المالية العامة العراقية في النصف الأول من 2026 - اتساع الانفاق وتضاءل الايراد

المالية العامة العراقية في النصف الأول من 2026 - اتساع الانفاق وتضاءل الايراد

تكشف بيانات وزارة المالية العراقية لحسابات الدولة خلال النصف الأول من عام 2026 عن اختلال مالي آخذ بالاتساع، لا يتمثل فقط في تجاوز النفقات للإيرادات، وإنما في تركيب المالية العامة نفسها؛ إذ تجتمع ثلاث اختلالات مترابطة: اعتماد الإيرادات على النفط، وهيمنة الإنفاق الجاري، وضعف الوزن النسبي للإنفاق الاستثماري.

والنتيجة أن المالية العامة أصبحت أكثر حساسية لأي انخفاض في الإيرادات النفطية، في وقت تتمتع فيه معظم النفقات بدرجة عالية من الجمود وصعوبة التخفيض.

أولاً: اتساع الفجوة بين الإيرادات والنفقات

ارتفعت الإيرادات العامة المتراكمة من نحو 8.54 تريليون دينار في كانون الثاني إلى 35.95 تريليون دينار بنهاية حزيران 2026. 

وفي المقابل، ارتفع إجمالي الإنفاق الفعلي من نحو 8.88 تريليون دينار إلى 57.19 تريليون دينار خلال المدة نفسها. وبذلك بلغت الفجوة التمويلية بين الإنفاق والإيرادات نحو 21.24 تريليون دينار في نهاية النصف الأول من السنة.

ففي أيار وحده أصبحت النفقات المتراكمة 46.70 تريليون دينار مقابل إيرادات قدرها 33.75 تريليوناً، قبل أن تتسع الفجوة بصورة أكبر في حزيران.

والأكثر دلالة أن الزيادة بين نهاية أيار ونهاية حزيران بلغت نحو 10.49 تريليون دينار في الإنفاق، مقابل زيادة بنحو 2.20 تريليون فقط في الإيرادات؛ أي أن الفجوة اتسعت خلال شهر واحد بنحو 8.29 تريليون دينار، وهذه هي الإشارة المالية الأبرز في التقارير الستة.

ثانياً: الهيمنة النفطية

تكشف بيانات حزيران أن إجمالي الإيرادات النفطية بلغ نحو 28.51 تريليون دينار، مقابل نحو 7.44 تريليون دينار للإيرادات غير النفطية، من إجمالي يقارب 35.95 تريليون دينار؛ أي أن النفط شكّل نحو 80% من الإيرادات، مقابل 20% فقط للإيرادات غير النفطية.

وعلى الرغم من أن نسبة الإيرادات غير النفطية ليست هامشية، فإن تركيبها يكشف أن تنويع الإيرادات ما زال محدوداً؛ فقد بلغت الضرائب على الدخول والثروات نحو 687 مليار دينار، والضرائب السلعية ورسوم الإنتاج نحو 1.77 تريليون، والرسوم نحو 575 ملياراً، في حين بلغت الإيرادات الأخرى نحو 3.08 تريليون دينار.

وبذلك تبقى قدرة الدولة على الإنفاق مرتبطة بدرجة كبيرة بتدفق الإيرادات النفطية، بينما لا تزال الضرائب والرسوم عاجزة عن تشكيل قاعدة تمويل مستقلة وقادرة على امتصاص الصدمات النفطية.

ثالثاً: هيمنة الانفاق الجاري

بلغت المصروفات الفعلية حتى نهاية حزيران نحو 57.19 تريليون دينار، منها 54.67 تريليون دينار موازنة جارية، مقابل 2.51 تريليون دينار فقط موازنة استثمارية.

وهذا يعني أن الإنفاق الجاري استحوذ على نحو 95.6% من إجمالي الإنفاق الفعلي، بينما لم تتجاوز حصة الإنفاق الاستثماري 4.4%.

وتزداد الصورة وضوحاً عند تفكيك الإنفاق الجاري؛ إذ بلغت تعويضات الموظفين 30.77 تريليون دينار، أي ما يعادل نحو54% من إجمالي الإنفاق العام، فيما بلغت الرعاية الاجتماعية نحو 13.86 تريليون دينار، وخدمة الدين قرابة 3.99 تريليون دينار.

أي أن تعويضات الموظفين والرعاية الاجتماعية وحدهما استحوذتا على نحو 44.63 تريليون دينار، أو قرابة 78% من إجمالي الإنفاق الفعلي.

وعند إضافة خدمة الدين ترتفع النسبة إلى نحو 85%. وهذا يكشف درجة عالية من جمود الإنفاق العام؛ لأن الجزء الأكبر منه مرتبط بالتزامات يصعب تقليصها سريعاً عند حدوث صدمة في الإيرادات.

أما الإنفاق الاستثماري، فعلى الرغم من ارتفاعه من نحو 531 مليار دينار في كانون الثاني إلى 2.51 تريليون دينار في حزيران، فإنه ظل محدوداً قياساً بحجم الإنفاق الجاري.

ان هيمنة الايرادات النفطية من جانب وهيمنة الانفاق الجاري من جانب آخر بالتزامن مع محدودية الانفاق الاستثماري، يشير لهيمنة الدولة على النفط والاقتصاد وتوظيفها بعيداً عن البناء السليم.

لان البناء السليم يستلزم توجيه الايرادات النفطية نحو الانفاق الاستثماري وبالخصوص نحو البنية التحتية التي تمثل القاعدة الأساس لمسيرة الاقتصاد. 

الخلاصة

تكشف حسابات النصف الأول من 2026 عن معادلة مالية صعبة، إيرادات تعتمد بنسبة 80% على النفط، مقابل إنفاق يعتمد بنسبة 95.6% على الجانب الجاري، مع فجوة تراكمية بين الإيرادات والنفقات بلغت نحو 21.24 تريليون دينار.

وبذلك فإن جوهر المشكلة المالية العراقية ليس انخفاض الإيرادات وحده، وإنما عدم مرونة الإنفاق أمام تقلب الإيرادات.

فحين ترتفع أسعار النفط تستطيع الدولة تمويل كتلة كبيرة من الالتزامات الجارية، لكن عند تباطؤ الإيرادات تظهر الفجوة سريعاً؛ لأن الرواتب والرعاية الاجتماعية وخدمة الدين لا تنخفض بالسرعة نفسها.

وعليه، فإن المؤشر الأخطر الذي ينبغي مراقبته خلال النصف الثاني من 2026 ليس حجم الإيرادات النفطية منفرداً، وإنما سرعة اتساع الفجوة بين نمو الإيرادات ونمو الإنفاق الجاري.

فإذا استمر المسار المسجل حتى حزيران، فإن القضية ستتحول من عجز مالي دوري إلى مشكلة استدامة مالية، خصوصاً إذا ما استمرت أزمة مضيق هرمز؛ تتطلب زيادة الإيرادات غير النفطية وضبط نمو الالتزامات الجارية وحماية الإنفاق الاستثماري المنتج، بدلاً من جعله المتغير الأسهل للتكيف مع نقص الموارد.

حامد عبد الحسين الجبوري

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!