تصدع التحالف السعودي "عاصفة الحزم" ضد اليمن

يبدو أن السعودية قد تواجه "تصدعا" في الجبهة التي أسستها في حربها في اليمن. إذ أعرب معظم نواب البرلمان في باكستان - التي كانت أعلنت مشاركتها في "عاصفة الحزم" والتي تربطها بإيران مصالح اقتصادية- عن مخاوفهم من أن يتسبب التورط في الصراع اليمني في زيادة الانقسام الطائفي في باكستان, كما أن تركيا التي تسعى حسب البعض إلى زعامة سنية في المنطقة، أعلنت على لسان رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان - الذي أجرى زيارة إلى إيران في إطار الجهود الدبلوماسية لحل أزمة اليمن- أن بلاده تؤيد وقف الحرب وضرورة تأسيس السلام والأمن, حتى الولايات المتحدة كان تأييدها لسعودية مشروطا بعدم استمرارها طويلا, ومصر رغم تأييدها للحرب وإرسال بعض قطعها البحرية وعدد من الطائرات, الا ان المعوقات التي تمنع مصر من الاستمرار بهذا التحالف هي كثيرة. وعلى الرغم من إن الولايات المتحدة لم تبخل على السعودية والتحالف العربي المشارك في عاصفة الحزم بتأييدها لهذه العاصفة, ودعمها, بل إنها أعلنت على لسان مصدر مسئول فيها عدم سكوتها إذا ما تعرضت السعودية لأي عدوان، والمقصود هنا بالطبع عدوان إيراني, ومع ذلك فإن التأييد الأمريكي لعاصفة الحزم جاء مشروطا بعدم استمرارها طويلا، أي أن يتم إنهاؤها سريعا لاستئناف الحوار الوطني في اليمن الذي كانت ترعاه الأمم المتحدة، والذي حاول اخراج اليمن من الحرب الاهلية, كما ان الولايات المتحدة لاتريد ان تخسر حربها ضد الارهاب, لان الهجوم على اليمن يعزز المنظمات الإرهابية مباشرة, فعلى أحد جانبي الصراع، تجعل الهجمة ضد الحوثيين تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية يتنفس الصعداء، بعدما كان هدفًا للهجمات المتكرر بالطائرات الأمريكية بدون طيار من جهة، وهجمات الحوثيين من جهة أخرى, وفي الواقع، الهجوم السعودي على اليمن وتراجع تأثير الحوثيين، فإن هذا من شأنه أن يؤدي تلقائيًا إلى زيادة قوة القاعدة في جزيرة العرب, وهذا هو احد اهداف الحرب السعودية على اليمن, وهو دعم انصارها من القاعدة والسلفيين, على الطرف الآخر، هذه الضربات التي تقودها السعودية يمكن أيضًا أن تعزز تنظيم داعش وجبهة النصرة, التي تحاربهما القوات الامركية في سوريا والعراق, فعلى الرغم من عدم وجود حدود مشتركة بين اليمن وسوريا، إلا أن شبكاتهم قوية, صحيح أن القاعدة في جزيرة العرب وداعش لا يلتقيان وجهًا لوجه، لكنهما مع ذلك لن يمانعا في تحمل بعضها البعض إذا تم القضاء على أحد أعدائهما المشتركين, وبهذه الطريقة يكون الغرب قد غرس شوكة في خاصرت, ربما يستطيع إخضاع الحوثيين، الذين يرفعون شعار الموت لأمريكا وإسرائيل، لكن في حين يقضون على هذا التهديد، فإنهم قد يتجاهلون التهديد الأكبر الذي هو أكثر خطورة, ويبدو أن هذا تكرار للحرب السوفياتية: حيث تمكنت الولايات المتحدة من ركل السوفييت، لكن النتيجة كانت تثبيت نظام لم يكن فقط معاديًا، ولكنه أيضًا ساعد العناصر التي أعلنت الجهاد ضدها. وان رفض باكستان الانضمام للتحالف له اسبابه, فإذا ما انضمت باكستان إلى التحالف الذي تقوده السعودية، فقد تستخدم إيران حدودها الممتدة بين الدولتين بطول مئات الكيلو مترات لزعزعة استقرار منطقة بلوشستان في باكستان ، الذي تشهد تمردًا مسلحا بالفعل, ولديها مشاكلها الطائفية الداخلية الخاصة والتى تترجم إلى أعمال عنف متكررة، حيث إن الشيعة موجودون فى باكستان بنسبة 30% ويتم استهداف مساجدهم ومدارسهم بشكل مستمر من الجماعات الإسلامية المتشددة وعلى ارتباط بالقاعدة والمرتبطين بالقاعدة فى اليمن, وبهذا فان أي مشاركة لها في الحرب على اليمن قد تؤدي الى اثارة الشيعة فيها, وهو ما يؤدي الى خلخلة الوضع الداخلي الهش والمهدد من قبل الاعمال الارهابية من جانب طالبان والقاعدة, حيث تنهمك باكستان حاليًا في شن هجوم ضد الإرهابيين, هذا النوع من الهجوم الذي تريد الولايات المتحدة الأمريكية من باكستان دائمًا أن تشارك فيه, وقد كان ينظر الى أن باكستان لا يمكنها أن ترفض مساعدة السعوديين لأسباب استراتيجية، الا ان برلمان باكستان رفض الطلب السعودي بالمشاركة في الحرب, لان المشاركة في الحرب تعني أن تركيزها سوف يتحول من محاربة الشبكات الإرهابية التي تشكل تهديدًا للأمن العالمي، إلى تأمين إعادة حكومة سياسية في اليمن, ليس لباكستان مصلحة فيها, وان تدخلها من شأنه أن يستدعي الهند وأفغانستان إلى المعادلة, حيث تنشط المخابرات الهندية في تقديم المساعدة للبلوش المسلحين داخل باكستان, ولما كانت باكستان والهند قوتان نوويتان، فإن الحرب يمكن أن تؤدي إلى عواقب وخيمة, وبعد كل شيء، إذا أتاحت باكستان أسلحتها النووية للمملكة العربية السعودية، فلن تتردد الهند أيضًا في تقديم عدد قليل من الرؤوس النووية إلى إيران, هذا هو السبب وراء محاولة باكستان الدائمة للحفاظ على نفوذها على جيرانها في الجانب الغربي, وهذا ما دفع باكستان الى الابتعاد عن المشاركة بالحرب وتجنب اثارها. وعلى الرغم من أعلان وزارة الخارجية التركية دعمها للعمليات العسكرية التي قادتها المملكة العربية السعودية بالاشتراك مع دول خليجية وعدد من الدول العربية والإسلامية لمواجهة التمدد الحوثي في اليمن, الا ان هذا الموقف جاء متاخرا من جهة, كذلك دعما اعلاميا فقط بدون مشاركة في التحالف بقيادة السعودية, وذلك لان تركيا اولا دولة اقليمية ومهمة في المنطقة, وبهذا لن تدخل في تحالف تحت قيادة سعودية , فتركيا لم تشارك عسكريًا في التحالف الدولي الذي قادته امريكا لاحتلال العراق عام 2003، ولكنها دعمت بعد ذلك تنظيمات إسلامية متطرفة، كما أنها تكاد تكون الدولة الإقليمية الرئيسية عبر الإقليم التي لم تشارك في التحالف الدولي الإقليمي لمواجهة تنظيم "داعش" في سوريا والعراق, وتقوم الاستراتيجية التركية على مبدأ "تأجيل المخاطر" لا إنهائها تجاه التهديدات الإقليمية التي تواجهها هي ذاتها أو تلك التي تواجه بعض القوى الإقليمية الأخرى, وهي بهذا تبقى تتبع سياسة " انتظر وارى" لتضمن مصالحها مع جميع القوى المتصارعة في المنطقة بما فيها ايران, ورغم كل المحاولات من بعض الدول الخليجية التي تهدف إلى تحسين العلاقات مع تركيا لتدشين "محور سني" في مواجهة طهران، ولكن هناك صعوبة بالغة في ظل النفوذ الإيراني في المؤسسات الأمنية التركية, والعلاقات الاقتصادية مع طهران, وتتسم طبيعة السياسات التركية بشأن التعاطي مع ملفات الإقليم الملتهبة وبالتحديد في المناطق القريبة من منطقة الخليج العربي، أنها تسعى إلى الدافع الأساسي وهو المحركات الاقتصادية لها، بما يجعل تركيا في حقيقة الأمر رغم بيانها بشأن "عاصفة الحزم" قلقة من مسار التفاعلات في الإقليم، وذلك لكونها قد تؤثر على أسعار النفط عالميًا، وكذلك تراجع معدلات السياحة العربية في تركيا, لقد أدارت تركيا وإيران العلاقة فيما بينهما على الرغم من الأزمات التي مرَّت في تاريخ الدولتين، وذلك على الأقل في عهد العدالة والتنمية منذ عام 2002، وإذا كانت العلاقة لم تنقطع على الرغم من كل ما جرى في سوريا؛ فإنه من الطبيعي أنَّ ما يجري في اليمن سيكون أقل تأثيرًا؛ إلا في حالة استشعار أحد البلدين ربما لتهديد وجودي من الطرف الآخر، وفي هذا السياق لم تكن اليمن ساحة خلاف بين إيران وتركيا من قبل؛ وذلك قياسًا مع الخلافات في سوريا والعراق، وعلى الرغم من هذا فقد تمَّ عقد اجتماعات لمجلس التعاون الاستراتيجي بين البلدين، وشهد عام 2014 قرابة 8 زيارات رفيعة المستوى بين مسؤولين من البلدين, اذ ان زيارة الرئيس التركي الاخيرة لايران تندرج في اطار زيادة التشاور والمصالح مع ايران, وتشهد تركيا في الوقت الراهن نمطًا غير مسبوق من التوترات السياسية بسبب الصراعات المتصاعدة داخل الحزب الحاكم، فضلًا عن تطورات العملية السياسية مع الأكراد، بالإضافة إلى طبيعة مواقف مواطني تركيا من العلويين سواء بسبب السياسات التركية حيال نظام بشار الأسد أو من أي مشاركة تركية في عملية عسكرية ضد الحوثيين في اليمن. اما مصر فرغم مشاركة بعض قطعها البحرية في الحرب, وعدد من الطائرات, الا انها ترى أن السعودية تسرعت فى توجيه ضربات "عاصفة الحزم" من البداية، وكان بإمكانها التدخل بشكل سلمى عن طريق القبائل اليمنية التى تجيد الدبلوماسية السعودية التعامل معهم، ويرتبطون بعلاقات قرابة ومصاهرة مع قبائل السعودية, لتنفيذ اهدافها في اليمن, كما ان مصر تتهم حزب الإصلاح اليمني بانه حزب اخوانى يمنى، الذى يسعى لإستمرار تأجيج الصراع، ولا يريد الحرب أن تنتهى, هو حزب إخوانى قفز على ثورة اليمنيين ضد على عبد الله صالح ، كما فعل إخوان مصر، ويريدها الأن أن تتحول إلى حرب مذهبية ليتخلص من التيار الشيعى الحوثى كى تخلو له الساحة السياسية، وتدعمه السلطات السعودية التى مازالت ترى أن محاربة الشيعة أولى من التصدى لأطماع الإخوان، على طريقة المد الشيعى أخطر من الإرهاب السني. كما ان مشاركة مصر بهجوم بري هو ايضا محفوف بالمخاطر, ومنها: ان كثيرين يؤكدون أن الظرف الاقتصادى فى مصر لا يحتمل تظاهرة "كما كان مبرر الدولة عندما أصدرت قانون تنظيم التظاهر"، فما بالك بخوض حرب "جبال ووديان" فى بلاد اليمن!, ومصر تريد ارتفاعا فى نسبة النمو وتقليل عجز الموازنة، والإنفاق على مشروعات قومية هائلة، لمواجهة زيادة نسبة البطالة والتضخم، فهل تستطيع أن توازن بين ذلك كله والإنفاق على حرب اليمن؟, كما انمصر تخوض حربًا شرسة مع القوى الإرهابية، التى تضرب داخل المدن وفى سيناء بقوة, والنزيف مازال مستمرا رغم النجاحات التى يحققها الأمن فى إجهاض بعض الضربات بشكل "استباقى", فمصر لديها عدو رئيسى وأساسى وهو الإرهاب الى يطل علينا من بوابة أرض الفيروز ليحصد أرواح أبناءنا, وأيضا لديها عدو يرابط فى الغرب وتحديدا فى ليبيا، قد ينتهز فرصة "الانشغال" بأولوية أخرى، للانقضاض على مصر بأى شكل , والحرب فى جبهات عدة قد يعيق من التقدم فى أى منها، وهى أزمة واجهت الدول الكبرى عندما كانت تخطط للنمو، فكان الاختيار وكانت الأولوية, فهل تجازف مصر فى خوض حرب اليمن، وتدفع بآلاف الجنود "أو حتى المئات"، للحفاظ على وحدة اليمن وأراضيه، وتترك معركة الداخل؟، أم تستطيع تحقيق التوازن أيضا؟. فعلى الرغم من تصريح السيسى باختلاف السياق التاريخى بين الحربين الأولى والثانية فى اليمن، واختلاف دوافع مصر فى الحربين إلا أن هناك هاجسا بالأزمة التى واجهت قواتنا المسلحة فى اليمن خلال حرب الستينيات، والتى وصل بالبعض إلى تحميلها مسؤولية هزيمة 1967 أمام إسرائيل, فقد انتهج عبد الناصر سياسة محاربة الأنظمة الملكية، التى أطلق عليها النظام الناصرى وقتها "الأنظمة الرجعية"، وأخذت مصر على عاتقها فى ذلك الوقت بالقضاء على هذه الأنظمة بكل الوسائل، حتى إذا تطلب الأمر المساعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية لها، فضلا عن نشر المد الثورى فى أرجاء الوطن العربى، ومد ذلك إلى إفريقيا فى بعض الحالات, واستمرت المواجهات المسلحة فى حرب "اليمن الأولى" لأكثر من 4 سنوات، دون غالب ولا مغلوب، بين فريقين الأول موالٍ للملكية هناك، والثانى يقف مع ثورة الجيش، وبذلك تحولت حرب اليمن إلى حرب استنزاف مفتوحة وقاسية ليس فقط للاقتصاد المصرى، ولكن أيضاً للقوات المسلحة, نعم هناك اختلاف، ولكن الفأل السيئ لحرب اليمن الأولى، سيظل يطارد الجميع, وان مشاركة مصر في الحرب ضد الحوثيين في اليمن تعني معادات ايران, وهذا ما قد يؤدي الى قلب طاولة التحالفات في المنطقة بشكل عام. دوليا, هناك عدد من المحاولات الروسية فى مجلس الأمن ، والراغبة فى الإتجاه للحل السلمى والتفاوض ، وهو ما ستؤول إليه الأمور قريبا ، اذ ان روسيا حليف جديد، يرسم شكل تواجده فى المنطقة العربية بخطوات حثيثة لكنها واثقة، وموقف موسكو واضح جدا من عملية "عاصفة الحزم" فهى ترفضها جملة وتفصيلًا، نظرا لعلاقتها الراسخة والقوية بإيران ,حتى بعد اتفاقها النووى مع أمريكا، وقدمت روسيا، فى مجلس الأمن الدولى، مشروع قرار يلزم تحالف "عاصفة الحزم" بتطبيق "وقفات إنسانية" فى قصفه على اليمن، لإجلاء المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية, وان العديد من الدول في الشرق الاوسط قد لا تشارك في تخوض حرب على غير رغبة الروس حتى ان مندوب السعودية فى الأمم المتحدة عبدالله المعلمى، أعلن أن بلاده مستعدة لبحث مقترح موسكو، مؤكدا أن الرياض تشاطر روسيا قلقها بشأن الوضع الإنسانى فى اليمن، مشيرا إلى ضرورة بحث آلية تنفيذ المقترح الروسى مع أطراف مختلفة, وأوضح أنه يجب مناقشة المقترح الروسى بصيغة ثنائية وبوساطة الأمين العام للأمم المتحدة، لافتا إلى أن الرياض تجرى حاليا محادثات مع موسكو بشأن مشروع قرار خليجى حول الوضع فى اليمن, وهذا يعني ان لروسيا دور وموقف يجب اخذه في الحسبان في أي عملية في الشرق الاوسط. ختامآ ،ان التحالف العربي في طريقه للتصدع, وان خيار المفاوضات والسلام هو الانجح والانجع في هذه المنطقة , اذ ان من يشعل الحرب فيها لا يتوقع متى وكيف نهايتها،فالمرحلة لم تعد تحتمل وجود مزيد من ألأنقسام والتفتيت والتمزيق لهذه ألامة جغرافيآ وديمغرافيآ، وهذه دعوة الى النظام السعودي الذي يجر اليوم المنطقة وألامة بأكملها نحو الأنتحار التدريجي الى التعقل بأفعاله وقراءة الواقع بحكمة وبمنطق الواقع والاحتكام الى العقل بدل التصرفات ألانفعالية وردات الفعل المتسرعة .
التعليقات