من المنبوذ الى المرغوب الاقتصادي: هل تستطيع إيران مواجهة العزلة الامريكية بالدبلوماسية الاقتصادية؟

من المنبوذ الى المرغوب الاقتصادي: هل تستطيع إيران مواجهة العزلة الامريكية بالدبلوماسية الاقتصادية؟

لم تعد العلاقات الدولية في العصر الحديث تُبنى على القوة العسكرية وحدها، بل اصبحت القوة الاقتصادية أحد أهم محددات قدرة الدول على التأثير في محيطها الدولي، فالدولة التي تمتلك الموارد والأسواق وشبكات التمويل وتسيطر على النظام المالي العالمي توظف هذه العناصر لتحقيق الأهداف التي تسعى اليها.

وفي هذا السياق، فالمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران لم تعد محصورة في الجانب الأمني والسياسي، بل اخذت في السنوات الأخيرة شكلاً أكثر تعقيداً أصبح فيه الاقتصاد أحد أهم ميادين الصراع، فالعقوبات الاقتصادية لم تعد مجرد أداة لمعاقبة دولة على سلوك معين وانما تحولت الى وسيلة لإعادة تشكيل العلاقات التجارية والمالية والضغط على الأطراف الأخرى التي تتعامل معها ومحاولة حرمانها من الوصول الى شبكات الاقتصاد العالمي.  

وتاريخياًَ، واجه الاقتصاد الإيراني سلسلة طويلة من العقوبات الاقتصادية الامريكية بدأت منذ عام 1979 عندما اصدر الرئيس الأمريكي جيمي كارتر أمراً تنفيذياً بتجميد أصول طهران في البنوك الامريكية بلغت نحو (12 مليار دولار) آنذاك، وفرض حظر جوي تجاري بعد اقتحام السفارة الامريكية واحتجاز 52 موظف لمدة 444 يوماً مطالبين واشنطن بتسليم الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي، وفي عام 1984 تم إدراج ايران رسمياً على قائمة الدول الراعية للإرهاب، مما أدى الى حظر بيع الأسلحة والمساعدات المالية، وخلال عامي 1995 و1996 حظر الرئيس الأمريكي بيل كلنتون وبشكل كلي الاستثمار والتجارة الامريكية مع ايران، ومن ثم تم إقرار قانون عقوبات إيران وليبيا ILSAوفرض العقوبات الثانوية لأول مرة، مستهدفاً الشركات الأجنبية غير الأمريكية التي تستثمر أكثر من 20 مليون دولار سنوياً في الطاقة الإيرانية، وما بين 2010-2016 وبعد استئناف طهران تخصيب اليورانيوم اصدر مجلس الامن مجموعة قرارات متتالية فرضت من خلالها حظراً تسليحياً وقيوداً على المعاملات المالية والمصرفية، وتم استبعاد ايران من نظام سويفت SWIFT وفرض الخيار العسكري ضد ناقلات النفط، وفي عام 2015 تم توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) وتجميد العقوبات المترتبة على الملف النووي مقابل تقييده.

 ومع تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقاليد الحكم بدأت العلاقات تزداد سوءً، إذ أعلن في عام 2018 الانسحاب من اتفاق عام 2015، وإطلاق استراتيجية الضغط الأقصى لإعادة فرض العقوبات واستهداف الحرس الثوري وتجفيف صادرات النفط كلياً.

 وفي سبتمبر 2025 تم تفعيل ما أطلق على تسميته آلية الزناد Snapback Mechanism وهي آلية إعادة تلقائية للعقوبات الدولية والمرتبطة بالاتفاق النووي والتي تسمح بإعادة فرض العقوبات الأممية التي رفعت بسبب وجود حالة (عدم امتثال جوهري) ومعها يصعب على روسيا أو الصين منع عودة العقوبات بالطريقة التقليدية. 

بعد ذلك، في عام 2026 تم إطلاق عملية الغضب الاقتصادي Operation Economic Rage التي ركزت على استهداف قدرة إيران على توليد وتحريك والوصول الى الأموال لاسيما النفط والشبكات المالية الموازية.

وفي آب/أغسطس 2026 تم بدء حملة جديدة واسعة أُطلق عليها اسم عملية المنبوذ الاقتصادي Operation Economic Outcast لتصعيد العزلة الاقتصادية على إيران، استهدفت شبكة العلاقات الاقتصادية والمالية لها وللدول الأخرى، ويتمثل الهدف الرئيس لهذه العملية الانتقال من معاقبة إيران مباشرة الى محاولة عزل الاقتصاد الإيراني عن الاقتصاد العالمي. 

فالمنبوذ الاقتصادي يمثل مرحلة أكثر تطوراً في استخدام القوة الاقتصادية وهي لا تكتفي بمعاقبة إيران بل تسعى الى إعادة تشكيل البيئة الاقتصادية المحيطة بها، فهي تنتقل من معاقبة إيران الى عزلها والى رفع تكلفة التعامل معها ودفع الأطراف الأخرى الى الابتعاد عنها. 

وقد بدأت الولايات المتحدة الامريكية باستخدام أسلوب الاكراه الاقتصادي Economic Coercion والعزل الاقتصادي والمتمثل في فكرة (رفع تكلفة تعاملك مع الاخرين حتى تغير سلوكك)، فهذا الأسلوب يستهدف الأطراف التي تتعامل مع الدول المستهدفة ويعرضها للعقوبات الاقتصادية وحرمانه من الوصول الى النظام المالي العالمي والامريكي. 

وفي هذا السياق، برزت العزلة الاقتصادية بوصفها أحد الأدوات التي يمكن أن تستخدمها الدول لتقييد حركة دولة ما على الوصول الى الأسواق والتمويل والتكنلوجيا والاستثمار والتجارة الدولية، وهي تتخذ اشكالاً تدريجية تبدأ من القيود التجارية والمصرفية وتمتد الى العقوبات المصرفية وتقييد حركة رؤوس الأموال ومن ثم عدم القدرة على الوصول الى النظام المالي والاقتصادي العالمي.  

فالولايات المتحدة الامريكية تسيطر على الشبكات الاقتصادية العالمية وتمارس القوة وهو ما يطلق على تسميته تسليح الاعتماد المتبادل weaponized Interdependence  والذي طوره كل من هنري فاريل واراهام نيومان والتي تقوم على إن الترابط الاقتصادي العالمي لا يؤدي دائماً الى التعاون.

 وتتمثل المحاور الأساسية لعملية المنبوذ الاقتصادي بالآتي: 


مخطط (1) محاور الرئيسة عملية المنبوذ الاقتصادي

{img_1}

المخطط من عمل الباحث


وفي 24 أغسطس 2026 أعلنت وزارة الخزانة الامريكية بدء العملية ووصفتها بأنها حملة اقتصادية حكومية واسعة تهدف الى قطع (شرايين الحياة الاقتصادية) التي يعتمد عليها النظام الإيراني وشملت الدفعة الأولى قرابة 60 كياناً وفرداً وسفينة الى جانب توسيع نطاق التعرض للعقوبات الثانوية في قطاعات مثل الأصول الرقمية والتكنلوجيا والذهب والطيران والشحن، وقد بدأت العملية من الانتقال من استهداف الكيانات الى استهداف المؤسسات الخارجية التي تعدها واشنطن جزءً من الشبكات التي تمكن إيران من الوصول الى النظام المالي العالمي.

في 28 أغسطس 2026 اتخذت وزارة الخزانة اجراء الغاء قدرة مصرف Banque Misr UAE على المراسلة مع المؤسسات المالية الامريكية، كما فرضت عقوبات على مدير فرع بنك ملي الإيراني في دبي وشبكة صرافة مرتبطة بإيران. 

وفي أيلول/ سبتمبر 2026 انتقلت عملية المنبوذ الاقتصادي الى استهداف مؤسسات مالية خارج ايران، إذ فرضت وزارة الخزانة الامريكية عقوبات على مصرف Golden Global Yatirim Bankasi  التركي وشركتين تابعتين له متهمة إياه بتسهيل تحويل عائدات النفط الإيرانية من الصين الى نقد وذهب.

وفي 8 أيلول/ سبتمبر 2026 أعلنت وزارة الخزانة الامريكية فرض عقوبات على 36 هدفاً مرتبطاً بقطاع الطيران الإيراني بما في ذلك شركات طيران وكيانات ووسطاء أجانب ومسارات توريد سرية

وفي 10 أيلول/ سبتمبر 2026 وسعت الخزانة العملية لتستهدف شبكات وافراد من العراق والامارات ولبنان وتركيا بدعوى مساعدتهم شبكات مرتبطة بحزب الله وكتائب حزب الله.

وفي 14 أيلول/ سبتمبر 2026 فرضت وزارة الخزانة الامريكية عقوبات جديدة على بنك VTB Bank (ثاني أكبر بنك روسي) متهمة إياه بتوفير قنوات مالية لإيران ومساعدته على الالتفاف على العقوبات.

إن عملية المنبوذ الاقتصادي تمثل تطوراً مهماً في تاريخ استخدام الاقتصاد كأداة للقوة الجيوسياسية، فالولايات المتحدة لا تحاول معاقبة إيران فقط وانما تسعى الى تشكيل البيئة الاقتصادية المحيطة بها بالشكل التي تصبح تكلفة التعامل مع طهران مرتفعة بالنسبة الى المصارف والشركات والدول.

مما سبق يتضح، إن الولايات المتحدة الامريكية وبعد استخدام القوة العسكرية وضرب المصالح الاستراتيجية في إيران (داخلياً وخارجياً) وما ترتب عليه من اغلاق مضيق هرمز وتعطل حركة التجارة العالمية وانقطاع جزء كبير من تدفق النفط، بدأت باستخدام القوة الاقتصادية ضد إيران، فهي تمتلك نفوذاً واسعاً في التجارة الدولية والنظام المالي العالمي فضلاً عن موقع الدولار وسيطرته على التعاملات المالية الدولية، ومن ثم توظيف الأدوات الاقتصادية لتحقيق الأهداف السياسية. 

استناداً الى ما تقدم، ومع تراجع دور المواجهات العسكرية المباشرة في العصر الحديث، أصبحت القوة الاقتصادية والمالية هي المحرك الأساسي للنفوذ الدولي وإعادة تشكيل التحالفات.

ومن هنا، تبرز الدبلوماسية الاقتصادية Economic Diplomacy  بوصفها تمثل نقطة التقاطع بين السياسة الخارجية والاقتصاد، إذ تستخدم الدول لأدواتها ومزاياها الاقتصادية لتأمين مصالحها الوطنية وتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية وتطوير الممرات التجارية. وقد ظهرت الدبلوماسية الاقتصادية في ادبيات الاقتصاد السياسي منذ ازمة الكساد الكبير 1929-1933 واكتسبت زخماً كبيراً جداً خلال السنوات الماضية وتعمقت بشكل كبير في ظل الانفتاح والتحرر وإزالة الحواجز والقيود والتوسع التجاري الهائل الذي شهده العالم.

فالدبلوماسية الاقتصادية تمثل قدرة الدولة في التأثير في العالم الخارجي لتحقيق اقصى قدر ممكن من المنافع الاقتصادية عبر العلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف، واستخدام جاذبية البلد الاقتصادي للقيام بالنشاطات الاقتصادية، فضلاً عن الدفاع عن مصالحها الاقتصادية.

وهي تمثل الأداة المقابلة للعزلة الاقتصادية، فهي وسيلة لإدارة العلاقات من خلال التفاوض وبناء الشراكات التجارية والاستثمارية وتأمين الأسواق ومصادر الطاقة.  

وفي ظل الظروف الدولية التي تتسم بتقلبات جيوسياسية متواصلة، ومع تنامي الطابع البراغماتي القائم على المصالح في العلاقات بين الدول وتسارع التحولات التكنولوجية، باتت الدبلوماسية الاقتصادية أحد المحددات الأساسية في تشكيل وتكريس القوة الوطنية، إذ لم تعد الاستثمارات التي تحقق ازدهاراً متبادلاً مجرد أداة لفتح آفاق أوسع للتفاعل الدبلوماسي، بل أصبحت تفضي إلى مكاسب استراتيجية وسمعة دولية تعززان مكانة الدول ونفوذها بما يتجاوز الأطر التقليدية لممارسة العمل الاقتصادي.

وتجسد التجارب الدولية هذا التوجه بوضوح، إذ تستثمر اليابان في صقل المهارات ورفع كفاءة الموردين لترسيخ فلسفتها الصناعية خارج حدودها، بينما تعتمد كوريا الجنوبية على صادراتها الثقافية لتمهيد الطريق أمام انتشار تقنياتها المتقدمة، وتعزز الامارات موقعها كمركز عالمي عبر تطوير ممرات اقتصادية واستضافة قمم دولية كبرى، ومن جهتها، توءمة النرويج بين التمويل والقيم، مصدرة مع رأس المال معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، وترتكز الاستراتيجية الصينية على عامل الحجم والنطاق من خلال نشر بنى تحتية واسعة ضمن مبادرة الحزام والطريق إلى جانب منصات رقمية تهدف إلى ترسيخ الاعتماد المتبادل، أما سنغافورة، وعلى الرغم من صغر مساحتها فتوظف الاستثمار بفاعلية لتوطيد مكانتها كمركز عالمي للابتكار(1)

ومن هنا يبرز السؤال؟ هل يمكن لإيران التي يراد لها أن تكون منبوذاً اقتصادياً أن تستخدم الدبلوماسية الاقتصادية لتتحول من دولة معزولة الى شريك اقتصادي مرغوب؟

إن الإجابة على هذا السؤال يعتمد على قدرة إيران على إعادة تشكيل علاقاتها الاقتصادية بشكل يجعل مواردها وممراتها التجارية (مضيق هرمز وغيره) عناصر تجعل الدول ترى استمرار العلاقات الاقتصادية مصلحة اقتصادية عليا على الرغم من الضغوط الاقتصادية. 

فهل تستطيع إيران استخدام دبلوماسيتها للتحول من العزلة الى التنويع ومن العقوبات الى الشراكات الاقتصادية والمالية ومن النبذ الى الجاذبية وفك القيود؟ وهل تستطيع ان تتحول الى شريك اقتصادي يصعب الاستغناء عنه، سواءً مع الولايات المتحدة الامريكية أو مع غيرها.

 إن كل ذلك يعتمد على قدرة إيران في استخدام ادواتها الاقتصادية في الحلول الدبلوماسية. 


المصادر:

1- القمة العالمية للحكومات بالتعاون مع KEARNEY، تعزيز النفوذ عبر الازدهار الاقتصادي: الدبلوماسية الاقتصادية في عصر الترابط، ص4، 2026

أ.م.د سلطان جاسم النصراوي

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!