تغيير مفوضية الانتخابات: مشروع إصلاحي أم سياسي؟

شهدت ساحة التحرير في العاصمة العراقية بغداد يوم السبت الماضي 11شباط/ فبراير 2017، مظاهرات احتجاجية واسعة، اشترك فيها عدد كبير من أبناء الشعب العراقي، قبل أن تشهد ‘‘حركة الاحتجاج‘‘مواقف تصعيدية بين القوات الأمنية العراقية والمتظاهرين. ويمثل اتباع الزعيم الشيعي السيد مقتدى الصدر العدد الأكبر من بين المتظاهرين الذين خرجوا إلى ساحة التحرير، فضلاً عن التيارات المدنية وبعض الفنانين والمثقفين والمتضررين جراء السياسات الحكومية الفاشلة، الذي اعتادت ساحة التحرير على تظاهراتهم منذ عام 2011. الجديد في هذه التظاهرات، هو تحول مسار التظاهرات فيما يخص مطالب المحتجين والمتظاهرين من مشروع الإصلاح الحكومي ‘‘حكومة التكنوقراط‘‘إلى مشروع إصلاح مفوضية الانتخابات وقانونها الانتخابي. هذا التحول النوعي في مطالب المتظاهرين له ما يفسره في الواقع السياسي العراقي، لاسيما بعد فشل مشروع حكومة التكنوقراط. وتأتي هذه التغيرات في حركة الاحتجاجات بعد أن أعلن السيد مقتدى الصدر برنامجه في إصلاح مفوضية الانتخابات، وفشل السيد رئيس الوزراء حيدر العبادي المضي في مشروعه الإصلاحي "التكنوقراط" وعدم استطاعته الخروج من المحاصصة الحزبية والمذهبية في تعيين وزراء الداخلية والدفاع. هذا الإدراك المتأخر في حركة الاحتجاجات جاء نتيجة الوعي الشعبي للفشل الحكومي المتكرر والفشل السياسي المتعمد لمشاريع الإصلاح والتفاف اغلب القوى السياسية المتنفذة على مشاريع الإصلاح الحكومي وافشالها بالتوافق الحزبي والمذهبي والقومي، أي بمعنى آخر، أن المتظاهرين أو حركة الاحتجاجات أدركت بأن الشروع في خط الإصلاح من الأسفل هو الطريق الصحيح والسليم للشروع في الإصلاح الحكومي (الإصلاح الفوقي أو ما نسميه إصلاح قمة الهرم)، وبهذا قد يكون المتظاهرين ادركوا الخلل الرئيس في حركة احتجاجهم ومطالبهم بحكومة تكنوقراط، دون مطالبتهم بإصلاح الأسس ومقدمات العمل السياسي؛ لأن الإصلاح الفوقي بتغير أو تبديل وزراء وما شاكل لا ينتج إصلاح حقيقي مالم تصلح الأسس التي تشكلت عليها العملية السياسية، وتعد المفوضية العليا للانتخابات احد ابرز هذه الاسس التي انبنت عليها العملية السياسية العراقية بعد العام 2003؛ ولذلك فأن إصلاح مفوضية الانتخابات وقانونها الانتخابي وابعادها عن المحاصصة الحزبية والمذهبية والقومية يمثل الخط الأول والاساس في معالجة الوضع العراقي المتردي للشروع في برنامج إصلاحي صحيح، حتى وأن كان طويل الأمد. ربما قد يستشكل البعض على طريقة الاحتجاجات من حيث التوقيت ونوعية التظاهرات وعدم الثبات في المطالب، وقد يتهم البعض التظاهرات بأنها تمثل مذهب معين وتيار سياسي محدد. وبالتالي فأن هذه الاحتجاجات لها ايديولوجيتها السياسية التي تريد من خلالها أن تفرض رؤية سياسية معينة على المشهد السياسي العراقي دون الآخذ بنظر الاعتبار رؤى القوى والتيارات السياسية الأخرى، إلا أن ما يفند كل تلك الطروحات السياسية والحزبية اتجاه حركة الاحتجاجات هو الاتهام المتكرر لكل حركة احتجاج أو تظاهرة من قبل القوى السياسية الأخرى واحزاب السلطة والحكومة منذ العام 2011، بأنها احتجاجات مدفوعة ومندسة وبعثية أو أنها تريد أن تشغل الحكومة والمؤسسة العسكرية عن حربها ضد تنظيم "داعش"؛ ولهذا فأن هذا الاتهام المتكرر لا يمكن القبول به، لاسيما بعد الانهيار السياسي والأمني والاقتصادي التي تتعرض له البلاد، والفشل المتكرر من قبل القوى السياسية في بناء الدولة على أسس سليمة. وفيما يتعلق بنوعية المتظاهرين فأنهم في الغالب خليط من مختلف شرائح المجتمع سواء كانت نخب مثقفة أو جماهير ساخطة على سياسات الحكومة نتيجة الفشل في توفير الخدمات الضرورية وتوفير الأمن ومستلزمات العيش الكريم، وهم بالعادة من متظاهري التيار الصدري، وبالتالي فأن قناعاتهم السياسية والانتخابية ثابتة على عكس جماهير القوى السياسية الأخرى التي تتسم بالنفعية والبراغماتية في علاقاتها السياسية مع الاحزاب، وهي متغيرة المزاجات والقناعات السياسية والانتخابية، حسب طبيعة المنفعة ومردوداتها الإيجابية، فضلاً عن أن اغلب جماهير هذه القوى السياسية مندمجة في المؤسسات الحكومية، وبالتالي فأن جماهير هذه القوى السياسية مقتنعة بأن "السلطة تلد السلطة" على العكس من جماهير وقادة التيار الصدري الذين اثبتوا جديتهم بمشروع الإصلاح حين تنازلوا عن وزاراتهم الحكومية إلى وزراء تكنوقراط نزولاً إلى رغبة جماهيرهم. وعليه فأن إصلاح مفوضية الانتخابات وقانون الانتخابات، بالإضافة إلى إصلاح القضاء تعد مرتكزات اساسية في استقرار العملية السياسية وبناء الدولة العراقية على أسس صحيحة، وعلى قادة التظاهرات والمتظاهرين أن يضعوا هذه المرتكزات نقطة للشروع في مشروع الإصلاح "الإصلاح من الأسفل"؛ لأن السلطتين التشريعية والتنفيذية التي يعول عليها تصحيح مسار العملية السياسية هي مخرجات لتلك المؤسسات "المفوضية وقانون الانتخابات". ولهذا فمن غير الممكن أن يتم إصلاح الحكومة وتنشيط دور السلطة التشريعية والرقابية ما لم يتم إصلاح المؤسسات المسؤولة عن مخرجات هاتين السلطتين. فاذا كانت المدخلات صحيحة حتماً ستكون المخرجات صحيحة وفعالة وتمارس عملها بعيداً عن المحاصصة والضغوط السياسية. وعليه يعد مطلب تغيير المفوضية وتعديل قانون الانتخابات الخطوة الأولى التي يمكن أن يسير عليها مشروع الإصلاح السياسي العراقي بعيداً عن المزايدات السياسية والحزبية.
التعليقات