كما ان الاقتصاد العراقي ضعيف بحكم احاديته وتبعيته وتذبذبه وعدم استدامته، ان الدينار العراقي ايضاً ضعيف بحكم ان قيمته لم تكُن نابعة من ذاته واقتصاده بل مستمدة من ارتباطه بالنفط والدولار وان القوة التي يتمتع بها ما هي إلا قوة وهمية وليس حقيقية تعبر عن ذات الاقتصاد العراقي..
لم تنجح اجراءات البنك المركزي العراقي ولا اجراءات الحكومة في اعادة اسعار الصرف الى معدلاتها الرسمية رغم تنوع السياسات المتخذة لخفض الدولار في اسواق الصرف المحلية. اذ يتطلب نظام سعر الصرف الثابت، والمعتمد رسميا وعمليا في العراق، الاستجابة الكاملة للطلب على الدولار اذا ما رغب البنك المركزي تحقيق التطابق بين السعر الرسمي والسعر السوقي للدولار، والحد من ارباح المصارف والشركات الناتجة عن فرق السعرين..
ان ارتفاع سعر الدولار لم يكُن ناجم عن شحة حقيقة في الدولار بقدر ما هي شحة عرضية ناجمة عن اجراءات تدقيقية لمنع تسرب الدولار للأشخاص والجهات والدول الخاضعة للعقوبات، وان سعر الدولار سينخفض بمجرد انتهاء تلك الاجراءات ولكن لن ينخفض إلى نفس المستوى السابق..
عانى الاقتصاد العراقي، منذ عقود، من اتساع الاختلالات الهيكلية نتيجة تراكم تداعيات ضعف السياسات العامة في ادارة الثروة النفطية بشكل يناسب متطلبات التنمية والتنويع لتحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي. بدلا من ذلك، وظفت الوفرة المالية النفطية في تضخيم دور الدولة في الاقتصاد عبر توسيع مؤسسات القطاع العام على حساب القطاع الخاص..
سعر الصرف حقق الاهداف التمويلية وجنب العراق صدمة كبيرة، خصوصاً مع وجود مضاربين على العملة. أما بالنسبة للأهداف الاقتصادية كتحقيق تنافسية الانتاج المحلي لم تتحقق بعد لأنها بحاجة لشروط أخرى، إذ كان يفترض العمل على هذه الشروط مبدئياً لكن الوضع المالي قدم تغيير سعر الصرف على الشروط المُسْبقة ولذلك لا يمكن أن نلاحظ النتائج الاقتصادية لسعر الصرف في الأمد القصير، ويمكن ملاحظتها في الأمد المتوسط إذا أتبعت الحكومة سياسات أخرى لدعم المنتج الوطني..
لا يختلف اثنان بان خفض قيمة الدينار قلص الدخل الحقيقي للمواطن العراقي، وتضررت بشكل كبير الطبقات الفقيرة نظرا لانخفاض دخولها اصلا... لكن هل كانت تلك الطبقات مرفهة قبل خفض سعر الصرف؟ الجواب ان مشكلة الفقر في العراق نتيجة لضعف سياسات توزيع الثروة الوطنية واستئثار قلة على موارد البلد بشكل مشروع وغير مشروع..
ان قرار خفض قيمة الدينار لم يكن مناسبا من حيث التوقيت او المقدار، فقد تم اضافة صدمة نقدية الى الصدمات الاقتصادية والمالية والصحية التي عصفت بالطبقات الفقيرة والهشة منذ اواخر العام 2019 بسبب التظاهرات وجمود النشاط الاقتصادي وانهيار اسعار النفط وتفشي فايروس كورونا، خصوصا مع ضعف برامج الحماية الاجتماعية اللازمة لاستيعاب تأثير صدمة سعر الصرف على هذه الطبقات..
يعرف الجميع أن النقد الأجنبي في العراق محتكر للدولة من مصدره الوحيد، صادرات النفط الحكومية، هذا الإحتكار طبيعي بالأمر الواقع، لا تشريع ولا سياسة. سوق الصرف، عرض وطلب، في جانب العرض جهة واحدة هي المحتكر الذي يمثله البنك المركزي، وفي جانب الطلب عدد لا نهائي من المشاركين..
تخفيض قيمة الدينار العراقي مقابل رفع سعر الدولار تحسباً لتفادي انهيارها مستقبلاً ولمواجهة آثار انخفاض العملات الإقليمية هو أشبه ما يكون بالخطة الإستراتيجية لإعادة التوازن النقدي الإقليمي وإعادة تنظيم الاقتصاد العراقي..
إن العراق تعرض لصدمة اقتصادية مزدوجة نقدية ومالية، إذ إن تخفيض قيمة الدينار العراقي والذي تم تنفيذه بشكل مباشر بالتزامن مع تخفيض تعويضات الموظفين بنسبة كبيرة التي لا تزال قيد النقاش تحت قبة البرلمان وكان لها أثراً إعلامياً، أديا معاً لتراجع النشاط الاقتصادي بسبب حالة الغموض والتخوف بشأن المستقبل..
العلاج بالصدمة في الغالب لا يجدي نفعاً خصوصاً في المجتمعات الريعية كالمجتمع العراقي، كونها اعتادت النمط الريعي -الاستهلاكي ولا يمكن تغييره بسهولة ما لم يتم اعتماد الأسلوب التدريجي في تغيير هذا النمط والاتجاه به نحو النمط الإنتاجي-الاستهلاكي..
خفض قيمة الدينار العراقي جاء اساسا لتمويل العجز الضخم في موازنة العام 2021 وليس لتحقيق اصلاح اقتصادي ورفع القدرة التنافسية للمنتج الوطني. خصوصا مع استمرار التراجع في الايرادات النفطية وعجز الحكومة عن تقليص النفقات او تعظيم الايرادات غير النفطية في الامد القصير..