بعد زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الى واشنطن، بات العراق امام اشتراطات محلية واقليمية واميركية. على مستوى الداخل تبرز قضايا الفساد ونقص الخدمات وضعف انفاذ القانون، والخلل البنيوي في الاقتصاد على رأس الاولويات. واقليما العراق مطالب ان يكون ذو قرار سيادي فيما يخص قرار الحرب وان يضمن سلامة وامن الدول المجاورة وعدم الاعتداء عليها. ان اية تطورات في أي من دول منطقة الشرق الاوسط لا تقتصر على الدولة ذاتها من حيث العوامل والتداعيات، بل تمتد الى كل دول المنطقة – بل امتدت الى دول خارج المنطقة. وبقدر تعلق الامر بالشرق الاوسط، فلم تعد الدول بمعزل حتى عما يجري في دول اخرى حتى في الشؤون الداخلية لها سياسيا وامنيا واقتصاديا ..الخ، وهذه سمة وُصفت به الاوضاع السياسية والامنية والاقتصادية في المنطقة.
احداث المنطقة بدءا من غزة ومرورا بما حصل في سوريا ولبنان والحرب على ايران، كلها تشير الى ارادة اميركية صلبة، وربما تساندها لاحقا ارادة اوروبية، لتحييد النفوذ الايراني في المنطقة ولاسيما في العراق، اكبر مواقع ذلك النفوذ.
هذا الواقع العراقي لم يعد مقبولا اميركيا، ففي الوقت الذي تريد فيه الولايات المتحدة من العراق ان يعود لدوره الاقليمي المعهود والتأثير في المعادلة الاقليمية، تجده مترنح بين دفتي النفوذ والتأثير الايراني. وتنظر الادارة الاميركية الجديدة الى ان الخطأ الاميركي هو الذي اوصل العراق الى هذه الحالة بعد ازاحة النظام السابق عام 2003 وتسليمه للنفوذ الايراني. وهذا ما اشكل عليه الرئيس ترامب عدة مرات. ويبدوا ان ادارة الرئيس ترامب مصرة على تصحيح هذا الخطأ ورفض كل ما نتج عنه من معادلة حكم او منظومة حكم خاضعة للنفوذ الاقليمي ، وتهيئة بيئة مناسبة للشرق الاوسط الجديد.
العشوائية والازدواجية في السلوك السياسي الخارجي للعراق – والذي ترى فيه الحكومات العراقية نوع من الوسطية والحياد، وعدم احتكار الدولة لعنصر القوة، وتنامي الفساد الذي مول الجماعات المسلحة، كل ذلك وضع العراق في وضع ضبابي غير واضح الموقف ازاء التحالف مع الولايات المتحدة على الرغم من اتفاقية الاطار الاستراتيجي بين البلدين والتي رسمت خطوطا عامة وتفصيلية للعلاقة.
من السطحية التمعن فقط بالتهديدات الاميركية باستخدام ادواتها ضد العراق في حال مضي الحكومة جديدة كالحكومات السابقة خاضعة للنفوذ الاقليمي الايراني والمصالح الحزبية، فالأمر اعمق من ذلك بكثير ويتعداه الى المساهمة في الحملة الاقليمية المناهضة للنفوذ الايراني، والاندماج اكثر مع المصالح الاميركية في المنطقة وتعزيزها في العراق عبر الشراكات الاقتصادية والامنية، وهذا يتطلب تعزيز قوة الدولة واحتكارها للقوة ومواجهة الفساد الذي يمول النفوذ الايراني ، كما ترى وجهة النظر الاميركية.
متطلبات داخلية:
طوال اكثر من عقدين بعد 2003، لن تتمكن " القوى السياسية " في العراق من بلورة مشروع دولة متكامل بعيد عن التأثير الخارجي رغم توفر الاطار الدستوري والسياسي، حتى بات الامر معروفاً ومعلناً وبتصريحات وبيانات رسمية. وهذا الامر تجلى في التدخل الايراني في تشكيل معادلة الحكم في العراق بعد 2003 وكذلك النفوذ الاميركي.
الموقف الاميركي في تشكيل الحكومة الحالية، اصبح هذه المرة – ولأول مرة – اكثر وضوحا وتشددا وحزما حتى أُلحِق به تهديدات مباشرة باستخدام الادوات التي تملكها واشنطن ضد العراق ومنها العقوبات الاقتصادية وايقاف المعونات الامنية والعسكرية والعقوبات على شركة تصدير النفط (سومو) والبنك المركزي العراقي.
الواقع السياسي والاقتصادي ومآلات الفساد لم يعد مقبولا داخليا بسبب معدلات الفقر وفقدان سيطرة الدولة على كامل اقليمها، وصراع المحاصصة والسلاح المنفلت وتراجع الخدمات وتزايد معدلات التهميش والاقصاء ومصادرة الحريات وانعدام الشعور بالدولة ومؤسساتها. وهذا جلي واضح من نسب المشاركة السياسية في التصويت ومؤشرات اقتصادية وسياسية واجتماعية اخرى، وترى الكثير من الفعاليات الاجتماعية والثقافية ان الثقة بهذه القوى السياسية انعدمت ولم تعد هذه القوى ممثلة للشعب، وبالتالي كيف تسير به الى المواجهة مع الادوات الاميركية العنيفة في حال تطبيقها؟
اشتراطات اميركية:
اجمالا، الحقيقة الثابتة والواضحة للمراقب، ان الولايات المتحدة تريد اعادة هندسة النفوذ الاميركي في المنطقة ومن دون مزاحمة من قبل النفوذ الايراني الواضح، والذي لعب دوار كبيرا عقب التغيير السياسي في العراق بعد 2003. وهذا بائن من سرعة تراجع النفوذ الايراني في لبنان، وانهاءه في سوريا واضاعفه والسعي لتحييده في العراق. والعمل يجري بفرض النفوذ الاميركي في المنطقة، وفيما يرتبط بالحالة العراقية، تدرك الولايات المتحدة ان العراق طالما كان المورد الرئيس للدولار الى طهران ، ويبدوا ان الولايات المتحدة تسير بإتجاه اعادة هيكلة النظام السياسي في العراق سياسياً ومؤسساتياً، كما يتضح ذلك في الرسالة التي سلمتها الخارجية الاميركية الى سفير العراق في واشنطن قبيل تشكيل الحكومة الحالية والتي تجاوزت حصر السلاح ورفض ترشيح المالكي الى اصلاح القضاء واستقلاله وابعاده عن التأثير السياسي، وان تكون الحكومة مسؤولة امام الشعب، والقضاء على الفساد، ومواجهة غسل الاموال وتصحيح وضع الحشد الشعبي ودمجه ضمن اطار مؤسساتي يقتصر على وزارتي الداخلية والدفاع فقط.
هذه المطالب اضيفت لها مطالب اميركية تتناسب ومستجدات الحرب على ايران وتطورات التوتر والصراع مع ايران مع زيارة رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي الى واشنطن، ترتبط بالتعاون الامني والقضاء على سلاح وكلاء ايران وتعزيز الشراكات الاقتصادية في البنية التحتية النفطية، فضلا بناء خط انابيب لتصدير النفط العراقي عبر ميناء بانياس السوري، واستثمرا حقول نفطية، كذلك هناك تقارير تتحدث عن استثمار اميركي بقيمة 60 مليار دولار في العراق.
براغماتية بعض القوى السياسية
بعد الرسائل الاميركية المتتالية، اصبحت القوى الاطارية "الشيعية"، والتي تصورت ان المواقف الاميركية ستقف عند حدود رفض المالكي، في صدمة كبيرة بفعل سطحية تفكيرها ومحدودية فهمها للمعادلة الجديدة في المنطقة والتي تصر واشنطن على فرضها وهي معادلة الشرق الاوسط الجديد ومحوره السلام والاستقرار والشراكات الاقتصادية، لهذا تصاعدت المطالب الاميركية الى تهيئة بيئة سياسية وامنية وقضائية في العراق مناسبة لعملية السلام في المنطقة.
لهذا نرى ان القوى الشيعية بدأت تطرح رؤى وتصريحات حول اهمية العلاقات مع الولايات المتحدة، واصبحت تري ان تكون بمستوى واقع المعادلة الاقليمية والدولية الجديدة – كون هذه القوى الشيعية هي المعني الاول بالاشتراطات الاميركية الجديدة، ومن ثم تأتي بعدها القوى الكردية والسنية. وعليه، فأن القوى السياسية في العراق بكل اطيافها ينبغي ان تدرك أن الحكومة الجديدة وسياساتها داخليا وخارجيا تتعلق بمصير الدولة العراقية داخليا واقليميا. وان الواقع الاقليمي يتطلب حكومة صاحبة قرار وقوية في قرارها بدءا بموضوع النفوذ الايراني ومواجهة السلاح خارج الدولة، ومرورا بمواجهة الفساد وغسل الاموال وتمويل الارهاب، وتهريب النفط،، واصلاح سياسي واقتصادي ومالي شامل يجعل من الحكومة مسؤولة امام الشعب وليس امام الاحزاب المتحكمة بالمشهد السياسي والامني. فالضغوط الاميركية كبيرة، وبفعلها اصدرت السلطات العراقية أوامره لبنوكه ومؤسساته الحكومية بتطبيق العقوبات الأمريكية المفروضة على الأفراد والشركات المرتبطة بحزب الله بعد يومين فقط من لقاء الرئيس ترامب برئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض. ولم نلاحظ ردة فعل اعلامية او سياسية تجاه هذا الاجراء كما حصل مع الحكومة السابقة التي تراجعت عن قراراها بخصوص حزب الله. لهذا يمكن القول ان الصورة الإقليمية بدأت تتغير ولا سبيل سوى بالتكيف مع مجريات المنطقة مع المحافظة وصيانة المصالح الوطنية العراقية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!