هل تهدد أزمة انتخابات إقليم كٌردستان مستقل حكومة السوداني؟

إنَّ تنظيم انتخابات برلمانية في إقليم كردستان العراق لسد الفراغ الدستوري والخروج من أزمة الشرعية التي تتهدد سلطاته بسبب انتهاء المدّة القانونية لبرلمانه، بدأ يتحول إلى معضلة بعد قرار أحد أهم الأطراف السياسية في الإقليم؛ الحزب الديمقراطي الكردستاني، عدم المشاركة في الانتخابات القادمة احتجاجًا على تعديلات المحكمة الدستورية العراقية على القانون الانتخابي. إذ فجّر الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يتزعمه مسعود بارزاني يوم الاثنين الماضي، مفاجأةً من العيار الثقيل بعد إعلانه عدم المشاركة في الانتخابات المحلية بإقليم كردستان، المقرر إجراؤها في يونيو (حزيران) المقبل، وتلويحه بالانسحاب من مجمل العملية السياسية. ويأتي هذا القرار بسبب احتجاج الحزب الديمقراطي على ما اسماء بالتدخل غير الدستوري من قبل المحكمة الاتحادية، التي بدورها قامت بتأجيل انتخابات الاقليم عدة مرات؛ بسبب شكاوى أطراف كردية على قانون الانتخابات في الإقليم. إذ حسمت المحكمة الاتحادية العليا في العراق خلافًا كرديًا داخليًا بين الحزبين الكرديين (الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني) بشأن قانون الانتخابات في إقليم كردستان العراق حول نقطتين مهمتين: أولاهما المادة المتعلقة بكوتا المكونات (المسيحيين والتركمان والأرمن)، إذ ألغت المحكمة 11 مقعدًا كانت مخصصة لهذه المكونات، التي أُقرت بموجب قانون انتخابات الإقليم الصادر عام 1992، المتكون من 111 مقعدًا؛ وهي ذات المقاعد التي كانت نقطة الاختلاف الرئيسة بين الحزبيين الكرديين، إذ يتهم "وبشكل دائم" حزب الاتحاد الوطني غريمه التقليدي الحزب الديمقراطي الوطني، بأنه دائمًا ما يستثمر تلك المقاعد لصالحه وضد منافسيه والقرارات البرلمانية المهمة. كما أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في وقت سابق قرارًا بعدم دستورية تمديد برلمان الإقليم وبطلان جميع قرارته. بناءً على الدعوى التي رفعها يوسف محمد -الرئيس الأسبق لبرلمان الإقليم (2014-2015) وعضو مجلس النواب الاتحادي السابق-ضد رئيس برلمان كردستان في العام الماضي؛ بسبب تمديد فترة البرلمان، ثم تبعها تحالف الجيل الجديد بدعوى مشابهة. وتضمنت الدعوى المطالبة بالحكم بعدم دستورية قانون استمرار الدورة الخامسة لبرلمان كردستان العراق، بسبب مخالفته 6 مواد من دستور الإقليم. أما النقطة الثانية: فقد قررت المحكمة إجراء الانتخابات في 4 دوائر انتخابية بدلًا من الدائرة الانتخابية الواحدة كما كان في القانون السابق، وكان هذا الخلاف بين الحزبين الرئيسيين سببًا في تأخير إجراء انتخابات برلمان الإقليم لأكثر من سنتين. فضلًا عن جملة قرارات أخرى اتخذتها المحكمة الاتحادية بذات الشأن، ولاسيما فيما يتعلق بتوطين رواتب موظفي الاقليم في المصارف الحكومة الاتحادية وقانون النفط والغاز؛ الأمر الذي دعى الحزب الوطني الديمقراطي وزعيمه مسعودي بارزاني إلى مقاطعة انتخابات الإقليم، والتهديد بالانسحاب من الحكومة الحالية والعملية السياسية، وهو ما يشكل تهديد كبير على تحالف إدارة الدولة، وورقة الاتفاق السياسي التي تشكلت بموجبها الحكومة الحالية، فضلًا عن ما يشكله من تهديد كبير على مستقبل  حكومة السيد السوداني والعملية السياسية برمتها.  

فقد أصدر الحزب الديمقراطي بيانًا ضَّمن فيه ما أسماه بخروقات المحكمة الاتحادية ضد اقليم كردستان، معترضًا على قيام المحكمة الاتحادية بتعديل المحاور الأساسية المهمة لقانون انتخاب برلمان كردستان، وذلك في المواد الخاصة بتحديد نظام الدوائر الانتخابية، وكوتا المكونات وعدد المقاعد والجهة المشرفة على الانتخاب والجهة المختصة بالبت في الطعون، في إشارة إلى قرار المحكمة الاتحادية بإلغاء عمل مفوضية انتخابات كردستان، واستبدال المفوضية العليا للانتخابات بها لإدارة الانتخابات في الإقليم. وفي الاعتراض الآخر، وجد بيان الحزب أن قرار المحكمة الاتحادية في إقصاء السلطة القضائية في الإقليم عن البت في الطعون الانتخابية وإناطة هذه الصلاحية إلى هيئة قضائية تتبع مجلس القضاء الأعلى الاتحادي، فيه تجاوز خطير على السلطة القضائية في الإقليم. إذ يرى الحزب الديمقراطي بأن القرارات المتتالية للمحكمة الاتحادية العليا، حسب بيان الحزب الديمقراطي تشكل «انتهاكاً لمبدأ الفصل بين السلطات، فقد وضعت المحكمة الاتحادية نفسها مقام السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأناطت لنفسها من السلطات والصلاحيات مالم ينص علیە الدستور، خصوصًا حينما قررت إلغاء قانون النفط والغاز لإقليم كردستان». أما صاحب الشكوى الاتحاد الوطني الكردستاني فقد كان موقفه مخالفًا لذلك، وجاء على لسان متحدثه الرسمي سعدي بيرة أن "قرار المحكمة بشأن قانون الانتخابات يصب في مصلحة جميع الأحزاب، ويُمكّن المكونات من المشاركة في الانتخابات والتحالف مع الأحزاب الأخرى".

إنَّ عدم مشاركة الحزب الديمقراطي في الانتخابات القادمة في الاقليم، تطرح شكوكًا كبيرة حول اجراء الانتخابات من عدمها؛ الامر الذي يزيد من حالة الانقسام الكردي – الكردي، وما يمكن أن يصل إليه على المستوى الاتحادي والعلاقة بين المركز والإقليم. ولاسيما أن الحزب الديمقراطي، قد هدد بتصعيد يتجاوز مجرّد عدم المشاركة في انتخابات برلمان الإقليم إلى الانسحاب من العملية السياسية برمّتها قائلًا "نضع أطراف تحالف إدارة الدولة أمام مسؤولياتهم الوطنية في تطبيق الدستور وجميع بنود الاتفاق السياسي والإداري الخاصة بتشكيل الحكومة الحالية برئاسة محمد شياع السوداني، وبعكس لا يمكننا الاستمرار في العملية السياسية". ولاسيما أن الحزب قطع خطوة عملية باتجاه الانسحاب من المؤسسات الاتّحادية، بعد أن أعلن القاضي عبد الرحمان زيباري انسحابه من المحكمة الاتحادية العليا احتجاجًا على قراراتها الأخيرة بشأن الإقليم. بموازاة ذلك، فقد حمّل المستشار الإعلامي لرئيس الحزب الديمقراطي كفاح محمود، قوى الإطار التنسيقي مسؤولية "عدم الإيفاء بشروط اتفاق تشكيل الحكومة، بضمنها تنفيذ المادة 140 المتعلقة بكركوك وتشريع قانون النفط والغاز، وتشكيل محكمة اتحادية دستورية". مهددًا بانسحاب الحزب من العملية السياسية بقوله: «ما لم يتم إعادة النظر بكل ذلك، أعتقد أن الحزب الديمقراطي سينسحب، وسيؤدي ذلك إلى انسحاب مكونات أخرى من العملية السياسية، وبالتالي إمكانية انهيارها بالكامل". ولعل قرار الحزب الديمقراطي بعدم المشاركة في الانتخابات، أحدث هزة سياسية على المستوى المحلي بين الاقليم والمركز، وكذلك على المستوى الإقليمي والدولي؛ الأمر الذي استدعى تدخل السفارة الأمريكية وبعثة الأمم المتحدة على خط الأزمة، إذ عبّرت السفارة الأمريكية في العراق عن قلقها حيال إعلان مقاطعة " الحزب الديمقراطي". وقالت السفيرة إيلينا رومانسكي، عبر تدوينة في موقع «إكس»: "نشعر بالقلق إزاء إعلان (الديمقراطي الكردستاني) مقاطعة انتخابات إقليم كردستان العراق". وحثّت السفيرة بدروها الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان على "ضمان أن تكون الانتخابات حرة ونزيهة وشفافة وذات مصداقية، وأن يكون لجميع مواطني إقليم كردستان العراق صوت في تحديد مستقبلهم". بموازاة ذلك، أعربت بعثة الأمم المتحدة عن تخوفها من أن يتسبب قرار الانسحاب في مأزق بانعكاسات سلبية على الإقليم. ودعت الأطراف إلى "العمل من أجل مصلحة الشعب، وبالتالي التوصل إلى حلول، بدلاً من مأزق آخر يطول أمده". لكن البعثة الدولية رأت أن إجراء الانتخابات في موعدها المقرر في 10 يونيو المقبل أمر ضروري. 

وعلى الرغم من الاعتراضات التي يواجهها قرار الحزب الديمقراطي من واشنطن والأمم المتحدة ودول غربية أخرى وبقية الشركاء السياسيين في الإقليم وبغداد، إلا أن السيناريو لم يتضح بعد، فيما اذا كان الحزب سيعدل عن قراره ويشارك في الانتخابات أم سيتم تأجيلها إلى وقت آخر، أو سيبقى الوضع على ما هو عليه، أو أن يتم ربط محافظات الإقليم بالحكومة المركزية، بموازاة ذلك، يعتقد البعض، بأن الأزمة الحالية، هي تطور في مستوى الصراع بين قوى الإطار التنسيقي والحزب الديمقراطي، لما يراه الأخير من تنصل في اتفاقات تشكيل الحكومة، وبين ما يريده الإطار من اخضاع الاقليم للحكومة الاتحادية وهناك من يفسرها للإرادة الإيرانية. 

خلاصة القول، إنًّ الأزمة المستدامة بين المركز والإقليم بشكل عام، والأزمة الحالية بشكل خاص، أشرت وتؤشر "بشكل دائم" الى الخلل البنيوي في النظام السياسي القائم في العراق، وهي قائمة ومستمرة بموازاة استمرارية النظام السياسي، وهي بذات الوقت تحدِ كبير سيواجه حكومة السيد السوادني والعملية السياسية برمتها، بالتزامن مع مؤشرات واعتراضات بعض الأحزاب السنية، ومقاطعة بعض القوى السياسية الشيعية الفاعلة للعملية السياسية؛ فضلًا عن حالة الانقسام التي تعيشها قوى الإطار التنسيقي فيما بينها، ولاسيما بعد انتخابات مجالس المحافظات وتشكيل مجالسها؛ الامر الذي من شأنه أن يودي بالحكومة الحالية بانتخابات مبكرة، ويصار إلى عقد مجتمعي وسياسي جديد، او تعديل دستوري جديد، يعيد رسم شكل النظام السياسي وطبيعته على مستوى البلد، ويضع صورة واضحة للعلاقة بين المركز والإقليم، ولاسيما في ظل التشوهات والاخطاء السياسية الكبيرة التي ارتكبتها القوى والاحزاب السياسية العراقية في إدارة الدولة على مدار العشرين سنة الماضية.

التعليقات