الجلطة المجتمعية

الجلطة المجتمعية
إن "الجلطة المجتمعية" ليست قدراً مقضياً على المجتمع المريض تلزمها طبائع الأمور ووقائع الدهور بقدر ما هي نتيجة حتمية لصمت الأخيار وتغول الأشرار. وعندما يرقد المجتمع في غرفة الإنعاش ويئن في لحظات الاحتضار، فانه سيترقب بشغف المودع مبادرة الشرفاء والمخلصين من ابناءه، ليكونوا تياراً كاسحاً دفاقاً من كريات "الإصلاح البيضاء" التي تهاجم هذا الداء وتطهّر شرايين الوطن من دنس المفسدين وعفن الظالمين.. إنه صراع وجود ...

   لا يخطئ البعض من علماء الاجتماع والحكماء في المقاربة بين تركيب الانسان والمجتمع من منطلق التماثل والتكامل في غايات ونظام وظائف الأعضاء في الكيان الإنساني على المستويين الفسيولوجي والسيسيلوجي. هذا المدخل المنطقي هو الذي يجيز لنا التوسع في اجراء المقاربة بين الانسان والمجتمع حتى على مستوى العلل والامراض التي تصيب هذا الكيان الإنساني سواء أكان فرداً ام جماعة، طالما تماثلت المسببات على اختلاف عناوينها. فعندما نتحدث عن الخطر المميت الذي تحدثه الجلطة لجسد الانسان نتيجة الانسداد الكامل أو الجزئي في أحد شرايينه الرئيسة المغذية للقلب او الدماغ، نجد ما يماثلها على المستوى الاجتماعي، وذلك عندما يترسب الظلم والفساد في شرايين المجتمع ومؤسساته الحيوية، وينحسر اوكسجين الامل في الإصلاح عن خلاياه الشعبية وتسود النقمة، يدخل المجتمع في حالة (الجلطة المجتمعية) . . هذه الجلطة لم تحدث فجأة ولم تأت من فراغ، بل تخلّقت من ترسبات المحاصصة، وتراكمات الإهمال والاستخفاف بمطالب الشعب، وكوليسترول الجشع والظلم الذي سدّ أوردة العدالة، لينتهي المطاف بالمجتمع إلى الشلل النصفي او حتى التام في مؤسساته، وصولاً الى تهديد حياته ووجوده في الحاضر والمستقبل.

   وعند إجراء تشريحٍ لمجتمعٍ استشرى الفساد في كل مفاصله، بل وارتقى– في غفلة او حتى تواطئ من القانون – في سلم الأثر والدمار من مستوى السلوك الفردي المرفوض، الى مستوى العمل المؤسسي (الجماعي) المنظم والمحصن بقوى السلطة ومواردها بل وحتى بقوانينها، سنصل بالضرورة وسنن المنطق الى مرحلة الإصابة بالجلطة المجتمعية بل وحتى الفناء التام او ثورة الجياع في نهاية المطاف. لطالما كانت صفقات تقاسم السلطة بمثابة الدهون السامة التي تراكمت في اوعية الدولة الحساسة وانسجتها الحيوية، حتى تحولت كل مؤسسة إلى خلية سرطانية منتجة للورم. ومع الاندثار التدريجي لكريات الدم البيضاء المتمثلة بـ (القضاء العادل، والرقابة الصارمة، والراي الحر) في المجتمع، استشرى سم الفساد الأسود في كل اركانه ومفاصله، واستقوى الفاسدون والمتنفذون بنفوذهم وسلاحهم واتباعهم، فتحولت القوانين إلى شباك عنكبوت، لا تصطاد سوى الضعفاء، بينما يمزقها حيتان الفساد بكل سهولة. لقد اتسعت نطاق واعراض المرض الخبيث او الخطير الذي نحذر منه ونخشاه، حتى غدا كالثقب الأسود الذي يلتهم الموارد ويبدد الطاقات تحت ركام المشاريع الوهمية، والتهريب، والاختلاس ، والابتزاز والعمولات غير المشروعة دون حدود او رقابة او قيود، ويلتهم بنهم مرضي خلايا الاخلاق من كل اعضاء المجتمع ومؤسساته ؛ فيصِير الرشوة "شطارة"، والسحت الحرام "حقاً مكتسباً"، حتى يموت الضمير الوظيفي تدريجياً، وتتصلب شرايين الكفاءة والنزاهة وتنخفض مناسيبه في مؤسسات الدولة واطرافها حتى تصاب بعفن الغرغرينا او اللامبالاة والنفور؛ في ظل بيئة لا تكافئ إلا الموالي للفاسدين، فتختنق طموحات وطاقات الشباب وأصحاب العقول والكفاءات بالإحباط ، وتستولي النقمة على النفوس، لتضيف الى سقم الجسد وشلل أجهزة المجتمع الحيوية ، اعتلالاً في الروح. 

   عندئذٍ ستحل الكارثة ويصاب المجتمع بالجلطة، والمفارقة ان اعراضها- كانت ومازالت- شاخصة بارزة على شاشات التشخيص والتمحيص الطبي (الاجتماعي والسياسي) منذ وقت ليس بالقليل، قبل ان تشخص بهيئة واقعٍ اليمٍ يدمي القلوب ويبكي العيون، ماثلاً في استغاثة الجياع والمظلومين وأنين الملتاعين من بؤس الخدمات ومشاريع المخادعين المفسدين واستخفاف او استبداد المسؤولين.

   وإذا كان القلب النابض لأي أمة هو ثقة الشعب بقيادته، فان الجلطة المجتمعية ستؤدي إلى احتشاء هذا القلب بأطواق الريبة والشك والنقمة الشعبية. وهذا الاحتشاء او الانفصال الشعوري، هو الذي سيعمق الفجوة بين الحاكم والمحكوم ويدشن الطريق ويهيئ الأجواء لانفجار ضغط الدم الشعبي.

   عند هذه النقطة من الانسداد الدموي والدمار البنيوي والوظيفي في كيان المجتمع، سيطفو الى السطح احد احتمالين لا ثالث لهما، فإما الموت السريري والانهيار الشامل لمؤسسات الدولة ووظائفها الحيوية ، إذا ما استمرت ترسبات الفساد بالتضخم، ولم تُتخذ إجراءات لتمزيق هذه الجلطة واجتثاث اضرارها واعراضها من أجزاء المجتمع واطرافه ، ستعجز هذه الدولة عن تلبية احتياجات ابناءها بل وحتى سد رمقهم بما تدفعه لهم من أجور، وتتحول الشوارع إلى ساحات احتراب دامية بين الحاكمين والمحكومين؛ بل وبين أمراء الفساد انفسهم على ما تبقى من فتات الموارد.

   واما أن يتدارك المعنيون والمخلصون الامر ويسارعون الى تحري العلاج، مستلهمين دروس التاريخ وامجاده، ومتشبثين بإرادة الحياة وعزم الشباب المتألق، ومستعينين بخبرات وقدرات الكفاءات الوطنية المخلصة لإجراء الجراحة واجتثاث أسباب واعراض المرض الخطير من الجسد الاجتماعي برمته حتى يتم التعافي التدريجي مع الإرادة والتواصل والانتظام على العلاج الملائم. 

   إن "الجلطة المجتمعية" ليست قدراً مقضياً على المجتمع المريض تلزمها طبائع الأمور ووقائع الدهور بقدر ما هي نتيجة حتمية لصمت الأخيار وتغول الأشرار. وعندما يرقد المجتمع في غرفة الإنعاش ويئن في لحظات الاحتضار، فانه سيترقب بشغف المودع مبادرة الشرفاء والمخلصين من ابناءه، ليكونوا تياراً كاسحاً دفاقاً من كريات "الإصلاح البيضاء" التي تهاجم هذا الداء وتطهّر شرايين الوطن من دنس المفسدين وعفن الظالمين.. إنه صراع وجود.. فإما أن ينتصر الجسد (المجتمع) وتعود له الروح بجهود ابناءه، أو تنتصر الجلطة ويُكتب في صحائف التاريخ أن مجتمعاً تليداً قد وافاه الاجل على إثر جلطة مجتمعية.

أ. د. سامر مؤيد عبد اللطيف

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!