في الذكرى الخامسة بعد المائة لتأسيس الجيش العراقي تبرز أسئلة جوهرية تتعلق بدور هذه المؤسسة في مشروع بناء الدولة والمجتمع، وأسباب تعثر تطورها لتكون قوة مستدامة ومؤثرة على المستويين الإقليمي والدولي، فضلا عن الكيفية التي يمكن من خلالها تصحيح أخطاء الماضي عند التفكير في بناء جيش عراقي محترف في المستقبل؟
على الرغم من كل التقلبات الحادة التي شهدتها الدولة العراقية منذ تأسيسها سنة 1921 وحتى اليوم، حافظ الجيش بوصفه مؤسسة رسمية على رمزيته الإيجابية لدى أغلب العراقيين، ويعود ذلك الى ان تأسيسه جاء استجابة الى مشروع بناء دولة، ولم يكن امتدادا لتشكيلات حزبية او تنظيمات اثنية، فهو مؤسسة وطنية انيطت بها مهمة حماية الكيان السياسي للعراق والحفاظ على أمن الدولة والمجتمع، ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية. ورغم ما شاب بعض مراحل تاريخه من ثغرات في شروط الانتساب والترقية، حافظ الجيش على سمعته كبوتقة وطنية تنصهر فيها مختلف الانتماءات الاثنية والفكرية تحت مظلة الهوية الوطنية الجامعة. كما أسهمت المنظومة القيمية العراقية في ترسيخ مكانة الجيش، فالعراقي بحكم تكوينه الثقافي، وذاكرته التاريخية ينظر الى القوة بوصفها عنصرا مهما في حفظ الكيان الوطني، ويدرك ان مواجهة المخاطر، لاسيما الخارجية، لا يمكن ان تتحقق بدون جيش مقتدر، فالجيش في نظر العراقي ليس مجرد مؤسسة سلطة، بل هو رمز للحماية الوطنية، ومصدر للفخر المجتمعي.
ولكن مسار الجيش العراقي لم يشهد تطورا تراكميا مستداما، بل مر بحالات متعاقبة من الصعود والانكسار، ففي الوقت الذي كانت فيه جيوش دول أخرى تراكم خبراتها وتعزز احترافها وتسليحها النوعي، تعرض الجيش العراقي الى عمليات اضعاف متكررة وصلت ذروتها بعد الاحتلال الأمريكي سنة 2003، على الرغم من استحواذ منظومة الامن والدفاع على نسبة كبيرة من الموازنات العامة الحكومية لعقود طويلة.
ويعود هذا الإخفاق بالدرجة الأساس الى اختلالات بنيوية في أداء النخب السياسية العراقية، التي فشلت في بلورة مشروع وطني واضح لبناء الدولة. وقد انعكس هذا الارتباك على المؤسسة العسكرية، التي لم تستطع تحديد دورها الاستراتيجي او صياغة عقيدة قتالية مستقرة في ظل غياب رؤية سياسية جامعة. ومع تعثر مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتفاقم المظالم الشعبية وغياب العدالة داخل المجتمع، وجد كثير من العسكريين أنفسهم جزء من أزمات داخلية لا تنتمي الى صميم دورهم المهني. كما أسهمت الصراعات السياسية المستمرة في حرف الجيش عن مساره الاحترافي، من خلال توظيفه في النزاعات السياسية الداخلية، الامر الذي نتج عنه اول انقلاب عسكري في تاريخ العراق والمنطقة بانقلاب بكر صدقي سنة 1936. وتوالت بعد ذلك محاولات استقطاب القيادات العسكرية من قبل قوى سياسية مختلفة (قومية، شيوعية، ليبرالية، إسلامية) وجرى توظيفها في الانقلابات الدموية وتصفية الخصوم. رافقها محاولات انشاء تشكيلات عسكرية موازية (حرس قومي، جيش شعبي، الخ) ساهمت في اضعاف المؤسسة العسكرية الرسمية، واستنزفت مواردها، واحبطت افرادها، وأربكت منظومة القيادة والسيطرة داخلها.
وتُظهر مراجعة الهزائم التي مني بها الجيش العراقي ان معظمها لم تكن ناجمة عن قرارات عسكرية خاطئة، بل تعود الى قرارات سياسية سيئة. فالمعروف ان قرار الحرب والسلم في الدول الحديثة يتخذه المستوى السياسي، وفقا لمقتضيات المصلحة الوطنية العليا، على ان لا يكون قرارا متهورا، وانما يكون قرارا حكيما، وخاضعا للتشاور مع القيادات العسكرية، وملتزما بما تراه هذه القيادات من ضمانات لتحقيق النصر. الا ان التجربة العراقية شهدت تجاوزا فجا لهذا المبدأ من قبل المستوى السياسي، اذ جرى زج الجيش في حروب خاسرة هي أقرب الى المغامرات السياسية منها الى التخطيط العسكري الجيد.
ولقد ترتب على ذلك تراجع واضح في دور الجيش العراقي وتصنيفه العالمي، فضلا على خسارته عددا كبيرا من قياداته الكفوءة، مما يجعل الضرورة ملحة لإيقاف هذا المسار غير الصحيح الذي بُنيت عليه مؤسسة الجيش. فالعراق ليس دولة هامشية على الخريطة الجيواستراتيجية العالمية، بل هو دولة مهمة ومحورية في بيئة إقليمية ودولية معقدة، وهو بحاجة دائمة الى جيش مهني عالي المستوى في التسليح والتدريب والقيادة، فـ"الدبلوماسية بدون سلاح، كالموسيقى بدون الات عزف"، كما يقول بسمارك، وحماية أمن وسيادة العراق، والحفاظ على مصالح شعبه العليا لن يتحقق الا بوجود جيش من هذا المستوى.
ويتطلب بناء هكذا جيش وجود إرادة سياسية حقيقية لإطلاق مشروع وطني متفق عليه لبناء الدولة، يُحدد على أساسه دور المؤسسة العسكرية وعقيدتها. كما يتطلب الابتعاد عن التوسع الكمي في انشاء التشكيلات العسكرية والأمنية، والتركيز بدلا من ذلك على النوعية والكفاءة، وتحييد الجيش تماما عن الصراعات السياسية، وتوفير التمويل الكافي لتسليحه واعداده قتاليا ليكون بمستوى الجيوش المتقدمة، واختيار قادته على أساس المهنية بعيدا عن أي حسابات سياسية. إضافة الى تركيز مهامه على حفظ الامن الوطني من التهديدات والمخاطر الخارجية، وعدم تكليفه في المهام التي يمكن ان تقوم بها أجهزة وزارة الداخلية والامن الوطني وبقية الأجهزة ذات العلاقة، فتكليفه الطويل وبدون حاجة ملحة بمثل هذه المهام سوف يضعف دوره القتالي، ويربك نظرة افراده لأنفسهم ودورهم في حماية أمن بلادهم، نتيجة تحول الظرف الاستثنائي الى وضع طبيعي.
خلاصة القول: ان قرار بناء جيش وطني فاعل هو قرار سياسي قبل ان يكون قرارا عسكريا، وما لم تُستخلص دروس الماضي، وتُتخذ خطوات جادة لتصحيح المسار في الوقت الحاضر، فان مستقبل الامن الوطني العراقي سيبقى عرضة لمخاطر جسيمة في محيط إقليمي ودولي بالغ التعقيد.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!