الاقتصاد العراقي بين ضغوط الحاضر ومخاطر المستقبل

الاقتصاد العراقي بين ضغوط الحاضر ومخاطر المستقبل

يمتلك العراق مقومات اقتصادية كبيرة كاحتياطيات نفطية ضخمة، وموقعاً جغرافياً يربط الخليج بتركيا والبحر المتوسط، وأراضي زراعية، وموارد بشرية شابة، وسوقاً تتجاوز 46 مليون نسمة.

 ومع ذلك، لا تعكس نتائج الاقتصاد حتى الآن حجم هذه الإمكانات؛ لأن المشكلة ليست في ندرة الموارد، بل في طريقة إدارتها وتحويلها إلى إنتاج وفرص عمل واستقرار مالي.

وفي الوقت الذي يواجه العراق ضغوط حاضرة تتمثل في الاعتماد على النفط، وتضخم الإنفاق الجاري، وضعف القطاع الخاص والخدمات الأساسية؛ سيواجّه أيضاً مخاطر مستقبلية تتصل بالنمو السكاني، وتحول الطاقة العالمي، والتغير المناخي، والتطور التكنولوجي.

والخطر الحقيقي هو أن تتفاعل هذه الضغوط والمخاطر معاً قبل أن يمتلك الاقتصاد أدوات مواجهتها.

الهيمنة النفطية

يعتمد الاقتصاد العراقي بصورة شديدة على النفط، فهو المصدر الرئيس للصادرات والعملات الأجنبية والإيرادات العامة. ولذلك لا تبقى الصدمة النفطية داخل القطاع النفطي، بل تنتقل إلى الموازنة والمصارف والتجارة والتشغيل والاستثمار.

عندما ترتفع الأسعار، تتوسع الإيرادات والإنفاق الحكومي والاستيرادات؛ وعندما تنخفض الأسعار أو تتعطل الصادرات، يتراجع تمويل الموازنة وتتوقف المشروعات ويضعف الطلب في السوق. 

وهذا يعني أن قسماً كبيراً من النشاط غير النفطي لا يعمل بصورة مستقلة عن النفط، وإنما يتحرك بالأموال التي تضخها الحكومة من إيراداته.

وقد كشفت اضطرابات التصدير عبر مضيق هرمز أن امتلاك احتياطي نفطي كبير لا يكفي إذا كانت معظم الصادرات تمر عبر مسار جغرافي واحد، فالأمن الاقتصادي لا يقاس بحجم النفط الموجود تحت الأرض فقط، بل بمرونة نقله وتسويقه، وبقدرة الاقتصاد على الاستمرار عندما تتعثر صادرات النفط أو تنخفض اسعاره.

هيمنة الانفاق الجاري

يظهر الاختلال بصورة أوضح في بنية الإنفاق العام. فبحسب بيانات وزارة المالية للنصف الأول من عام 2026، بلغ الإنفاق العام نحو 57.19 تريليون دينار، منه قرابة 54.67 تريليون دينار إنفاقاً جارياً، مقابل نحو 2.51 تريليون دينار إنفاقاً استثمارياً.

المصدر: وزارة المالية العراقية، تقارير الموازنة الفعلية المنشورة على موقعها.

لا يعني ذلك أن الرواتب والتقاعد والحماية الاجتماعية نفقات غير ضرورية، لكنها أصبحت نفقات ثابتة يصعب تعديلها عند تراجع الإيرادات.

 وفي المقابل، يكون الاستثمار أول ما يتعرض للتأجيل، فتتوقف المشروعات التي يفترض أن تزيد من بناء وتحسين البنية التحتية كالكهرباء والنقل والماء وغيرها.

وهنا تظهر مفارقة خطيرة: تحمي الدولة الاستهلاك الحالي من خلال استمرار النفقات التشغيلية، لكنها قد تضعف قدرة الاقتصاد على توليد الدخل مستقبلاً.

 وإذا تمت معالجة نقص الإيرادات بالاقتراض الداخلي المستمر، تنتقل المشكلة إلى الدين والسيولة والمصارف، وقد تنخفض قدرة الجهاز المصرفي على تمويل القطاع الخاص.

زيادة السكان مقابل ضعف الفرص

أظهرت النتائج النهائية للتعداد أن سكان العراق بلغوا نحو 46.1 مليون نسمة.

هذه الكتلة السكانية يمكن أن تكون قوة اقتصادية إذا تلقت تعليماً جيداً واكتسبت مهارات ودخلت في قطاعات منتجة، لكنها تتحول إلى ضغط مالي واجتماعي إذا ظل التوظيف الحكومي الخيار الرئيس أمام الشباب.

فالحكومة لا تستطيع الاستمرار في إضافة مئات الآلاف من الوظائف بصورة دورية من دون تضخم الرواتب وإضعاف الإنتاجية.

 وفي الوقت نفسه، ما زال القطاع الخاص يواجه مشكلات الكهرباء والتمويل والأراضي والإجراءات الإدارية ومنافسة الاستيراد وغيرها، بمعنى ان بيئة العمل طاردة أكثر مما هي جاذبة.

لذلك فإن مشكلة العمل في العراق ليست مجرد بطالة عابرة، بل هي خلل بنيوي يتعلق بضعف الاقتصاد من ناحية وضعف العلاقة بين التعليم والاقتصاد من ناحية أخرى، إذ يتخرج الشباب بتخصصات لا يطلبها السوق، بينما تعاني المشروعات من نقص المهارات المختلفة.

الكهرباء والمياه وتغير المناخ

لا يمكن بناء صناعة تنافسية أو زراعة حديثة في ظل كهرباء غير مستقرة.

ورغم أن العراق منتج كبير للنفط ويمتلك احتياطيات غازية مهمة، فإنه ظل لسنوات يحرق جزءاً من الغاز المصاحب ويستورد الغاز والكهرباء لتغطية احتياجاته، وهذه ليست مشكلة فنية فقط، بل استنزاف مالي وفرصة إنتاجية ضائعة.

كما يشكل تراجع المياه وارتفاع درجات الحرارة والتصحر خطراً مباشراً على الزراعة والأمن الغذائي والهجرة الداخلية. 

وإذا انخفض الإنتاج الزراعي، لا يخسر العراق الغذاء المحلي فحسب، بل تزداد فاتورة الاستيراد والطلب على العمل في المدن والضغط على الخدمات العامة والمالية العامة مرةً أخرى.

تحول الطاقة ومستقبل النفط

لا تعني تحولات الطاقة العالمية أن النفط العراقي سيفقد قيمته خلال سنوات قليلة؛ فالنفط والغاز سيظلان جزءاً مهماً من مزيج الطاقة العالمي.

لكن نمو السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة وتحسن كفاءة الاستهلاك وسياسات خفض الانبعاثات قد تؤدي إلى تباطؤ نمو الطلب واشتداد المنافسة بين المنتجين، حسب تقارير وكالة الطاقة الدولية.

بمعنى ان المستقبل غير محسوم، لصالح النفط ولذلك لا يجوز بناء التزامات مالية دائمة على افتراض استمرار الطلب والأسعار المرتفعة بلا نهاية.

وفي سوق أشد تنافساً، ستكون الأفضلية للمنتج الأقل كلفة، والأكثر مرونة في التصدير، والأقل انبعاثاً، مما يتطلب من العراق العمل على خفض حرق الغاز، وتحسين كفاءة الحقول والمصافي، وتنويع منافذ التصدير، بدلاً من الاكتفاء بزيادة كمية الإنتاج.

من إدارة الأزمة إلى إدارة التحول

تحتاج المعالجة إلى مسار متدرج، لا إلى شعارات عامة عن التنويع؛ وفق ثلاثة آجال وهي:

 اولاً: الأجل القصير

 أي ينبغي ترتيب أولويات الإنفاق، وحماية الرواتب الدنيا والغذاء والدواء والكهرباء، وضبط النفقات غير الضرورية، ومنع استخدام احتياطيات البنك المركزي لتمويل عجز مالي متكرر.

ثانياً: الأجل المتوسط

أي يجب إصلاح الضرائب والجمارك والمنافذ وإدارة أملاك الدولة، وتوسيع الإيرادات غير النفطية من خلال تحسين التحصيل ومكافحة التهرب، لا عبر فرض أعباء عشوائية على أصحاب الدخول المحدودة. 

كما ينبغي إصلاح المصارف الحكومية، وتسهيل الائتمان المنتج، وإعطاء أولوية للصناعات المرتبطة بموارد العراق كالغاز والبتروكيماويات والأسمدة والصناعات الغذائية ومواد البناء.

ثالثاً: الأجل الطويل

أي يتطلب العمل على بناء قاعدة مالية تمنع تحويل كل ارتفاع نفطي مؤقت إلى رواتب والتزامات دائمة، وتخصص جزءاً من الفوائض لصندوق استقرار، وجزءاً آخر لاستثمارات طويلة الأمد.

 فالنفط مورد ناضب، لكن عائداته تستطيع إنشاء أصول دائمة إذا تحولت إلى تعليم ومهارات وكهرباء ونقل وتكنولوجيا ومياه وصناعات قابلة للتصدير.

الخلاصة

العراق ليس أمام خيار بين النفط والتنويع؛ بل أمام ضرورة استخدام النفط لتمويل التنويع، فالنفط سيظل مصدر القوة المالية الرئيس في المدى المنظور، لكن الاعتماد الكامل عليه سيجعل الدولة أكثر هشاشة أمام الحروب وتقلب الأسعار وتعطل طرق التصدير وتحولات الطاقة.

والمعيار الحقيقي للنجاح ليس مقدار ما يصدره العراق من النفط، وإنما مقدار ما يحوله من الإيراد النفطي إلى قدرة إنتاجية مستقلة عنه.

وإذا بقيت الموازنة توزع الثروة من دون بناء مصادر جديدة لها، فستزداد الفجوة بين موارد الدولة والتزاماتها.

 أما إذا استثمر العراق سنوات الإيرادات النفطية في الإنسان والبنية الأساسية والقطاع الخاص، فيمكنه تحويل ضغط الحاضر من عبء متراكم إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر استقراراً.

حامد عبد الحسين الجبوري

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!