الواسطة في التعيين والإدارة العراقية: عندما تتراجع الكفاءة أمام العلاقات

الواسطة في التعيين والإدارة العراقية: عندما تتراجع الكفاءة أمام العلاقات

يُنظَر إلى الكفاءة الإدارية على أنها من أهم الأسس التي تقوم عليها المؤسسات الناجحة، إذ تعتمد قدرة أي دولة على تحقيق أهدافها التنموية بدرجة كبيرة على مدى قدرتها على وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، فالمؤسسة التي تقوم على اختيار الموظفين والقيادات وفقًا للمؤهلات والخبرة والقدرة على الإنجاز تكون أكثر قدرة على تقديم الخدمات وتحقيق أهدافها، بينما يؤدي اعتماد معايير غير مهنية في التعيين والترقية إلى إضعاف الأداء المؤسسي وإهدار الموارد البشرية.

الواسطة والمحسوبية في العراق عند طلب التعيين هي واحدة من القضايا التي تستحق البحث والنقاش، لما يمكن أن تتركه من آثار تتجاوز الفرد والمؤسسة لتصل إلى الاقتصاد والمجتمع، فعندما تصبح العلاقات الشخصية أو الاجتماعية عاملًا مؤثرًا في الحصول على الوظيفة أو الوصول إلى منصب إداري، فإن معيار الكفاءة قد يتراجع أمام معايير أخرى لا ترتبط بالقدرة الفعلية على أداء العمل، ولا تقتصر المشكلة هنا على حصول شخص غير مؤهل على وظيفة، بل تتمثل في خسارة المؤسسة فرصة الاستفادة من شخص آخر يمتلك مهارات وقدرات أفضل.

وتزداد أهمية هذه القضية في ظل ارتفاع المنافسة على فرص العمل بسبب البطالة، ناهيك عن الحاجة إلى إصلاح الجهاز الإداري وتحسين إنتاجية المؤسسات العراقية. فالإدارة الحديثة لا تستطيع تحقيق أهدافها من خلال الموارد المالية والتكنولوجيا وحدهما، وإنما تحتاج إلى رأس مال بشري نوعي ومستدام يتم اختياره وتطويره وفق معايير واضحة وعادلة.

لهذا فإن معالجة ظاهرة الواسطة لا تعني فقط مكافحة ممارسة اجتماعية أو إدارية ضارة، بل تمثل جزءا من مشروع أوسع لإصلاح المؤسسات وتحسين أدائها، وتعزيز العدالة الوظيفية في المجتمع، ورفع الإنتاجية إلى مستويات عالية، وربط المسؤولية بالقدرة والكفاءة.

الواسطة وتأثيرها في مبدأ تكافؤ الفرص

يقوم مبدأ تكافؤ الفرص على منح الأفراد إمكانية الوصول إلى الوظائف والمناصب وفق معايير معلنة وموحدة، بحيث تكون المنافسة قائمة على المؤهلات والخبرة والقدرة على الإنجاز، وحينما تدخل الواسطة في عملية التعيين أو الترقية، فإن هذا المبدأ يتعرض للاختلال، لأن الشخص الذي يمتلك علاقات أقوى قد يحصل على فرصة لا يحصل عليها شخص آخر يمتلك مؤهلات أفضل.

ولا تقتصر آثار ذلك على الأشخاص الذين حُرموا من فرصهم الت يستحقونها أكثر من غيرهم، بل تمتد إلى المؤسسة نفسها لأن اختيار الموظف على أساس غير مهني قد يؤدي إلى وضع أفراد بلا مهارة في وظائف لا تتناسب مع تخصصاتهم أو قدراتهم الضعيفة في هذا التخصص أو المهنة، وقد ينتج عن ذلك انخفاض الإنتاجية، وزيادة الأخطاء، والحاجة إلى التدريب المستمر، فضلًا عن تحميل الموظفين الأكفأ أعباء إضافية لتعويض ضعف الأداء لغير المناسبين القادمين عبر الواسطة.

الواسطة والإدارة: عندما يصبح المنصب أكبر من قدرات صاحبه

تزداد خطورة الواسطة عندما لا تقتصر على الوظائف الاعتيادية، بل تمتد إلى المناصب الإدارية والقيادية. فاختيار مدير أو مسؤول لا يمتلك الخبرة والمهارات المطلوبة يمكن أن يؤثر في مجموعة كاملة من الموظفين، لأن القرارات التي يتخذها المسؤول تنعكس على أداء المؤسسة بأكملها، فالمدير غير المناسب قد يفتقر إلى القدرة على التخطيط، أو إدارة الموارد البشرية، أو اتخاذ القرار، أو التعامل مع الأزمات. وفي المقابل، قد يمتلك موظف آخر المؤهلات والخبرة التي تؤهله للقيادة لكنه لا يحصل على الفرصة بسبب غياب العدالة في الاختيار.

وهنا تتحول المشكلة من مجرد تعيين فرد غير مناسب إلى مشكلة مؤسسية، لأن ضعف القيادة يمكن أن يؤدي إلى ضعف التخطيط، وسوء توزيع الموارد، وتأخر تنفيذ المشاريع، وتراجع رضا الموظفين، ومن ثم انخفاض مستوى الإنتاجية بشكل عام، وبالتالي انخفاض مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، وهي نتيجة تتحملها ظاهرة التعيين بالواسطة وليس بالكفاءة.

الآثار الاقتصادية للواسطة

قد تبدو الواسطة في ظاهرها قضية إدارية، إلا أن آثارها الاقتصادية يمكن أن تكون كبيرة. فالمؤسسات التي لا تعتمد على الكفاءة تهدر جزءًا من مواردها البشرية، وتتحمل تكاليف إضافية نتيجة انخفاض الإنتاجية والأخطاء الإدارية وضعف جودة الخدمات، كما أن ضعف مبدأ الاستحقاق يمكن أن يؤثر في سوق العمل، خصوصًا عندما يشعر الشباب بأن الحصول على الوظيفة يعتمد على العلاقات أكثر من المؤهلات. وقد يؤدي ذلك إلى تراجع الحافز على تطوير المهارات والتعليم والتخصص، لأن الفرد قد يرى أن امتلاك الشهادة أو الخبرة وحده لا يضمن حصوله على فرصة مناسبة.

وتحتاج الدولة من منظور اقتصادي إلى استثمار مواردها البشرية بأعلى كفاءة ومهارة ممكنة، فالمهندس الذي يعمل في مجال بعيد عن تخصصه، أو الإداري الذي يشغل منصبًا لا يمتلك متطلباته ولا القدرات المطلوبة لقيادته، يمثل استخدامًا غير فعال لرأس المال البشري، في الوقت الذي تحتاج فيه المؤسسات إلى توظيف كل طاقاتها لتحقيق النمو والتنمية.

أبرز المعوقات أمام الحد من الظاهرة

تكمن إحدى أبرز المشكلات في ضعف بعض آليات التقييم والاختيار، وعدم وضوح معايير المفاضلة في بعض الوظائف والمناصب، كما أن غياب الشفافية في بعض الإجراءات يجعل من الصعب على المتقدمين معرفة أسباب قبول شخص ورفض آخر، ومن المعوقات أيضًا مقاومة التغيير داخل بعض المؤسسات، إذ قد تستفيد بعض الأطراف من استمرار الأساليب التقليدية في الإدارة، ويضاف إلى ذلك ضعف أنظمة قياس الأداء التي تسمح بتحديد الموظف الأكثر كفاءة بصورة موضوعية، فضلًا عن الحاجة إلى تعزيز الرقابة والمساءلة الإدارية.

أهمية وأهداف تعزيز الكفاءة في الإدارة العراقية

إن اعتماد الكفاءة معيارًا أساسيًا في التعيين والترقية يحقق مجموعة من الأهداف المهمة، ومن أبرزها رفع إنتاجية المؤسسات، وتحسين جودة الخدمات العامة، وتعزيز ثقة الموظفين والمواطنين بالمؤسسات. كما يساعد على استثمار الطاقات البشرية بصورة أفضل، وتشجيع الموظفين على تطوير مهاراتهم، وربط الترقية والامتيازات بمستوى الأداء والإنجاز، ويهدف هذا التوجه أيضًا إلى بناء ثقافة مؤسسية تقوم على الاستحقاق بدلًا من العلاقات الشخصية، بحيث يشعر الموظف بأن تطوره الوظيفي يعتمد على ما يقدمه للمؤسسة من قيمة حقيقية.

الحلول والمقترحات

أولًا: ينبغي اعتماد معايير واضحة وشفافة في التعيين والترقية، وربط الاختيار بالمؤهلات والخبرة والاختبارات المهنية، مع الإعلان عن شروط المنافسة بصورة واضحة.

ثانيًا: تطوير أنظمة تقييم الأداء داخل المؤسسات الحكومية، بحيث تصبح نتائج التقييم عنصرًا أساسيًا في الترقيات والمكافآت والمناصب الإدارية.

ثالثًا: تقليل التدخلات الشخصية في إجراءات التعيين من خلال توسيع استخدام الأنظمة الإلكترونية في استقبال الطلبات وفرزها وإجراء الاختبارات، بما يقلل من فرص التأثير الشخصي.

رابعًا: تعزيز الرقابة والمساءلة داخل المؤسسات، ومعالجة حالات التلاعب بالإجراءات الإدارية بصورة قانونية ومؤسسية، مع حماية حق الموظف في الاعتراض والتظلم.

خامسا: نشر ثقافة الكفاءة والاستحقاق في المؤسسات التعليمية والإدارية والإعلامية، وإبراز النماذج الناجحة التي وصلت إلى مواقعها المهنية نتيجة العلم والخبرة والإنجاز.

إذن فإن مشكلة الواسطة في التعيين والإدارة لا تتعلق فقط بعدالة حصول الأفراد على الوظائف، بل ترتبط بكفاءة الدولة وقدرتها على استثمار مواردها البشرية وتحقيق التنمية. فالمؤسسة التي تضع الكفاءة في مقدمة معايير الاختيار تكون أكثر قدرة على الإنتاج والتطور. 

بينما يؤدي تراجع معيار الاستحقاق إلى إضعاف الأداء وإهدار الطاقات. لذلك، يحتاج العراق إلى تعزيز الشفافية، وتطوير أنظمة التعيين وتقييم الأداء، وربط المناصب بالخبرة والقدرة على الإنجاز. إن بناء إدارة عراقية تقوم على الكفاءة لا يعني إلغاء الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية، بل يعني وضع المصلحة العامة والاستحقاق المهني فوق العلاقات الشخصية، بما يسهم في بناء مؤسسات أكثر قوة وعدالة وكفاءة.

حسين علي حسين

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!