يمر الاقتصاد العالمي في تحولات كبيرة ولمجالات مختلفة في حين لايزال العراق ثقيل الحركة إزاء تلك التحولات مما سيجعله في موقف حرج مستقبلاً.
حيث يشهد العالم تطورات كبيرة في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها وبالمقابل مازال العراق يعتمد النفط كمحرك رئيس للاقتصاد.
ان الاعتماد على النفط يعني السير بالاتجاه المعاكس للاقتصاد العالمي على المستوى البعيد. حيث ان الكثير من الدول وخصوصاً المتقدمة أخذت تعتمد التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في اقتصاداتها وتتخلى عن النفط تدريجياً لصالح الطاقات النظيفة والمتجددة بالتزامن مع ديناميكية تعليمها. إذ اتجهت لاعتماد التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات الاقتصادية كونها تؤدي لاختصار الوقت وضغط الكلفة وزيادة الانتاج والمنافسة ومزيد من الارباح. كما أخذت بالبحث عن البدائل للنفط لأسباب تتعلق بكسر هيمنة المنتجين وبالخصوص منظمة أوبك من ناحية وتأمين مصادر طاقة نظيفة ومستدامة من ناحية أخرى. كذلك تتميز هذه الدول بفاعلية قطاعها التعليمي كونه قادر على خلق المخرجات النوعية لا الكمية وحسب، بمعنى ان المخرجات تخلق الفرصة لذاتها في وقت تخرجها ايضاً.
ورغم فاعلية قطاع التعليم في هذه الدولة إلا انها تترقب بحذر انعكاسات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على المجتمع بشكل عام والبطالة بشكل خاص. لان التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي له تأثير كبير على العمل والاعمال، حيث ان اعتمادها في الاعمال يعني التخلي عن الكثير من فرص العمل وخلق مزيد من البطالة رغم ديناميكية التعليم.
في ظل هذه المعطيات، وبالتزامن مع استمرار اعتماد العراق على النفط؛ كيف سيكون مستقبل الاقتصاد العراقي؟
هناك أمران يمكن بعد تناولهما تحديد مستقبل العراق، وهما:
الاول، داخلي، أي هل العراق يسير بالاتجاه الصحيح الذي يعزز من بناء ذاته بشكل سليم ليكون قادراً على مواجهة التحديات المستقبلية؟
رغم اتجاه العراق نحو اقتصاد السوق بعد 2003 إلا انه لازال لم يتحول عملياً ومازالت الدولة تسيطر على الاقتصاد بشكل كبير مما يعني عدم قدرته على مواكبة التحولات العالمية لان القطاع الخاص يكون أكثر قدرة على المواكبة. كذلك افتقار الاقتصاد العراقي للتنويع حيث مازال يعتمد بشكل كبير على النفط إذ تتراوح نسبه من 40- 60 في الناتج المحلي الاجمالي ولا تقل عن 85% من الايرادات العامة، ولا تقل عن 95% من الصادرات السلعية.
وتجب الاشارة الى ان النفط يتصف بصفات غير مرغوبة وهي إنه مادة ناضبة، ملوثة للبيئة، وكثيفة راس المال لا العمل، وصفات أخرى تتمثل في اسعاره المتذبذبة واتجاهها نحو الانخفاض وعدم قدرة التحكم بها بشكل انفرادي وغيرها.
إذا ما نضب النفط الخام، أو تم اعتماد سياسات مكافحة التلوث بشكل حقيقي واكتشاف البدائل التي أخذ تنمو بشكل كبير؛ يعني انخفاض قدرة الممول الرئيس على تمويل الاقتصاد العراقي والنتيجة الدخول في نفق مظلم.
ما يزيد الأمر سوءً هو جمود قطاع التعليم، حيث يتصف هذا القطاع في العراق بعدم الديناميكية اي غير قادر على مواكبة سوق العمل.
بمعنى انه يركز على الكمية لا على النوعية في المخرجات في وقت أصبحت النوعية هي المطلوبة في سوق العمل.
ان جمود هذا القطاع وزيادة المخرجات الكمية من ناحية وزيادة الطلب على نوعية المخرجات من ناحية ثانية يعني تفاقم البطالة بشكل كبير جداً، وهذا واضح في بطالة الخريجين حالياً فكيف سيصبح الأمر مستقبلاً.
كذلك الأمر بالنسبة للبنية التحتية، حيث يفتقد العراق للبنية التحتية الجيدة التي تشجع المستثمرين على الاستثمار، حيث لازال الكهرباء تمثل عقبة كبيرة أمام المستثمرين إلى جانب الطرق وغيرها.
ايضاً الفساد وبيئة الاعمال، حيث ان يؤثر الفساد على بيئة الاعمال ويجعل طاردة للاستثمارات لان وجود فساد يعني بيئة اعمال معقد وتحتاج مزيد من الكلف لأجل بدء الاعمال وان زيادة الكلف يعني تقليص الارباح وهذا ما يثبط من عزيمة المستثمرين على الاستثمار.
ضعف المؤسساتية، حيث ان ضعف المؤسساتية يعني ضعف مسيرة الاقتصاد، لان المؤسسات القوية يعني حماية الاقتصاد من أي مخاطر غير اقتصادية كالاستبداد والفساد والمحسوبية والمنسوبية وغيرها.
ايضاً الزيادة السكانية دون وجود أي تخطيط لتوفير المستلزمات اللازمة لجعل هذه الزيادة تخدم عملية التنمية لا عبئاً عليها.
الثاني، خارجي، أي ما هي التحديات التي ستواجه الاقتصاد العراقي مستقبلاً؟
من أبرز التحديات الخارجية التي تواجه الاقتصاد العراقي مستقبلاً هي انخفاض اسعار النفط، لان الاخيرة تتحدد وفق الاسواق الدولية، وان أكبر اللاعبين في الاسواق الدولية هي الدول المتقدمة التي تسير باتجاه احلال البدائل محل النفط.
هذا الاحلال يعني انخفاض الطلب على النفط ومن ثم انخفاض اسعاره وايراداته وهذا ما سيجعل الاقتصاد العراقي في مأزق حقيقي لان الاقتصاد العراقي يعتمد بنسبة كبيرة على النفط كما اتضح أعلاه.
من التحديات الأخرى هو اعتماد الدول المتقدمة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في اقتصاداتها بمعنى ستكون قادرة على تقوية اقتصاداتها بشكل أكبر وهذا ما يفرض مزيد من الضغوط على الاقتصاد العراقي لأنه سيكون أكثر تراجعاً.
ومن التحديات أيضاً هو التغير المناخي، حيث يسهم التغير المناخي سلباً على الاقتصاد العراقي من خلال تأثيره على المياه والتربة والزراعة، وبما ان العراق جزء من الموقعة على اتفاقيات المناخ سيكون ملزم على الالتزام بها مما يستلزم تخفيض الانتاج النفطي وغيرها في حين ان العراق ليس بلد صناعي ولكنه نفطي وان الاخير يسهم بالملوثات.
مما تقدم يتضح ان العراق وفي ظل التحولات العالمية ضعيف داخلياً لأنه لم يسير بالاتجاه الصحيح اقتصادياً وتعليمياً ومؤسسياً وغيرها، وتأثير التحديات الخارجية سيكون كبيراً، مما يعني انه سيكون متأثراً لا مؤثر.
غير انه يمكن أن يكون مؤثراً على المستوى الاقليمي بشكل ما إذا ما عمل على اصلاح العامل الداخلي وذلك لامتلاك لموقعه الجغرافي وامتلاكه احتياطيات كبيرة اضافة لحجم سكانه، من خلال:
اولاً، الاصلاح الاقتصادي، أي العمل على إيلاء الملف الاقتصادي الاولوية في رسم السياسات العامة.
ثانياً، الاصلاح التعليمي، أي العمل على تحول تركيز القطاع التعليمي من كمية المخرجات على نوعية المخرجات.
ثالثاً، تعزيز المؤسساتية، ان العمل على تعزيز المؤسساتية يعني ضمان انسيابية الاقتصاد الخدمات العامة.
رابعاً، مكافحة الفساد، أي العمل على اتخاذ اجراءات حقيقية لمنع نشوء الفساد ومكافحته عند ظهوره.
خامساً، تهيئة البنية التحتية، أي العمل على خلق بنية تحتية متطورة من شأنها تخفض التكاليف وتزيد الخدمة والارباح.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!