بيئة استثمارية جاذبة للاستثمارات الاجنبية ومحفزة للاستثمارات المحلية وهذا سيقلل من اثار التقاطع.
ثانياً: نوعية التعليم، أي العمل على تحويل منهجية التعليم من الكم الى النوع حتى تكون مخرجات التعليم مطلوبة في سوق العمل وهذا ما يقلل من الضغط على الاقتصاد.
ثالثاً: تنويع الاقتصاد، أي العمل على تنويع الاقتصاد قطاعياً وطاقوياً لان تنويع الاقتصاد قطاعياً يعني زيادة الاعتماد على الداخل أكثر من الخارج، كما ان تنويعه طاقوياً يقلل من آثار تراجع النفط على الاقتصاد.
رابعاً: تنظيم الزيادة السكانية، لان استمرار الزيادة السكانية بشكل عشوائي يعني الاسراع بحدوث التقاطع ووقوع آثاره، فتنظيم الزيادة السكانية بالشكل الذي ينسجم ووضع الاقتصاد يعني تلافي حدوث التقاطع وتجنب وقوع آثاره.
اخيرا، يمكن القول ان الاقتصاد العراقي سيواجه صدمة كبيرة متمثلة بالزيادة السكانية مقابل تراجع النفط وايراداته، مالم يتم تدارك الأمر من خلال تفكيك جذور أطراف التقاطع الآن.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!