يُمثّل انضمام سوريا الى التحالف فرصةً لتعاون أعمق مع الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين. ومع ذلك، فان التحديات التي تُشكّلها الميليشيات الطائفية والمقاتلون الأجانب المُتغلغلون داخل الدولة تُؤكّد مدى هشاشة هذه الشراكة وشروطها. عليه، لن يعتمد نجاح عضوية سوريا في التحالف على الرمزية فحسب، بل على قدرة دمشق على إظهار التزام ثابت وموثوق بمحاربة داعش، مع العمل في الوقت نفسه على استقرار مؤسساتها السياسية والأمنية المتصدعة
بقلم: Merissa Khurma and Giorgio Cafiero، نقلا عن المجلس الاطلسي
ترجمة: د. حسين احمد السرحان
مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية
تشرين الثاني-نوفمبر 2025
في العاشر من تشرين الثاني الجاري، قام الرئيس السوري أحمد الشرع بزيارة تاريخية الى واشنطن، ليصبح أول زعيم سوري يلتقي رئيسًا أمريكيًا في البيت الأبيض منذ استقلال البلاد قبل نحو ثمانية عقود. ومثّلت الزيارة أبرز قرارات السياسة الكثيرة التي اتخذتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الشهر لتعزيز التزام واشنطن بدعم الشرع في مساعيه لإعادة تأهيل سوريا وإعادة بنائها.
وتشمل هذه القرارات الرئيسة شطب الشرع من قائمة الإرهاب العالمي، وتجديد تعليق عقوبات قانون قيصر للمساعدة في تحفيز الاستثمارات، والسماح لسوريا بإعادة فتح سفارتها في واشنطن "لممارسة دورها الدبلوماسي بحرية كاملة على الأراضي الأمريكية"، كما أشار وزير الخارجية ماركو روبيو. وتُعدّ كلتا هاتين الزيارتين لفتتين هامتين واستراتيجية تُبرز موقف الولايات المتحدة من مستقبل سوريا.
لم يحضر رئيس الدولة السوري اجتماع البيت الأبيض خالي الوفاض. فبعد يوم واحد من زيارة الشرع، أعلنت السفارة الأمريكية في دمشق أن سوريا أصبحت العضو التسعين في التحالف الدولي لهزيمة داعش. ويُمثل هذا تحولاً كبيراً في تحالف سوريا الإقليمي والدولي - من تحالف كان راسخاً في دوائر النفوذ الروسية والإيرانية في عهد بشار الأسد، الى موقعها الحالي في المدار الإقليمي لحلفاء الناتو وأعضاء مجلس التعاون الخليجي. وبينما بدأ التنسيق الأمريكي السوري ضد داعش بعد سقوط الأسد بفترة وجيزة، بالتعاون الوثيق مع الدول المجاورة، بما في ذلك الأردن والعراق ولبنان، فان هذه المشاركة الرسمية تؤكد استعداد دمشق والتزامها بالشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وتعزيز أمنها، وتعزيز مصالح واشنطن في مكافحة الإرهاب في المنطقة.
ومع ذلك، فان انضمام سوريا الى التحالف يُمثل فرصاً متعددة الأوجه، فضلاً عن تحديات رئيسة ومخاطر كامنة - لا سيما بالنظر الى الخلفية الجهادية العنيفة للشرع كزعيم لجبهة النصرة، التي كانت فرع تنظيم القاعدة في سوريا في وقت سابق من الحرب الأهلية في البلاد.
التأييدات الإقليمية والفرص الناشئة
تشمل الفرص إمكانية زيادة تبادل المعلومات الاستخباراتية بين دمشق وواشنطن. كما يعني ذلك تعزيز التنسيق العسكري وتعميق التعاون الإقليمي في الحرب ضد داعش والجماعات المتطرفة الأخرى التي تعيد تأسيس نفسها في سوريا. ويشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية تدفقات المقاتلين الأجانب وتتبع الأموال، فضلا عن حملات التضليل الإعلامي، وفقًا لدبلوماسيين أمريكيين سابقين مطلعين على عمل التحالف.
وأكد دبلوماسيون من كل من الأردن والعراق أن انضمام سوريا الى التحالف خطوة بناءة وإيجابية نحو تعزيز مصالحهم الأمنية الوطنية، مع توطيد علاقات عمان وبغداد مع دمشق. وتُعد هذه أولوية مهمة، لا سيما بالنسبة للعراق، نظرًا لماضي الشرع العنيف في البلاد خلال الاحتلال الأمريكي الذي بدأ عام 2003. ووفقًا لمصادر دبلوماسية اوضحت للكاتبين، تبادل البلدان معلومات استخباراتية حول إحدى مؤامرتي داعش لاغتيال الشرع، والتي أعلنت عنها الحكومة السورية في أعقاب زيارته التاريخية للولايات المتحدة.
ورحب أعضاء مجلس التعاون الخليجي بانضمام سوريا الى التحالف ضد داعش. من وجهة نظر دول الخليج العربية، يُمثل ظهور داعش من جديد تحدياً دائماً، لذا فإن انضمام سوريا الى التحالف أمرٌ أساسي للحد من التهديد الذي تُشكله الجماعة الإرهابية.
وقد لعبت دول مجلس التعاون الخليجي، وخاصةً المملكة العربية السعودية وقطر، دورًا هامًا في إقناع إدارة ترامب بالنظر الى الشرع كشريك شرعي وموثوق. على سبيل المثال، كان نفوذ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عاملًا مساهماً في قرار ترامب برفع العقوبات عن سوريا في وقت سابق من هذا العام. ويعتقد قادة دول الخليج العربية على نطاق واسع أنه ينبغي إعادة دمج سوريا في الساحة الإقليمية والدولية بدلًا من تركها معزولة. فبدون دعم وتعاون خارجيين مُستدامين، يخشى المسؤولون في جميع أنحاء مجلس التعاون الخليجي من أن الدولة السورية قد تكون أضعف من أن تُحكم بفعالية، مما يُؤدي الى فراغات في السلطة، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية التي قد تستغلها الجماعات المتطرفة مثل داعش. في هذا السياق، يتماشى قرار سوريا بالانضمام الى التحالف مع وجهة نظر دول الخليج القائلة بأن تعميق التفاعل الدولي مع دمشق أمرٌ ضروري لمواجهة تحديات البلاد، بما في ذلك التهديد المُتجدد الذي يُشكله داعش في سوريا.
يُشجع هذا التعاون الأمني أيضًا على إعادة فتح طرق التجارة والعبور، مما يُفيد الاقتصاد السوري من خلال زيادة التعهدات الاستثمارية التي تتجاوز تلك التي تم الحصول عليها بالفعل من أعضاء رئيسيين في مجلس التعاون الخليجي، وتحديدًا المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة. علاوة على ذلك، يُمكن لأموال الاستقرار التابعة للتحالف، والمُقدمة عبر الأمم المتحدة أو الهيئات الإقليمية، أن تدعم بشكل غير مباشر إعادة الإعمار في المناطق المُحررة سابقًا من داعش، إذا وُجدت آليات الرقابة المناسبة. كما يُشرف التحالف على المساعدات الإنسانية والتنموية للمناطق المتضررة من داعش.
التعقيدات والتناقضات ومخاطر الشراكة
هناك أيضًا تعقيدات مرتبطة بهذه الفرص. فالشراكة مع حكومة لا تزال، بدرجات متفاوتة، مثيرة للجدل سياسيًا وأيديولوجيًا على الصعيد المحلي في سوريا تُمثل مخاطر محتملة، لا سيما بالنظر الى ماضي الشرع. هذا التاريخ يُثير ترددًا لدى قوات سوريا الديمقراطية (SDF) - المجموعة الأكثر فاعلية في محاربة داعش مع التحالف - في الاندماج مع الدولة السورية. وبينما يرى بعض الدبلوماسيين في واشنطن أن هذا يُمثل فرصة لدفع قوات سوريا الديمقراطية لتسريع اندماجها في سوريا الجديدة، يعتقد محللون سياسيون آخرون أن انضمام سوريا يُقوّض دور قوات سوريا الديمقراطية في التحالف. ومع ذلك، من وجهة نظر الحلفاء الرئيسيين في المنطقة، بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي، فان سوريا موحدة أمرٌ أساسي، وبالتالي، ينبغي إعطاء الأولوية للعمل على اندماج قوات سوريا الديمقراطية مع دمشق.
لا تزال ردود فعل الميليشيات الإسلامية العنيفة المتحالفة مع داعش، والتي تعتبر الشرع "كافرًا"، تُشكل خطرًا كبيرًا: وهو خطر يُدركه الشرع جيدًا. ومن الإجراءات الاستباقية والمناسبة التي اتُخذت الأسبوع الثاني من تشرين الثاني الجاري فتوى أصدرها مفتي هيئة تحرير الشام، عبد الله المحيسني، مؤيدًا قرار سوريا الانضمام الى التحالف الدولي لهزيمة داعش، الذي وصفه بالخوارج. وأكدت الفتوى أن وجود التحالف الدولي يستلزم "تنظيم الوضع وضبط الأمور بما يضمن وحدة القرار والسيادة، حتى تستقر أحوال الدولة الجديدة، ولا يُستخدم تهديد داعش ذريعةً لمزيد من التدخلات أو الانتهاكات"
وتشمل التحديات الرئيسة الأخرى استمرار نفوذ بعض الميليشيات الموالية للحكومة في سوريا، والتي يبدو أن بعضها مرتبط أيديولوجيًا بمنظمات إرهابية عالمية محددة، زيادة على الهشاشة النسبية للسلطة السياسية في دمشق والمشهد الأمني الأوسع. تورطت فصائل مسلحة تابعة لوزارة الدفاع السورية، مثل لواء السلطان سليمان شاه وفرقة الحمزات، في مجازر طائفية طالت العلويين على طول الساحل السوري في مارس/آذار 2025. قد تُلقي هذه الأفعال بظلال من الشك على حكمة التعامل مع حكومة دمشق الجديدة كشريك موثوق في الحرب ضد تنظيم متطرف طائفي بشع كداعش. ويزيد من تفاقم هذه المخاوف أن جهاديين أجانب من الصين وغرب البلقان وشمال القوقاز وأجزاء أخرى من العالم الإسلامي الأوسع يشغلون الآن مناصب في جهاز الدولة السورية. ولا تزال خلفياتهم وانتماءاتهم وولاءاتهم النهائية غامضة، مما يزيد من تعقيد الصورة بالنسبة لحكومة الشرع.
يبقى أن نرى كيف ستبدو عضوية سوريا في التحالف، الذي لا يزال يعمل دون ميثاق رسمي، وفقًا لجيم جيفري، المبعوث الرئاسي الخاص السابق لواشنطن الى التحالف خلال إدارة ترامب الأولى. وكما أوضح جيفري، فان العضوية النشطة في التحالف تشمل ركيزتين: العسكرية والدبلوماسية. يُعيّن معظم الأعضاء ممثلاً عسكرياً للتحالف، وهو ما لم تُسمِّه سوريا بعد، وتُشكّل اجتماعات وزراء الخارجية الدورية الوظيفة الرئيسية للركيزة الدبلوماسية للتحالف، والتي يُمكن لسوريا المشاركة فيها بكل تأكيد.
وأشار جيفري إلى أن "انضمام سوريا الى التحالف رمزي الى حد كبير في الوقت الحالي، إذ من غير المرجح أن تُساهم مالياً أو تُقدّم قوات". ومع ذلك، يُضيف أن الشرع و"زملاءه مُلِمّون بمحاربة داعش"، ويمكنهم أن يكونوا بنّاءين في العمليات المُستقبلية التي تقودها الولايات المتحدة ضد الجماعة الإرهابية. ووفقاً لمصادرنا الخليجية، فان انضمام سوريا الى التحالف يُضفي طابعاً رسمياً على علاقة بدأت خلال عهد الأسد عندما كانت هيئة تحرير الشام هي الحكومة الفعلية في إدلب، وتعاونت مع التحالف في وقت نجحت فيه الهيئة في طرد عناصر القاعدة وداعش من المحافظة.
وفي نهاية المطاف، يُمثّل انضمام سوريا الى التحالف فرصةً لتعاون أعمق مع الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين. ومع ذلك، فان التحديات التي تُشكّلها الميليشيات الطائفية والمقاتلون الأجانب المُتغلغلون داخل الدولة تُؤكّد مدى هشاشة هذه الشراكة وشروطها. عليه، لن يعتمد نجاح عضوية سوريا في التحالف على الرمزية فحسب، بل على قدرة دمشق على إظهار التزام ثابت وموثوق بمحاربة داعش، مع العمل في الوقت نفسه على استقرار مؤسساتها السياسية والأمنية المتصدعة. وينبغي على شركاء سوريا الاستراتيجيين في المنطقة والعالم دعم جهودها في تعميق انخراطها مع التحالف للقضاء على خطر الإرهاب نهائيًا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!