سعر الصرف في العراق.. بين استقلالية البنك المركزي والتدخلات الحكومية

سعر الصرف في العراق.. بين استقلالية البنك المركزي والتدخلات الحكومية

ضمن الحلقات النقاشية الدورية التي حرص مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية على تقديمها بشكل منتظم ضمن أنشطة ملتقى النبأ الأسبوعي في مقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام، عقد مركز الفرات جلسته الجديدة يوم السبت الموافق 10/10/2026، وقُدمت ورقة بحثية عنوانها (سعر الصرف في العراق.. بين استقلالية البنك المركزي والتدخلات الحكومية) حيث قدمها الباحث الدكتور الأكاديمي حارث الزرفي، بحضور نوعي لمجموعة من الأكاديميين والكتاب ومدراء المراكز البحثية، حيث استهل الباحث ورقته هذه بالقول:

إن التحدث عن سياسة سعر الصرف يعني أننا نتحدث عن دخل الفرد وقيمة مدخراته وكلفة الاستيراد سواء للمتطلبات الحكومية أو التجار، وربحية المستثمرين وحجم الإيرادات الحكومية وقدرة الدولة على تمويل موازناتها، وهناك الكثير مما يتعلق بسياسة سعر الصرف يحتاج إلى مساحة ووقت أكبر لدراسته والوقوف عند كل محور من محاوره.

أولاً: الاقتصاد العراقي وتغيير سعر الصرف 2026

يمر الاقتصاد العراقي بضائقة مالية نتيجة إغلاق مضيق هرمز وانخفاض الصادرات النفطية التي تعتبر المصدر الرئيسي للإيرادات العامة، ومع تراجع الإيرادات النفطية وضعف الإيرادات غير النفطية وتخلفها، زاد العجز المالي في الموازنة العامة إذ بلغ (29 ترليون دينار) لغاية شهر تموز من العام 2026. ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز وضعف التصدير من المنافذ الأخرى، لجأت الحكومة متمثلة بقرار مجلس الوزراء وبيان وزارة المالية إلى ضرورة تغيير سعر الصرف كأداة متاحة حالياً للتخفيف من العجز عبر زيادة الإيرادات النفطية (زيادة اسمية) وليست حقيقية (ناتجة عن زيادة إنتاج النفط أو ارتفاع أسعاره).

ثانياً: وزارة المالية وتغيير سعر الصرف

تستفيد وزارة المالية من انخفاض قيمة الدينار العراقي أمام الدولار أساساً من خلال زيادة عدد المبالغ المالية التي تحصل عليها عند تحويل الإيرادات النفطية الدولارية إلى الدينار، وهذا يساعدها على تمويل النفقات المقوّمة بالدينار بما يقارب (10 ترليون دينار سنوياً)، لكن هذه الفائدة المحاسبية لا تعني بالضرورة تحسّن الوضع المالي للدولة لأن كلفة الاستيراد والإنفاق المرتبط بالدولار قد ترتفع أيضاً.

عندما يرتفع سعر الدولار من 1300 إلى 1500 دينار، فإن الإيرادات النفطية ترتفع حسابياً إلى:

• قبل التغيير: الإيرادات النفطية لغاية شهر تموز (23.35 مليار دولار) بسعر 1300 تحقق (30,355 ترليون دينار عراقي).

• بعد التغيير: نفترض الإيرادات النفطية لغاية شهر تموز (23.35 مليار دولار) بسعر 1500 تحقق (35,025 ترليون دينار عراقي).

لذا فإن نسبة التغيير (15.4%) تمثل ارتفاع الإيرادات النفطية المحسوبة بالدينار مع ثبات الإيراد بالدولار، كما أنها لا تغطي حجم العجز البالغ (29 ترليون دينار) لغاية شهر تموز. ولكن هذه الزيادة لا تعني أن الحكومة أصبحت تملك دولارات أكثر؛ بل تحصل على دنانير أكثر مقابل المقدار نفسه من الدولارات.

ثالثاً: هل نحتاج إلى تغيير سعر الصرف؟ أم إلى تغيير هيكل الاقتصاد العراقي الذي يجعله شديد الحساسية لتغيرات سعر الصرف؟

يجب أن نتعرف على هيكل الاقتصاد العراقي من خلال التقارير السنوية الصادرة من الجهات الرسمية لمعرفة أيهما أكثر أهمية، وهل الحكومات تعمل بجد من أجل معالجة الاختلالات الهيكلية، أم تقدم معالجات ظاهرية لكسب جمهور انتخابي ومصالح سياسية (سياسة "خلي نعبر مرحلة واللي يجي يتحمل إرث الماضي بأكمله").

وبما أن الاقتصاد العراقي يعاني من اعتماد كبير على النفط إذ يشكل النفط ما نسبته 90% من الإيرادات العامة، فمن هنا يتبين أن المشكلة تكمن في هيكل الاقتصاد العراقي، والإصلاح الحقيقي يبدأ من تنويع مصادر الدخل في الاقتصاد، وإصلاح القطاع المصرفي، وتنمية القطاع الخاص، وتحسين بيئة الأعمال، وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية؛ فكلها عناصر أساسية للاستقرار الاقتصادي. لذا، هل يُعتبر سعر الصرف علاجاً بذاته أم أداة؟

بما أن الاقتصاد يعتمد على الاستيراد، وتوجد قاعدة إنتاجية محدودة، فإن خفض قيمة الدينار قد يؤدي أساساً إلى رفع الأسعار بدل أن يؤدي تلقائياً إلى زيادة الإنتاج والصادرات.

رابعاً: الآثار المحتملة جراء تغيير سعر الصرف

1. الآثار المالية: زيادة الإيرادات النفطية بالدينار مع تقليل عجز الموازنة، مقابل ارتفاع كلفة الاستيرادات الحكومية.

2. التضخم وارتفاع الأسعار: زيادة أسعار السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج وما قد يترتب عليها من ارتفاع أسعار السلع والخدمات محلياً كالأجهزة والملابس والمواد الغذائية والأدوية، فضلاً عن نشوء توقعات تضخمية دفعت التجار إلى تعديل الأسعار مما انعكس مباشرة على اختلال الأسواق المحلية.

3. القوة الشرائية ومستوى المعيشة: تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، ولا سيما أصحاب الرواتب الثابتة وذوي الدخل المحدود، إذا لم ترتفع دخولهم بما يعوض زيادة الأسعار.

4. الإنتاج المحلي والاستثمار: إذا كان هناك إنتاج محلي يعتمد على المادة الأولية محلياً فتخفيض سعر الصرف يعمل على تعزيز تنافسية بعض المنتجات المحلية، لكن لو اعتمد الإنتاج المحلي على المادة الأولية المستوردة فإن ارتفاع كلفة المواد الأولية والآلات المستوردة سيحدّ من الاستثمار والإنتاج.

خامساً: الحلول البديلة الممكنة

كان ينبغي أن يسبق تخفيض سعر الصرف برنامج إصلاح متكامل يبدأ بإقرار سلم رواتب عادل، وترشيد النفقات الحكومية، ومكافحة الهدر والفساد، وتعظيم الإيرادات غير النفطية، وإصلاح سوق العمل، ودعم الإنتاج المحلي. كما أن الادخار الإجباري المؤقت يمكن اعتماده، لكن يجب أن يخضع لدراسة قانونية واقتصادية واضحة وأن لا يتحول إلى بديل عن الإصلاحات الهيكلية.

1- ضغط النفقات العامة:

1. إقرار سلم رواتب عادل: معالجة الفوارق غير المبررة بين موظفي الدولة، ومراجعة المخصصات والامتيازات، وتحقيق العدالة في الأجور وفق المسؤولية والمؤهلات وطبيعة العمل.

2. إصلاح ملف الرواتب والتقاعد: تدقيق الاستحقاقات، ومعالجة الازدواج والهدر، وضبط التوظيف والترهل الوظيفي وفق القانون.

3. ضغط نفقات الوزارات السيادية: مراجعة نفقات الدفاع والداخلية ومجلس الوزراء والخارجية، ولا سيما العقود والسفر والإيفادات والسيارات والاستشارات، دون المساس بالاحتياجات الأمنية الضرورية.

4. ترشيد الإنفاق الحكومي: ضبط النفقات التشغيلية وتحسين أداء الشركات والوحدات ذات التمويل الذاتي، وإمكانية العمل على استقلالها المالي.

5. إصلاح الدعم الاجتماعي: إعادة هيكلة البطاقة التموينية والحماية الاجتماعية وتوجيهها إلى المستحقين فعلياً، مع حماية الفئات الفقيرة من آثار الإصلاح.

6. دراسة الادخار الإجباري المؤقت: الإعلان عنه قبل التنفيذ بمدة لا تقل عن ستة أشهر، وتحديد الفئات المشمولة والنسب والمدة وآلية إعادة الأموال، مع حماية ذوي الدخل المحدود وضمان الشفافية والأساس القانوني.

2- تعظيم الإيرادات العامة غير النفطية:

1. إصلاح الضرائب والجمارك: مكافحة التهرب والتهريب، ومراجعة الإعفاءات غير المبررة، وتفعيل التحاسب الضريبي مع الشركات الكبرى وفق القوانين والعقود النافذة.

2. تحصيل مستحقات الدولة: استرداد الديون الضريبية والكمركية والقروض المتعثرة وأجور الكهرباء وبدلات إيجار أملاك الدولة.

3. تحسين إدارة أصول الدولة: حصر العقارات والأصول وتقييمها بأسعار السوق وتعظيم عوائدها.

4. تنظيم إيرادات السياحة والعمالة الأجنبية: تطوير السياحة الدينية وتحصيل الرسوم القانونية المستحقة، وتنظيم استقدام العمالة الأجنبية لمعالجة العمالة غير القانونية.

5. رقمنة الإدارة المالية: ربط بيانات الضرائب والجمارك والعقارات والمصارف للحد من الفساد والتهرب وزيادة التحصيل.

6. تعظيم الإيرادات النفطية: تطوير منافذ التصدير ومعالجة الاختناقات التي تحد من قدرة العراق على تصدير النفط.

3-إصلاح سوق العمل والقطاع الخاص:

1. تفعيل دور نقابات العمال: تمكينها من الدفاع عن حقوق العاملين والتفاوض بشأن الأجور وظروف العمل، ومراقبة تطبيق قوانين العمل والضمان الاجتماعي.

2. ضمان الأجر العادل: تعزيز الرقابة على القطاع الخاص لضمان الالتزام بالحد الأدنى للأجور، ودفع المستحقات، وتوفير بيئة عمل آمنة، ومنع الاستغلال والعمل غير المسجل.

3. تقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية: تنظيم الاستقدام وفق حاجة السوق الفعلية، وإعطاء الأولوية للعراقيين المؤهلين، وربط منح إجازات العمل بالضوابط القانونية، مع استمرار استقدام الخبرات التي يحتاجها الاقتصاد.

4. دعم الإنتاج والاستثمار المحلي: تشجيع الصناعة والزراعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة لتوفير فرص عمل مستدامة وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

4-إصلاحات اقتصادية ومؤسسية مكملة:

1. تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية.

2. رفع كفاءة الإنفاق الاستثماري وتوجيهه إلى المشروعات المنتجة.

3. إعداد خطة مالية متوسطة الأجل تضبط نمو النفقات وتوسع الإيرادات غير النفطية.

4. تعزيز استقلالية البنك المركزي ومنع استخدام السياسة النقدية بديلاً عن الإصلاح المالي.

سعر الصرف بين استقلالية البنك المركزي وتدخلات الحكومة

يُعد قانون البنك المركزي العراقي رقم 56 لسنة 2004 المرجع الأساسي في بيان استقلالية البنك المركزي:

1. تنص المادة الثانية على استقلالية البنك المركزي ومساءلته وفق القانون، وعلى عدم تلقيه تعليمات من أي جهة أخرى، بما فيها الجهات الحكومية، مع حظر التأثير غير السليم في أعضاء الجهات المسؤولة عن اتخاذ قراراته.

2. تحدد المادة الثالثة هدفه الأساسي بتحقيق استقرار الأسعار المحلية والمحافظة على نظام مالي مستقر وتنافسي قائم على السوق.

3. تمنح المادة الرابعة البنك مسؤولية صياغة السياسة النقدية وتنفيذها، بما فيها سياسة سعر الصرف.

وهنا يرد التساؤل: هل الضغط الحكومي من قبل رئيس الوزراء ووزارة المالية يُعتبر تدخلاً في عمل البنك المركزي لاسيما بعد أن تبنى رئيس الوزراء رسمياً سياسة تغيير سعر الصرف؟

نعم، هو تدخل ينافي مبدأ الاستقلالية وينافي الأهداف التي رسمها البنك المركزي العراقي، وأولها تسببت في ارتفاع الأسعار وعرقلة الاستقرار المالي في العراق.

وما الأسواق المحلية عنا ببعيدة؛ حيث يمكن مراجعة قوائم التسوق ومدى ارتفاع الأسعار مباشرة بعد قرار تغيير سعر الصرف، وهذا الارتفاع في الأسعار جاء (تأميناً لاستدامة عمل الباعة والمنتجين ونقل عبء الكلفة إلى المستهلك النهائي).

أولاً: أسباب تغيير سعر الصرف، وهل التغيير لضرورات اقتصادية أم لضغوطات حكومية لتمويل الموازنة؟

واقعاً جاء التغيير لسبب رئيسي هو الاستجابة للصدمات المالية المتعلقة بعائدات النفط العراقية، فيبرز تساؤل هنا: هل كان التغيير لضرورة اقتصادية؟ كلا، بل لزيادة المبالغ المالية (زيادة اسمية) حتى تغطي النفقات العامة (التي هي في الأصل تحتاج إلى ضبط).

مع عدم تقييم البدائل الممكن استخدامها قبل تغيير سعر الصرف وآثارها في الموازنة العامة وأسعار السلع والخدمات والاستقرار الاقتصادي، لا يمكن القول بضرورة تغيير سعر الصرف ما لم نُقيّم البدائل وفق أسس علمية.

وليس كما تفضل السيد رئيس الوزراء المحترم من أنه وُضع بين ثلاثة خيارات: (تغيير سعر الصرف، الادخار الإجباري، تأخير دفع الرواتب لـ 45 يوماً).

وبحسب قرار مجلس الوزراء العراقي وبيان وزارة المالية بأنهما المسؤولان عن تحديد سعر صرف جديد قدره 1520 ديناراً للدولار الأمريكي، بفارق 14.5% عن السعر الرسمي السابق بهدف تمويل عجز الموازنة العامة.

يتضح أن الحكومة لجأت إلى الحلول السهلة والآنية والتي تحقق مبالغ مالية محدودة على حساب الأثر طويل الأمد المتمثل بانتشار التضخم وارتفاع الأسعار والأضرار المباشرة بذوي الدخل المنخفض والفئات المهمشة لتزداد فقراً وحرماناً. وربما هذا التوجه تم تقييمه بشكل عاجل دون دراسة حقيقية للتخلص من الضغوط السياسية والجماهيرية.

كما أن هذه القرارات التي تؤثر في عمل البنك المركزي تجعله أداة مالية بيد الحكومات، كما حصل في السنوات السابقة من انخفاضات متكررة للاحتياطيات نتيجة فشل السياسة المالية، بل السياسة الاقتصادية ككل.

ثانياً: ما الإجراءات المطلوبة لضمان استقلالية البنك المركزي من التدخلات الحكومية؟

1. الالتزام الصارم بتوزيع الصلاحيات القانونية: توضيح الحدود الفاصلة بين صلاحيات الحكومة في إدارة السياسة المالية والموازنة، وصلاحيات البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية وسعر الصرف، مع نشر الأساس القانوني لأي قرار مشترك.

2. منع التمويل النقدي غير المنضبط للعجز: معالجة العجز من خلال إصلاح الإيرادات والنفقات وإدارة الدين العام، وعدم تحويل السياسة النقدية إلى أداة لتمويل الإنفاق الحكومي على حساب استقرار الأسعار والاحتياطيات.

3. تعزيز الشفافية والمساءلة: نشر مبررات قرارات سعر الصرف والمؤشرات التي استندت إليها والتقديرات المتعلقة بالتضخم والاحتياطيات والآثار المالية والاجتماعية، مع إتاحة البيانات اللازمة للتقييم المستقل.

4. حماية الحوكمة المؤسسية: تعزيز استقلالية مجلس إدارة البنك وآليات تعيين قياداته ومساءلتها وفق القانون، وتوثيق القرارات والإجراءات المؤسسية التي تحميها من التأثير غير المشروع.

5. تنسيق السياستين المالية والنقدية دون إلغاء الاستقلالية: تحتاج الحكومة والبنك المركزي إلى تبادل المعلومات وتنسيق السياسات، لكن التنسيق لا يعني أن تتلقى السلطة النقدية تعليمات غير مشروعة بشأن قراراتها، والتنسيق لا يعني التدخل في عمل البنك المركزي.


المداخلات:

مشكلة التوسع في النفقات التشغيلية

الدكتور حسين السرحان – أكاديمي وباحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

لدينا سعر صرف للدولار مقابل الدينار وهو جزء من السياسة النقدية، فماذا يعني ذلك؟ يعني أن هذا السعر جزء من سياسات البنك المركزي؛ فهناك لدينا -على سبيل المثال- سعر صرف ثابت كما في الأردن والسعودية والكويت والإمارات وغيرها، ولدينا سعر صرف مُدار كما هو الحال في العراق تتحكم فيه القرارات العامة أو الحكومة، ولدينا سعر صرف حر أو مُعوَّم كما هو موجود في مصر خلال السنوات الأربع الماضية، وكذلك في بعض الدول الأخرى مثل تركيا وغيرها، بمعنى أن سعر الصرف متروك للعرض والطلب في السوق، لكننا نتكلم عن تدفقات الدولار النقدي التي تدخل هذه الاقتصادات.

فعلى سبيل المثال، لدينا في مصر نحو 60 مليار دولار أو 46 مليار دولار هي عبارة عن تحويلات العاملين في الخارج، ولدينا السياحة والزراعة وتصدير النفط والغاز ومشتقاتهما، فضلاً عن قطاع زراعي نشط جداً، فمصر هي السلة الكبيرة لدول الخليج، وفي تركيا كذلك هناك سياحة وصناعة وتصدير وغير ذلك، وهذه هي المداخيل الدولارية.

وبالانتقال إلى العراق وسعر الصرف الذي استُحدث حالياً؛ فإنني لا أنظر للتغيير في سعر الصرف، بل بصفتي حكومة توجد لديّ اليوم مشكلة في المالية العامة، لا يكمن سببها في الإنفاق العام بحد ذاته، وإنما في التوسع في النفقات التشغيلية للدولة، هذا هو السبب؛ فكل هذه المظاهر التي تلاحظونها هي أعراض لأزمة بنيوية في الاقتصاد العراقي.

هي أزمة هيكلية في الاقتصاد العراقي، ومن تجلياتها الاعتماد على النفط بوصفه مصدراً دولارياً وحيداً، إضافة إلى التوسع والترهل في التوظيف والنفقات، أما الأزمة البنيوية التي أضفناها بعد عامي 2012 و2013 فهي قضية الهيمنة على البنك المركزي وعلى سياساته، وإجباره على اتخاذ سياسات غير مستقلة؛ وكل هذه الأمور وغيرها مظاهر لأزمة بنيوية في الاقتصاد العراقي.

هذه الأزمة لا يمكن معالجتها من خلال تغيير سعر الصرف أو غيره، فالمشكلة التي طفت على السطح وأثرت علينا كدولة وكنظام سياسي هي موضوع تمويل النفقات التشغيلية. فكيف أعالج هذا الموضوع؟ وبخصوص ارتفاع سعر الدولار، فالحكومة هي التي رفعت سعره، بمعنى أن الحكومة تبيع النفط وتحول الدولار إلى حساباتها في البنك الفدرالي الأمريكي، أي تجري مناقلة من حساب وزارة المالية إلى حساب البنك المركزي بالسعر الذي تقرره وزارة المالية لا البنك المركزي؛ فاليوم وزارة المالية (الحكومة) قررت أن يكون سعر الدولار بـ 150 ألف دينار، والبنك المركزي يبيعه بـ 152 ألف دينار.

بمعنى أن البنك المركزي أُجبر على هذه الخطوة لأن وزارة المالية تبيع الدولار للبنك المركزي بالأساس؛ فقد كانت تبيعه بسعر 130 ألف دينار والآن تبيعه بـ 150 ألف دينار. أما عندما تسألني عن الإجراء المطلوب؛ فلا يوجد اقتصاد في العالم يغير سعر الصرف ثلاث مرات في غضون خمس سنوات فقط، وهذه مشكلة معقدة، وهو جزء من إجراءات الهروب إلى الأمام.

توجد لدينا مشكلة في النفقات التشغيلية، والحلول التي طرحها الباحث أتفق معها نسبياً، لكن ليست هذه هي المسألة؛ فلو أنك نجحت اليوم في تعزيز الشمول المالي للحسابات المصرفية واستعادة ثقة الناس بالنظام المصرفي، حيث تتوفر لديك كتلة نقدية أو سيولة تُقدر بنحو 120 ترليون دينار -بمعنى أن الأساس النقدي للاقتصاد العراقي هو 120 ترليون دينار- فمن غير المعقول ألا يتوفر 10 ترليون من هذه الكتلة النقدية في المصارف لنحصل عليها ونوزعها كرواتب.

بمعنى أنك تستطيع تعزيز الثقة بالنظام المصرفي فيقوم الجميع بإيداع أموالهم في المصارف لكي تتوفر لدينا السيولة الكافية لدفع الرواتب، وإذا لم نستطع ذلك فيمكن التحول إلى الأتمتة الإلكترونية والاعتماد على الدينار الرقمي، كما هو الحال في إيران مثلاً؛ حيث تستلم راتبك عبر البطاقة الإلكترونية دون تداول الأوراق النقدية، فهي مسألة أرقام؛ إذ تمتلك بطاقة تشتري بها رصيداً وتستطيع تسوق الخضراوات والخبز واللحوم من خلالها، بينما الأوراق النقدية لا تكون في أيدي الناس بل في المصارف، ويمكن توزيع الرواتب بهذه الطريقة، وموضوع الشمول المالي مهم جداً.

إن موضوع النفقات العامة التشغيلية في ازدياد مستمر، أما ما حدث في القرار الأخير (رفع سعر الدولار)، فإنني كطالب متخصص أنظر إليه بوصفه نوعاً من التخبط؛ لأنه قبل أربعة أو خمسة أشهر كانت الحكومة تمنح المسافر 3000 دولار، والآن هبط هذا المبلغ إلى 2000 دولار، وكان يحق له السحب للسفر 12 مرة في السنة، والآن يحق له السحب مرتين فقط للسفر (وتم تعديلها لاحقاً إلى 6 مرات في السنة).

وإذا تساءلنا عن الدولار الموجود في السوق والمصارف: ما مصدره أصلاً ومن أين يأتي؟ فهو يأتي عبر اتجاهين: الاتجاه الأول هو بيع البنك المركزي للدولار للمسافرين ولأغراض الحج والعمرة وغير ذلك، وهذا المنفذ تم تقليصه أصلاً، أما المصدر الثاني للدولار فيأتي من الحوالات الخاصة بتمويل الاستيرادات، وهذه الحوالات تتضمن استيرادات حكومية يمولها حساب خاص لوزارة المالية موجود في البنك الفدرالي.

أما المنصة الحالية لتحويل الدولار الموجود لدينا لتمويل الاستيرادات، فهي تتم عبر المنصة الإلكترونية، وهذه المنصة يُفترض أنها تخضع لرقابة أمريكية وعراقية مشددة جداً؛ حيث توجد شركة أمريكية متخصصة هي التي تدقق الأموال ونحن خاضعون لرقابتها وتدقيقها. إذن من أين يأتي الدولار الموجود في السوق العراقية؟ إنما يأتي فقط مما يُعطى للمسافرين، وكذلك من المسافرين القادمين من الخارج الذين يجلبون معهم الدولار لعوائلهم.

لذلك لا يمكنك القول بأنك ستضرب المضاربين وتسيطر على الدولار وتحجم دورهم، فهذه مشكلة. ولماذا لجأت الحكومة إلى هذا الإجراء؟ لأنه أسرع الحلول أو الطرق، فالحكومة لجأت إلى هذا الحل لكونه حلاً سريعاً.

وإذا أصبح هذا الوضع أمراً واقعاً، فكيف نتكيف معه أو كيف نستغله ونتعامل معه؟ علينا أن نقرّ بأننا أمام أزمة ويجب أن نفكر فيها ونعالجها؛ لذا يتوجب علينا تعظيم إيراداتنا الداخلية، سواء على المستوى الفردي أو على مستوى الدولة أو القطاع الخاص. فعلى سبيل المثال، أسّ الصراع الأمريكي الصيني هو موضوع سعر صرف اليوان؛ فاليوان منخفض جداً، وكلفة التصدير تصبح عالية جداً وكلف الإنتاج تصبح منخفضة، وكذلك الحال بالنسبة لإيران؛ فهي تعاني من الحصار طوال 40 سنة، وانخفاض سعر العملة للاقتصاد المنتج يُعد نعمة، لأن كلفة الإنتاج تكون أقل والقدرة على التصدير تكون أكبر، وتكون السلع المُصدَّرة أرخص للمستهلك الأجنبي فيزداد الطلب عليها.

لذلك تم هذا الإجراء بموافقة القوى السياسية لتعظيم مصالحها، بمعنى أنه يتم الضغط على المواطن وعلى الناس لتمويل المالية العامة والنفقات التشغيلية التي تفتقر إلى الضبط أو الانضباط؛ فمثلاً موازنة 2023 و2024 و2025 تتضمن 45 مليار دينار كنفقات أخرى لمجلس الوزراء، وأنا أتحدى أي شخص أو جهة تعرف طبيعة هذه النفقات الأخرى، وكذلك رواتب الدرجات الخاصة التي تشكل 2% من الموازنة، لكن حين تجمعها مع موضوع الجمارك والضرائب على شركات الإنترنت والاتصالات والتعرفة الجمركية وضبطها وأمور أخرى كثيرة، فإنها يمكن أن توفر أموالاً طائلة للدولة.

لكنك لا تستطيع خلال خمس سنوات تغيير سعر الصرف ثم تطلب مني أن أودع أموالي البالغة مليار دينار في المصرف العراقي، ولماذا؟ لأنني أتوقع أن الحكومة القادمة ستغير سعر الصرف فتنخفض قيمة مدخراتي، لذا أتجه مباشرة إلى شراء الذهب والعقارات والدولار، ولذلك فإن تغيير سعر الصرف ليس هو الحل.

وما هي تداعيات تغيير سعر الصرف بهذه الطريقة (تغييره ثلاث مرات خلال خمس سنوات)؟ وهذا أمر غير موجود في الاقتصادات الأخرى إلا نادراً؛ هذا السلوك يعطي انطباعاً سلباً للمستثمر الأجنبي فلا يدخل العراق، وكذلك المستثمر المحلي لا يُقدم على الاستثمار لأنه يتوقع انخفاض قيمة مدخراته في ظل هذا الوضع الذي يشكل جانباً سلبياً أثر على الاستثمار.

لذا فإن الحلول تكون كالتالي: تعزيز القطاعات الزراعية والقطاعات الإنتاجية، تقديم تسهيلات معينة للمستثمرين في السلع الاستثمارية لا السلع البروتوكولية (كأجهزة آيفون وأبل وغيرها)، وكذلك يجب ضبط التعرفة الجمركية؛ فمن هنا نجد أن سعر الصرف هو سياسة ضمن حزمة متكاملة من السياسات ذات الأهداف، فمثلاً إذا أردتُ زيادة قيمة الدينار داخل العراق فهناك هدف على مستوى السياسات الخارجية، وسياسات تعرفة الضرائب، والتعرفة الجمركية، وسعر الفائدة كذلك.

أما بالنسبة للأردن والكويت والإمارات وكيف جعلت سعر الصرف ثابتاً، فهذه الدول تتبنى سياسة سعر صرف ثابت، وهذا لا يعني أنها تضع شرطياً أمام كل محل صيرفة، بل هناك سعر فائدة هو الذي يتحكم بحركة الأموال والتعاملات؛ فهذه الدول فيها شركات استثمارية وشركات منتجة وأسواق مال. فعلى سبيل المثال، توجد شركات في الكويت عندما تطالب بتخفيض قيمة الدينار الكويتي، يأتي البنك المركزي ويرفع سعر الفائدة ويسحب الدينار فيعرضهم للإفلاس. أما التخبط الموجود حالياً في العراق فهو يسير بلا هدف.


تداعيات السياسات الاقتصادية وقرار خفض العملة

الدكتور خالد العرداوي أكاديمي ومدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

للأسف الشديد، خيّبت حكومة السيد علي فالح الزيدي آمال المواطن العراقي؛ فقد كنا نتوقع أداءً أفضل من حكومة يترأسها شخصية اقتصادية على إلمام واسع بالواقع والاقتصادي وحاجات السوق، ولا سيما بعد أن تنازل الزيدي عن راتبه وامتيازاته الشخصية في سبيل إصلاح المنظومة الاقتصادية.

غير أن المسار الذي انتهجته الحكومة كان مساراً خاطئاً، ويتحمل المساءلة عنه السيد الزيدي شخصياً، خاصة بعد ظهوره تحت قبة البرلمان وتصريحه العلني (أنا أتحمل المسؤولية الكاملة عن تغيير سعر الصر) وحين يتحمل مسؤولٌ مسؤوليةَ قرارٍ نراه غير حكيم، فإن ذلك يطرح علامات استفهام جادة وكثيرة.

تناقض القرارات في زمن الأزمات

لنفترض جدلاً أن الحكومة تمر بظرف اقتصادي أو مالي حرج، فإن المواطن بدوره يعاني ظروفاً أشد قسوة وأكثر تعقيداً. وإذا كانت الحكومة تواجه أزمة، فإن المواطن يعيش أزمة أكبر بكثير. وهنا يتجلى التناقض: كيف للحكومة أن تقنع المواطن بأزمتها المالية الخانقة، في الوقت الذي تسارع فيه إلى استحداث وزارات ومناصب حكومية جديدة؟

إن الحكومات التي تعاني أزمات مالية تعمد عادة إلى ترشيق الهيكل الإداري للدولة، ولا تفعل العكس. لذا، فإن الإقدام على خلق مناصب جديدة وفرض امتيازات إضافية يبعث برسائل خاطئة ومضللة للرأي العام.

الموازنة والتوسع الوظيفي

من جانب آخر، فإن الحكومات الأزمة لا تمضي في إقرار موازنة سنوية ضخمة تناهز 217 ترليون دينار- وهي قيمة تتجاوز موازنة الحكومة السابقة- فكيف يُقال للشارع إن الدولة تجتاز ضائقة مالية شديدة، في حين تصل الموازنة إلى هذا الرقم الهائل؟ وكيف يُدّعى وجود أزمة خافقة، ثم يُصار في الوقت نفسه إلى تثبيت مليون موظف جديد، مع العلم التام بأنهم يشكلون عبئاً ثقيلاً على المالية العامة؟

صراحةً، لا توجد حكومة تمتلك رؤية رشيدة تذهب باتجاه توظيف مليون شخص، ثم تمول هذه الخطوة عبر سلب القدرة الشرائية لبقية الموظفين من خلال خفض قيمة العملة الوطنية. إن الرسالة الانطباعية التي وصلت للجمهور تفيد بأن الحكومة توسع التوظيف لأغراض كسب أصوات انتخابية جديدة وإسكات الأصوات الغاضبة من جراء بطالة الخريجين وغيرهم. وهذا السلوك لم يُعهد في الدول ذات القرار الاقتصادي الرشيد، بل يُعدّ نوعاً من الاحتيال الحكومي على المواطن، وهو أمر غير مقبول إطلاقاً.

بدائل غائبة وسياسات نقدیة مرتبكة

فضلاً عما تقدم، كانت أمام الحكومة خيارات وبدائل أخرى كان يمكن اللجوء إليها بدلاً من التلاعب بسعر الصرف، وفي مقدمتها اعتماد موازنة تقشفية؛ إلا أنها لم تفعل، وعمدت بدلاً من ذلك إلى ربط مصير السياسة النقدية بأزمة طارئة ومؤقتة كأزمة مضيق هرمز. إن مثل هذه الأزمات العابرة قد تُحل قريباً، ولكن السؤال البديهي: إذا انفرجت الأزمة بعد شهر، هل ستتراجع الحكومة عن قرارها؟ لا أظن ذلك، وإن تراجعت فإنها ستفقد مصداقية سياساتها النقدية بالكامل.

علاوة على ذلك، أجمع معظم المتخصصين في الشأن الاقتصادي على أن هذه الخطوة الحكومية كانت غير صائبة، وأُقرت في وقت يخيم فيه الركود الاقتصادي على البلاد، مما جعل المواطن فريسة لصدمتين اقتصاديتين مزدوجتين في آن واحد.

المأزق الأخلاقي والاجتماعي

تأسيساً على ما سبق، أرى أن القرار الحكومي بتخفيض قيمة الدينار العراقي قرارٌ لا يمكن تبريره لا من الناحية الموضوعية، ولا من الناحية الوطنية، ولا من الناحية الأخلاقية. إن الحكومة ليست معنية بإنتاج القرارات وإصدارها فحسب، بل هي مسؤولة بالقدر نفسه عن الآثار والارتدادات الاجتماعية لقراراتها، لا سيما أثرها المباشر على الفئات الهشة والضعيفة في المجتمع.


رجل اقتصاد يتسلم حكم العراق

الأستاذ خليفة التميمي – كاتب سياسي

إنّ من الأسباب الحقيقية لثورة الإمام الحسين (عليه السلام) هو استئثار الحكام بالفيء والمال العام في ذلك الوقت، وهناك وجه شبه كبير مع واقعنا اليوم.

بالعودة إلى الماضي القريب، تنبأ المغفور له (الجلبي) بأنه بعد عشر سنوات من تاريخ تصريحه، سيكون العراق غير قادر على الإيفاء بديونه، وعاجزاً عن تسديد رواتب وأجور الموظفين والعمال، وقد صرّح بهذا الأمر عبر شاشة التلفاز.

كما قال شخص آخر معاصر كان وزيراً للمالية، وهو هوشيار زيباري، في وقته: "إننا خلال ثلاثة أشهر سنكون عاجزين عن دفع رواتب الموظفين".

وكتنفيذ لهذه التحذيرات، وصل الإطار التنسيقي -بعد هذه الفترة الطويلة من ممارسة الحكم وتداول السلطة- إلى نتيجة مفادها وجوب الاستعانة برجل اقتصاد متمرس في هذا الحقل، وهو صاحب مصرف وخبير بالسلة الغذائية.

أتى به الإطار التنسيقي على أنه الرجل المنقذ والمخلص، بيد أن هذه النتيجة لم تُرضِ الشخص المتخصص، ولم تُرضِ المواطن العادي أيضاً، ولا أتوقع في المستقبل القريب أن تُحَل هذه المشكلة إلا إذا تغمدنا الله برحمته.


وعود لا ترتقي إلى التحقّق

الأستاذ محمد الصافي – باحث في مركز الإمام الشيرازي

استمعتُ إلى مداخلات قيمة ومثرية من الأساتذة المشاركين؛ إن الأسباب قد ذكرها رئيس الوزراء بنفسه حين قال: "إننا جميعاً أمام خيارين: إما أن تتوقف الرواتب، أو أن تُصرف كل 45 يوماً بسبب قضية مضيق هرمز، لأننا لا نستطيع تصدير النفط بالكميات الاعتيادية". وقبل ذلك، كان قد أطلق شعاراً مفاده: "إننا نريد الوصول إلى إنتاج 10 ملايين برميل نفط يومياً".

إن إنتاج هذا الرقم في الظروف الحالية يُعدّ مستحيلاً، بل حتى تصدير 4.5 مليون برميل يومياً أمر غير ممكن؛ إذ توجد حصة محدّدة للعراق ضمن منظمة "أوبك"، إضافة إلى اتفاقات أخرى. وإذا أردت الخروج من "أوبك"، فلا بد أن تمتلك شركات تعمل في الحقول النفطية ووصلت إلى مرحلة الاستقلال بالقرار عن المنظمة، كحال دولة الإمارات التي اتخذت هذه الخطوة قبل أشهر.

القصد من ذلك أن الأسباب التي ذكرها رئيس الوزراء تُردد باستمرار من قِبل جميع الحكومات المتعاقبة، ومفادها أن الموظفين والمتقاعدين يشكلون 7 ملايين أو 10 ملايين أو 15 مليون شخص على سبيل المثال. ولو افترضنا أن هذه النسبة هي 7 أو 15 مليون موظف، فإن تركيز الحكومة ينصبّ دائماً على طبقة الموظفين، في حين يوجد 45 مليون عراقي لديهم نفقات تتعلق بحياتهم اليومية مقابل الخدمات المقدمة لهم في مجالات التعليم والصحة والخدمات الأساسية.

هذا ما يجب أن يكون عليه برنامج الحكومة: أن تكون راعية وأباً لجميع العراقيين دون الاقتصار على الموظفين أو المتقاعدين فحسب. أضف إلى ذلك أن القوانين والقرارات ليست مقدسة في عالم الاقتصاد؛ فموضوع سعر الصرف -على سبيل المثال- يمكن أن يتغير لظروف معينة في أي بلد من بلدان العالم، ولكن السؤال هنا: هل تتناسب الإجراءات المتخذة مع قرار مصيري كهذا؟ كلا، لا تتناسب.

ولدينا تجربة قريبة جداً في دولة عربية وهي مصر؛ إذ وعد السيسي الشعب العراقي والمصري -عقب التطورات التي شهدتها مصر- بأنه سيحدث ثورة في مجال مكافحة الفساد، ويزيد الإنتاج القومي، وأن المصريين سيصبحون أغنياء ولكن عليهم بالصبر، حيث قال لهم: "أنا أفتح ثلاجتي منذ عشر سنوات فلا أجد فيها سوى الماء"- وقد بكى الناس حينها، بينما صرح الزيدي بأنه لا يتقاضى راتباً من الدولة وأنه مستعد لتحمل المسؤولية بمفرده.

لكن بالنتيجة، هناك كتل سياسية هي التي جاءت بك إلى الحكومة وأنت لا تمتلك حتى نصف مقعد في البرلمان تستطيع محاججتهم به، ولذلك توجد مشكلة حقيقية.

فضلاً عن ذلك، هناك سبب بنيوي أركز عليه دائماً في الدولة العراقية، يتمثل في "العلاقة الزبائنية" بين السلطة والجمهور؛ فهذه الرواتب التي تدفعها الحكومة، وعلى أساسها تُصاغ الموازنات والسياسات المالية والاقتصادية، إنما هي عبارة عن شراء لولاء الناس أو لطبقة معينة منهم، ممن يُعدّون فاعلين ومشاركين في صنع هذه الطبقة السياسية، وهم طبقة "الناخبين"، وليس طبقة "المقاطعين" الذين يبلغ عددهم نحو 35 مليون عراقي.

وطالما أن هؤلاء الموظفين ينتخبون هذه التشكيلة بكافة مساوئها، فإنه ينبغي توفير الرواتب لهم -ولو بالحد الأدنى- لضمان ديمومة النظام السياسي في هذه المرحلة. بناءً على ذلك، أرى أن السبب الرئيس والبنيوي في هذا الموضوع يعود إلى طبيعة العلاقة التي تأسست بين السلطة والشعب.


لماذا أقدمت الحكومات العراقية على تغيير سعر الصرف

الشيخ مرتضى معاش كاتب وباحث موسوعي

السؤال الرئيس الذي ينبغي طرحه يتعلق بطبيعة هذا القرار: هل هو قرار اقتصادي أم سياسي؟ وهل كان البنك المركزي العراقي الجهة الوحيدة التي اتخذته أم لا؟ لذلك لا بد من دراسة الموضوع ومعرفة أسباب اتخاذ القرار في هذا الظرف تحديدًا. وكما ذكر المتداخلون، فإن أغلب الاقتصاديين يرون أن هناك حلولًا أخرى كان يمكن أن تحقق المعالجة المطلوبة وتوفر الفرق في سعر الصرف.

وإذا كان القرار سياسيًا، فلا بد من معرفة الجهة التي يستهدفها؛ لأن القرار السياسي يرتبط عادة بجهة معينة أو غاية محددة. والحكومة السابقة، حين جاءت، قامت بتغيير سعر الصرف إلى 132 ألف دينار مقابل 100 دولار، وكان هذا القرار عجيبًا، وقد أسست هذه الحكومة سوقًا موازية كبيرة جدًا وصل فيها الفارق، في بعض الأحيان، إلى نحو 30 ألف دينار. أما في السابق، فكانت الفروقات في السوق الموازية محدودة، تبلغ ألفي دينار أو ثلاثة أو أربعة، وفي أقصى الحالات كانت تصل إلى خمسة آلاف دينار.

ولم يكن مثل هذا الفارق يحدث إلا عند وجود تلاعب في السوق، بل إن الفارق، في بعض الأحيان خلال الفترة التي سبقت التغيير الأخير، وأعني تغيير الحكومة السابقة لسعر الصرف، كان ينخفض إلى أقل من السعر الرسمي، وكان ذلك أمرًا لافتًا. ومن هنا تبرز مسألة المستفيد من التغيير السابق إذا قرئ بوصفه قرارًا سياسيًا.

هذا القرار الأخير قد يكون مرتبطًا بجانب من التحولات في السياسة الأمريكية تجاه إيران، ولا سيما ما يتعلق بتشديد القيود على حركة الأموال والتبادل المالي. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى إيران بوصفها من الدول التي تأثرت بصورة مباشرة بالتغييرات السابقة في سعر الصرف، بحكم حجم التبادل التجاري وحركة العملات بين البلدين. وقد استفادت بعض الأنشطة التجارية من فروقات سعر الدينار والدولار، الأمر الذي جعل العلاقة بين السوق العراقية والسوق الإيرانية أحد العوامل التي ينبغي أخذها في الحسبان عند تحليل آثار قرارات سعر الصرف.

وكانت هناك حركة تجارية كبيرة جدًا، إلى جانب حركة سفر واسعة بين العراق وإيران، وهو ما يفتح مجالًا لقراءة تأثير هذه العلاقات في حركة الدينار والدولار بين البلدين. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى القرار باعتباره متداخلًا مع بعض التوجهات الأمريكية الرامية إلى تشديد القيود على حركة الأموال المتجهة إلى إيران، إلى جانب إجراءات أخرى اتُخذت في هذا السياق. وفي الفترة السابقة للتغيير، كانت فروقات أسعار الصرف بين السوقين تتيح تحقيق أرباح عند نقل الدينار العراقي من إيران إلى العراق.

وهنا تبرز أيضًا قضية السوق الموازية. فإذا أمكن حل مشكلتها، فمن الممكن، كما قال رئيس الوزراء، أن يصل سعر الدولار فيها إلى سعر الصرف الرسمي نفسه، ويمكن حينئذ أن يعود السعر كما كان في السابق. لكن إذا تمت السيطرة على سعر الصرف في السوق الموازية في الوسط والجنوب، فإن المسألة تبقى مرتبطة بالقدرة على السيطرة على السوق الموازية في كردستان.

وإذا كان القرار سياسيًا، فإن الأسابيع أو الأشهر اللاحقة سوف تكشف اتجاه الأمور؛ لأن تاريخ تغييرات سعر الصرف بعد عام 2003 شهد تحولات كبيرة. فبعد طرح الدينار العراقي الجديد في تشرين الأول/أكتوبر 2003 بلغ سعر الدولار قرابة ألفي دينار، ثم استقر خلال السنوات اللاحقة حول 1460–1480 دينارًا. ومنذ أواخر عام 2006 اتجه البنك المركزي إلى رفع قيمة الدينار تدريجيًا، فانخفض سعر الدولار إلى نحو 1300 دينار مطلع عام 2007، ثم إلى متوسط يقارب 1255 دينارًا خلال ذلك العام، واستمر التحسن خلال عام 2008 حتى اقترب السعر من 1180 دينارًا للدولار.

ومن هنا تبرز أهمية معرفة الهدف من هذا التغيير في قيمة العملة. فعند قراءة الموضوع اقتصاديًا، مع وجود قراءة سياسية له أيضًا، ينبغي النظر في الغاية من التغيير. وهناك صراع يدور بين الدولة والمواطن؛ فالمواطن يريد أموالًا من الدولة، بينما لا تريد الدولة أن تعطي الأموال فقط، بل تسعى أيضًا إلى تحصيل الأموال من المواطن، فتفرض الضرائب والرسوم والغرامات المختلفة، وتستخدم سعر الصرف ضمن هذه العملية.

أما ما جرى في عهد حكومة نوري المالكي في هذا المجال فيرتبط بفلسفة الدولة وكيفية إدارتها للموارد. فمنذ منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2006 بدأ البنك المركزي العراقي سياسة تدريجية لرفع قيمة الدينار أمام الدولار، ضمن تحولات السياسة النقدية في تلك المرحلة، واستمر هذا المسار خلال عام 2007. وقد كان الأمر لافتًا؛ فالدولة تقدم أشكالًا من الدعم، مثل دعم الوقود ومفردات البطاقة التموينية، بما يعني تحملها أعباء مالية كبيرة، في الوقت الذي كان يمكن فيه توجيه جانب أكبر من الإيرادات النفطية والاستفادة من موارد الدولار في تشييد البنى التحتية والمشاريع والبرامج الاستثمارية، بدل استهلاك الجزء الأكبر من هذه الموارد في الإنفاق الجاري.

وفي الوقت نفسه، جرى رفع الرواتب وتوسيع الإنفاق الحكومي بصورة كبيرة، ثم جاءت بعد ذلك الموازنات الانفجارية، وهو ما يجعل العلاقة بين سعر الصرف، والإنفاق العام، والدعم، وإدارة الإيرادات النفطية موضوعًا يحتاج إلى تحليل عميق ودقيق لفهم فلسفة الدولة في إدارة مواردها خلال تلك المرحلة.

وسوف تتضح حقيقة الأمر من خلال السوق الموازية، لأنها ستكشف الهدف من هذه القضية، كما ستبين مصير الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي. فإذا استمرت هذه الفجوة، فسوف تستمر معها عملية استنزاف موارد العراق ودولاراته وأمواله من خلال هذه الفجوة في السوق العراقية.

وبذلك فإن قضية سعر الصرف لا تقف عند حدود الرقم المعلن أو مقدار الارتفاع والانخفاض في قيمة العملة، وإنما تحتاج إلى قراءة أوسع لخلفيات القرار، والجهات المستفيدة منه، وحركة السوق الموازية، وما إذا كان القرار اقتصاديًا في أساسه أم أن له أبعادًا سياسية سوف تتضح نتائجها مع مرور الوقت.


تعديل سعر الصرف وتبعاته الاقتصادية

الدكتور علاء الحسيني أكاديمي وباحث في مركز آدم

أفاض الإخوة المشاركون في الاستفاضة حول موضوع هذه الورقة. ولكن استقراءً للواقع، يبدو لي أن الحكومة والبنك المركزي متمسكان بقرار تغيير سعر الصرف، وأنه قرارٌ لا رجعة فيه. وبناءً على ذلك، يجدر بنا البحث عن الحلول والآليات التي تخفف من وطأة هذا القرار وآثاره المباشرة على المواطن.

لستُ متخصصاً في الاقتصاد لأضع خطواتٍ أو حلولاً تفصيلية، بيد أنني أطرح بعض التساؤلات التي قد يُسهم التمعن في إجاباتها في رسم رؤيةٍ واضحة—على أقل تقدير—لما حدث وما سيعقبه من أفعال.

1- الثغرة التشريعية ومفاجأة القرار

استغلت الحكومة المركزية والبنك المركزي ثغرةً محددة في قانون الإدارة المالية (المقرّ عام 2019) لتغيير سعر الصرف؛ حيث تنص المادة الثامنة على إمكانية إعداد البنك المركزي لتقرير السياسة المالية والتوقعات لمدة ثلاث سنوات، بالتكامل مع الخطة المالية التي تضعها وزارتا المالية والتخطيط، لتُدمج هذه الخطط لدى اللجنة المالية في مجلس الوزراء، ومن ثم تُبنى عليها مشاريع الموازنات لتُحال إلى مجلس النواب بغية إقرارها وصياغتها النهائية.

لذا، جاء القرار مفاجئاً لأغلب أعضاء مجلس النواب، باستثناء رؤساء الكتل والمتنفذين. وهنا يبرز السؤال الأساسي: كيف يمكن تخفيف الوطأة عن كاهل المواطن العراقي؟

• هل يكون ذلك عبر إعفاء السلع الاستهلاكية من الرسوم الجمركية على أقل تقدير؟

• وما هي الوسائل الكفيلة بتعظيم الناتج المحلي؟

2- تنشيط القطاعات الاقتصادية وتعميق الإنتاج

كيف يمكن النهوض بالقطاعين الزراعي والصناعي في العراق؟ لا سيما أن بعض المسببات والفرص أصبحت حاضرة اليوم، ومنها:

• زيادة الإطلاقات المائية: كما هو الحال في المستجدات المائية مع تركيا.

• خفض قيمة العملة المحلية: والتي تُشكل فرصة ذهبية لزيادة الصادرات وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

تستدعي المرحلة وضع استراتيجية اقتصادية ثلاثية الأبعاد نهدف من خلالها إلى مضاعفة الناتج المحلي—بما في ذلك القطاع النفطي—أو تثبيته عند مستويات آمنة تُتيح معالجة الخلل الاقتصادي.

وفي هذا السياق، فإن إطلاق جولات تراخيص نفطية جديدة يُسهم في رفع الطاقتين الإنتاجية والتصديرية، لا سيما مع دخول محافظات جديدة خط الإنتاج (وكان آخرها النجف وكربلاء). ورغم أن الطاقة التصديرية للعراق لا تزال محدودة بسبب كثرة المعوقات مقارنةً بالاكتشافات اليومية المتزايدة، إلا أن جولات الترخيص قد تُقدم معالجاتٍ عملية وليست سحرية يمكن الاستفادة منها.

3- حدود استقلالية البنك المركزي

ينص السطر 102 من الدستور العراقي على استقلالية البنك المركزي مع خضوعه لرقابة مجلس النواب، وهو اتجاه تشريعي صائب. إلا أن قانون البنك نفسه يُجيز لوزارة المالية التدخل في رأسماله، كما يمنح الحكومة صلاحية التدخل في الاحتياطي النقدي.

تتجسد الاستقلالية الحقيقية للبنك المركزي في أمرين رئيسين:

1. الجانب الفني وإدارة السياسات النقدية.

2. ملف مكافحة الفساد وغسيل الأموال.

ومع ذلك، يُلحظ وجود ضغوط وقوى خارجية فرضت على الحكومة اتباع هذه السياسة المالية في هذه المرحلة بالذات.

4- تقييم الحلول الأمنية ومقترحات السيطرة على السوق الموازي

بالنظر إلى الجانب الإيجابي، أثبتت السياسات الأمنية التي اتبعتها الحكومة سابقاً للحد من "السوق الموازي" أو القضاء عليه عقمها وعدم جديتها؛ إذ لم تكن معالجات اقتصادية مبنية على أسس علمية، بل مجرد اجتهادات صادرة عن أجهزة الأمن الاقتصادي، ولم تُفلح في ضبط سعر الصرف.

البديل الحقيقي يكمن في اعتماد سياسات نقدية واضحة ومدروسة من قبل البنك المركزي. قد يُقترح -مثلاً- تسديد بعض الديون الداخلية بالدولار، ورغم أن التشريعات الحالية (مثل قانون الرواتب أو القانون التجاري العراقي) قد تعيق ذلك، إلا أن هذه الآلية طُبقت في بعض الدول وأسهمت في السيطرة على السوق الموازي ودعم سعر الصرف. ومع ذلك، يجب إدارة مثل هذه السياسات ببالغ الحذر والاحتراز.


التلاعب بأسعار السلع

الأستاذ علي حسين عبيد كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية  

الحقيقة أنا أتحدث الآن كمواطن، وليس كما شارك الأخوة الذين سبقوني في المداخلات، وهم أكاديميون ولديهم معرفة دقيقة ومفصلة في الاقتصاد العراقي، أما الذي لا يمتلك التخصص في الاقتصاد فإنه يتحدث في مداخلته كمواطن وما هو التأثير الذي سيُلحَق به بسبب اتخاذ مثل هذه القرارات، بالأمس مثلا لم يكن لدينا بيض المائدة في البيت، فذهبت إلى المتجر الذي أثق به من حيث جودة السلع وأسعارها، وبالفعل توجهت إلى هذا المتجر الذي أتعامل معه بشكل دائم.

دخلت المتجر وطلبت (طبقة) بيض، أنا سابقا أو قبل أيام قليلة من اتخاذ قرار رفع سعر الصرف كنت أحصل على (طبقة بيض المائدة) بسعر معروف (البيض ذو اللون الأحمر سعره 7 آلاف دينار والبيض ذو الون الأبيض سعره 6 آلاف دينار)، لكن صاحب المتجر أخبرني بأن السعر ارتفع (البيض الأحمر 8 آلاف دينا والأبيض غير متوفر لأنه أقل سعرا).

وهكذا يبدو أن المواطن هو أكثر المتضررين من رفع سعر الصرف، أما الأهداف المستترة التي ربما يخطط لها السياسي فهذه الأهداف نستطيع أن نكتشف بعضها لكن كثير من أهداف السياسيين تبقى مختفية وقد تموت مع رحيل السياسي، قبل أيام قال رئيس الوزراء المفلس في القافلة أمين، ولم تبق أموال في البلد، والفاسدون لن يجدوا أموالا لكي يسرقوها.

لذلك أنا أعتقد أن جزءً من أهداف هذا القرار لكي تكون هناك وفرة مالية ليست للحكومة ولا للشعب، وإنما للطبقة الفاسدة، لأن رئيس الوزراء نفسه قال لم تعد توجد لدينا (فلوس) لكي تُسرَق.

أما الإجراءات المطلوبة والحلول، فأكثركم تحدثتم عنها، ولكن أنا أستغرب اتخاذ مثل هذا القرار، فنحن تبلورت لنا ثقة بالزيدي عندما أصبح رئيسا للوزراء، خصوصا محاربته للفساد وغير ذلك من أمور، وهناك من أيد رئيس الوزراء بشدة ووجدوا فيه المخلّص وهو من شريحة الشباب، ونحن أيضا ايدنا ذلك، ونظرنا بأمل كبير إلى رئيس الوزراء الجديد لكن لماذا ذهب رئيس الوزراء إلى أضعف حلقة في المجتمع العراقي وفي البلد كله وهو المواطن.    

لماذا لم يتّجه نحو تخفيض روات نواب البرلمان، والرئاسات، والدرجات الخاصة، ورؤساء الوزراء السابقون، والمتقاعدون من مجالس المحافظات، مثل هذا التخفيض يحقق وفرة مالية كبيرة للحكومة والدولة، فلماذا لم يذهب لمواجهة هذه الطبقة وهي خطوة صعبة طبعا، وقد تقصيه من سدة الحكم، لكنه سوف يحتفظ بالشعب الذي سيقف بجانبه ويثبته في مكانه أو منصبه خصوصا أنه أعلن عدم ترشحه لدورة أخرى ولا يستلم أو مخصصات من الدولة.

طبعا نحن هنا لا نريد أن نكّذب الرجل (رئيس الوزراء)، ولكن قرار مثل هذا (قرار تغيير سعر الصرف) الذي يُنظَر إليه كأسهل الحلول، جعلنا في موضع شك. 


شريحة الكسبة أكبر المتضررين

الأستاذ حسين علي حسين مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

تبنى مداخلتي هذه على السؤال التالي: ما هو أساس هذه المشكلة؟، إذا ما أردنا الرجوع إلى أساس هذه المشكلة، سوف نجد أن هناك نقطة رئيسة تتعلق بالدين الداخلي، في حكومة رئيس الحكومة السابقة (محمد شياع السوداني)، كان مقدار الدين الداخلي 35 ترليون دينار عراقي تقريبا، هذا الدين تم بطرح سندات بنسبة فائدة مقدارها 10% وهذه النسبة للفائدة التي طُرحت في هذه السندات بدلا من أن تعالج العجز قامت برفعه إلى مقدار أكثر. 

وهذا أدى إلى تفاقم العجز - الذي هو أصلا متفاقم في عهد الحكومات السابقة - بعد مجيء الحكومة الجديدة (حكومة الزيدي)، في وقتها ظهر السيد السوداني (في أول مؤتمر صحفي له) وكانت خلفه في الصورة مليارات الدنانير، وكان المتوقَّع أن هذه المليارات التي ظهرت في الصورة سوف تدخل في جيوب الشعب، ولم نتوقع أن هذه المليارات من الدنانير سوف تُعدَر بل وحتى الأموال التي كانت عند الشعب تم امتصاصها أيضا.

وهذه المشكلة التي حدثت، أساسها الفساد الموجود والمستشري في مفاصل الحكومة، القضية الثانية في اللقاء الأخير للسيد رئيس الوزراء (الزيدي) حصر أسباب المشكلة بالنفط وبالموظف فقط، ولكن عندما نأتي إلى الحقيقة، نجد أن شريحة الكسبة من الشعب العراقي هم أكثر المتضررين، فالموظف يوجد لديه راتب شهري يمكنه أن يتحكم به خلال ثلاثين يوما لسد احتياجات العائلة، ولكن ما يعانيه الكاسب كيف سيواجه ارتفاع الأسعار بسبب رفع سعر الصرف.

النقطة الأخيرة في مداخلتي أتوقع أن هذا الشعب يستحق ما يجري وما يحدث له، لماذا؟، أضرب هنا مثالا بسيطا، في اليوم الذي سبق ارتفاع سعر صرف الدولار، كنت أنوري شراء لحوم (دجاج) وكان سعر الكيلو منه 7 آلاف ونصف، وعد أن صدر قرار رفع سعر الصرف صباحا ذهبت ظهرا لشراء (اللحم نفسه) فتحول سعره من 7 آلاف ونصف إلى 9 آلاف ونصف، علما أن الدولار لم يتحول سعره بعد خلال هذه الساعات القليلة، إذن يوجد البعض من أفراد الشعب يقبلون بالغش والفساد ولذلك يستحقون ما يجري لهم.

أين يذهب الفارق بين السعرين؟


الأستاذ أحمد جويد مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

 أنا في الحقيقة غير متخصص في الاقتصاد والأخوة الحاضرون أدلوا بدلوهم وأفاضوا واستعرضوا أفكارهم بشكل جيد، لاسيما النقاط المهمة التي تم طرحها سواء من الباحث الدكتور حسين أو من الأخوة قبل المناقشين، لكن عندي ملاحظة بسيطة أقول فيها بأنني مع رفع سعر الدولار إلى 152 دينارا بشرط أن يكون الفارق في السوق الموازية قليلا، في بعض الحكومات السابقة كان لسعر الصرف 119 ألف دينار لكل مئة دولار ويصل للمواطن بسعر 120 ألفا.

ما يعني أن الفرق بين السعرين كان ألف دينار فقط، وإذا كان الهدف من رفع سعر الصرف هو فائدة الدولة وعدم ذهاب الأموال لجيوب الماربين والفاسدين فلا بأس في ذلك، لأنه في كل الأحوال لو كان السعر 132 ألف دينار ويصل إلى المواطن بسعر 150 ألف دينار أو كان بسعر 150 ويصل إلى المواطن بسعر 151 ألفا، فلا يوجد أي فرق بالنسبة للمواطن، لكن هنا قد يذهب الفرق بين السعرين إلى جيوب الفاسدين. فالمستفيد من فرق سعر الصرف بعض المصارف أو المضاربين.


فرض الضرائب الصامتة على المواطن  

الأستاذ حيدر الأجودي أكاديمي وباحث في مركز المستقبل

هذا الموضوع يمس قوت الشعب ويمس الاستقرار المجتمعي في العراق، إن سعر الصرف في العراق لا يُعد معادلة مالية فقط بقدر ما هو إيجاد ثقة بين المواطن والدولة، فأي تغيير في سعر الصرف لا يذهب لدعم الموازنة فقط، بل في الحقيقة من أجل الضرائب الصامتة التي يتم اقتطاعها من قوت المواطن، وقدرته الشرائية.

وبالتالي فإن رفع سعر الصرف يكون وبالا على المواطن، المشكلة الحقيقية تكمن في البنية الاقتصادية، فالعراق ليس دولة صناعية على وجه، ولا دولة زراعية على وجه، فأي تغيير في سعر الصرف يعود بالنتيجة بضرر على المواطن، نسبة الاستهلاك في دولة العراق أصبح كبيرا، في السابق كنا دولة إنتاجية، والآن أصبحنا نستهلك من نسبته 80% من مواد أساسية وأدوية وسلع وهذه نسبة ضخمة جدا في مقابل الإنتاج المحلي.

عندما أرادت الدولة العراقية أن تخفض العملة المحلية يجب أن تدعم وتزيد من الناتج المحلي حتى تكون متوازنة، أما القطاع الزراعي فأنا كمتخصص فإنه يحتاج إذا ما أردنا معالجة الحالة العراقية من سنتين إلى خمس سنوات لاستعادة نشاط الإنتاج الزراعي وتقوية الاقتصاد الزراعي لأن كثيرا من الأنهار ليست مبطّنة بالخرسانة، ولا المبازل أيضا، وكثير من الأراضي بعد 2003 تم تركها للإهمال وأصبحت مصدرا للتملح.

لذا نحتاج إلى سنتين أو ثلاث لإعادة نشاط الأراضي الزراعية، إضافة إلى أن الكثير من الأراضي الزراعية ذهبت إلى المستثمرين وتحولت إلى مجمعات سكنية ومنازل وشقق فألحقت ضررا كبيرا في القطاع الزراعي، الوكالات في إدارة البنك المركزي كثيرا ما كانت في السنوات السابقة تُدار بالوكالات، لذا عندما تُدار بالوكالة ستكون عرضة لأي تحدٍ او تهديد أو ضغوطات مختلفة من الجانب السياسي.

فيكون الموظف مهددا باعتبار أنه يخشى من أن يذهب المنصب إلى غيره فيراعي مسألة الضغوطات السياسية، وكذلك تمكين البنك المركزي من الإطلاقات المصرفية للتعامل مع القطاع الصناعي أو القطاع الزراعي لهذا أصبح البنك المركزي عبارة عن بوابة لصرف الدولار وقد حجموا هذه المؤسسة المالية المهمة.  


ضربة لاستقلالية البنك المركزي

الأستاذ حامد الجبوري (باحث في مركز الفرات)

مبدئياً، إن تصريح رئيس الوزراء حين قال: "أنا أتحمل تداعيات رفع سعر الصرف"، يُعد بحد ذاته ضربة قوية لاستقلالية البنك المركزي؛ لأنه مؤسسة مستقلة بطبيعتها، وخصوصاً في ظل التحول الحاصل بعد عام 2003 نحو اقتصاد السوق، وهذا الأمر مؤكد وصريح في مواد الدستور التي تنص على توجه الدولة نحو نظام اقتصاد السوق.

إذن، البنك المركزي مؤسسة مستقلة تماماً، ويُفترض أن تكون قراراته المالية مهنية وبمعزل عن أي تدخلات سياسية، لكي يكون القرار المتخذ موضوعياً ونابعاً من ضرورة اقتصادية بحتة، لا وفق املاءات مالية أو سياسية ضيقة. وعليه، فإن تصريح رئيس الوزراء بهذا الاتجاه يمثل انتهاكاً لاستقلالية البنك.

أما بخصوص الأسباب –كما أشار أغلب الحضور– فهي أسباب مالية وسياسية لا علاقة لها بحقيقة الواقع الاقتصادي وضروراته، وإن كان الاقتصاد بحاجة ماسة إلى تعديل سعر الصرف، ولكن ليس بهذه الطريقة المفاجئة ولا في هذه المرحلة بالذات. لذا، نحن بحاجة إلى معالجة مرحلية ترتكز على النقاط الآتية:

• النقطة الأولى: تجزئة تغيير سعر الصرف على سبيل المثال، توجد حاجات كمالية وأخرى أساسية؛ ويُفترض أن تكون أسعار الحاجات الأساسية مدعومة لحماية الطبقة محدودة الدخل ومنع تأثرها المباشر برفع سعر الصرف، بينما يبقى سعر الحاجات الكمالية مرتفعاً وفق قيمتها الحقيقية في السوق.

• النقطة الثانية: إصلاح الدعم بشكل عام لا سيما فيما يتعلق بالمنتجات النفطية؛ وكثيراً ما تُطرح هذه النقطة، لكن يغيب عن البعض تفاصيلها الدقيقة. المطلوب هنا هو تحقيق العدالة في توزيع الدعم؛ فعلى سبيل المثال، يتراوح سعر لتر البنزين العادي بين 450 ديناراً إلى ألف دينار في أعلى حد له بالنسبة للمحسن أو (السوبر). وحين نقارن هذه الأسعار بالأسعار العالمية –حيث لا يقل سعر اللتر عالمياً عن دولار أو دولار ونصف– يتضح جلياً وجود دعم حكومي بنسبة 100% للمشتقات النفطية، وهو دعم يستفيد منه الغني أكثر من الفقير. لذلك، فإن إعادة النظر في موضوع الدعم من خلال التجزئة ستوفر خزينة الدولة مبالغ طائلة وتساهم في تقليص العجز المالي.

• النقطة الثالثة: معالجة جوهر الإنتاج الحقيقي أوصلتنا الأسباب المالية الآتية إلى النقطة التي نقف عندها اليوم. أما فيما يمين الاقتصاد وهيكل الإنتاج الحقيقي، فإننا نعاني من غياب الإنتاج الفعلي؛ فحالياً، يجد أبسط مستثمر يرغب في فتح مشروع استثماري حزمة واسعة ومعقدة من العراقيل. إن تعزيز الإنتاج المحلي سيسهم في تلبية الحاجات المحلية، وتقليل الطلب على الدولار، وادخار الفائض منه. لذا، فإن إعادة النظر في القاعدة الإنتاجية للبلاد ستعالج الكثير من أسباب الهشاشة الاقتصادية.


الاقتصاد والسياسة يسيران بخط متجاور

الأستاذ باسم الزيدي (باحث في مركز الإمام الشيرازي)

ذكر الأستاذ علي حسين عبيد في مداخلته أن ثقة المواطن قد تزعزعت برئيس الوزراء (الزيدي) خلافاً لما كان عليه الوضع في بداية استلامه للمسؤولية، ولكنني أطمئن الجميع بأن الثقة ستعود من جديد؛ باعتبار أن البعض –وليس الكل– يمتلك في العراق "ذاكرة سمكة"؛ فمجرد أن يوظف الدولة مليون شخص وتُوزع قطع أراضٍ سكنية، سرعان ما ستعود الثقة بالزيدي.

هذه القضية تذكرني بحادثة وقعت قبل سنة أو سنتين (أو ربما أكثر) في إحدى الدول الاسكندنافية (النرويج أو السويد)، حيث أرادوا إجراء استفتاء شعبي حول توزيع فائض مالي على المواطنين، فرفض الشعب ذلك معتبرين أن هذا التصرف سيؤدي إلى ظهور بطالة مقنعة. والسؤال الموجه هنا للعراقيين: هل حقاً نحتاج إلى استفتاء لكي نرفض أو نقبل بزيادة مالية عشوائية؟

ولفهم ما يجري اليوم في العراق بخصوص هذا "الخلط السياسي والاقتصادي"، لا بد من استعراض عدة مؤشرات أساسية:

1. المؤشر الأول (العلاقة بين السياسة والاقتصاد): تعلمنا دراسياً أن الاقتصاد والسياسة يسيران في خطين متوازيين أو أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فكلما كان النظام السياسي مستقراً، متزناً، ويمتلك هيكلاً مؤسسياً رصيناً ومنضبطاً، سار الاقتصاد معه بذات الوتيرة. وسبق لنا أن ناقشنا وضعنا السياسي العشوائي، وكيف ينعكس سلباً وبشكل مباشر على الواقع الاقتصادي.

2. المؤشر الثاني (غياب العقيدة الاقتصادية): في كل جلسة، يطرح ذات السؤال ولا يجد الاقتصاديون له إجابة واضحة: ما هي العقيدة الاقتصادية التي يسير عليها العراق منذ التغيير سنة 2003، وما معالم هذه المرحلة؟ واجهة اقتصادنا ريعية، ولكن هل هو اقتصاد اشتراكي، أم اقتصاد سوق حر، أم نظام تعويم؟ ما هي هويته الحقيقية؟ هذا التخبط يؤدي حتماً إلى عدم استقرار المؤسسات المالية والنقدية، لغياب الثبات الفكري الذي يمكن من خلاله محاسبة السلطة التنفيذية أو مناقشتها بمنهجية علمية.

3. المؤشر الثالث (الاقتصاد الواقعي مقابل الاقتصاد النظري): حسب معلوماتي البسيطة، ثمة فرق شاسع بين الاقتصاد الواقعي والتنفيذي وبين الاقتصاد النظري. وأغلب ما يتحدث به المشاركون يتمحور حول الشروط الواجب توفرها نظرياً، بينما يفرض الاقتصاد الواقعي والتنفيذي إجراءات وميدانية مغايرة. فهل نحن نطبق اقتصاداً واقعياً أم نظرياً؟ وهذا يعيدنا مجدداً إلى أزمة غياب العقيدة الاقتصادية الثابتة.

4. المؤشر الرابع والأهم (عقلية التاجر مقابل عقلية الاقتصادي): إذا عرفنا خلفية الإدارة الحالية في العراق، وبالتحديد خلفية (الزيدي) وهل هو اقتصادي أم تاجر، فسندرك تماماً حجم الفارق. فهناك فرق كبير بين عقلية التاجر وعقلية الاقتصادي؛ وأغلب ما ينطق به يعكس "عقلية التاجر". وإذا ما حكمنا عليه بأنه يدير الأمور بعقليتها، فإن إجراءاته في رفع الأسعار أو خفضها تصبح طبيعية ومفهومة؛ فهو يحاول جمع الأموال لإدارة بلد يعيش في وضع غير متوازن –بلا سياسة وازنة ولا اقتصاد رصين– ويسعى كأي تاجر لمحاربة منافسيه وتأمين فروقات أسعار الصرف لصالحه قبل غيره.


السياسة العراقية بين الشرق والغرب

الأستاذ حسين شاكر العطار (أكاديمي وباحث)

سأتطرق في هذه المداخلة إلى محورين أساسيين:

المحور الأول: عقلية إدارة الدولة في السياسة الداخلية

يتعلق هذا المحور ب واقع السياسة الداخلية في العراق؛ إذ تُدار البلاد بعقلية التاجر من قِبَل رئيس الحكومات والنخبة الحاكمة، التي تعتمد أسلوب إدارة يفتقر إلى الرؤية التنموية الشاملة في قطاعي الصناعة والزراعة، وفي تنويع الموارد الاقتصادية.

إن التعامل مع إدارة الدولة يجري بمفهوم "العرض والطلب" أو منطق البيع والشراء مع المواطن لمجرد تسيير الشؤون اليومية؛ ومن هذا المنطلق جرى خفض قيمة العملة الوطنية (رفع سعر صرف الدولار) بغية تدبير السيول المالية لسداد رواتب الموظفين، إذ يمثل هذا الملف الهمّ الأكبر للحكومة. كما يُعتمد نهج "التعيينات العشوائية" كحل مسكن لامتصاص غضب المتظاهرين المطالبين بفرص العمل.

المحور الثاني: التوازنات الدولية وأثرها على الملف الاقتصادي

لو تأملنا مسار الحكومات المتعاقبة التي نعدّها ميّالة إلى المعسكر الغربي أو تحظى بتأييد الولايات المتحدة، للاحظنا أنها تتلقى دعماً اقتصادياً واضحاً؛ وهذا ما تجسد في حكومتي (الكاظمي) و(العبادي) نظراً لميلهما نحو الغرب أكثر من المحور الإقليمي أو الشرقي. كما يُتوقع أن تحظى حكومة (الزيدي) بظروف أفضل طالما أنها اتخذت خطوات لضبط سعر الصرف وتقليص عمليات التهريب وغيرها من الثغرات.

في المقابل، يُحسب كل من (المالكي) و(السوداني) على المحور الشرقي؛ ولذا شهدت فتراتهما ضغوطاً أو توجهات نحو خفض قيمة الصرف، بينما يميل المعسكر الغربي إلى دعم القوى المقربة منه اقتصادياً وتأمين غطاء لقراراتها المالية.

إن ما يهمنا كمواطنين ليس تقلب قيمة العملة ارتفاعاً أو انخفاضاً بحد ذاته، بل وجود إدارة حصيفة تملك زمام الأمور وتدير الملف الاقتصادي بكفاءة. وتُظهر القراءة السياسية أن القرارات الاقتصادية الحاسمة تُتخذ دائماً في ظل تقاطعات المحاور الدولية والإقليمية التي تؤثر بشكل مباشر في استقرار البلاد.


إطلاق حملات لزراعة أرض العراق

الأستاذ صادق الطائي 

البنك المركزي في أي دولة كان يمثل هوية ومؤشراً للوضع الاقتصادي لذلك البلد؛ فالبلد الذي يكون خالياً من المشاكل، وليس فيه مشاكل السرقات وعصابات تضيع الأموال، يكون البنك المركزي فيه ثقيلاً ومحترماً ويمثل الدولة، على عكس حالة الهزالة وخلو البنك المركزي التي تعكس صورة البلد.

الآن نبدأ بالمشكلة: يجب أن نبدأ بالأعلى، يعني الرؤساء أولاً، لا أن نسمع خطاباتهم؛ فما شاء الله من كثرة الخطابات أصبحوا مثل فولتير خطيب الثورة الفرنسية.

رؤساء الوزراء والجمهورية وأعضاء مجلس النواب والمدراء العامون والحمايات والسيارات والحراسات والمخصصات؛ تُلغى فوراً من جميع الرئاسات والنواب والسفراء. ومن الملاحظ أن قانون الرواتب تتحاشى الحكومات المنتخبة أن تعمل به وتؤجله للحكومة القادمة، والمطلوب الآن أن تعمل به وتُخضع كل المشمولين به دون تمييز. كما أن هناك معامل عملاقة ولكنها متوقفة عن العمل، من الممكن أن تشارك القطاع الخاص وتعمل وتُشغل الآلاف من الناس.

إطلاق حملات لزراعة أرض العراق، وتوفير الأسمدة ووسائل الزراعة وبعض الخدمات لتجاوز الأضرار بالقوى السفلى. إذن فالإصلاح بالقوى العالية من الشعب أولى من تفقير القوى الفقيرة أساساً من الشعب.


الخاتمة للباحث الدكتور حارث الزرفي

أحد الأخوة الحاضرين كلن لديه تساؤل حول الشكل الاقتصادي في العراق؟، وهذا التساؤل ليس وليد اللحظة، فنحن كأساتذة في الاقتصاد منذ أن نشأت كطالب وإلى الآن كأستاذ في جامعة كربلاء أسأل نفسي أولا، وأسأل الاقتصاديين وأسأل الحكومة، ما شكل المذهب الاقتصادي في العراق؟

لماذا يكتسب هذا التساؤل أهمية كبيرة؟، لن المذهب الاقتصادي يشكل عقيدة متّخذ القرار، كل القرارات التي تتخذها الحكومات وصحة هذه القرارات ونتائجها تعتمد على عقيدة متخذ القرار، أنا أتحدث هنا عن الاقتصاد، إذا كان مذهب صانع القرار رأسمالي فسوف يرفع يده عن الاقتصاد ويبدأ يعمل في الخصخصة، ويقوم بتنشيط القطاع الخاص ويعمل كمراقب، ومشرف على العمل، هذا إذا كانت عقيدة حكومتنا رأسمالية.

أما إذا كانت عقيدة حكومتنا اشتراكية فسوف تتدخل في القرارات الاقتصادية وتتحكم في تغيير سعر الصرف، وتقوم في فرض ضرائب قاسية على المستثمرين وعلى دخول الأفراد.

الشكل الثالث بما أن الدين الرسمي للدولة هو الإسلام ونسبة المسلمين في المجتمع العراقي بحدود 90% معنى ذلك أن هذا المجتمع اختار صورة معينة والدين الإسلامي هو ليس افيون (عبادات فقط)، وإنما هو معاملات، وهذا يعني بأن هذا المجتمع اختار طريقة معينة لمعاملاته والتي هي وفق الدين الإسلامي. 

مثلا أنا مواطن مسلم عندي ازدواج ضريبي أدفع مرتان، مرة أدفع للحكومة، ومرة أخرى أرجع وأدفع لرجال الدين، أدفع للحكومة ضرائب وغرامات ورسوم وما شاكل من موارد الدولة المالية، وأرجع كفرد مسلم أدفع زكاة وأدفع خمس وأدفع فدية وأدفع كل الأمور المتعلقة بالإسلام، حسنا هل هذا حلال أم حرام؟

بما أنه لا يوجد شكل محدد للمذهب الاقتصادي للدولة، هذا يعني إن كل القرارات التي يتم اتخاذها من قبل متخذ القرار وعلى رأسها مجلس الوزراء، سوف تكون غير مجدية وغير منتجة، لأنه مرة تسأله فيجيبك بأنه رأسمالي، ثم تعود وتسأله مرة أخرى فيجيبك بأنه اشتراكي، ثم تسأله لماذا لم تنفذ هذه القرارات فيقول لك (حرام) وأنا إسلامي.

هذه خلاصة المذهب الاقتصادي المجود لدينا، ولا أعرف هل عرفتم شكل المذهب الاقتصادي أم لا، لذلك فإن السياسات الاقتصادية تُبنى بما يتناسب مع واقع المجتمع، أو مع عقيدة المجتمع، وبما أن المجتمع مسلم فلابد أن نأتي بسياسات أولا يقتنع بها المجتمع، وإذا تمت هذه القناعة ممكن أن تحاسبه على كل شاردة وواردة.

وفي الختام كما ذكر الجميع أن المجتمع بأنه بهذه الحال وبهذا المستوى من عدم الاهتمام، إلا الطبقة الواعية، فهو سوف يستحق ما يجري عليه اليوم وسيجري عليه مستقبلا بعد تغيير سياسة سعر الصرف وعدم وجود جدوى مالية منه، لن سياسة الادخار الإجباري بعد تغيير سعر الصرف ستلجأ الحكومة حتما إلى حلول أخرى لأن زيادة سعر الصرف لا يغطي العجز في الموازنة. 

لهذا ستلجأ إلى الادخار الإجباري، وإذا لم تعلن هذا الآن فإنها ستعلنه مستقبلا، وفي حال لم تغطِّ العجز سوف تلجأ إلى تأخير الرواتب للعاملين في القطاع العام وإذا لم تغطّ العجز سوف ترجع إلى السياسة النقدية من خلال إصدار نقدي جديد، وهذا سوف يخفّض الاحتياطيات وسوف يغير سعر الصرف بشكل مباشر نتيجة زيادة عرض النقد سواء قبلت بذلك أم لا. 

ومن الممكن أن يكون الخيار الأخير الذي تلجأ له الحكومة هو رفع الضرائب على مجموعة من السلع غير الضرورية إضافة إلى أن تغيير سعر الصرف هو ضريبة غير مشرعة، فكل السلع والخدمات التي تأتي لنا هي استيراد، بالتالي ترتفع الأسعار مباشرة، وإذا لم يكفِ تغيير سعر الصرف ترجع الحكومة وتفرض ضرائب على السلع غير الضرورة وقد تفرض ضرائب حتى على السلع الضرورية.  

مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

حسين علي حسين

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!