كيف نواجه الإرهاب؟

تحرير وتقديم د.أحمد باهض تقي

المشـــاركون

د. محمد إبراهيـم المصبح د. كريـم ضمد الفتلاوي صـلاح جبيــر البصيصي

 خـــالد عليـوي العرداوي ســـليم فرحـان جيثــوم عمران كاظم الكركوشي سليـــمة سلطـان نـور

مقدمة

 حقيقة ترمي بثقلها في الواقع العربي- الإسلامي ألا وهي أن ذلك الواقع يمر بظروف هي الأكثر تعقيداً عبر الزمان، وإن مرت الأمة الإسلامية بظروف سابقة أعقد منها، إلا أن الوسائل والآليات المتبعة في عصرنا الراهن تجعل من تلك الظروف هي الأخطر، وهذه الظروف هي التي نجحت واقترنت بمظاهر شديدة، الواقع تكاد بمخرجاتها أن تجعل من الشعوب هي الضحية الأكبر والوحيدة منها، وما الإرهاب وأخطاره، وما يصاحبه من إقصاء للآخر وتكفير للأفكار، وإقحام سيء للإسلام فكراً وممارسة إلا مظهراً أساسياً للواقع العربي- الإسلامي . وبعيداً عن الخواص في التفاصيل، لا يمكن القول قطعاً أن ظاهرة الإرهاب هي ظاهرة دخيلة في المجتمع الإسلامي، بل إن لها أسبابها ومبرراتها التي ضربت بشراكها وشباكها دائرة مغلقة على العقل العربي- الإسلامي. كما أن الأسلوب غير الصحيح في مواجهة هذه الظاهرة قد أدى إلى نتائج عكسية، ومن هنا فأن أي خطر، يحتاج إلى تكاتف موقفي، كي تستمر الحياة ويتم إبعاد شبح الموت عن الفقراء وعامة الشعب والذي أصبح يستهدفهم في كل مكان ولكن الحقيقة هي انتظار موقفي متناثر . إن الجماعات الإرهابية وإن كانت تدعي لنفسها استهدافها لأعداء سياسيين احتلوا العراق ويماطلون في إعطاء الحقوق للشعب الفلسطيني ويعرقلون التنمية في البلدان الإسلامية إلا أن ذلك لا يبرر قتلهم للناس عموماً تحت ذلك المسمى. أمام كل ذلك، نجد أنفسنا جميعاً أمام موقف اختياري، سواء شعوب البلدان العربية والإسلامية أو تلك الجاليات التي تعيش في البلدان الغربية، فبين نفي المهمة عن أنفسنا، أو السكوت على تلك الأعمال والأفعال، ذلك أن أولئك الذين يرتكبون تلك العمال والأفعال يعبرون عن أنفسهم أفضل تعبير، سواء في عدائهم أو في الميكانزم التي تحركهم وتحك عقولهم بحيث أن أعمالهم تحمل دائماً توقيعاتهم، ومن هنا احتجنا جميعاً إلى مجتمعات عربية- إسلامية وكذلك الجاليات في العواصم الغربية تحت مجهر الاختيار، بل إننا أمام امتحان مفاجئ لطبيعة وحقيقة ثقافتنا وموقفنا من أعمال قتل المدنيين الأبرياء . ومن هنا تصبح السلبية والوقوف والتعامل مع هذه الأعمال بمسافة وهمية، يعني بالنسبة لشعوب العالم الأُخرى لأننا نقبل بوصاية الإرهابيين علينا، وإننا نشجع أعمالهم وحركاتهم، وبعيداً عن السلوك المتحضر الذي يجب أن يكون والذي يرافقه ضرورة ملحة للحفاظ على الحياة، من المهم أن ندرك أن الخطر أصبح لصيقاً بكل فرد ينتمي إلى العالم العربي- الإسلامي . ومن هنا يصبح لازماً علينا التمتع بأبسط مظاهر الوعي بخطورة استمرار طوفان الإرهاب وإقامة سد منيع وإعلان موقف مبدئي يناصر سلامة الإنسان باعتباره عنصر الحياة وأينما كان وهذا يحتاج إلى إجراءات عملية وملموسة وسريعة يتم تبنيها من قبل مؤسسات الحكم والمجتمع المدني وأجهزة الإعلام، يرافقها صراحة وشعور أكبر بالمسؤولية بعيداً عن المتاجرة بالموقف . من هنا جاءت هذه الورشة بفصولها المختلفة لتعبر عن ماهية هذه الظاهرة وآلياتها، مع الأخذ بنظر الاعتبار النموذج العراقي .

مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية

الإرهاب

                   موروث الأمس.. بلباس عصري                  

 د.احمد باهض تقي*

 تقديم

يقف المتأمل مرتبكا بشدة في تحليله للظاهرة الإرهابية التي أخذت بالتزايد والاتساع والتي تجسدها المجاميع والتنظيمات التي تستخدم العنف في محاولتها لتحقيق أهدافها، ولا تقل الأنظمة السياسية المنتشرة على خارطة العالم العربي – الإسلامي عن تلك التنظيمات والمجاميع تجسيدا لتلك الظاهرة، بل يمكن القول أنهما صنوان لا يفترقان وان تضادا في الأسلوب والآليات والأفكار.

والشيء الذي يبرز ويطرح عناوين لافته للرؤية، ألا وهو أن الحديث عن هذا الموضوع وتحليله لا يتم بصورة حياديه، أو بشكل يحدد فيه أسباب هذه الظاهرة، كما أن الطروحات النظرية والآليات المتبعة في المعالجة أخذت هي الأخرى في توسيع دائرة هذه الظاهرة، و ما يعطي صورة جديرة بالاهتمام هو ذلك النفاق السياسي إن جاز لنا التعبير والذي تتمتع به الكثير من الشخصيات والأنظمة السياسية المتصدية لهذه الظاهرة، مما جعلها تفقد الكثير من المصداقية أمام شعوبها، فالخطاب الذي تتمتع به هزيل، وتستبعد الكثير من أسباب المشكلة وتجعل منها نتائج محتملة الوقوع للظاهرة .

وتنسى أو تتناسى ما هو موجود ومستشري في الواقع العربي الإسلامي الذي يتجسد فيه:

· غياب كبير لحقوق الإنسان وتهميش واضح لدوره في البناء والتنمية .

· فساد إدارة الحكم سواء في الحقل السياسي أم في الحقل الاقتصادي .

· الاستبداد والتسلط مع كبت للحريات السياسية والمدنية للشعوب .

· انتشار حلقات الفقر والجوع مع تدني كبير للمستويات المعيشية .

· غياب الممارسات الديمقراطية وضعف المشاركة السياسية والمجتمعية .

قد ألقى ذلك بظلال قاتمة وسوداء على الواقع الاجتماعي في البلدان العربية – الإسلامية، مما افقد المجتمعات فيها الرغبة في الابتكار والإبداع وانعكس ذلك في ضعف شامل في الجوانب المعرفية وانهيار في البنى التعليمية والثقافية، مما أدى إلى إفراغ هذه البلدان من كفاءاتها .

ومن هنا فأننا عندما نوجه اللوم للجماعات المسلحة في أنها تسلط جام غضبها على القطاعات المدنية والإنسانية، علينا إن نكون منصفين مع أنفسنا بان تلك الجماعات ما كانت لتنمو وتزدهر لولا وجود المبررات المقنعة للآخرين المتمثلة بـ:

· هيمنة الأنظمة السياسية المستبدة .

· الوجود الأجنبي في العالم العربي – الإسلامي .

وعندما نتحدث عن الإرهاب كظاهرة بدءا، فان ثمة شيء ينكره العقل وخصوصا في العراق، إذ هناك شيئا إنسانيا للغاية في ذلك الإنكار، فالبعض لا يكاد يتصور ولو أمكانية استيعاب حقيقة أن هناك الكثير من الشباب المسلمين والعرب ينخرطون في هذه الجماعات والتنظيمات ويقومون بهذه المجازر الجماعية، لان ذلك التصور يقودهم أن لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يقود مفهوم العروبة أو الدين الإسلامي إلى ذلك الحال، ولذلك نلاحظ أن الإنسان في العالم العربي، كائن من يكون انتمائه أو قوميته أو شريحته، يحاول أن ينسبها إلى اشد الخصوم عداوة ألا وهي الصهيونية العالمية، وبالرغم من نبل هذا الإنكار لأنه في ذلك يستند إلى تحليل أنساني وأخلاقي للإسلام والوطنية والعروبة، ولكن هذا الموقف والتحليل ينافي الواقع والحقيقة كثيرا وطويلا .

وأمام ذلك الواقع لا يمكن لنا تجاوز الحقائق التي لا يمكن حجبها بغربال التبريرات السياسية غير المنطقية، فكل الذين دافعوا وبرروا لأحداث 11 أيلول 2001، والأعمال الإرهابية التي حصلت في مناطق مختلفة من العالم، يقفون اليوم بالضد دون أي تردد، وعندما وصلت تلك الإعمال إلى ديارهم نددوا فيها ، وبنفس الوقت يحاولون أن يجدوا مخرجا لمواقفهم السابقة تحت عنوان إن تلك الإعمال ما كانت لتقع لولا الظلم الدولي للعرب والمسلمين ، وبالرغم من أن العقل العربي– الإسلامي يبدو مشوشا ، أمام العديد من الضربات الموجعة التي توجهها هذه التنظيمات للولايات المتحدة الأمريكية والعديد من الأنظمة السياسية المتحالفة معها، إلا إن ذلك العقل يقف حائرا أمام تلك المجازر المروعة والجرائم الكبرى التي ترتكب ضد الناس الأبرياء وتصويرها وكأنها حرب بريئة ضد الاستبداد والظلم .

من هنا يبرز التساؤل واضحا، هل أن الدين الإسلامي بما تصوره هذه التنظيمات يخلق قاعدة فكرية منظمة تبرر تلك الأفعال والأعمال ؟

الحقيقة أن الإجابة على هذا التساؤل تتوافر على عنصري البساطة و الإشكالية، إذ إننا إذا نظرنا إلى التاريخ الإسلامي الذي يشكل العرب فيه محوراً أساسياً فإننا نجد أن الكثير من الصفحات الدموية قد اتشح بها ذلك التاريخ بعيداً عن مبادئه وأُسسه وقرآنه العظيم وسنة نبيه الأكرم محمد (صلى الله عليه واله وسلم)، فمنذ وفاة الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) حصلت أحداثاً كبرى تجاوزت معطياتها الكثير من تلك المبادئ والأُسس، وتمكنت بنتائجها أن تغير المسار الحقيقي لما أراده الله (سبحانه وتعالى) من أن يكون الإسلام ديناً للأُمم والشعوب في كل أنحاء العالم (وما بعثناك إلا رحمةً للعالمين)، وتلك كانت بحق مخالفة كبرى لإرادة الله سبحانه، وتتالت الأحداث والصراعات السلطوية على الحكم في الفترة التي أعقبت استشهاد الخليفة والوصي الإمام علي (عليه السلام) ليبدأ عندها عصراً جديداً من الإمبراطورية ألا وهي الدولة الأموية التي جعلت من الخلافة التي أدعت إنها وريثة شرعية لها مجرد سلطنة، تلك الدولة التي كانت من ممارساتها وآليات تطبيق الحكم فيها بما تعنيه اليوم (إنها إرهابية) ويكفيها فخراً بأنها ارتكبت أبشع جريمة بحق الدين الإسلامي ونبيه الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ألا وهي مذبحة عاشوراء .

وبالرغم من الإنجازات الدنيوية التي يسطرها بعض المؤرخين لهذه الدولة المستبدة والتي آل الله سبحانه وتعالى أنه لا تعمر طويلاً جداً، إلا أنه يمكن القول إنها قد وضعت أساساً عملياً لما نجنيه اليوم من مجازر ودماء وعنف وتمزيق للصف الإسلامي وإساءة إلى مبادئ الدين الإسلامي أمام شعوب العالم، ولذلك فعندما جاءت من بعدها الدولة العباسية لم تبتعد كثيراً عن تلك الأساليب والآليات، وصناعة الإرهاب، بل إنها يكفيها فخراً بأن مؤسسها وسلطانها الأول يلقب (بالسفاح)، وعندما يطرح اليوم هذا التحليل وفقاً لما وصل إليه حال الإسلام والمسلمين بفعل هذه المسالك والوسائل، وما نجم عن ذلك من تشكيل سيء لصورة المسلم والإسلام والعربي على وجه التحديد عند شعوب العالم الأُخرى، فإن تلك الجماعات والأنظمة السياسية المستبدة التي ترعاها أو تجد لها المبرر في هذا التواجد على الساحة السياسية والاجتماعية، سوف تعمل جاهدة على إلصاق أشد النعوت والصفات سواءً بمن يقف موقف الضد منها، ولا تتردد لحظة في أن تستخدم القوة والعنف ضده ، والأمثلة على ذلك ليس لها حصر. 

ومن هنا نجد أن الإسلام بمبادئه السمحاء لم يعطي ولا مبرر واحد في استخدام العنف والقسر ضد الآخرين (لا إكراه في الدين)، ولكن سلوكيات السلاطين ووعاظهم على مر التاريخ الإسلامي هي التي رسخت الكثير من الممارسات الإرهابية في المجتمع الإسلامي وجعلت منها نسقاً من القيم والتقاليد .

ولا غرو إذا قلنا، أن الكثير من علماء الإسلام قد تصدو لتلك الظاهرة التي زرعت زرعاً في المجتمع الإسلامي، ولعل إسهامات الأزهر الشريف والنجف الأشرف وكربلاء المقدسة ممثلة بأولئك العلماء المجددين الذين أماطو اللثام عن حقيقة الإسلام الناصعة، ويكفي الحوزة العلمية الشريفة في كربلاء المقدسة شرفاً بأن  عالمها الأبرز الإمام محمد الشيرازي (قدس سره) قد كتب نظرية متكاملة حول (اللاعنف في الإسلام) كما أن الفتاوي المتلاحقة التي يصدرها كل من الأزهر الشريف وعلماء المسلمين حول ضرورة حقن الدماء وحرمة قتل الأبرياء قد أسهمت إسهاماً فاعلاً في إيجاد أرضية صلبة يقف عليها المسلمون في محاججتهم للآخرين .

ومن نافلة القول، أن الفتاوى الواضحة والصريحة التي أصدرها المراجع الدينية في كل من النجف وكربلاء ومن خارج العراق، والتي وجهت خطابها كثيراً إلى أبناء الشعب العراقي من أجل حقن الدماء وعدم استخدام العنف والعنف المضاد، قد ساعدت كثيراً في استقرار الأوضاع واستمرار العملية السياسية في العراق أملاً في استتباب الأمن.

ومن هنا نصل إلى نتيجة مهمة ألا وهي أن الإرهاب والتكفير ما كان له أن يتواجد على الساحة الإسلامية لولا وجود دعم وغطاء سياسي ممثلاً بكثير من الأنظمة الحاكمة وعلى مر العصور، والإسلام وقرآنه وعلماءه العادلين من ذلك كله براء .

أن ما يمكن أن تصوره الكثير من الجماعات الإرهابية من أن قتل الأبرياء له ما يبرره إذ يأتي مقروناً بقتلهم للكفار، لهو أمر يتوافر على الكثير من التغيرات والتناقضات مما ينافي الحقائق .

أول هذه التغيرات هي ما تناولناه آنفاً بأن الإرهاب له جذور تاريخية وفكرية في التاريخ العربي-الإسلامي وأنه يستند على تفسيرات غاية في التطرف للإسلام .

فإذا كان قد بدأ بقتل أهل بيت النبوة (عليهم السلام) وصحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه يصل اليوم إلى كونه حركة واسعة لها أطراً ومؤسسات وآليات عمل ولها قدرة على التحرك والعمل بأساليب ديناميكية متفوقة .

ثاني هذه التغيرات هي استهداف العمليات الإرهابية لطبقات فقيرة وواسعة وبسيطة من مجتمعات المسلمين ويمكن القول إنهم أشد الفئات تضرراً من هذه العمليات وبالتالي فإن هذه الأفعال تبتعد كثيراً عما تدعيه الجماعات الإرهابية بنضالها وكفاحاً وجهادها ضد أمريكا وإسرائيل .

ثالث هذه التغيرات، أن ما تبدأ به هذه الجماعات من خطاب أيديولوجي يثير المشاعر ويحرك الوجدان بغضب شديد مما يفضي إلى تحول سياسي وسيكولوجي عميق في نفسية وذهنية المتلقي وينقله إلى نفس الذهنية لأولئك الأشد فتكاً وتقتيلاً وقسوة في التاريخ، ولذلك يصبح من الصعب أن نفرق بين أصحاب المذاهب الإرهابية في التفسير الديني وبين هولاكو وتيمورلنك، والآخيرين كانوا مسلمين أيضاً.

رابع هذه التغيرات، أن الخطاب الذي تتبناه هذه الجماعات الإرهابية لا يفرق بين شعوب الغرب وأوربا على وجه العموم وبين الأنظمة الحاكمة فيها، وتعتبر جميع هذه البلدان كفاراً بما يعطي لهذه الجماعات حقاً في قتلهم سواء في بلدانهم أو عندما يكونوا ضيوفاً في بلدان المسلمين إذ تجد منهم أعداء ويجدر قتلهم وينطلقون في ذلك من الأفكار التي أنتجتها (وللأسف)القرون العربية الوسطى والتي أصبحت فيما بعد مناهجاً علمية تدرس في المدارس والمعاهد والكليات في عدد من البلدان العربية والإسلامية .

وبالتالي فإن تلك الممارسات والأعمال تعد ممارسات وأعمال شرعية حسب وجهة نظرهم لأنها تستند على (تنظير الإسلام)، ولذلك يمكن القول أن ما جاء به عدداً من وعاظ السلاطين من علماء الدين قد أساء كثيراً للإسلام والمسلمين، وما يجنيه العرب والمسلمين من ثمار العداء لهم من قبل الآخرين لا يمكن رميه بثقله على (مؤامرات الأعداء) بل أن في معظمه له ما يبرر من الداخل العربي– الإسلامي .

الأمر الذي يؤكد على حقيقة أن الأعمال الإرهابية بعواقبها الوخيمة تؤثر تأثيراً سيئاً وسلبياً على بلاد المسلمين ومجتمعاتها وأنها تصب في مصلحة أعدائهم .

ويكفي لنا أن ننظر إلى ممارسات التيارات العنصرية في الغرب عموماً وأمريكا على وجه التحديد في تحريضهم ضد العرب والمسلمين وكأنهم فئة متوحشة لا تعرف قيمة للحياة الإنسانية .

ومن خلال ما تقدم نصل إلى حقيقة مفادها أنه لم يحدث أن انتصر الإرهاب إلا في مواقع هامشية ومنعزلة، وان انتصاره في المناطق التي ساهمت في صنع التاريخ والحضارة الإنسانيتين لهو أمر مستحيل، وحتى الدول الإرهابية التي تسربلت كثيراً بالإسلام أو بالمسيحية أو أية دين أو أفكار أُخرى لم تستمر طويلاً .

ولذلك أن من يريد أن يحرر نفسه ويحرر الآخرين عليه أن يفكر بطريقة وخطاب يجعلان من طروحاته مقبولة ومن أفعاله نبيلة وهذا كله يتطلب العديد من المقومات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي تجعل من الشعوب المحرك الأساسي لعملية التحرر.   

*تدريسي/ مدير مركز الفرات للتنمية الدراسات الاسترانتيجية.

الفصل الأول

   الإرهاب.. التعريف..و وسائل المكافحة

صلاح جبير البصيصي*            

تمهيد

من المؤكد أن ظاهرة الإرهاب أيا كان نطاقها أو مداها ظاهرة قديمة قدم الجماعة البشرية وليست بالحديثة كما يتصور البعض، فلقد عُرفت تلك الظاهرة منذ أن وجد الإنسان الأول على ظهر هذه الأرض، ثم تطورت بتطور المجتمع البشري فاتخذت أشكالاً وأنواعاً عدة فمنها ما انصب على الأفراد ومنها ما وقع على الجماعة ومنها ما أصاب المنشآت، أن الإرهاب من اشد المسائل القانونية تعقيداً فهو ليس مسألة عادية ويعتبر من المظاهر الأكثر بروزاً على الساحة الدولية والداخلية، ولقد كان للتطور العلمي والتكنولوجي أثره الواضح في تطوير وسائل تنفيذ تلك الجريمة وبالتالي توسع دائرة آثارها المدمرة حتى تشمل اكبر عدد ممكن من الأفراد والمنشآت الأمر الذي أصاب العالم اجمع بالرعب من تلك الجريمة، من هنا كانت ضرورة مواجهة هذه الجريمة ومكافحتها وبوسائل داخلية ودولية تحاول الحد من آثارها والتقليل من مضارها، ولما كان الإرهاب هو مفهوم قانوني ذو بعد سياسي فأن الخشية في أن يترك أمر الإرهاب خاضعاً للسياسة وحدها دون مرجع قانوني أو أخلاقي من هنا ينصب المبحث محاولاً التركيز على أيجاد تعريف قانوني للإرهاب وبيان لأنواعه كما سنرى، بينما طرح المبحث الثاني وسائل مكافحة الإرهاب على المستوى الداخلي والمستوى الدولي.

المبحث الأول

محاولة التعريف بالإرهاب وبيان أنواعه

 بذلت الأسرة الدولية جهوداً كبيرة من اجل تعريف عالمي وموحد لظاهرة الإرهاب، ألا أن مساعيها لم تنجح حتى اليوم. حتى أننا نجد أن هناك أكثر من(109) تعريفاً للإرهاب ظهر مع ظهور هذا المصطلح وانتشاره في الأوساط القانونية والسياسية منذ سنة 1936م ويعد السبب في كثرة التعاريف واختلاف بعضها عن البعض الآخر يكمن في أن مصطلحات مثل (الإرهاب) و(الإرهابي) تعاني من الغموض كما تقتصر على درجة من اليقين ويلاحظ (آرنولد) أنها ظاهرة وصفها أسهل من تعريفها(1).

 ولكننا نجد اليوم أن الجهود منصبة لإيجاد تعريف جامع ومانع للإرهاب سواء كانت هذه الجهود تمثلت في الاتفاقيات الدولية العديدة التي أعطت تعاريف مختلفة لهذا المفهوم أم في الجهود الفقهية التي حاولت هي الأخرى وضع تعريف ومدلول للإرهاب، على أن تعريف الإرهاب يتطلب أيضاً الوقوف على أهم عناصره لكي نميزه عن غيره ثم يجب الوقوف على أنواعه وصولاً لخلق منظومة متكاملة عن الإرهاب الذي يتطلب سبيل الوقاية قبل اللجوء إلى سبيل الاستئصال.

المطلب الأول

تعريف الإرهاب وبيان عناصره

حاولت بعض الاتفاقيات الدولية وكذلك جمهرة من فقهاء القانون الدولي والجنائي إعطاء تعريف ظاهر للإرهاب ومن خلال هذه التعاريف يمكن التوصل إلى عناصر هذه الظاهرة التي تعد من قبل الكثير من القانونيين جريمة إذا توفرت أركانها شأنها في ذلك شأن الجرائم الداخلية أو الدولية وأن تميزت عنها بخصائص معينة سوف نحاول الوقوف عليها تباعاً.

أولا: التعريف الإتفاقي للإرهاب

ومن هذه التعريفات:

1. التعريف الوارد في اتفاقية جنيف لقمع ومعاقبة الإرهاب لعام 1937 والذي ينص على أن الأعمال الإرهابية هي "الأعمال الإجرامية الموجهة ضد دولة ما وتهدف أو يقصد بها خلق حالة رعب في أذهان أشخاص معينين أو مجموعة من الأشخاص أو عامة الجمهور"(2).

ويؤخذ على هذا التعريف قصوره عن الإرهاب الموجه ضد الدول برغم أن الإرهاب قد تقوم به الدول نفسها ضد حركات التحرر الوطنية أو الحركات الثورية وضد كيانات لم تصبح لسبب أو لآخر دولا بعد أو على شعوب مشردة من أراضيها.

2. التعريف الوارد في اتفاقيات جنيف عام 1949 فقد تطرقت المادة الثالثة المشتركة الخاصة بالمنازعات غير الدولية حيث نصت على منع الإرهاب ثم جاء البروتوكول الأول لسنة 1977 ليؤكد في الفقرة الثانية من المادة (51) على ذات المبدأ كما أكدت ذلك المادة الرابعة من البروتوكول الثاني حيث ذكرت فقرتها الثانية بشكل صريح تعبير(الإرهاب) وجاءت المادة(13) منه لتمنع أعمال التهديد بالعنف التي تستهدف بشكل أساسي بث الإرهاب بين السكان المدنيين.

ويلاحظ في النصوص الواردة في اتفاقيات جنيف لعام 1949م وفي عام 1977م كانت تتوجه أولا ً للدول الأطراف في الاتفاقيات وبروتوكولاتها أي أنها كانت تستهدف بشكل أساسي مواجهة إرهاب الدولة باعتباره الخطر الأول الذي يمكن أن يهدد أمن المواطنين، ونحن إذ نرى أن الدولة إذا كانت من باب أولى أن تتجنب الانتهاكات لما تتمتع به من قدره وقوة فان الأمر الذي يجب ملاحظته أيضاً هو مكافحة الإرهاب الذي تقوم به الجماعات والأفراد الذين اشتدت وطأتهم في الآونة الأخيرة.

3.      التعريف الوارد في الاتفاقية الأوربية لعام 1977م، حيث أن هذه الاتفاقية لم تعرف الإرهاب بشكل محدد بل عددت مجموعة من الأفعال منها ما كان قد جرم سابقاً باتفاقيات دولية وكان العامل الوطني قد حرمها وأضاف أليها كل الأفعال الخطرة التي تهدد حياة الأشخاص أو أموالهم إذا كانت تخلق خطرا جماعيا، تخرج من كل هذه الأفعال من طائفة الجرائم السياسية منها لتطبيق مبدأ "عدم التسليم" الذي كانت قد نصت عليه اتفاقية تسليم المجرمين لعام 1957م ويلاحظ على هذه الاتفاقية أنها فتحت الباب واسعاً للتقدير التعسفي من جانب الدول في تحديد ما يعد إرهابا وما لا يعد كذلك، ذلك أن كل من يوجه ضد حياة الأشخاص وممتلكاتهم يشكل جريمة إرهابية إذا كان من شأنه خلق خطر جماعي.

إضافة لذلك فان الاتفاقية في الوقت التي قررت عدم العمل بمبدأ "عدم التسليم" عادت في المادة الخامسة تقرر بأن للدول التي تخشى ضياع حقوق اللاجئين السياسيين فلها أن لا تسلم هؤلاء الأشخاص وفي ذلك تناقض في أحكامها(3).

4. لقد سعت الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى تقديم تعريف للإرهاب، بعد نقاش وجدال دام طويلا فاعتبرته يمثل جميع الممارسات والوسائل غير المبررة التي تشير إلى رعب الجمهور أو مجموعة من البشر لأسباب سياسية وبصرف النظر عن بواعثه المختلفة.

بهذا المعنى الواسع، حاولت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعريف الإرهاب ومن هذا التعريف نستنتج، أن الإرهاب يشمل الاستخدام غير الشرعي للقوة أو العنف أو تهديد باستخدامها بقصد تحقيق بعض الأهداف ذات الطبيعة السياسية.

ودعا قرار الأمم المتحدة رقم60 لسنة 1994م دول العالم كافة، ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية والوكالات المتخصصة، إلى تطبيق "الإعلان المتعلق بإجراءات إزالة الإرهاب الدولي" والى إدانة كاملة للإرهاب بجميع أشكاله ومظاهرهِ بما في ذلك الأعمال التي تكون الدولة متورطة بها بشكل مباشر وغير مباشر واوجب الإعلان إحالة القائمين بالأعمال الإرهابية إلى القضاء، من أجل وضع حل نهائي لها، سواء ارتكبت من إفراد عاديين أو موظفين أو سياسيين، كما أوجب اتخاذ تدابير من أجل مكافحة الإرهاب، سواء ً كان ذلك على صعيد الدولة، أو بالتعاون بين الدول(4).

5. لقد أوردت الاتفاقية العربية لعام 1998م في المادة الأولى من الفقرة الثالثة تعريف للإرهاب بأنه (كل فعل من أفعال العنف والتهديد، أيا كانت بواعثهِ أو أغراضه يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم وأمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو امتلاكها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر).

ويلاحظ على هذا التعريف أنه لم يشر لا من قريب ولا من بعيد للبعد السياسي الذي يحيط بالإرهاب عاكسا بذلك، رغبة الدول الموقعة في هذا المضمار، بل أنه ساوى بين كل الأفعال العنيفة أياً كان باعثها إذا كانت تخلق الرعب بين الناس أو تعرض حياتهم للخطر على أن هناك الكثير من الجرائم العادية التي تخلق الرعب بين الناس كما أنه اعتبر الامتلاك أو الاستيلاء على المرافق العامة والخاصة عملاً إرهابياً وفي ذلك عدم دقة، لأن امتلاك أراضى الآخرين هو جريمة عدوان مستمر وهي خطر وأشد عنفا وخرقاً لقواعد القانون الدولي من الإرهاب(5). 

ثانيا: التعريف الفقهي للإرهاب

أن تحديد موقف الفقه الدولي والجنائي من مفهوم الإرهاب من الصعوبة بمكان تبعا ً لعوامل عدة، أولهما عدم خضوع مفهوم الإرهاب لمقاييس ومعايير محددة، وثانيها تطوره المستمر من حيث الأساليب والأسباب والصور.

وقد بذلت جهود فقهيه كثيرة لتعريف الإرهاب، وكانت أهم هذه المحاولات هي التي ذكرت عام 1930م، وفي أثناء المؤتمر الأول لتوحيد القانون الجنائي الذي أنعقد في مدينة (وارشو) في بولندا فقد ذكر الفقيه (سوتيل) بأن الإرهاب هو "العمل الإجرامي المصحوب بالرعب أو العنف أو الفزع بقصد خدمة هدف محدد" وعرفه الفقيه (ليمسكين)، بأنه يقوم على تخويف الناس مهاجمة أعمال العنف أما الفقيه(جيفا نوفيتش) يرى أن الإرهاب، هو عبارة عن"أعمال من طبيعتها أن تثير لدى شخص ما الإحساس بالتهديد مما ينتج عنه الإحساس بالخوف بأي صورة"(6). أما في الفقه العربي، فيذهب الدكتور(عبد العزيز محمد سرحان) بأن الإرهاب، هو "كل اعتداء على الأرواح والأموال والممتلكات العامة أو الخاصة بالمخالفة لأحكام القانون الدولي بمصادره المختلفة".

أما الدكتور(ممدوح توفيق) فيعرفه بأنه "جميع الأفعال التي ترمي إلى إيجاد حالة ذعر وترتكب بوسائل خطيرة كالمواد والأدوات المتفجرة أو الملتهبة أو السامة أو الوبائية أو التي من شأنها أن تحدث خطراً عاما، وترتكبها العصابات أو الجماعات الإرهابية بقصد تحقيق غايات قد تكون سياسية كما لو كان ذلك لإرهاب الحكومة القائمة مثلا ًوإجبارها على التخلي عن الحكم أو على التصرف على نحو معين دون غيره"(7).

وعرف الدكتور (صلاح الدين عامر) الإرهاب أنه "اصطلاح يستخدم في الأزمنة المعاصرة للإشارة إلى الاستخدام المنظم للعنف، لتحقيق هدف سياسي وبصفة خاصة جميع أعمال العنف التي تقوم منظمة سياسية بممارستها على المواطنين وخلق جو من عدم الأمن"(8).

وفي الختام يجب التأكيد أن محاولات تعريف الإرهاب قد باءت بالفشل، ذلك أن هذه المحاولات اقتصرت على بعض الجوانب دون غيرها، فمنهم من ركز على الجانب المادي (الأفعال) ومنهم من ركز على الجانب القانوني(الجرائم)، وآخرون أكدوا على الجانب السياسي والأخلاقي بينما الأمر يتطلب أن يكون هناك تعريف شامل للإرهاب يتحرى أمرين:

الأول/ التجريد والموضوعية، بحيث لا يتفق فقط مع وجهة نظر طرف من أطراف النزاع دون الطرف الآخر .

الثاني/ الإلمام بالجوانب المختلفة للظاهرة دون إغفال أي منها(9).

ثالثا: عناصر جريمة الإرهاب

أن الجريمة في القانون الداخلي تتحدد على هدى ثلاثة أركان وكذلك الأمر في القانون الدولي الجنائي وهذه الأركان هي :

1. الركن المادي: وتمثل في الفعل المادي السلبي والإيجابي،ويكون بانتهاك الالتزام الداخلي أو الدولي، سواء كان إيجابياً أم سلبياً وبالتالي فان الركن المادي في جريمة الإرهاب، يتكون من النشاط الإجرامي كاستعمال القوة أو العنف ضد الأشخاص أو الأموال أو الممتلكات العامة أو الخاصة وترتكب عادة بوسائل معينة، أي الأدوات المتفجرة والأسلحة النارية والمواد الملتهبة أو السامة أو المحرقة أو الوبائية أو الجرثومية التي من شأنها أن تحدث دماراً واسعاً.

2. الركن الشرعي: ويتمثل بالقاعدة القانونية المجرمة للفعل، حيث أن المبدأ السائد في القانون الجنائي الداخلي هو "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص" وغالبا ما تكون الجرائم الإرهابية، منصوص على تحريمها في التشريعات الداخلية وعند ذلك يتحقق هذا الركن، أما بالنسبة لجرائم الإرهاب الدولية، فأن النصوص الجزائية غير محددة غالبا، ولا يعتمد فيها على التفسير الحرفي لقاعدة الشرعية، إلا  أنه يمكن القول أن الركن الشرعي في جريمة الإرهاب الدولي، يتحقق في مخالفة مبادئ القانون الدولي التي تمنع الإرهاب سواء وجدت هذه المبادئ في الاتفاقيات الدولية أو القواعد العرفية التي تحرم الإرهاب وتعتبره جريمة تستحق العقاب .

3. الركن المعنوي: ويقصد به القصد الجنائي للفاعل، أي أن يتوفر لدى القائم بالأعمال الإرهابية، قصد التخويف والإكراه والضغط على الدولة أو على أطراف المجتمع الدولي، والخضوع إلى مشيئة هذا الإرهابي سواءً كان فرداً أو دولة والتي يقصد من خلال هذه الأعمال تحقيق بعض المقاصد السياسية أو الاقتصادية أو المعنوية أو الشخصية أو الأيدلوجية(10). 

وعلى كل حال فأن جريمة الإرهاب تتميز بمجموعتين من العناصر ذات طبيعة موضوعية وشخصية، فمن الناحية الموضوعية، نجد أن جريمة الإرهاب جريمة ذات خطورة معينة سواء على الأشخاص أو الأموال أو الممتلكات كما وأنها جريمة تترتب عليها أضرار جسيمة وهو أمر يميز هذه الجريمة عن غيرها من الجرائم السياسية، أما من الناحية الشخصية، فأن قصد الجاني الخاص من وراء اقتراف هذه الجريمة، سواء أكان مبنياً على غرض أو نزعة سياسية أو أيديولوجية هو أمر متطلب في جريمة الإرهاب عموما، فالغاية والهدف من وراء اقتراف هذه الجريمة يعتبر الضابط الأقوى لتميز هذه الجريمة عن غيرها وأياً كان الهدف سياسيا أو اجتماعياً أو أيديولوجيا(11).

 المطلب الثاني

أنواع الإرهـــــــــاب

يمكن تقسيم الإرهاب إلى أنواع عدة، فمن ناحية المعيار الزماني تميز بين طائفتين من الإرهاب، أحدهما إرهاب يحدث زمن السلم، وآخر يحدث زمن النزاعات المسلحة، ومن ناحية المعيار الجغرافي أو المكاني، فيمكن أن نقسم الإرهاب إلى طائفتين أيضا ً أحدهما إرهاب داخلي والآخر إرهاب دولي.

وأخيرا فأننا يمكن أن نقسم الإرهاب من حيث الجهة القائمة به، إلى طائفتين إرهاب الدولة وإرهاب الأفراد وهو ما سنقوم بدراسته تباعا.

أولا: الإرهاب زمن السلم والإرهاب زمن النزاعات المسلحة 

1. الإرهاب زمن السلم :

تقع معظم أعمال الإرهاب زمن السلم، فهي الوسيلة التي لا يستطيع البعض التعبير عن مواقفهم إلا بها وذلك عائد لأسباب عدة منها:

*فشل جماعة ما في أن تطرح أفكارها بصورة مقنعة للمحيط، لكي يلتقي الناس حول هذه المبادئ ويصبح هذا الفشل عادة عاملاً للتراجع والانحسار وبالتالي اللجوء إلى أيديولوجية الإرهاب، والضغوط التي تمارسها .

*الضغط الذي تمارسه الحكومات، بحق بعض الجماعات وخاصة الداعية إلى الإصلاح والديمقراطية، قد يدفع هذه الجماعات إلى استخدام العنف للتعبير عن الذات(12).

ومما هو جدير بالذكر، أن الأعمال الإرهابية في وقت السلم، قد تستهدف الأشخاص أو الأرواح أو الممتلكات، فهي قد توجه ضد شخصية سياسية معينة للرغبة في التغيير وإحلال شخصية أخرى، وقد توجه الأعمال الإرهابية ضد الأشخاص العاديين والمدنيين والمنشآت والأعيان المدنية العائدة للدولة، وهذه الأخيرة ذائعة وقد عانى منها معظم شعوب العالم، وهي من أخطر ما تكون، لأنه يترتب عليها زعزعة الأمن والاستقرار داخل البلد وعليها يتوقف نمو الاقتصاد الوطني وازدهاره وهي نوعية يصعب السيطرة عليها لذلك برزت الجهود الدولية الرامية إلى القضاء عليها(13) وبالتالي يمثل الإرهاب وقت السلم، أحد المؤشرات على أن المجتمع الذي يعاني منه يمر بفترة عدم استقرار قد تستفحل بشكل كبير عند إهمال أسبابها وقد تنتهي في حالة معالجة أسبابها.

2. الإرهاب زمن النزاعات المسلحة:

أن النزاعات المسلحة قد تكون دولية أو داخلية، وفي كلتا الحالتين قد تتخلل هذه النزاعات أعمال إرهابية يقوم بها أحد أطراف النزاع، وكان كل من قانون النزاعات المسلحة (قانون لاهاي) والقانون الإنساني (قانون جنيف) واللذان نظما طرق ووسائل لسير العمليات الحربية وكيفية معاملة الجرحى والأسرى والمرضى أثناء النزاعات المسلحة للتخفيف من ويلات الحرب، قد منعا اللجوء إلى الإرهاب كوسيلة من وسائل القتال، حيث يدخل إطار جرائم الإرهاب كل من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة إبادة الجنس البشري(14)، وتحريم اللجوء إلى الإرهاب في زمن المنازعات المسلحة، يشمل جميع أفراد القوات المسلحة النظامية وكذلك الحركات الثورية أو حركات التحرر الوطني حيث دعت اتفاقيات جنيف لعام 1949م إلى تحريم جميع تدابير التهديد والإرهاب إضافة إلى تحريم الاعتداء على المنشآت الثقافية كما في اتفاقية لاهاي لحماية الأعيان الثقافية لعام 1954م فضلا عن أن بروتوكولي جنيف الإضافيين لعام 1977م الملحقين باتفاقية جنيف لعام 1949م نصا على حماية المنشآت الهندسية والمدنية كالجسور والسدود والمحطات الكهربائية(15) ولكن كيفما كانت التهديدات والقيود الممكن وضعها في هذا الإطار، فأنه يجب تحريم وتجنب الإرهاب غير المميز فيجب الاقتصار على مهاجمة المواقع العسكرية دون مهاجمة الأهداف المدنية التي تلحق الضرر بالسكان المدنيين الأبرياء.

ثانيا: الإرهاب الداخلي والإرهاب الدولي

1. الإرهاب الداخلي: أن عناصر الفعل الإرهابي كُلها تقع ضمن إطار دولة واحدة .

فالإرهاب الداخلي هو عنف، ينحصر في داخل دولة ولا يوقع ضحايا من الأجانب ولا يضر بمصالح أجنبية، ومن الممكن أن يمارس من قبل الدولة ضد مواطنيها أو يمارسه مواطنو الدولة ضد سلطات الحكم فيها، ولكن ليس ضد الأجانب وإلا أصبح إرهاباً دوليا ً ولو تم على إقليم الدولة.

ومن ثم فالإرهاب المحلي يتطلب المحلية أو الوطنية في جميع عناصره، سواءً من حيث المنفذين أو مكان التنفيذ أو التخطيط أو الأعداد للعمل وكذلك الضحايا والأهداف والنتائج المترتبة عليه، والاعتماد على الدعم المحلي في التمويل(16).

ولا تكاد أن تكون هناك دولة واحدة نجت من هذا النوع من الإرهاب، الأمر الذي يدفع الكثير من دول العالم أن تحرص على أن تتضمن قوانينها الداخلية عددا من النصوص التي تجرم الفعل الإرهابي وتعاقب عليه بشدة للتقليل من مخاطره الكبيرة على استقرار الدولة الداخلي.

 2. الإرهاب الدولي: تتكون عناصر الفعل الإرهابي في هذه الحالة ممتدة لتشمل أكثر من دولة سواءً كانت دولة جنسية الفاعل أو الضحية أو مكان ونوع الفعل هو العنصر الأجنبي، أي أن العمل الإرهابي يتصف بالدولية عندما يحدث ضد أكثر من دولة، وعلى ضحايا ينتمون لدولٍ عدة أخرى.

ويأخذ هذا النوع من الإرهاب حيزاً كبيراً من الاهتمام الدولي، والواقع أنه رغم الاهتمام الكبير بالظاهرة، في الجمعية العامة للأمم المتحدة ألا أننا لا نجد تعريفاً محدداً للإرهاب الدولي، وقد قامت لجنة القانون الدولي، التابعة للأمم المتحدة بتقنين الجرائم المختلفة الماسة بأمن وسلم الإنسانية وقدمت المادة(19) من المشروع التعريف التالي للإرهاب بأنه :

"كل نشاط إجرامي موجه إلى دولة معينة ويستهدف إنشاء حالة من الرعب في عقول الدولة أو أي سلطة من سلطاتها أو جماعات معينة فيها"(17) .

فعناصر الإرهاب في هذا التعريف تتمثل في:

 العنصر الأول، وهو النشاط الإجرامي والمتمثل في العدوان على الأرواح والأشخاص أو الأموال أو كلاهما على أن العدوان على الأرواح والأموال يمثل جريمة داخلية وكذلك الأفعال المادية المكونة لجرائم الإرهاب كافة لكن الذي يعطي الوجه الدولي لهذه الجريمة هو حالة الرعب الشديدة التي ينشرها في عقول وقلوب الناس والحكام بشكل أخص لذلك يتخذ الإرهاب من وسائل النقل الجماعي هدفا ً له لأن أي عدوان عليها ينشر رعبا ً بين طوائف عديدة من الناس وينتشر سريعاً في مختلف الدول فيحقق الهدف المنشود من العدوان وهو نشر قضية الإرهابيين وأشعار المجتمع الدولي بمدى الظلم الواقع عليهم.

 ولتحقيق هذا الهدف نجد أساليب جديدة وجريئة تتمثل في أشخاصا يضحون بأنفسهم وينشرون رعبا في قطاعات واسعة من الدول كما نلاحظ في السيارات الملغومة، فهم يحققون هدفين: ضرب العدو ونشر القضية، أذن فالعنصر الثاني الهام المميز لجرائم الإرهاب هو نشر الرعب والخوف في قطاعات دولية واسعة.

 أما العنصر الثالث ويتصل بضرورة توجيه الفعل إلى دولة معينة ففي حوادث الإرهاب كافة نجد المستهدف هو مصالح دولة معينة سواء تمثل الإرهاب في استخدام الاعتداء على الأشخاص المنتمين لها أو على ممتلكاتها من طائرات أو سفن أو أنابيب بترول أو مبنى حكومي أو غير حكومي ولعل هذا الاعتبار هو الذي جعل من أهم جرائم الإرهاب توجيه الأعمال إلى رؤساء الدول أو ممثليها(18).

 ثالثا: إرهاب الدولة وإرهاب الأفراد 

1. إرهاب الدولة:

ويقصد به استعمال الدولة لوسائل العنف بانتظام ضد أفراد أو جماعات أو دول أخرى، لأثاره الرعب أو بقصد الانتقام دون مبرر قانوني لتحقيق أهداف سياسية معينة قد تتمثل في الاحتفاظ بالسلطة أو قمع المعارضة، وهذا الإرهاب قد تقوم به الدولة بنفسها أو قد تقوم الدولة برعايته، وتتكفل تهيئة الوسائل اللازمة للقيام به من قبل فرد أو مجموعة من الأشخاص التابعين لها(19). 

فإرهاب الدولة لا يتم دوما على نحو غير مباشر ولو أنه الأسلوب الأكثر شيوعاً ذلك أن إرهاب الدولة يمكن أن يكون مباشراً و ذلك عندما تقوم القوات المسلحة النظامية لدولة ما بشن هجوم على دولة أخرى كما فعلت إسرائيل عندما أغارت على مطار بيروت عام 1968م وعلى المفاعل النووي العراقي عام 1981م، أما الإرهاب غير المباشر الذي تمارسه الدول فيتمثل بمساعدة وإيواء عناصر إرهابية معينة وتحريضها على ارتكاب أعمال إرهابية في دول أخرى.

فمفهوم إرهاب الدولة يتعلق أذن بمخالفات المبادئ السياسية والأحكام النافذة في القانون الدولي، وبخاصة القواعد الآمرة التي لا يجوز إطلاقا مخالفتها في كل الأوقات والتي تتمثل بوجه الخصوص بالمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، لذلك تحظر أعمال التعذيب في كل زمان ومكان وكذلك عمليات أخذ الرهائن والاعتداء على الأماكن والمنشآت المدنية وخاصة الطبية وكذلك حرم المجتمع الدولي عمليات إبادة الجنس البشري في اتفاقية دولية أبرمت عام 1948م وحرم صور التمييز العنصري كافة في اتفاقية أبرمت عام 1965م ومن الجدير بالإشارة أخيراً أن إرهاب الدولة يسمى أيضا بإرهاب المؤسسة أو الإرهاب المؤسسي أو السلطوي نظراً لأنه يحافظ على السلطة والشرعية والمؤسسات.

2. إرهاب الأفراد:

ويقصد به أعمال العنف التي يقوم بها فرد أو أفراد ضمن مجموعة معينة والموجهة ضد دولة معينة، سواءً تعلق الأمر بأشخاص معينين فيها أو ممتلكات أو منشآت عائدة لها، فهناك دوافع عدة تدفع الإرهابيين للقيام بأعمالهم وقد تكون هذه الدوافع سياسية أو إعلامية  أو شخصية وقد يكون لها دافع ثأري، ولقد عرفت صور عديدة للإرهاب الفردي، لا يمكن حصرها في صورة معينة ومن أمثلتها عمليات الاغتيال وخطف الطائرات واحتجاز الرهائن وأعمال القتل والإبادة والاغتصاب كافة التي يقوم بها أفراد أو جماعات معينة ضد أفراد آخرين من مجالات أخرى.

ويسمى الإرهاب الفردي بالإرهاب غير السلطوي أو غير المؤسسي ويطلق عليه أيضا ًإرهاب الضعفاء باعتباره صادر عن يأس في نفوس الذين يمارسونه فيترجمون هذا اليأس بموقف متشنج شديد الخطورة ولذا يتصف إرهابهم بالصفة الانتحارية لأنهم يمارسونه عن يأس فيخاطرون بأنفسهم من أجل زعزعة النظام السياسي القائم(20)، وقد انعقدت عدة محاكم جنائية خاصة لمحاكمة المتهمين بارتكاب الجرائم الدولية كما فعل في يوغسلافيا السابقة و راوندا وأخيراً فقد أُسست المحكمة الجنائية الدولية الدائمة بمقتضى معاهدة روما ويلاحظ على نظامها الأساسي أنه يفرض العقوبات على الأشخاص الطبيعية وليس المعنوية في حالات ارتكابهم جرائم حرب أو جرائم عدوان أو جرائم ضد الإنسانية أو جرائم إبادة.

  المبحث الثاني

وسائل مكافحة الإرهاب

أن مكافحة الإرهاب لا يجوز أن تقتصر على التعريف بالظاهرة فحسب، وإنما يجب أن تتناول في شكل أساسي معالجة أسبابها فلا يمكن القضاء على الإرهاب ألا بمعالجة أسبابه لأن مكافحة الإرهاب دون معالجة أسبابه الحقيقية قد تؤدي إلى سلسلة من الفعل ورد الفعل تقود إلى أتساع رقعة الإرهاب وارتفاع وتيرته.

 لذلك فأن المعالجة القانونية السليمة لظاهرة الإرهاب، سواءً على النطاق الداخلي أو الدولي يجب أن لا تقتصر على أعاده النظر في النظام العقابي الذي يخضع له فعل الإرهابيين بل يجب معالجة جذور المشكلة والى ضرورة تغيير الأوضاع الداخلية أو الدولية المولدة للإرهاب والتي قد تدفع بأشخاص معينين بالتضحية بأرواحهم من أجل أحداث هذا التغيير.

وترتيباً لما تقدم تحاول الدول والمنظمات الدولية وسائر قطاعات المجتمع الداخلي والدولي وضع الوسائل المناسبة والكفيلة بمكافحة ظاهرة الإرهاب والقضاء عليها، سواء على المستوى الوطني أو الداخلي أم على المستوى الدولي أو العالمي، من هنا كان الواجب استعراض الوسائل الداخلية لمكافحة الإرهاب في مطلب أول، ثم نتناول وسائل مكافحة الإرهاب على المستوى الدولي في مطلب ثانِِ.

 المطلب الأول

الوسائل الداخلية لمكافحة الإرهاب

أن علم الأجرام والعقاب يجمع إلى ضرورة دراسة عميقة لأسباب الجريمة وعدم الاقتصار على تطبيق القواعد الزجرية بل من الضروري التركيز على الوسائل الوقائية أولا ً.

أولا: الوسائل الوقائية لمكافحة الإرهاب

أن جريمة الإرهاب ينبغي النظر إليها كظاهرة لها أسبابها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، الأمر الذي يتطلب معالجة هذه الأسباب معالجة موضوعية جذرية لا معالجة سطحية.

حيث أن المعالجة الموضوعية تتطلب أحداث تغير ملموس في حياة الناس أو المواطن العادي في البلد من حيث توفير مستلزمات الحياة الحرة الكريمة وإشاعة روح المواطنة الصحيحة، وذلك بتوفير فرص العمل للمواطنين وإشاعة مناخات الديمقراطية وقبول وجهة نظر الآخر وتهيئة ومساندة هيئات المجتمع المدني لكي تلعب دوراً في رسم سياسات البلد وتوجيهه الوجه الصحيح نحو فتح آفاق تحسن الظروف المعاشية للمواطنين وتوفير مختلف الضمانات الاجتماعية والقانونية كل ذلك لكي يشعر المواطن أنه عنصر فعال في بناء المجتمع وأن الباب مفتوح له على مصراعيه لكي يلعب دوراً ما في بنائه.

أما في الحالات التي تتبع فيها بعض الحكومات سياسة النار والحديد ضد مواطنيها وتعمل على قمع الحريات وتزج بمواطنيها في غياهب السجون وتذيقهم ألوانا من العذاب والذل فأن في ذلك خلق أجواء مناسبة لظاهرة الإرهاب تدفع الشخص إلى أن يصبح قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في كل وقت، أن من بين الأسباب التي لها صلة بالإرهاب هي حالة البؤس وخيبة الأمل والشعور بالضيم واليأس والتي تحمل بعض الناس على التضحية بأرواح بشرية بما فيها أرواحهم هم محاولين بذلك أحداث تغيرات جذرية في المجتمع الذي يعيشون فيه(21).

إن أي مجتمع من المجتمعات قد يتعرض للإرهاب إذا انقطعت صلة الوصل بين المعارضة والحكم القائم أو بين الشعب والسلطة أيا ً كانت أسباب هذا الانقطاع.

ولهذا كله يتوجب على الدول كافة أن تقوم بدراسة جوهرية للأسباب المؤدية للإرهاب سواءً كان هذا الإرهاب داخلياً أم دولياً وبمعرفة هذه الأسباب يمكن التوصل إلى الحلول الكفيلة للقضاء على الإرهاب أو على الأقل الحد من انتشاره.

ثانيا: الوسائل القسرية لمكافحة الإرهاب 

حاولت الدول السيطرة على جريمة الإرهاب بتبني تشريعات داخلية صارمة وقد أشير إلى أن حوالي ثلاثة وخمسين دولة سنت قوانين وطنية ضد الإرهاب وخصوصاً في العقد الأخير للتغلب على هذه الظاهرة على المستوى الوطني وذلك تلبية للحاجات المحلية من جهة وللوفاء بالالتزامات التي تترتب على الدول بمقتضى اتفاقيات دولية من جهة أخرى(22). 

فعلى النطاق العالمي قامت فرنسا في حقبة الثمانينات بإصدار قوانين خاصة بالإرهاب وجاء القانون رقم (86 /1020) الصادر بتأريخ 9 /9/1986م يعدد مجموعة من الأفعال التي أعتبرها المشرع أعمالا ً إرهابية إذا كانت قد نفذت بهدف زعزعة النظام العام ونشر الخوف وليضع هذا التشريع قواعد أكثر صرامة للتقليل من خطورتها وهذا ما فعلته القوانين التي صدرت بعده في عام 1992م و1996م وكان القانون الفرنسي الصادر في 29/10/1981م قد أجاز طرد الأجانب المقيمين على الأراضي الوطنية في حالة شكل وجودهم خطراً على الأمن.

وكانت إيطاليا من أكثر الدول الأوربية نشاطا في إصدار التشريعات للوقاية من الإرهاب وقمعه فكان هناك القانون رقم(975) لعام 1965م ثم قانون ريال لعام 1975م ثم قانون كوسيكا لعام 1977م ثم القانون المرقم(9) في عام 1984م وتعتمد كل هذه القوانين على مبدأ تعداد أفعال تعد بمثابة جرائم إرهاب إضافة إلى ما جاءت به من توسيع لصلاحيات الشرطة والقضاء دون أن تراعي في بعض الأحيان المبادئ الأساسية لحقوق المتهمين(23).  

وكذلك نجد قانون العقوبات والإجراءات الأسباني لعام 1988م قد نص على جرائم معينة أخضعها لمعاملة عقابية خاصة أن أرتكبها أشخاصاً يعتبرون من التنظيمات الإرهابية باستخدام أسلحة نارية أو قنابل أو متفجرات أو مواد حارقة وأعتبر هذا القانون الإرهاب ظرفاً مشدداً عاماً في جميع الجرائم وقد حّرم هذا القانون أيضا ً كل صور المعاونة والمساعدة التي تسهم في ارتكاب جريمة الإرهاب من إنشاء أماكن معدة للسكن لهم أو لإخفاء أسلحتهم التي تستخدم للهجوم على الأشخاص والممتلكات أو تقديم التمويل لهم أو إنشاء مراكز للتدريب لهم أو أي شكل من أشكال المساعدة الاقتصادية أو الوساطة في تقديمها كما أن للقاضي حرمان المهتم في إحدى الجرائم الإرهابية من مباشرة الوظائف العامة أو السياسية لما في ذلك من خطورة على الأمن العام في البلاد(24).  

وكذلك نجد أن التشريع الاتحادي الأمريكي لم يكن يعتبر جريمة الإرهاب جريمة مستقلة بمفردها حتى صدر قانون عام 1996م ثم صدر عدد من التشريعات اللاحقة بعد11/9/2001 وكلها تتصل بمكافحة تمويل الإرهاب وتنتقص من ضمانات المتهم وتنتهك عدداً من الحقوق والحريات الشخصية المقررة له داخليا ودوليا، هذا وتطبق بعض ولايات الولايات المتحدة الأمريكية عقوبة الإعدام لمن يرتكب عمل إرهابي وهو ما تم تنفيذه ضد مرتكب تفجير أوكلاهوماستي، أما التشريعات العربية فأننا نجد مثلاً أن التشريع الجنائي السوري يعتبر من أقدم التشريعات العربية التي عالجت جريمة الإرهاب، وفرضت عقوبات مشددة ضدها فقانون العقوبات السوري لعام 1949م وبعد أن عرفت المادة (304) الأعمال الإرهابية جاءت المادة (305) منه لتقر عقوبات تتراوح بين السجن خمسة عشر عاماً وحتى الإعدام مما يدل على أن هذه الجريمة من أشد الجنايات خطورة، أما في مصر فقد صدر قانون مكافحة الإرهاب رقم (97) لسنة 1992م والذي شمل تعديل بعض نصوص قانون العقوبات والإجراءات الجنائية المصري والملاحظ على التشريع المصري أنه لم يفرق بين الجرائم الإرهابية كما انه لم يعتبر توافر حالة الإرهاب ظرفا مشدداً بل عدد الجرائم الخطيرة والتي أن وقعت أحدها تسري على فاعلها العقاب ومثالها حالات حيازة أو استيراد أو صناعة مفرقعات، دون ترخيص وكذلك جرائم تعطيل المواصلات وكذلك جرائم القتل والضرب العمد ودون إشارة إلى كون الجاني كان يقصد أثاره الرعب والخوف من عدمه.

وكذلك نجد أن قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969م لم يشر إلى تعريف خاص بجريمة الإرهاب ولكنه لم يعتبر الجرائم الإرهابية من الجرائم السياسية ولو كان الباعث لها سياسي وبالتالي لم تُشمل بالمعاملة الخاصة للجريمة السياسية التي حلت عقوبة السجن المؤبد، محل عقوبة الإعدام فيها كذلك يعاقب بالسجن المؤبد والمؤقت كل من ضرب أو اتلف أو عطل عمدا أحد المواقع أو المصانع أو البواخر أو الطائرات أو طرق المواصلات أو وسائل النقل أو أنابيب النفط أو منشآته.

وكذلك يعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد كل من خرب أو هدم أو اتلف عمداً مباني أو ممتلكات عامة أو خاصة للدوائر أو المصالح الحكومية أو المؤسسات أو المرافق العامة، أو منشآت النفط أو محطات القوة الكهربائية أو المائية أو الجسور أو السدود أو مجاري المياه العامة أو الأماكن المعدة للاجتماعات العامة وتكون العقوبة الإعدام إذا أستعمل الجاني المفرقعات في ارتكاب الجريمة أو نجم عن الجريمة موت شخص(25)، وكان المشرع الجزائري قد أصدر مرسوماً في 20/9/1977م أشار فيه لما يعتبر من أعمال الإرهاب وساوى بينها وبين أعمال التخريب وأتبع المشرع وسيلتين للتعريف بالإرهاب أولهما اعتبار الإرهاب ظرفا مشددا ًعاما لا جريمة والثانية استحداث مجموعة من جرائم الإرهاب والتخريب(26). 

ويتضح مما تقدم أن جميع التشريعات الداخلية ليست موحدة في أنظمتها ووسائل مكافحة الإرهاب الداخلي وأن كان يوجد بينها قاسم مشترك في الاتجاه إلى تشديد العقاب على جرائم الإرهاب عموماً.

ويلاحظ أخيراً أن بعض الدول في إطار مكافحتها للإرهاب على المستوى الوطني قامت بإصدار تشريعات تهدف للحد من تمويل المنظمات الإرهابية ولذلك نجد أن القانون المصري لمكافحة الإرهاب رقم 97 لسنة 1992م تضمن تعديل لقانون سرية الحسابات في البنوك رقم 200 لسنة 1990م وذلك للكشف عن التمويل الخارجي الموجه للنشاطات الإرهابية وكذلك أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية قانوناً يمنع التعامل مع شركات الدول التي تقدم دعماً للإرهاب كما قررت وزارة الخزانة الأمريكية منع الأمريكيون من منح أو تلقي أي أموال من الدول الموضوعة في قائمة الإرهاب منعاً لاستخدام هذه الأموال في دعم عمليات العنف(27).

المطلب الثاني

الوسائل الدولية لمكافحة الإرهاب

أن الإرهاب الدولي أصبحَ مشكلة من المشاكل الدولية التي تهدد القيم الإنسانية للمجتمع الدولي بالانهيار، فهو يشمل مجموعة من الأعمال التي توجه ضد السلم والأمن الدوليين وتؤثر عليها تأثيراً بالغا.

ولقد أنتشر الإرهاب الدولي انتشاراً واسعاً في الوقت الحاضر لذلك فأن المعالجة الدولية السليمة لظاهرة الإرهاب يجب أن تتوجه إلى جذور المشكلة والى ضرورة تغيير الأوضاع الدولية تغيراً جذرياً بمحاولة القضاء على أسباب العنف واتخاذ قرارات دولية حاسمة لرفع الظلم عن الفئات المضطهدة والمناضلة في سبيل حريتها ورفع السيطرة الاستعمارية التي عادة ما يوجه الإرهاب نحوها(28)، والواقع أن ظاهرة الإرهاب ليست ظاهرة حديثة، بل ظاهرة قديمة ولقد حاول المجتمع الدولي وضع عدد من المعالجات القانونية لها، ولعلنا نجد من أهمها سعي المنظمات الدولية الحثيث في الدعوة والإعلان عن ضرورة تبني اتفاقيات واتخاذ قرارات وتوصيات تعالج مسألة الإرهاب وتحاول التقليل من خطورتها قدر الإمكان.

كما أننا نجد في تقرير المسؤولية الدولية على الدول التي تقوم أو ترعى الإرهاب من جهة، وكذلك تقرير المسؤولية الجنائية الفردية على الأشخاص الذين يقومون بعمليات إرهابية من جهة أخرى، يعتبر من المعالجات القانونية الدولية للحد من ظاهرة الإرهاب.

أولا: دور الأمم المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب 

عندما نشأت عصبة الأمم في أعقاب الحرب العالمية الأولى، كان من أهم أهدافها هو تنمية القانون بين الأمم وضمان السلم لها والبحث عن حل لتجنب الدخول في حرب عالمية ثانية، ورغم فشل العصبة في تحقيق ذلك ألا أنها نجحت في اعتبار أن الحرب العدوانية إرهاب وأن قتل المدنيين دون ذنب إرهاب لا يحتاج إلى النقاش، لذلك عُقدت اتفاقية دولية عام 1937م تتكفل بمنع ومعاقبة الإرهاب لكن أغلب الدول لم تصادق على هذه الاتفاقية لذا لم تدخل حيز التنفيذ(29)، كما أن الحرب العالمية الثانية وما تبعها كان قد شحذ همة منظمة الأمم المتحدة للتصدي لظاهرة الإرهاب الدولي، فأنشأت لجنة مكونة من (35) عضواً لدراسة مسألة الإرهاب الدولي وقد شكلت اللجنة الخاصة بالإرهاب الدولي ثلاث لجان فرعية كان على الأولى تتصدى لتعريف الإرهاب وعلى الثانية أن تّعرف الأسباب الكامنة وراء الإرهاب وعلى الثالثة تحديد الإجراءات الكفيلة بالوقاية من الإرهاب وقامت مجموعة العمل هذه خلال ثلاث دورات عقدت عام 1973م وعام 1979م بأعداد تقارير ودراسات وتوصلت إلى نتائج .

إلا أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لم تكن تتفق على تحديد تعريف معين للإرهاب، كما أن الأسباب الكامنة وراء الإرهاب لم توحد الدول بشأن ظاهرة الإرهاب ذلك أن كل دولة ترى سبب معين للإرهاب ولا تراه دولة أخرى سببا ًللإرهاب فبعض الدول ترى الفقر والعوز سبباً للإرهاب، وترى دول أخرى أن تدخل الدول بعضها في شؤون البعض الآخر يشكل سببا للإرهاب، وترى البعض أن عدم الحصول على تقرير حق المصير يشكل سبباً للإرهاب، وترى دول أخرى أن  نقص الديمقراطية في بعض الأقاليم هو وراء الإرهاب.

ولم تستطع الدول الاتفاق على طرق محددة لمكافحة الإرهاب حيث ترى بعض الدول ضرورة وضع منظومة قانونية صارمة ضد الإرهاب بينما ترى دول أخرى أن خير وسيلة للوقاية من الإرهاب هي القضاء على أسبابه مثل وضع حد للاستعمار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، لكن على الرغم من ذلك الاختلاف فإن توصيات الدورات الثلاث قد اتفقت على ضرورة الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية الموجودة لمحاربة أية صورة من صور الإرهاب وعلى ضرورة احترام حقوق الشعوب في تقرير مصيرها وعلى تشجيع القانون الدولي لمكافحة الإرهاب ذلك بعد أن أكدت على ضرورة أيجاد تعريف جامع ومانع لهذه الظاهرة وعلى ضرورة محاربة أسبابه(30).

ولقد ساهمت الجمعية العامة، بمجموعة من توصياتها وإعلاناتها بدعم جهود الدول في التعريف بالإرهاب والقضاء على أسبابه، فقد سبق للجمعية العامة للأمم المتحدة وفي مناسبات عديدة أدانتها لجميع أعمال وأساليب وممارسات الإرهاب، ووصفها أعمالا ًإجرامية أينما وجدت وأياً كان مرتكبها بما في ذلك تلك التي تهدد العلاقات الفردية بين الدول وتهدد أمنها وطلبت من كل الدول الوفاء بالتزاماتها التي يفرضها عليها القانون الدولي بالامتناع عن تنظيم الأعمال الإرهابية في دول أخرى أو التحريض عليها أو المساعدة على ارتكابها أو المشاركة فيها أو التغاضي عن أنشطة تنظم داخل أراضيها بغرض ارتكاب أعمال من هذا القبيل والإسهام في القضاء التدريجي، على الأسباب الكامنة وراء الإرهاب الدولي بما فيها الاستعمار والعنصرية وانتهاك حقوق الإنسان والحريات السياسية والسيطرة الأجنبية والاحتلال الأجنبي التي يمكن أن تولّد الإرهاب الدولي وتعرض السلم والأمن الدوليين للخطر(31).

لقد دعى قرار الأمم المتحدة رقم 6 لسنة 1994م دول العالم كافة إلى إدانة كاملة للإرهاب بجميع أشكاله وأياً كان مرتكبه وأوجب اتخاذ تدابير وسياسات من أجل مكافحة الإرهاب الدولي والمعاقبة عليه ودعى هذا الإعلان أيضاً إلى التعاون بين الدول في تحقيق السلام العالمي وحماية أرواح الأبرياء.

كما أن مجلس الأمن الدولي أصدر قرارات عدة تدين الإرهاب وتدعو إلى مكافحته ومنها قراره الصادر في 19/12/1985م الذي أدان احتجاز الرهائن والاختطاف والدعوة إلى إطلاق سراح الرهائن كافة على الفور ودعى المجلس أيضا إلى تكثيف التعاون الدولي من أجل ابتكار وتبني الوسائل الفعالة لمنع الإرهاب، كما حث مجلس الأمن في 28/9/2001م الدول إلى الانضمام إلى اتفاقية منع تمويل الإرهاب وأخيراً وبطلب من روسيا صوتّ مجلس الأمن بالإجماع في 8/10/2004 م على قرار يدعو لتكثيف الجهود لمكافحة الإرهاب.

ثانيا:المسؤولية الدولية على الأعمال الإرهابية 

أن جريمة الإرهاب الدولي قد تقوم بها الدول وهنا تقع تحت طائلة المسؤولية الدولية هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن جريمة الإرهاب الدولي قد يقوم بها فرد أو مجموعة من الأفراد، وهنا تتحرك ضدهم المسؤولية الجنائية الدولية المقررة على الأفراد.

1. الأحكام العامة للمسؤولية الدولية

يمكن تعريف المسؤولية بأنها: النظام القانوني الذي تلتزم بمقتضاه الدولة، التي تأتي عملاً غير مشروع طبقاً للقانون الدولي العام بتعويض الدولة التي لحقها ضرر جراء هذا العمل.

ومن هذا التعريف يتضح، أن العنصر الأساس للمسؤولية الدولية هو عدم مشروعية العمل والعنصر الثاني لهذه المسؤولية يرتكز على تقدير عدم المشروعية بالنسبة لقواعد القانون الدولي العام.

ولتحقيق المسؤولية الدولية يتطلب شروط ثلاثة هي :

* يجب أن يكون الفعل منسوبا ً للدولة.

* يجب أن يكون الفعل غير مشروع.

 أن يترتب على الفعل غير المشروع ضرر.

وإذا حاولنا تطبيق هذه الشروط على الفعل الإرهابي لرأينا أن الدولة تكون مسؤولة عن الأعمال الإرهابية التي تصدر عن سلطتها الثلاث، السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية إضافة لمسؤوليتها عن العمل الإرهابي الصادر من أفرادها، ذلك أنها ملزمة بالمحافظة على الأمن والنظام العام في إقليمها ولم تتخذ الوسائل الكفيلة بمنع الأعمال الإرهابية هذا من ناحية الشرط الأول للمسؤولية أما من ناحية الشرط الثاني للمسؤولية الدولية هو عدم شرعية الفعل فأنه بالتأكيد يعد العمل الإرهابي جريمة دولية تخالف قواعد القانون الدولي الاتفاقية والعرفية وأخيراً فأنه يترتب على العمل الإرهابي ضرر يصيب الدولة التي حصل فيها الفعل الإرهابي سواء كان هذا الضرر مادي كالاعتداء على طائراتها أو سفنها أو ضرر أدبي يلحق بالكرامة أو السمعة .

هذا وقد يولد العمل غير المشروع (العمل الإرهابي) المنسوب لدولة ضرراً بأحد أفراد رعايا دولة وليس الدولة نفسها بالذات وفي هذه الحالة تستطيع هذه الدولة الأخيرة إذا ما عجز رعاياها عن الحصول على التعويض بالطرق العادية في تلك الدولة أن تتدخل لحمايته دبلوماسيا ً والمطالبة بحقوقه، وهذه الحماية الدبلوماسية التي تمارسها الدولة لصالح رعاياها تضع شروط ثلاثة، الشرط الأول تَمثلَ في رابطة الجنسية بين الشخص المتضرر والدولة التي تمارس هذه الحماية، والشرط الثاني أن يستنفذ الفرد الإجراءات القانونية الداخلية في الدولة التي حصل فيها الضرر ولم يحصل بذلك على حقه، والشرط الثالث أن يكون الفرد المتضرر لم يتسبب بسلوكه المخالف للقانون الدولي أو الداخلي في حدوث الضرر الذي يشكو منه، والمثل على ذلك أن الفرد المتضرر إذا كان قد شارك في عمليات إرهابية في ذلك البلد فأنه لا يمكنه بعد ذلك طلب حماية دولته دبلوماسيا ً ويترتب على ذلك عدم قبول دعوى المسؤولية الدولية.

والجدير الإشارة أليه أخيراً إن الأثر المترتب على إقرار المسؤولية الدولية هو التزام الدولة المسؤولة تعويض الضرر عن الفعل غير المشروع (الفعل الإرهابي) وهذا التعويض قد يتخذ شكل ترضية تقدمها الدولة التي قامت بالفعل غير المشروع وذلك بإعادة الحال إلى ما كان عليه قبل وقوع العمل غير المشروع فمثلا عند اختطاف طائرة أو رهائن تابعين لدولة أخرى فأنه يمكن أعاده الطائرة أو الرهائن لدولتهم.

وأخيراً فأن الأثر المترتب على المسؤولية الدولية يتخذ في كثير من الأحيان شكل التعويض المالي عن الضرر الناتج عن العمل الإرهابي .

2. المسؤولية الجنائية الدولية للفرد

إذا كان الفرد محل اهتمام القانون الدولي في حالة وقوع الضرر عليه من قبل دولة من خلال نظرية الحماية الدبلوماسية فأن الفرد عندما يكون هو مرتكب الضرر على المجتمع الدولي بأسره يكون أيضاً محل اهتمام القانون الدولي من خلال نظرية المسؤولية الدولية الجنائية للفرد، فإزاء وقوع جرائم بشعة ضد البشر من قبل أفراد فأنه لا يمكن أن يترك هؤلاء الجناة دون مساءلة، ولما كانت المبادئ القانونية العامة تقرر أنه لا عقوبة بدون مسؤولية فان الفقه الدولي اعترف بوجود المسؤولية الدولية الجنائية كأساس لمحاكمة مرتكبي الجرائم شديدة الخطورة على المجتمع الدولي، وعليه وفي ظل القانون الدولي المعاصر فأنه عند حدوث جريمة دولية فان الفرد وحده هو محل المسؤولية الدولية الجنائية أما الدولة فتمثل المسؤولية الدولية المدنية من خلال جبر الضرر بالرد أو التعويض والترضية(32).

ولما كان العمل الإرهابي يشكل جريمة دولية تتحقق فيها كل أركان الجريمة الدولية فالركن المادي يتجسد في الفعل المادي المنصوص عليه في الاتفاقيات الدولية التي تحرم الإرهاب والركن المعنوي المتمثل قي القصد الجنائي في العمل الإرهابي الذي يقصد منه تحقيق بعض المقاصد السياسية أو الاقتصادية أو الشخصية.

كل ذلك يدفعنا للاعتراف بإمكانية محاكمة الفرد على جريمة الإرهاب باعتبارها من الجرائم الخطيرة ضد القيم الإنسانية وقد وجد هذا الاعتراف إقراراً به في معاهدات عدة، دولية ملزمة كما وجد له تطبيقاً عملياً في أكثر من محاكمة دولية.

أما بخصوص القانون الواجب التطبيق على الجرائم الدولية المرتكبة من قبل الأفراد فقد وضعت كل محكمة أُنشأت لمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية، نظاماً أساسياًَ على أساسه تتم محاكمة الأفراد المتهمين وكذلك وضعت الاتفاقيات الدولية التي تم التوصل أليها بشأن جريمة الإرهاب وما يتصل بها من جرائم تحديداً للقانون الواجب التطبيق على هذه الجرائم التي تحكمها هذه الاتفاقيات، وأخيراً فأنه تم إنشاء المحكمة الجنائية الدولية التي تقرر المسؤولية الدولية الجنائية للفرد وتمارس هذه المحكمة اختصاصاتها على جميع الأشخاص الذين يرتكبون اشد الجرائم خطورة وللمحكمة اختصاص النظر في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان(33).

ورغم كون جريمة الإرهاب جاءت في مشروع النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية كإحدى الجرائم الأشد خطورة ألا أنه تم استبعادها بعد ذلك بسبب عدم الاتفاق على تعريف معين للإرهاب من قبل المؤتمر الدبلوماسي الذي انعقد في روما بين15-17/7/ 1998م الأمر الذي يتطلب توحيد الجهود الدولية لتعريف الإرهاب وجعل منفذيه تحت طائلة العقاب الدولي لا تحت طائلة العقاب الداخلي الذي توقعه الدول كلاً حسب تعريفها للإرهاب.

 *تدريسي/ كلية القانون/ جامعة الكوفة .

الهوامش

1.     د.أمل يازجي، د.محمد عزيز شكري، الإرهاب الدولي والنظام العالمي الراهن، دار الفكر العربي، ط1، نيسان 2002، ص 931.

2.     المادة الأولى من الاتفاقية .

3.     د.أمل يازجي و د.محمد عزيز شكري، مرجع سابق، ص 64- 65.

4.  د.عبد الحسين شعبان، الإنسان هو الأصل (مدخل القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان)، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 2002، ص 104- 105.

5.     د. أمل يازجي و د.محمد عزيز شكري، مرجع سابق، ص65-67.

6.     المحامي ثامر إبراهيم الجمهاني، مفهوم الإرهاب في القانون الدولي، دراسة قانونية، 1998، ص129-132.

7.  د.رجب عبد المنعم متولي، حرب الإرهاب الدولي والشرعية الدولية في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئ القانون الدولي العام، ط1، دار النهضة العربية، 2003 ، ص106 .  

8.     ­د. صلاح الدين عامر، المقاومة الشعبية المسلحة في القانون الدولي العام، بلا سنة طبع، ص486 .

9.     المحامي ثامر إبراهيم الجمهاني، مرجع سابق، ص132 .

10.     لقد قام مؤتمر الأمم المتحدة المعقد في تموز 1998 والمعني بوضع مشروع المحكمة الجنائية الدولية بوضع تعريف لجريمة الإرهاب بأنها (كل استعمال للقوة أو العنف ضد الأشخاص أو الأموال أو الممتلكات العامة أو الخاصة وذلك لأغراض شخصية أو سياسية أو أيدولوجية).  

11. د. رجب عبد المنعم متولي، مرجع سابق، ص119-120 .

12. د. أمل يازجي، د.محمد عزيز شكري، مرجع سابق، ص21-22.

13. د. رجب عبد المنعم متولي، مرجع سابق، ص107- 108 .

14. أنظر في شرح هذه الجرائم، المصدر أعلاه، ص389 وما بعدها.

15. أنظر نص المادة الخامسة عشرة من البروتوكول الثاني لسنة 1977م .

16. د.إمام حسانين عطا الله، الإرهاب والبيان القانوني للجريمة، دراسة مقارنة، دار المطبوعات الجامعية، بلا سنة طبع، ص142-143 .

17. تقرير الأمين العام عن التدابير الرامية لمنع الإرهاب المقدم إلى الدورة الأربعين للجمعية العامة .

18. د. جعفر عبد السلام، القانون الدولي لحقوق الإنسان، ط1، دار الكتاب المصري واللبناني، 1999 ، ص128-129 .

19. ثامر إبراهيم الجمهاني، مرجع سابق، ص54 .

20. د. إمام حسانين عطا الله، مرجع سابق، ص136.

21. د. جعفر عبد السلام، مرجع سابق، ص126.

22. د.أمل يازجي، د.محمد عزيز شكري، مرجع سابق،ص 96.

23. المرجع السابق، ص32-33 .

24. د.رجب عبد المنعم متولي، مرجع سابق، ص121-125.

25. أنظر المواد (163، 197) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969م.

26. د. إمام حسانين، مرجع سابق، ص205.

27. المرجع السابق، ص135 .

28. د. جعفر عبد السلام، مرجع سابق، ص135.

29. توجد الآن حوالي(12)اتفاقية ومشروع اتفاقية تتعلق بالإرهاب ووسائل مكافحته.

30. د.أمل يازجي، مرجع سابق، ص34-36.

31. د.عبد الكريم علوان، الوسيط في القانون الدولي العام، الكتاب الثالث(حقوق الإنسان)، مكتبة الدار الثقافية، عمان، 1997م، ص41.

32. وائل احمد علام، مركز الفرد في النظام القانوني للمسؤولية الدولية، دار النهضة العربية، 2001 ، ص95.

33. أورد النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تحديداً لجريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب أما فيما يتعلق بجريمة العدوان فتمارس المحكمة الاختصاص عليها متى ما تم التوصل إلى تعريف متفق عليه بشأن هذه الجريمة. 

الفصل الثاني

 مفهـــــوم الإرهـــــاب

د.محمد إبراهيم المصبح

تمهيد

لقد رافق عملية الصيرورة التي مر بها المجتمع السياسي مجموعة من الظواهر التي كانت ولا تزال تشكل تقاليد العمل السياسي الذي صار مع انبثاق الدولة القومية، يحكم العلاقات السياسية الدولية، وتلك الظواهر كثيرة ومتنوعة ولكن جلها يدور في فلك ممارسة السلطة وفرض الإرادة من قبل فئة بعينها على غيرها من الفئات الأخرى.

إن بعض تلك الظواهر أتسمت باستخدام العنف كوسيلة رئيسة لتحقيق الأهداف السياسية، وهذه الظواهر تنوعت بتنوع الكيفية والطبيعة التي يمارس من خلالها العنف فالعنف أتخذ أشكالاً متنوعة بتنوع الأهداف المبتغاة من وراءه وتنوع الفئات الممارسة له، ويعد الإرهاب من بين تلك الظواهر التي صارت تقترن بعمليات الإرهاب كنتيجة للتطورات التي حدثت ضمن تلك الظاهرة على صعيد التخطيط والأسلحة المستخدمة، وكذلك بفعل تطور وتعاظم الآثار التدميرية المصاحبة للأسلحة الحديثة، مجمل تلك الأمور جعلت الإرهاب مفردة مهمة، وتتوافر على قدر كبير من التأثير في الحياة اليومية التي يشهدها عالم اليوم، وبالتالي أصبح من الضروري إيلاء تلك المفردة الأهمية المناسبة لها من حيث ترافق وتلازم تلك الظاهرة.

    ولكي تستكمل الدراسة العلمية لأية ظاهرة سياسية أبعادها المعرفية ولتحقق الأهداف الأكاديمية المتوخاة من ورائها لابد لها أن تبتدئ بتحليل الملزمات والشروط الحاكمة التي تفضي إلى وصف الموضوع على أنه ظاهرة، كما ينبغي التعرف على ماهية الظاهرة، والدوافع التي تقف وراء النشأة والتطور، هذا ما سوف نتناوله في الصفحات القادمة.

  المبحث الأول

الإرهاب كظاهرة سياسية

   ما هو معيار اعتبار الحالة من قبيل الظواهر؟

    سؤال لابد من طرحه كبداية موضوعية إذا ما أردنا البحث في موضوع الإرهاب كظاهرة معاصرة، إن التحديد الدقيق لمفهوم (الظاهرة) يمكن أن يعبر عنه على أنه تواتر حدوث الحالة وتكرار وقوعها بين الحين والآخر، فعلى هذا المنوال نجد أن ما أستجد وقوعه من حوادث يسمى حالة أو حادثاً، في حين أن ما تواتر وتكرر حدوثه يسمى ظاهرة، كما أن الظواهر لها ما يميزها من السمات التي تكاد أن تبدو متشابهة بين كل حدث متكرر من أحداثها، والإرهاب كفعل له صفة الاستمرارية والتكرار وبتوافر معظم حوادثه على صفات وقواسم مشتركة، أكتسب ما يجعله مستوفي لشروط الوصف على أنه ظاهرة، وبحكم كون المجتمع السياسي هو الوسط الذي ولدت ونمت في كنفه تلك الظاهرة، إذن هي من قبيل الظواهر السياسية.

إن الوقوف على مدلولات مفردة الإرهاب كظاهرة ينبغي له أن يأخذ عمقه الطبيعي الذي لا يمكن أن يتحدد بولوج تلك الظاهرة حيز العلاقات الدولية، وإنما علينا الرجوع إلى عمق الظاهرة ومرجعيتها الأساسية في السلوك الإنساني بشكل عام والذي تمثل العلاقات الدولية إحدى تنوعاته، إن نطاق ظاهرة الإرهاب هو السلوك الإنساني بشكل عام وليس قطاعاً أو نمطاً بعينه من أنماط السلوك، فالإرهاب صيغة من صيغ الفعل الهادف وبغض النظر عن الغموض الذي يعتري أهدافه وعدم شرعية الوسائل المستخدمة في تحقيقها.

هنالك بعض السمات المشتركة التي ما انفكت ترافق الإرهاب وتسمه بصفاتها حتى أصبح من الصعب التفريق بينها وبين الإرهاب ذاته وليبدوا في بعض الأحيان وكأنها هي الظاهرة الإرهابية برمتها، أهم هذه السمات هي:

*التعصب الفكري والعنصرية

إن التعصب الفكري يشير إلى الميل الانفعالي الذي يؤدي بصاحبه إلى أن يفكر بطرق وأساليب تتفق مع حكم بالتفضيل أو عدم التفضيل لشخص أو جماعة (أخرى) وفقاً لمرجعية فكرية مغلقة غير قابلة للتفاعل مع الآخر(1) .

أما العنصرية فهي شعور وتصور الفرد أو الجماعة بأن هويتهم حاسمة الأهمية بالنسبة لوجودهم، وبأن أهميتها تتطلب دائماً تغذية الشعور بالتفوق على الآخر ودونيته.

إن الترابط الوثيق ما بين التعصب الفكري والعنصرية وجد الأرضية الخصبة له في ظاهرة الإرهاب فصار هذا المركب سمة أساسية من سمات الظاهرة موضع البحث، بل أن مركب التعصب/العنصرية هو من أهم دوافع الظاهرة الإرهابية فهو الذي ينعش ويغذي الشعور المستمر بالعدوانية وهو الذي يثير الانفعالات الفكرية ويرتقي بها إلى مستوى العنف ومن ثم إلى مستوى الإيذاء العضوي.

* العنف (Violence)

هو كذلك من السمات الأساسية لظاهرة الإرهاب، والعنف لا يتوقف عند حدود استخدام الوسائل المادية وغير المادية بهدف إلحاق الأذى بالخصم، فالعنف المرتبط بالإرهاب يتجلى واضحاً على صعيده المادي والمعنوي من خلال أعمال التخريب المادي والقتل الجماعي، ناهيك عن الحرب النفسية ونشر الأفكار المتعصبة وإثارة النعرات الدينية والطائفية المتشددة(2).

* الإيذاء العضوي (Physical Attack)

وهو أيضاً من بين السمات المميزة لظاهرة الإرهاب، ويشير إلى الانتقال من الحالات الانفعالية الفكرية إلى الهجوم الجسماني وقد تتفاقم هذه السمة لتصل إلى حد الإبادة أو التطهير ضد فئة بشرية معينة هي مركز العدو بالنسبة لمن يمارس الفعل الإرهابي(3).

إن هذه السمات الأساسية لظاهرة الإرهاب تفسر جزءاً من حقيقة الظاهرة، غير إن عناصرها ومتغيراتها هي أوسع وأشمل بحيث أنها خليط معقد من المتغيرات النفسية والاقتصادية والعقائدية...الخ، هذا الخليط هو المدخلات الأساسية لظاهرة الإرهاب أما مخرجاتها فهي الأثر الملموس الناجم عن الظاهرة مادياً ومعنوياً، ومجمل تلك المدخلات والمخرجات سوف تكون ضمن مفردات البحث في الصفحات القادمة. 

المبحث الثاني

ماهية ظاهرة الإرهاب

الإرهاب ظاهرة رافقت المجتمع السياسي منذ زمن بعيد، ومثلما رافقت الجريمة المجتمع الإنساني ونشأت مع نشأته فإن الإرهاب رافق تنظيم السلطة والصراع الناجم عن التنافس على امتلاك القوة وفرضها على الآخرين، ومن هنا كان الإرهاب قديماً قدم السلطة السياسية.

إن الإرهاب وفقاً لكثير من الآراء في ميدان العلوم السياسية والقانونية يعبر عن آلية يلجأ إليها الأفراد و الجماعات وأجهزة بعض الدول التي تمتلك استخدام أدوات القوة والقمع، لتحقيق أهداف معينة، وعادةً يرتبط بتلك الآلية قدر غير قليل من العنف الذي(وفقاً لما تقدم) سيكون مصدره الفرد أو الجماعة أو الدولة عموماً(4)، ويتضمن الإرهاب استخداما مباشراً للعنف ممثلاً بعناصر القوة المادية أو المعنوية، وتتراوح ما بين العنف الشامل الذي يمس مساحة واسعة من شرائح المجتمع، أو العنف المحدود الموجه نحو فئة محددة، ويعد عدد المشاركين في العمل الإرهابي مباشرة أو بشكل غير مباشر، وفترته الزمنية والأهداف المتوخاة من وراءه، والمساحة المستهدفة من قبله أهم المعايير التي تحدد طبيعة ونوع الإرهاب.

     من الأمور التي يجب ملاحظتها أن ممارسة الإرهاب لا تقتصر على مجتمع معين دون غيره، وإنما هي ظاهرة ملازمة كما ذكرنا لعموم المجتمع السياسي وهو الأمر الذي يثبت الفرض القائل بأن الإرهاب ظاهرة ذات صلة مباشرة بالسلوك الإنساني العام، طالما أن العنف يمثل حجر الأساس للإرهاب، ولعل التعريف المبسط لظاهرة الإرهاب الذي يحلل هذه الظاهرة على أنها استخدام غير شرعي للقوة من أجل تحقيق أهداف سياسية، يرشدنا للقول بأن العنف هو المشهد الأول والأساس للإرهاب، فالعنف هو توظيف القوة من أجل إيقاع الأذى (بالآخر) بقصد إرغامه على انتهاج سلوك معين أو تغييره أو الكف عنه.

إن الدوافع الرئيسة للعنف هي بالحقيقة دوافع نفسية تحركها متغيرات متنوعة، ولكن على قمة تلك المتغيرات هي الطبيعة الاستحواذية التي تدفع بصاحبها لإنتهاج سلوك يميل إلى التسلط، وتلعب المتغيرات الاقتصادية كذلك دوراً مهماً في تغذية الروح التسلطية فخير مثال حول ذلك هي النزعات الفاشية والنازية التي اجتاحت أوربا خلال العقود الأولى من القرن العشرين، والتي كانت أحدى تجليات عصر التحول الاقتصادي في أوربا، في هذا الصدد يشير (أريك فروم) إلى هذا التحول في كتابه (الخوف من الحرية) إذ يرى أن المرحلة التي عاشتها أوربا بتحولها من الإقطاع إلى الثورة الصناعية ولدّت لدى الفرد الأوربي هاجساً نفسياً عزز في داخله مشاعر الوحدة والدونية واللاجدوى، وهذه المشاعر أدت بالتحليل النهائي إلى تغذية تيارين نفسيين رئيسيين هما النزوع إلى التسلط على الآخرين، والميل للخضوع إلى سلطة خارجية. وخلال مرحلة المخاض التي عاشتها تلك المجتمعات ولدت الحركات الفاشية والنازية التي مارست أسوء أنواع الإرهاب وأعتاها ضد الشعوب، ومن ثم قادت العالم بأسره إلى حرب عالمية مدمرة(5).

      إن الأهداف التي يضطلع الإرهاب بتحقيقها متنوعة ومتشعبة، ويأتي تنوعها وتشعبها من عوامل عدة أهمها تنوع المرجعيات الدينية والعقائدية التي تتبناها المجاميع الإرهابية، وفي أحيان أخرى يكون التنوع نتاج لتنوع الأهداف بفعل تعدد المصالح والأهداف تبقى السمة المميزة والجامعة لتلك الحركات أو المنظمات أو المجاميع(أياً كان عنوانها) هي عدم امتلاك القدرة على استخدام لغة الحوار مع (الآخر) لأجل تحقيق التوافق بشأن ما يتعارض من الأهداف والتطلعات والرؤى بين الأطراف، لعل أن تلك الاختلافات في نوعية الأهداف والمصالح، وفي طرق ممارسة العنف ومستوياته، وحجم التنظيمات القائمة على ممارسة ذلك الدور، أدت إلى الفرز بين بعض العناوين الرئيسة لتلك الجهات التي تمارس الإرهاب، ويمكن أن نشير إلى بعض أهم تلك العناوين.

إرهاب على مستوى الدولة القومية: ويطلق عليه عادة (إرهاب الدولة) وهو الآخر متنوع ومتعدد الأوجه حيث يمكن أن يكون إرهاب الدولة موجه نحو الداخل كما هو الحال مع النظم السياسية الدكتاتورية الشمولية التي لا تتوانى عن استخدام العنف بالضد من رعاياها لأجل تحقيق أهداف سياسية معينة، وعموماً ففي كلا الحالتين تقوم بأعمال الإرهاب أجهزة حكومية مؤسسة ومهيأة بالأصل لممارسة ذلك النوع من أنواع العنف.

إرهاب على مستوى مجموعات ومنظمات دون مستوى الدولة: ذلك النوع من الإرهاب متعدد الأوجه وهو يخضع إلى تقسيمات فرعية، حيث تتأتى صفة التنوع فيه من اختلاف المجاميع الإرهابية في طبيعتها من حيث الأهداف والوسائل، وكذلك من حيث مستوى ممارسة العمل الإرهابي محلياً، إقليميا أو دولياً، لقد تطورت ظاهرة الإرهاب نتيجة مجموعة من التطورات الهيكلية التي شهدها العالم، لاسيما في أواخر القرن الماضي في عقد التسعينات خصوصاً، تلك التطورات متعددة الأوجه ساهمت في تطوير ظاهرة الإرهاب، ومن الممكن تشخيص مجالات التطور في أشكال الإرهاب على النحو التالي(6):

*الإرهاب التقليدي:

هو الشكل الابتدائي والذي لازال يشكل الصورة الأساس والأكثر تكراراً لظاهرة الإرهاب، ويتجلى واضحاً من خلال أعمال التخريب والتفجير المعتمدة على المتفجرات التقليدية، وفي كثير من الحالات يكون منفذي العمليات الإرهابية من ذوي الخبرة العالية في التعامل مع المعدات القتالية، بل أنهم في بعض الأحيان يتوافرون على قدر من الخبرة يفوق إمكانيات أجهزة الأمن حتى في الدول المتقدمة ومما يثبت صحة ذلك الشيء، هو أخفاق أجهزة الأمن في أكثر الدول تقدماً وتطوراً في إجهاض العمليات الإرهابية قبل وقوعها.

* الإرهاب غير التقليدي:

هذا النوع من الإرهاب يعتمد على أنواع من الأسلحة غير التقليدية (الكيميائية، البايلوجية، النووية)، وقد ظهرت ملامح هذا النوع من الإرهاب في بعض العمليات، مثل تلك التي قامت بها طائفة (أوم) في أنفاق المترو في اليابان عندما تم استخدام غاز (السارين) كسلاح كيميائي، إن أهم مؤشرات احتمال انتشار ذلك النوع من الإرهاب، هو التوسع المطرد في أنتاج الغازات السامة المستخدمة كأسلحة، وكذلك الوسائط الزرعية التي يتم من خلالها أنتاج البكتريا والفايروسات القاتلة التي هي الأخرى دخلت مضمار الاستخدام كأسلحة، ويلاحظ أن انتشار مثل تلك التقنيات لدى دول ذات بنية أمنية هشة، يجعل تلك الأسلحة هدفاً سهلاً لبعض المجاميع الإرهابية.

* الإرهاب المعلوماتي:

وهو حلقة متقدمة في ميدان العمل الإرهابي ومن اخطر أنواع الإرهاب في عالمنا المعاصر، يتمثل في استخدام الموارد المعلوماتية المتمثلة في شبكات المعلومات الدولية والوطنية، من أجل أغراض التخويف والإرغام لأهداف سياسية، وقد يتسبب ذلك النوع من الإرهاب في إلحاق الشلل في أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات، وتعطيل أنظمة الدفاع وإخراج الطائرات عن مسارها، أو اختراق نظم الأمن لمحطات الطاقة الكبرى، وإرباك حركة الطيران المدني، والسطو عبر اختراق النظم المصرفية...الخ.

 المبحث الثالث

أسباب ودوافع ظاهرة الإرهاب

إن الأسباب والدوافع التي تقف وراء ظاهرة الإرهاب تختلف من حالة إلى أخرى، ومع ذلك هنالك مسببات ودوافع ذات صفات متشابهة ومشتركة، تجمع ما بين الدوافع النفسية العامة، وبين الدوافع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المفتعلة والتي تتجلى غالباً من خلال الصراع على السلطة والسيطرة.

لكي نلقي الضوء على تلك الدوافع والأسباب لابد لنا من النظر إلى الظاهرة ككل متكامل يحمل صفات مشتركة قابلة للتطبيق على أغلب حالات الإرهاب، لا عن طريق دراسة كل حالة على حدة. من هنا يمكن أن نحدد مجموعة من الأسباب والدوافع التي يمكن أن نعدها ذات صفة عمومية ملائمة لظاهرة الإرهاب بوجه عام، هذه الأسباب والدوافع هي الآتي(7):

1. إخفاق النظم السياسية في الوصول إلى حالة من الإشباع الجماعي السياسي النفسي والفكري والاقتصادي إلى فئات المجتمع الاجتماعية والعمرية والعرقية كافة، بحيث تصبح هذه الحالة مانعا للمجتمع من الانزلاق في دوامة العنف والعنف المضاد.

2.  الدوافع العرقية ذات الطابع الانفصالي، فربما يكون احتواء المجتمع على أكثر من فئة عرقية متمايزة دينياً ولغوياً ومكانياً، فضلا عن سيطرة فئة عرقية بذاتها على الأعراق الأخرى، هو الدافع المباشر وراء الإرهاب.

3. نزعات التعصب العنصري، وهي غالباً ما تقترن بفكرة أو عقيدة أو أيديولوجية معينة، حيث يؤدي التعصب العنصري إلى تفاقم وأتساع الفجوة ما بين الحركات المتبنية لهذا الفكر، وبين المجتمعات التي تعيش بين ظهرانيها، وهو الأمر الذي يقود في نهاية المطاف إلى اصطدام تلك الحركات أو المجاميع مع المجتمع، أما بصيغة التصادم مع الأجهزة الحكومية، أو مع مجاميع أخرى داخل المجتمع.

التعثر في عملية التحول من حروب أهلية غلفت بصراع بين أفكار يسارية وأخرى يمينية وفق معايير التبعية والاستقلال، إلى مرحلة وفاق وطني وسلم أهلي، وخير مثال على تلك الحالة هي كل من أفغانستان ويوغسلافيا.

4. الرغبة الجماعية للتمرد على سياسات النظم السياسية الرامية إلى تهميش فئة اجتماعية (قومية، دينية، أو عرقية...الخ) وعزلها عن الحياة السياسية للدولة.

5.  الفقر المدقع وانخفاض المستوى المعيشي للأفراد في مجتمع معين، يوجد أرضية مناسبة لنمو أفكار متطرفة غالباً ما تميل في نهاية المطاف إلى استخدام العنف بالشكل الذي يجعلها صورة من صور الإرهاب الأكثر شيوعاً.

هناك إرهاب غالباً يصاحب بعض أنواع التجارة غير المشروعة مثل تجارة المخدرات والأسلحة، وتعد أمريكا اللاتينية الأرضية الأكثر خصوبة لمثل هذا النوع من الإرهاب، حيث تضم بعض دول تلك القارة مؤسسات عملاقة يملكها أباطرة هذه الزراعة/ الصناعة المدمرة، ويدور العنف أما من قبل تلك المؤسسات بهدف ترويع الدولة وأجهزتها، أو من قبل الدولة نفسها بهدف امتلاك جذور تلك التجارة.

 *باحث ومحلل سياسي.

الهوامش

1.  أنظر معتز سيد عبد الله، الاتجاهات التعصبية (الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الطبعة الأولى، 1989) ص104 – 108.

 2. لمزيد من التفاصيل، يمكن الرجوع إلى: ب. ف. سكينر ترجمة د.عبد القادر يوسف (الكويت، عالم المعرفة، الطبعة الأولى 1980) ص  65 – 80.

 3. معتز سيد عبد الله، مصدر سبق ذكره، ص67.

 4.  التقرير الاستراتيجي العربي لعام 1995 (القاهرة، مركز الدراسات السياسية و الإستراتيجية بالأهرام، الطبعة الأولى، 1996) ص 403.

 5. أنظر: أريك فروم، الخوف من الحرية، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1972) ص167-192.

 6. أحمد إبراهيم محمود، الإرهاب الجديد: الشكل الرئيسي للصراع المسلح في الساحة الدولية، مجلة السياسة الدولية، (القاهرة – مؤسسة الأهرام، العدد 147، يناير 2002).

 7.  التقرير الاستراتيجي العربي 1995، مصدر سبق ذكره ص 69.

الفصل الثالث

الأبعاد الثقافية والحضارية للإرهاب

 خالد عليوي العرداوي* 

تمهيد:

منذ الحرب على العراق عام 1991 وما تلاها من انهيار للاتحاد السوفيتي السابق، والدوائر الغربية – الفكرية والسياسية والاقتصادية والعسكرية، تشهد حالة من التخبط حول اختيار الأطروحة المناسبة، التي توفر الغطاء الدولي للهيمنة على العالم، حيث أنه مع نهاية الحرب المذكورة آنفاً، وما جاء بعدها من أحداث دولية، عمل الغرب على طرح ما سمي بالنظام الدولي الجديد، الذي فبركه طارحوه الأمريكان ليبدو بصورة جذابة تشجع الآخرين على قبوله والتعامل بشكل إيجابي معه، ولكنهم وجدوا أنه لا يوفر الغطاء الكافي لتحقيق أهدافهم، فما كان منهم إلا أن بدءوا البحث عن أطروحة أخرى، فوفرها لهم هذه المرة "صامويل هانتنغتون" الأمريكي في مقاله المنشور في مجلة "فورن أفيرز" الأمريكية عام 1993، والذي أسماه "صدام الحضارات"، ودعمه بعد ذلك بكتاب يصب في نفس الأهداف، فأخذت الدوائر الغربية أفكاره، وهي أفكار تتغذى من خيالات تاريخية مليئة بالحقد، وتنسجم مع نوايا إستراتيجية مليئة بالأطماع والعدوان، ورغم وجود عدد من المفكرين الغربيين، الذين رفضوا أفكار "هانتنغتون"، إلا أن الصوت الغالب والمؤثر كان لأولئك الذين أيدوه وتبنوا أفكاره، وأستمر الحال على هذا المنوال، ومع تصاعد العنف المستخدم من قبل الغرب عموماً، وأمريكا بشكل خاص، وتصاعد العدوان الوحشي الإسرائيلي على العرب في فلسطين، كانت تتصاعد أعمال المقاومة والعنف في البلدان الإسلامية، انسياقا مع مقولة "أن العنف لا ينجب إلا عنفاً متزايداً"، حتى حصلت هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2001 في الولايات المتحدة، والصدمة العنيفة التي وجهتها إلى مراكز القوة في أقوى دولة غربية، فكان أن أعطي للإرهاب الدولي بعداً خطيراً، إذ عمل الخطاب الرسمي الأمريكي على تقسيم العالم إلى معسكرين: المعسكر الأول يضم أولئك الذين يناصرون أمريكا ويتعاونون معها إستخباراتياً، وأمنياً، وعسكرياً، واقتصاديا، أما المعسكر الآخر فيشمل أولئك الذين لا يقبلون التعاون مع أمريكا أو يرفضون سياساتها الدولية المطروحة، وهم بالتالي (حسب الرؤية الأمريكية) مع الإرهاب، ولما كان الطرف الذي حمل مسؤولية أحداث الحادي عشر من أيلول، طرفاً إسلاميا، فقد أصبح الإسلام والمسلمين هدفاً ينصب عليه العداء الغربي– الأمريكي– الإسرائيلي، وأصبحت مقاومة الإرهاب الدولي، تتويجاً للأهداف التي يتوخاها الطارحون والمؤيدون لأطروحة صراع الحضارات.

وفي ضوء الأبعاد الخطيرة للرؤى الغربية المتركزة حول هذه الفكرة، فقد دار جدل كبير على مستوى العالم يحللها ويدرسها، البعض ساندها وتحمس لها بشكل أعمى، ودون مناقشة الأسباب والمسببات، أما البعض الآخر فقد وقف ضدها ولا سيما عالمنا الإسلامي، وأنطلق من موقف الدفاع ليقدم بديلاً قائماً على الحوار الإيجابي بين الطرفين، وبدون الانسياق بشكل مضلل وراء أولئك الذين تحمسوا لفكرة  الصراع خدمة لأهدافهم القريبة والبعيدة، أو الوقوف موقف المدافع لطرح بديل قائم على حوار عقيم، لابد من التساؤل عن الجذور التاريخية للإرهاب، وبالتالي هل هو نتاج إنساني عام أو نتاج إسلامي خاص؟ ثم ما هي الغايات الغربية الأمريكية التي تقف وراء سياساتهم الداعية لمقاومة الإرهاب؟ وهل أن العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية (في ظل الواقع الحالي) مستقبلاً وفي المدى المنظور علاقة صراع أم حوار؟

إن الفرضية التي يحاول هذا البحث إثباتها، هي أن الإرهاب نتاج إنساني رافق الجنس البشري منذ وجوده على سطح الأرض، وأن الصراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية سوف يتصاعد بشكل مستمر، طالما بقي الغرب على سلوكه الحالي في التعامل مع الإسلام والمسلمين، وأن تصاعد الصراع لا ينطلق من مبدأ ثابت يحكم العلاقة بين الحضارتين، بل على العكس من ذلك، إن الحوار ممكن وليس مستحيلاً، وأن نتائجه أفضل كثيراً لكن كل حوار لكي يقوم فهو يحتاج إلى قواعد محددة تؤدي إلى نجاحه، وهي قطعاً ليست القواعد الحالية التي يحاول الغرب وضعها لتحديد علاقته مع المسلمين.

وعليه تم تقسيم البحث إلى ثلاثة مباحث: تناول المبحث الأول الجذور التاريخية للإرهاب، وكيفية توظيف الولايات المتحدة له في خدمة أهدافها الإستراتيجية، في حين تناول المبحث الثاني الإرهاب ومأزق العلاقة بين الإسلام والغرب، وتناول المبحث الثالث آليات مواجهة الإرهاب في البلدان الإسلامية .

 

المبحث الأول

الجذور التاريخية للإرهاب الدولي وتوظيف الولايات المتحدة له في خدمة أهدافها الإستراتيجية

أولاً: الجذور التاريخية للإرهاب الدولي

لقد اتفقت آراء الكثير من المفكرين على أن الإرهاب بوصفه عملاً من أعمال العنف يعد من الظواهر التي عرفتها المجتمعات الإنسانية منذ أقدم العصور، بل هو مقترن مع وجود الإنسان على هذه الأرض(1)، فكل المجتمعات عرفّت الإرهاب بشكل من الأشكال في ماضيها وحاضرها، ومنها المجتمعات الإسلامية، التي عرفت في ماضيها ممارسات إرهابية تمثلت في "ممارسات الكثير من الفرق الدينية المعروفة بالحركات الغالية والفرق الباطنية التي انحرفت عن الإسلام ومنها الإلحادية والإباحية والبابية والبهائية، كما أن الفكر السياسي والفقهي الإسلامي قد عرف نوعاً من الإرهاب المعروف بالحرابة، والحرابة هي خروج طائفة مسلمة في دار الإسلام لأحداث الفوضى وسفك الدماء، وسلب الأموال، وهتك الأعراض، وإهلاك الحرث والنسل، متحدية بذلك الدين والأخلاق والنظام والقانون، ولا فرق بين أن تكون هذه الطائفة من المسلمين أو الذميين أو المعاهدين أو الحربيين، مادام ذلك في دار الإسلام، وما دام عدوانها على كل محقون الدم"(2)، كما إننا نجد عند التصفح للتاريخ أن اليهود يمثلون أعرق المجتمعات في ممارسة الإرهاب المقترن برؤى دينية، حيث تمثل التوراة والتلمود أقدم الكتب التي تنظر للإرهاب، وتدعوا إليه بشكل صريح اتجاه كل ما هو غير يهودي من البشر، ولكن لم يستخدم مصطلح "الإرهاب" في تعريف الممارسات التي تنطوي عليه قبل الثورة الفرنسية عام 1789م، إذ لم يكن الإرهاب كوسيلة إجرائية تستخدم عن وعي وتصميم يدفع العملية الثورية وزيادة سرعتها معروفاً قبل الثورة الفرنسية، فذاك روبسبير الذي أحتسب الإرهاب انبثاقا من الفضيلة، وسان جوستن الذي أحتسب الإرهاب هو العدالة الصلبة التي تقضي بوجودها الفضيلة(3)، وعرف الإرهاب أيضاً بشكل كبير في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية. سواء عندما أسست حين قام المستوطنون الأوائل بممارسة كافة أعمال الإرهاب من أجل القضاء على الهنود الحمر، أو عندما مورس الإرهاب بشكل واسع ضد الزنوج، ففي عام 1856م أنشأت منظمة (كوكلاكس كلان)، ضد الحقوق المدنية للزنوج، وكان الشنق وتعليق الضحايا على الأشجار هو الأسلوب الذي اشتهرت به إضافة إلى قيامها بالإرهاب الدولي من خلال الاعتداء على سيادة دول العالم، وتسخير عملائها لاغتيال القيادات السياسية المعارضة لها، يشاطرها (أي الولايات المتحدة) في هذا التاريخ الإرهابي اليهود، لاسيما بعد إقامة كيانهم في فلسطين منذ عام 1948، ولحد الآن(4).

ويمكن القول مع الدكتور محمد عابد الجابري: "إن الإرهاب في هذا العصر ظاهرة عامة وذات دوافع مختلفة، يعاني منها العالم اليوم من اليابان إلى أوربا وأمريكا، عبر آسيا وأفريقيا، والغريب المثير للدهشة هو أن الإعلام الغربي يصر إصراراً على ربط الإرهاب بالإسلام في البلدان العربية خاصة متجاهلاً عوامله الموضوعية، في حين أنه عندما يتعلق الأمر بالإرهاب خارج البلدان العربية الإسلامية، يصرف النظر عن ربطه بالدين ليقع التركيز على أسبابه الموضوعية... وهكذا فعندما يفجر الجيش الأيرلندي قنابله في لندن لا يقال عن ذلك أنه إرهاب كاثوليكي، وعندما ترتكب حركة بادرماينهوف جريمة قتل في ألمانيا لا يقال عن ذلك أنه عمل إرهابي بروتستانتي، وعندما ينفذ الجيش الأحمر الياباني عملية إرهابية لا يقال عن ذلك أنه إرهاب بوذي، وعندما يرتكب الصرب جرائم فضيعة ضد مسلمي البوسنة لا يقال عن ذلك أنه إرهاب أرثوذوكسي، (وعندما يقتل اليهود الفلسطينيين بوحشية، لا يقال عن ذلك أنه إرهاب يهودي)...الخ، لكن ما أن يرتكب شخص مسلم، أو منظمة إسلامية عملية فردية حتى تتلاحق الاتهامات الموجهة إلى الإسلام بأنه دين الإرهاب، وإلى المسلمين بأنهم جماعات إرهابية مشحونة بالعنف"(5).

وهذه الازدواجية في التعامل الغربي مع قضية الإرهاب، تعني أن هناك أهدافاً سياسية تقف وراء ذلك، فما هي؟

ثانياً: توظيف الإرهاب الدولي في خدمة الأهداف الإستراتيجية للولايات المتحدة

منذ أمد بعيد استقرت في الإستراتيجية الأمريكية نزعة الرغبة في الهيمنة على العالم، وهذه النزعة كانت تجد التعبير عنها في أقوال الكثير من المسؤولين الأمريكيين، فهذا (جورج بوش الأب) قال في أوائل التسعينات من القرن الماضي: "أن القرن القادم (الحادي والعشرين) ينبغي أن يكون أمريكياً، (وهو يكرر ما سبق أن قاله (روزفلت) في نهاية الأربعينات: "أن قدرنا هو أمركة العالم، تكلموا بهدوء واحملوا عصا غليظة"، وما قاله نيكسون في أنه،"يجب على أمريكا أن تقود العالم"(6)، والذي وصل في كتابه (الفرصة السانحة) إلى القول: "إن على الولايات المتحدة أن تضع الإستراتيجية اللازمة للتأثير في التطور التاريخي في العالم الإسلامي، الشيء الذي يعني العمل على ضمان استمرار هيمنة الولايات المتحدة على هذا العالم"(7)، من أجل ضمان هيمنتها على العالم أجمع.

ومن أجل تحقيق ذلك، عملت الدوائر الأمريكية على التأكيد في أن العالم سوف يكون أفضل في ظل هيمنتها وتعميم نموذجها السياسي، والاقتصادي، والثقافي القيمي(8)، وأصبحت الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعولمة بكل أشكالها حسب النموذج الأمريكي، غطاءاً تستغله الإدارات الأمريكية المتعاقبة لتحقيق أهدافها، وهذه النزعة الأمريكية جعلت إدارة هذا البلد ترفض كل نزعة أو توجه من شعوب وحكومات العالم يعارضها سواء صدر هذا التوجه من حلفائها، حيث لا تسمح لأي توجه منهم يهدد تطلعاتها القيادية الكونية(9)، أو كان صادراً من بقية العالم، ومنه الشعوب الإسلامية، حتى وصل الأمر بمفكر عربي هو منير العكش إلى القول:"إن رجل الدولة في واشنطن لن يسمح لك بالاعتقاد بأي معنى إسلامي يهدد هيمنته ونهبه، رغم أنه مستعد لإطلاق لحيته، ويصلي ويصوم، ولكنك إذا فكرت بإسلام يرفض الهيمنة والنهب والاحتلال فهيا إلى حوار مع شوارزكوف"(10)، وهذا المنطلق الأمريكي جعل قانون القوة، وليس قوة القانون هو الذي يفسر جانباً مهماً من أنماط الحركة الأمريكية...في العالم(11)، ومع تصاعد الحديث عن الإرهاب الدولي بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، فقد وظفت الولايات المتحدة ذلك في خدمة أهدافها في السيادة والهيمنة، إذ جعلته ذريعة في التدخل في شؤون الدول الرافضة لهيمنتها، والتي ترغب في إخضاعها ونهب خيراتها من أجل تثبيت أمر واقع يمكنها من امتلاك مصادر القوة اللازمة للضغط على القوى الأخرى التي يمكنها أن تنافسها مستقبلاً، وعلى الرغم من توجيه أمريكا أصابع الاتهام في ممارسة الإرهاب الدولي إلى الإسلام ديناً، وإلى المسلمين شعوباً وحكومات، إلا أن توظيفها للإرهاب الدولي بهذا الشكل قاد وسيقود مستقبلاً إلى نتائج خطيرة على المستوى الدولي، سواء على مستوى العلاقات بين دول العالم، أو على مستوى العلاقة بين الأنظمة السياسية والقوى التي تعارضها داخل كل دولة.

*على مستوى العلاقات بين الدول:

إن توظيف أمريكا للإرهاب الدولي في خدمة أهدافها السياسية، سوف يعقد النزاعات الدولية بالشكل الذي يجعل قيام الحروب أكثر احتمالا من فضها بالطرق السلمية، إذ سوف تتذرع كل دولة بأنها تشن حرباً من أجل مقاومة الأعمال الإرهابية لدول أو حركات إرهابية مزعومة، بحجة أن الولايات المتحدة تمارس نفس الأسلوب، وهذا الأمر يمكن أن نلمس مظاهره، في تلك النزعة الروسية المعلن عنها في شهر تشرين الأول 2002، حيث أبدت روسيا رغبتها في القيام بعمل عسكري اتجاه جورجيا بحجة مقاومة الإرهاب الشيشاني على أراضيها، وما أكدته موسكو بعد أحداث مدرسة بيسلان، في مطلع شهر أيلول 2004، حيث قالت: أنها سوف تشن حرباً وقائية على مواقع الإرهاب داخل وخارج أراضيها، وهذا المنطق إذا ساد العلاقات الدولية ستكون له أبعاد خطيرة تهدد القانون الدولي، وتهمش دور المؤسسات الدولية التي وضعت لتطبيقه، وسيكون قانون القوة هو الغالب حتى في هذه المؤسسات، وهذا ما نلاحظه في الطريقة التي تعاملت بها الولايات المتحدة مع قضية العراق داخل الأمم المتحدة. 

*على مستوى العلاقة بين الأنظمة والقوى المعارضة لها داخل الدول:

سوف تجد الأنظمة السياسية (لاسيما في عالم الجنوب)، ذريعة مناسبة لقمع وإرهاب معارضيها، وتصفية العملية الديمقراطية، وعدم اللجوء إليها في علاقتها معهم بحجة أن هؤلاء جماعات إرهابية تهدد السلم والأمن الداخلي والدولي، وهذا الأمر نجده حتى في داخل الدول الغربية في تعاملها مع الأقليات الإسلامية الموجودة فيها. كما نجده في إسرائيل (فلسطين)، وفي دول كثيرة عبر خريطة العالم سواء في روسيا، أو باكستان، الفلبين أو اندونيسيا أو البلدان العربية ... الخ، والكل لهم أدعاء مشترك هو مقاومة الإرهاب والقيام بنفس الدور الذي تمارسه حكومة واشنطن، وهذا يعني أن سياسة الأخيرة الدولية سوف تقود إلى نشر الرعب والخوف على مستوى العالم، وتضيق فرص توسع وانتشار العمل الديمقراطي، وانتهاك حقوق الإنسان بشكل واسع.

 المبحث الثاني

الإرهاب ومأزق العلاقة بين الإسلام والغرب

علينا أن نقر بلا حرج ولا تردد حقيقة أن الغرب بنمط تفكيره الحالي، وسلوكه غير العادل في التعامل مع قضايا الإسلام والمسلمين، يجعل الصراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية أمراً واقعاً لا محالة، وهذا الكلام لا يمثل انسياقا أعمى وراء أفكار (صامويل هانتنغتون) ومؤيديه، لأننا لا نفترض وجود سبع أو ثمان حضارات تتصارع فيما بينها من منطلقات دينية – ثقافية، بل أن هناك صراعاً أساسياً بين الحضارة الإسلامية والغرب، يؤججه ويفرضه الغرب على العالم الإسلامي،نتيجة لعوامل كثيرة سنأتي على ذكرها لاحقاً فقد أفرزت سياسات الغرب اتجاه العالم الإسلامي نوعاً جديدا من الإرهاب هو الإرهاب الحضاري.

وقبل الدخول في تحديد عوامل الصراع، التي قادت إلى تصاعد أعمال الإرهاب الحضاري، فإن الدارس للخطاب الغربي المعلن اتجاه الإسلام والمسلمين، يجد ثلاثة عناصر أولية، تفرض نفسها في هذا الخطاب هي:

* مسألة المهاجرين المسلمين في البلدان الغربية، حيث يظهر الغرب عداءاً متزايداً لهؤلاء المهاجرين لأنهم حسب زعمه يتسببون في تغييرات ديموغرافية، وتحديات قيمية يفرضها عددهم المتزايد بالشكل الذي أصبح الإسلام ينعت بأنه الدين الثاني في فرنسا(12)، وتمسك المهاجرين بقيمهم الإسلامية، جعل منهم هدفاً لهجمات الحركات اليمينية الغربية، فهذا (فيفان فرانزين) اليميني السويدي يتساءل ساخطاً عام 1993:(كم سيمر من الوقت قبل أن يركع الأطفال السويديون في مكة)، وهذا (جوتشن هايدر) زعيم حزب الحرية الجديد النمساوي يقول في نفس الوقت:"أن التلاميذ النمساويين يفقدون ثقافتهم لأن الصلبان أزيلت من بعض فصول فيينا التي توجد فيها نسبة مئوية أعلى من المتوسط من الأطفال المسلمين"، وذاك (لوبن) الفرنسي يؤكد في حملته للرئاسة الفرنسية عام 1995، أنه سوف يعمل على طرد ثلاثة ملايين مهاجر مسلم إلى شمال أفريقيا إذا فاز في الانتخابات(13).

وهناك الكثير من هذه الآراء على امتداد أوربا، إلا أنه مع العداء الغربي للمهاجرين المسلمين، فإن الغرب في ذات الوقت لا يستطيع الاستغناء عنهم اقتصادياً، لقيامهم بالأعمال التي لا يرغب الغربيون القيام بها، وهذا الأمر يسبب عقدة غربية لا يمكن حلها.

*مسألة النمو السكاني الكبير في البلدان الإسلامية، وثبات هذا النمو أو تناقصه في الغرب، وهذا الأمر يؤرق الغرب، لأنه يهدد بتغيير الخارطة الديموغرافية في العالم لصالح المسلمين في المستقبل، وهذا ما يمكن إدراكه في قول (نيكسون): "أن الإسلام سوف يصبح قوة جيوسياسية مستعصية، فمن خلال نمو سكانه، ومن خلال تبوئه مركزاً مالياً مهماً سيفرض تحدياً رئيسياً يحتم على الغرب أن يقيم تحالفاً جديداً مع موسكو للتصدي لعالم إسلامي معاد وعدواني" حسب زعمه(14).

* مسألة النفط، إذ يرى الغرب وعلى رأسه أمريكا أن المسلمين يمتلكون في أرضهم أكبر مخزون له، ويمكنهم (لو أرادوا) أن يهددوا مستقبل تطور الحضارة الغربية، لذا هو يسعى بشكل متواصل من أجل منع البلدان الإسلامية من أن تكون صاحبة إدارة مستقلة تسيطر على هذا المصدر المهم من مصادر الطاقة، هذه هي العناصر الأولية التي ترسم صورة المسلمين في الخطاب الغربي، وهي لا تمثل العوامل الرئيسة في تأجيج التوتر بين الحضارتين، بل هناك عوامل أخرى أكثر أهمية تسهم في ذلك هي:

أولا: البعد التاريخي للعلاقة بين الغرب والإسلام

تؤكد الدراسات التي تصدت إلى مسألة العلاقة بين الإسلام والغرب، أن الغرب لازال يتمتع بذاكرة تاريخية مشحونة بالعداء إلى الإسلام والمسلمين. وهو عندما يتعامل معهم يسترجع بوعي أو لاوعي هذه الذاكرة، فهذا (فريد هاليداي) يقول:أن الصورة المرسومة لما يدعى بالخطر الإسلامي تجد أحد مصادرها من تاريخ النزاع بين عالم الغرب المسيحي وعالم الإسلام، وقد استحكم هذا النزاع من غزوات أيبريا في القرن السابع وعبر الحروب الصليبية، التي بدأت في القرن الحادي عشر، ثم عبر النزاعات مع الإمبراطورية العثمانية، التي استمرت من القرن الخامس عشر حتى الانهيار النهائي لهذا التحدي الإسلامي في عام  1918..."(15). وأن هذه النزعة تجد تعبيراتها في الثقافة  الأوربية الحديثة من خلال "الاستخدامات المهينة لكلمة تركي بمعنى غبي في اللغة الهولندية، وفي التحذير الإيطالي للأطفال غير المهذبين ماما أي تركي... وفي الاحتفال بهزيمة المسلمين في الكرواسان الفرنسي، أو الكيبفيرل الفييني، وفي أسماء البارات الانجليزية رأس التركي، وكذلك في الرمز القومي لأحدى مناطق أوربا الناشئة (كورسيكا)، التي اتخذت رمزاً لها علم القرن الثامن عشر برأس مغربي، وهو نفسه مستعار من الحروب الصليبية "(16).

وما يزيد من خطر هذه النزعة العدائية الغربية ذات البعد التأريخي، إنها تكون حاضرة وبقوة في التفكير الغربي عند التخطيط للمستقبل، حيث أن العرب والمسلمين يمثلون "... ذلك الآخر الذي نافسهما في الماضي، والذي هو مرشح اليوم أكثر من غيره ليكون العدو في المستقبل..."(17).

ويبدو أن وجود التحدي الشيوعي السابق، كان يغطي على هذه المشاعر العدائية الغربية، ولكن مع انتهاء هذا التحدي لصالح الغرب الرأسمالي، ورغبة الأخير بقيادة الولايات المتحدة في فرض الهيمنة على العالم، فقد أسترجع الغرب ذاكرته التاريخية، وأستغل الساسة وأصحاب النفوذ فيه، والدوائر اليهودية ذلك لتأجيج الصراع بين الحضارتين تحقيقاً لمصالحهم الإستراتيجية.

إن وجود تاريخ من الصراع بين أبناء الحضارات المختلفة في الماضي لا يجعل من الضرورة استمرار هذا الصراع في الحاضر والمستقبل، وهل تاريخ الحضارات إلا سجل حافل بالنزاعات المتبادلة؟ لكن الغرب عندما يتعامل مع هذا التاريخ وفق ما تقدم آنفاً، واقتران ذلك بأهداف سياسية لها مصلحة في استرجاعه، فإن هذا التاريخ يهيئ الوسط النفسي الملائم للصراع.

ثانياً: البعد الثقافي (القسر الثقافي)

مما لاشك فيه أن لكل حضارة قيمها الأخلاقية التي تميزها عن غيرها، وهذه القيم إما تكون مقبولة خارج إطار هذه الحضارة، وإما تكون مرفوضة بشكل كلي أو جزئي، فإذا كانت مقبولة تكون فرص الحوار بينها وبين الحضارات الأخرى كبيرة جداً، وعندما تكون مرفوضة، فإن فرص الحوار تتقلص حسب مقدار الرفض، لكن لا يعني ذلك جعل الصراع بديلاً للحوار.

إذن، لماذا تصبح قيم الحضارة الغربية سببا في الصراع بينها وبين الحضارة الإسلامية؟ بداية لابد من توضيح بعض الحقائق عن الثقافة السائدة في الغرب عموماً، وفي الولايات المتحدة بشكل خاص. فقد جاء في برنامج إذاعي لمحطة (CNN) الأمريكية أذيع صباح الثلاثاء 25/1/1994 القول: "إن الفضائح الأخلاقية والمالية تهز المجتمعات الغربية، كل المجتمعات الغربية ما بين طوكيو وواشنطن مروراً بالعواصم الأوربية، ولاسيما لندن، والتي كان من نتيجتها استقالة مسؤولين عديدين، كما كشفت انهيارا لا مثيل له في القيم..."(18).

وهذا الكلام ليس كلاماً إعلامياً ترويجياً، فهذا (فريد هاليداي)، في كتابه (الإسلام وخرافة المواجهة) ينصح الغرب بالقول:" إن هناك مجالاً ينبغي لمن في الغرب أن يصغوا فيه إلى الخطاب الإسلامي، هو نقد المجتمع الغربي ذاته، في قضايا الجريمة واستغلال المرأة، ورعاية المسنين، وتماسك الأسرة، لأن هذا الأمر يلفت الانتباه إلى عجز من يروجون لحقوق الإنسان عن أن يكونوا على مستوى معاييرهم الكلية والعلمانية"(19)، هذا بالنسبة لثقافة الغرب عموماً، فماذا عن الولايات المتحدة الأمريكية؟، إن القيم الأخلاقية التي تحاول المادة الإعلامية الأمريكية الترويج لها هي(20):

1.    الغلو في اللا منطقية، وإلغاء العقل في فهم الأشياء والعلاقات والأحداث ...

2.    تمجيد المغامرة الفردية والشعور بالعظمة، وقتل الإحساس بالجماعة ...

3.    الترويج للعنف والوحشية والقتل ...

4.    الترويج للحياة الأمريكية ...

5.    النزول بالمرأة عن مستواها الإنساني، وجعلها سلعة، واقترانها بلذات ونزوات الرجال ...

6.    نشر أفلام العنف والجنس لتهديم ذاتية الشباب وطاقتهم مما يجعلهم غير قادرين على التكيف مع الواقع ...

والنتيجة التي تتمخض عن هذه المادة الإعلامية، أو التي تعبر عنها هي: انتشار اللا مساواة داخل المجتمع الأمريكي(21)، والأمية(22)، والمخدرات(23)، والجريمة، إذ بحسب إحصاءات عام 1989 (يموت شخص واحد اغتيالا كل خمس ساعات في مدينة نيويورك مثلاً، وتنتهك حرمة امرأة كل ثلاث ساعات، ويعتدي على شخص كل ثلاث دقائق)(24).

كما تشير الإحصاءات المتحفظة إلى إن 25% من الزوجات لهن علاقات جنسية برجال غير أزواجهن، وإن ما بين 50-60 % من الرجال يمارسون الزنا، وإن 25% من حالات الزواج تنتهي بالطلاق سنوياً(25)، ويسقط في أمريكا بحسب إحصاءات 1987 مائة شاب ضحايا حوادث الانتحار كل أسبوع لكونهم يفتقرون إلى الحب والرعاية من الأهل والأصدقاء وزملاء الدراسة(26).

وهذه القيم الثقافية الغربية، تتنافى مع قيم الحضارة الإسلامية، حضارة العدل والمساواة، والتماسك الأسري والاجتماعي، واختلاف القيم الثقافية بين الحضارتين ليس هو ذاته ما يثير التوتر، بل ما يثيره هو تلك السياسات التي يتبناها المتنفذون في الغرب، والتي يحاولون من خلالها فرض ثقافتهم على العالم، فهذا (بريجنسكي) في كتابه (بين عصرين) يدعو إلى خوض معركة شاملة على العالم، وفي مختلف الساحات، بدءاً من حقوق الإنسان، حسب النموذج الأمريكي، وصولاً إلى تصدير نمط الحياة الأمريكي: الجينز، والديسكو، والعلوم، والتكنولوجيا، والعادات الأمريكية(27). وهذا التوجه الغربي هو قوام الغزو الثقافي، الذي يهدف إلى تبعية الثقافات غير الغربية إلى ثقافة الغرب، "بحيث يؤدي استمراره إلى زوال الثقافة المتأثرة، وانتصار الثقافة المؤثرة، تمهيداً لخلق المناخ الموضوعي لتحقيق التبعية السياسية والاقتصادية"(28).

فالغرب، عندما يبشر بقيمه التي تتناقض مع الثقافة الإسلامية، ويحاول فرضها بالقسر، وعدم استعداد قواه المتنفذة إلى أن تحترم الثقافة الإسلامية، كل ذلك لا يهيئ القاعدة المناسبة لقيام حوار بين الحضارتين، بل على العكس يستفز المسلمين أفراداً وجماعات، بالشكل الذي يؤدي إلى قيام اتجاهات متطرفة ترفض الحوار مع الغرب، لا سيما إذا عرفنا أبعاد الممارسات الغربية غير العادلة سياسياً واقتصاديا وعسكرياً في التعامل مع قضايا المسلمين، والغرب بذلك يضيع فرصة تاريخية نادرة وفرتها تكنولوجيا الاتصالات الحديثة، التي قربت بين الشعوب، وكان بالإمكان الاستفادة منها في إقامة علاقة إيجابية بين الإسلام والغرب.

 ثالثاً: الطبيعة الأيديولوجية للرأسمالية والديمقراطية

الأيديولوجية، هي المنظومة الفكرية التي تعتنقها مجموعة من الأفراد (كبرت هذه المجموعة أو صغرت)، وهي تعكس ثقافتها وحضارتها، وإن الحضارات التي يكتب لها الاستمرار والتأثير في مسيرة التاريخ، هي تلك التي تزود أبنائها بأيديولوجية موحدة تشد أواصرهم بعضهم إلى بعض، وتزيد تماسكهم الاجتماعي، وتوحد نظرتهم إلى الكون والحياة والمستقبل.

وهذا الأمر غير محقق في الحضارة الغربية الرأسمالية الحالية، إذ يقول (ليستر ثرو) في كتابه (مستقبل الرأسمالية)، (وللأسف لا تعد الرأسمالية أو الديمقراطية أيديولوجيات موحدة، فكلاهما أيديولوجيتان معالجتان تجزمان بأنه إذا ما أتبع المرء المعالجات المطلوبة فسيكون في وضع أفضل مادياً مما لو لم يفعل، وهما لا يملكان أي خير مشترك ولا أهداف مشتركة يعمل الجميع صوبها بصورة جماعية، فكلاهما يشدد على الفرد، وليس على الجماعة، فالعمال يتوقع منهم تعظيم مدخولاتهم... ويتوقع من المنشآت تعظيم أرباحها، ويتوقع من الناخبين التصويت على مصلحتهم الذاتية، ولكن لا يفرض أي منهما التزاما بالقلق على مصلحة الآخرين، ففي كليهما تهيمن الحرية الفردية على الالتزامات اتجاه المجتمع، وجميع الصفقات السياسية والاقتصادية طوعية، فإذا لم يرغب الفرد بالتصويت أو شراء شيء فهذا من حقه أو حقها، أما إذا أراد المواطنون أن يكونوا جشعين ويصوتون على مصالحهم الذاتية الضيقة على حساب الآخرين، فهذا من حقهم، كما وأن معظم التعابير القوية في الأدبيات الرأسمالية تعد الجريمة مجرد نشاط اقتصادي آخر يصدف أن له سعر مرتفع (السجن) إذا ما أمسك بالفرد)(29).

والحقيقة أعلاه، تقترن مع كون الرأسمالية "...قوة توسعية، تسعى إلى إخضاع العالم كله لسيطرتها، وإجباره على تقليد الغرب في المجالات الرئيسية للنشاط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وقوتها التناقضية الدافعة هي المنافسة داخلها على الأرباح، والأسواق، والقوة..."(30). إن النزعة الفردية، التي تتميز بها الرأسمالية والديمقراطية الغربية، تهدد المجتمعات الغربية بالتشضي، والتفكك الاجتماعي في الأمد البعيد، إما نزعتها التوسعية، فتهدد مجتمعات العالم بالتعرض المستمر لعدوان الغرب وأطماعه، ولكي يتجاوز بعض الغربيين الحالة الأولى (حالة التفكك)، فإنهم يعمدون إلى طرح أفكار عدوانية تنسجم مع طبيعتهم الأيديولوجية، فهذا (ليستر ثرو) يقول: "إن النظام الاجتماعي سيبقى متماسكاً من خلال تركيز الغضب على أقلية مختلفة ومحتقرة، يقتضي تطهيرها من الأرض، تخلصوا من أولئك الذين يتبعون ديناً مختلفاً، ولغة مختلفة، أو موروثاً عرقياً مختلفاً، وسيكون العالم نوعاً ما أفضل على نحو خلاب "(31)، إذ على المجتمعات الناجحة أن تتحد حول قصة محبوكة ذات أيديولوجية داعمة، فإذا لم تكن هناك أكذوبة تروى فلن يكون للزعماء أي برنامج عمل...ولا ثقة بالنفس فيما يفعلونه، وبغية التماسك لابد من وجود رؤية طوبائية، تشكل الأساس لأهداف مشتركة معينة يمكن لأفراد المجتمع العمل معها لتحقيقها(32)، وهذا المنطق، ينسجم مع الغاية التي أرادها (فرنسيس فوكاياما)، في كتابه (نهاية التاريخ)، حيث يوصي أمريكا "... أن تنقل البندقية (بعد انهيار المعسكر الشيوعي) من الكتف الأيسر إلى الكتف الأيمن، وأن تظل على أهبة الاستعداد، ويشرح هذا الاستعداد بالقول: الخطر أن تخلد أمريكا وحلفائها إلى نوع من الاسترخاء، الذي يولد الفراغ، ومن ثم فإن هذا الفراغ ينبغي ملؤه ببديل للعدو الشيوعي الزائل، إذا ما أريد للتاريخ أن يظل مملوءاً وفاعلاً، فالتاريخ كالطبيعة يموت بالفراغ ..."(33).

وهكذا أصبح رجال الفكر والسياسة في الغرب ينظرون باستمرار إلى أهمية وجود عدو خطر يهدد مجتمعاتهم لكي يوجدوا ما يمكن تسميته وحدة الخوف، أو التماسك عن طريق الرعب، ولكي يحققوا في ذات الوقت مصالح تجار السلاح، والعسكريين، والاقتصاديين، الذين يتحكمون بوسائل الأعلام الغربية، ويعملون من خلالها على صنع الرأي العام المطلوب لخدمة أهدافهم. وعليه، فإنه ما أن أنهار المعسكر الشيوعي السابق عام 1991، وزوال العدو المُهدد، حتى بدأ الغرب يبحث عن عدو بديل فصوره في الإسلام والمسلمين، وقد دعم هذا التوجه خيالات الماضي، وأطماع الحاضر، وأهداف المستقبل الغربي، فهذه جريدة "واشنطن بوست" تقول في مقال لها في 8/ آذار/1992: "يبدو أن الإسلام مناسب لملئ دور الشرير بعد زوال الحرب الباردة، فهو ضخم ومخيف، وضد الغرب، ويتغذى على الفقر والسخط، كما أنه ينتشر في بقاع عديدة من العالم، لذلك يمكن إظهار العالم الإسلامي على شاشة التلفزيون باللون الأخضر، كما كان العالم الشيوعي يظهر باللون الأحمر"(34) .

إن هذه الأيديولوجية الفردية والعدوانية للغرب، تختلف تماما عن تلك التي يزود بها الإسلام الحقيقي معتنقيه، حيث أن الإسلام عقيدة وحدة حضارية، وتماسك اجتماعي، ويعتبر المصلحة الجماعية لها الأولوية على مصلحة الفرد مع حماية المصلحة الأخيرة ومنعها من أن تكون وسيلة لتحطيم وحدة الجماعة(35)، وهذا الاختلاف بين الأيديولوجيتين(الإسلامية والغربية)، الذي يترافق مع عوامل الصراع الأخرى المذكورة آنفاً ينمي قاعدة الصراع أكثر من قاعدة الحوار، لأنه يحطم قاعدة مهمة من قواعد الحوار ألا وهي الانطلاق المسبق من نوايا حسنة في التعامل مع الآخر، وهذا الشيء غير متوفر في تعامل الغرب مع الإسلام والمسلمين.

رابعاً: دور العامل الإسرائيلي

يعد هذا العامل من العوامل الرئيسة التي ترفع مستوى الصراع بين الغرب والإسلام، وذلك للأسباب الآتية:

* المسؤولية التاريخية التي يتحملها الغرب في زرع إسرائيل في بلاد المسلمين، واغتصاب أرضهم، وإهانة مقدساتهم، وقتل وتشريد إخوانهم في العروبة والإسلام، من خلال وعد بلفور عام 1917 وما سبقه وجاء بعده من ممارسات تصب في نفس الاتجاه.

* ازدواجية التعامل الغربي مع إسرائيل منذ عام 1948 على حساب الحق العربي– الإسلامي، وتسليح الكيان الإسرائيلي ليكون قوة إستراتيجية مهيمنة في المنطقة، وتعطيل تنفيذ القرارات الدولية التي تدينه، في حين نجد أن الغرب يتعامل بشراسة مع المسلمين بحجة تنفيذ الشرعية الدولية، كما هو الحال في الموقف من العراق منذ عام 1990، والموقف من أفغانستان بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، والموقف من القوى الوطنية الفلسطينية...وقد لفت هذا الأمر أحد الغربيين، فقال: إن "للنقد الصادر عن العالم الإسلامي في قضية المعايير المزدوجة، والمسؤولية التاريخية قدر كبير من الصحة..."(36)، وإن "الدول الغربية، وإلى حد ما المنظمات غير الحكومية الغربية، كانت انتقائية في الطريقة التي طبقت بها معايير حقوق الإنسان والديمقراطية في العلاقات الدولية، وليس المرء بحاجة إلى أن يقبل كل الادعاءات أو أياً منها عن سياسة التمييز الدولية ضد المسلمين في فلسطين أو كشمير أو البوسنة، لكي يرى أن المسلمين كانوا في كثير من البلدان ضحية هذه المعاملة، الانتقائية"(37).

* عمل الكيان الإسرائيلي، والقوى اليهودية في العالم على تأجيج الصراع بين الإسلام والغرب، من أجل تحقيق المصالح العدوانية لهم، فهذا "نتنياهو" يخلص في كتبه الأربعة المخصصة للإرهاب إلى القول: "إن الإسلام يشكل تهديداً لإسرائيل وأنه لهزيمة الإرهاب الإسلامي الدولي (حسب زعمه)، لابد من إشراك الغرب في الحرب ضده، وإن إشراك الغرب لن يتم إلا بدخول أمريكا كقائد لهذه المعركة..."(38). أما الكاتب الإسرائيلي "حاييم بارام" فيقول: "بأن الزعماء الإسرائيليين حاولوا بعد انهيار الإتحاد السوفيتي وسقوط الشيوعية، تجنيد الولايات المتحدة وأوربا في المعركة ضد الأصولية الإسلامية مصوريها عدواً أكبر من حجمه الحقيقي، وكانت إستراتيجيتهم مصممة لإقناع الرأي العام الأمريكي، وواضعو السياسة بالقيمة الإستراتيجية المستمرة لإسرائيل في عالم مهتاج ومهدد بالخطر"(39).

وبعد أحداث الحادي عشر من أيلول/2001 في الولايات المتحدة نشط اليهود من أجل تحقيق أهدافهم أعلاه، فزار وفد إسرائيلي الولايات المتحدة بعد بدء الحملة على أفغانستان، وطالب بدور فاعل للولايات المتحدة في محاربة الإرهاب على الساحة الفلسطينية، وضد المقاومة اللبنانية، وسوريا في حالة قامت الأخيرة بمساعدة لبنان، وضرب العراق وإيران في حالة ظهور أي بادرة تؤشر إسناد هذين البلدين لسوريا(40). وعليه يتضح مما ذكر آنفاً، أن إسرائيل تشكل عقبة كأداء تقف في طريق أي حوار إيجابي بين المسلمين والغربيين، وتهيئ بوجودها وأهدافها وممارساتها، وتعامل الغرب معها سبباً وجيهاً لحدوث الصراع.

إن هذه العوامل الأربعة المذكورة في هذا المبحث، والتي تدفع باتجاه الصراع بين الإسلام والغرب، تمثل عواملاً لا يستقل بعضها عن بعض واستمرار وجود هذه العوامل، بمثل هذه الحدة التي نشهدها حالياً، سوف يؤدي إلى تصاعد أعمال الإرهاب الدولي على أسس حضارية (إرهاب حضاري)، لا يعلم أحد المدى الذي يمكن أن يصل إليه، أو الخطر الذي يمكن أن يشكله على السلم والأمن الأوليين.

المبحث الثالث

آليات مواجهة الإرهاب في البلدان الإسلامية

إن ما عليه حال المسلمين اليوم، يملئ القلوب حسرة، فهم متفرقون سياسياً، مشتتون اجتماعيا، متناحرون عسكرياً، مغلوبون اقتصاديا، وهذا الواقع يجعلهم لا يرقون إلى مستوى التحديات التي تواجههم وتهدد حاضرهم ومستقبلهم، ولكن الخلاصة التي يخرج بها أي دارس لواقع المسلمين، تدعو إلى التأكيد على ضرورة العمل في عدد من المجالات السياسية، والاقتصادية، والإعلامية، والثقافية لتغيير سلبيات الواقع الإسلامي وتلافي الأخطار التي بدأت بوادرها تلوح في الأفق الإسلامي والدولي وكالآتي:

أولاً:الآليات السياسية لمواجهة الإرهاب

لكي تتجاوز البلدان الإسلامية مخاطر الإرهاب الحضاري التي تهددها، يجب عليها في المجال السياسي التحرك في مستويين يكمل كل منهما الآخر هما:

المستوى الداخلي:

ينبغي لحكومات البلدان الإسلامية أن تعمل من أجل توسيع حجم المشاركة السياسية، وفقاً للعمل الديمقراطي النزيه الذي يستجيب للموروث الحضاري الإسلامي، ولحاجات العصر، من أجل تحقيق الانسجام والوحدة الداخلية، وتجسير العلاقات بين الحكام والمحكومين، إذ أن من الأسباب التي جعلت كثير من البلدان الإسلامية تشهد قيام حركات سياسية تحاول أن تأخذ بيدها زمام المبادرة في تحديد العلاقة مع الغرب، ومواجهة الحكومات في بلدانها هو فشل هذه الحكومات في أن تكون معبراً أميناً عن القضايا التي تهم الوطن والأمة، وإقامتها علاقات غير متكافئة مع القوى الغربية بالشكل الذي يكرس هيمنة واستغلال هذه القوى.

إن نجاح العملية الديمقراطية فقط هو الذي يمكن أن يحل أسباب الخلاف، وعدم التوافق بين الآراء المختلفة داخل كل بلد إسلامي، وعدم السير في هذا الطريق ينبأ بأوقات صعبة سوف تسود فيها المواجهة والصراع داخل كثير من البلدان الإسلامية مما يؤدي إلى تمزق وحدتها، وإضعاف قدرتها على التصدي للأخطار التي تواجهها، وسيادة العقلية المنكمشة على الذات والتي تتعامل مع الآخر بشكل صراع صفري رافض لوجوده ولا يقبل التحاور معه.

المستوى الخارجي (الدولي):

إن العالم اليوم يمر في وضع ليس من المسموح فيه لأية دولة أن تبقى منعزلة عن محيطها، أو تتحرك بشكل منفرد في هذا المحيط، بل إن المستقبل، كما هو الحاضر، يؤكد على أن المنتصر هو ذلك الذي يستطيع العمل في إطار تكتل إقليمي أو دولي يرسم له حدود علاقته مع الآخرين، ويعطيه الحماية والثقل الدولي اللازم، والمسلمون اليوم، على الرغم من وجود تكتلات عدة تجمعهم (الجامعة العربية، اتحاد المغرب العربي، منظمة المؤتمر الإسلامي)، إلا أن هذه التكتلات، رغم طول مدة تأسيس بعضها، لم ترق إلى مستوى الإتحاد الأوربي في القوة مثلاً، بل بقيت هامشية وضعيفة، ولا تمارس دوراً يذكر في حل مشاكل الدول المنظوية تحتها، وفي تحديد العلاقة مع القوى الكبرى على الساحة الدولية. وهذا الضعف الإسلامي السياسي، يجعل المسلمين يتحركون فرادى في عالم تسوده شريعة الغاب، التي لا ترحم الضعفاء، ولا تغفر للجهلة. لذا يتطلب الواقع الدولي من البلدان الإسلامية، أن تؤسس لها تكتل دولي يحدد طبيعة علاقة هذه البلدان ببعضها، وبالآخر الصديق أو العدو، وإنشاء مثل هكذا تكتل يحتاج إلى بذل الكثير من الجهود المخلصة التي تتجاوز السياسات قصيرة النظر، ويقبل أصحابها التنازل عن بعض الثوابت القطرية في سبيل المصلحة الإسلامية الدولية.

 ثانياً: آليات الاقتصادية لمواجهة الإرهاب

ينبغي على حكومات البلدان الإسلامية أن تعمل من أجل توفير مستلزمات العيش الكريم للمواطنين فيها، لأن ذلك ينطوي على فائدة من جانبين:الجانب الأول يتعلق بتعميق حب المواطنين لبلدانهم وللحكومات التي تقودها، والجانب الآخر يتعلق بتحصين المواطنين من الوقوع ضحية الدعاية الغربية عن فضائل النظام الاقتصادي الرأسمالي الغربي، ولأجل الوصول إلى هذه الغاية يجب وضع قواعد اقتصادية ناجحة تخدم قضية العدالة الاجتماعية وما تقتضيه من توزيع عادل للثروة، من خلال بناء نموذج اقتصادي إسلامي يكون نداً منافساً حقيقياً للنظام الاقتصادي الرأسمالي الغربي، كما يجب تكثيف الجهود من أجل تحقيق التكامل الاقتصادي (الكلي أو الجزئي) بين البلدان الإسلامية، وتقليل اعتمادها على الغرب اقتصاديا، الذي يقود إلى تبعيتها له، إن نجاح المسلمين في هذا الأمر سيجعل وزنهم الدولي أثقل، وامتلاكهم لأرادتهم المستقلة، يجعلهم قادرين على الضغط اقتصاديا على القوى الدولية المختلفة، بما يخدم القضايا الإسلامية المهمة.

ثالثاً: الآليات الثقافية لمواجهة الإرهاب

إن بناء ثقافة إسلامية توضح الأبعاد الأخلاقية الرفيعة للقيم الإسلامية، بما يخدم هدف الوحدة في هذه البلدان، وتجاوز كل أمر خلافي يؤدي إلى النزاع والفرقة، يحتاج إلى توسيع مجال حرية التعبير واحترام الرأي الآخر واستقلالية الصحافة، ووضع خطة عمل واضحة تهدف للوصول إلى الرأي العام الغربي لشرح الأبعاد الخطيرة للسياسات التي ينتهجها المتنفذون في الغرب، وبذل المستحيل من أجل تغيير الصورة السيئة التي ترسمها وسائل الإعلام الغربية عن الإسلام والمسلمين، لكي لا ينقاد المغرر بهم في الغرب وراء سياسات سوف تجر إلى ويلات وحروب تهلك الشعوب المختلفة، وتؤدي إلى تصاعد أعمال العنف والإرهاب التي يسقط بسبها الأبرياء وتخرب بها اقتصاديات بلدان العالم، كما ويجب محاربة كل فكر متطرف يدعي الانتساب إلى الإسلام، ويمارس أعمال الإرهاب باسمه بالشكل الذي يلحق إساءة بالغة بهذا الدين السمح ومعتنقيه، وكل هذه الأمور المذكورة آنفاً تحتاج إلى إعلام إسلامي حديث قادر على تحقيقها.

إن التوصيات الواردة في هذا البحث لا تجري وراء خيال لا يأخذ بالحسبان حقيقة الواقع الإسلامي الحاضر، ولكنها تنطلق مما هو كائن إلى ما يجب أن يكون، وهذا مبدأ أصيل في السياسة، وعدم قيام سعي إسلامي من أجل تحقيق ما يجب أن يكون يعني أننا سوف لن نلحق بركاب العالم المتقدم بل نبقى متخلفين عنه.

 خلاصة

 لقد خُلص هذا البحث إلى النتائج الآتية:

*  إن الإرهاب الدولي كعمل من أعمال العنف غير المشروع، قد عرفته كل المجتمعات الإنسانية، قديماً وحديثاً، وإن اليهود والولايات المتحدة يمتلكون تاريخاً حافلاً بالممارسات الإرهابية، التي لازالت تعتبر جزءاً لا يتجزأ من سياستهم غير المشروعة.

 * إن إلصاق الغرب تهمة الإرهاب الدولي بالإسلام والمسلمين، يعتبر تشويه للحقائق وجري وراء أهواء سياسة عدوانية توظف الإرهاب في خدمة أهداف الهيمنة والسيطرة على العالم، وهذا سوف يقود إلى سيادة قانون القوة لا قوة القانون داخل الدول، وفي تصريفها لعلاقاتها الدولية، إذ سيقلص فرص الديمقراطية والمشاركة السياسية، ويزيد انتهاك حقوق الإنسان على الصعيد الداخلي للدول، ويوسع اللجوء إلى القوة في حل النزاعات الدولية، وكل ذلك سيحدث باسم محاربة الإرهاب الدولي.

* إن الحوار هو الشيء المفضل في العلاقات بين الأمم والشعوب، وبالتالي بين الحضارات ولكن الغرب لا يوفر القواعد الصحيحة لقيام حوار ناجح مع الحضارة الإسلامية، للأسباب المذكورة في المبحث الثاني من هذا البحث، وهذا سوف يقود إلى تصاعد الصراع بين الحضارتين (الغربية والإسلامية)، على أسس حضارية (إرهاب حضاري).

*  يحتاج المسلمون إلى بذل جهود مخلصة في سبيل تغيير واقعهم، الذي يفتقر إلى أبسط مقومات القوة، وان بناء الإنسان المسلم المعتدل، الذي يقبل الرأي والرأي الآخر ولا يحمل أفكارا مطلقة تكفر الآخرين وتنزه الذات ويكون فاعلاً في بناء ثقافة إنسانية ترتفع عن مستوى العداء والتناحر بين الشعوب سوف يكون اللبنة الأساسية في هذا التغيير .

* في هذا البحث دعوة صادقة إلى المسلمين لكي يتجاوزوا خلافاتهم وعوامل تفرقهم. والسعي من أجل تحقيق هدف الوحدة التي تعزهم وترفع شأنهم، لاسيما إننا نعيش في عالم متغير وسريع التقلب، ولا يمكن المنافسة فيه على أسس فردية.

*  إن الغرب إذا أراد فعلاً محاربة الإرهاب ، فعليه أولا أن يغيّر سياساته الخاطئة ذات المحتوى الإرهابي اتجاه الإسلام والمسلمين، إذ لا مكن مكافحة الإرهاب مع بقاء هذه السياسات التي تستفز الشعوب الإسلامية وتولد طوابير من الناس المستعدين للقيام بأعمال عنيفة تحت مسميات عديدة .

 تدريسي/ كلية القانون/ جامعة كربلاء .

 الهوامش

1.  فؤاد قسطنطين نبسان، الإرهاب الدولي: دراسة تحليلية في طبيعة الظاهرة ومكانتها في التقاليد والممارسات الصهيونية، رسالة ماجستير (غير منشورة) مقدمة إلى كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 1999 ، ص1.

2.  خليل إسماعيل الحديثي الإرهاب الدولي مدان قانونياً أم سياسة؟ مجلة العلوم السياسية، العدد26، بغداد كلية العلوم السياسية، 2002 ص149.

3.  نديم عيسى خلف، جدلية الإرهاب الدولي بين الطروحات الغربية والإسلامية، مجلة العلوم السياسية، العدد 26، بغداد، كلية العلوم السياسية، 2002، ص167.

4.    المصدر نفسه، ص163.

5.    خليل إسماعيل الحديثي، المصدر السابق، ص ص145 – 155.

6.  محمد عابد الجابري، مسألة الهوية:العروبة والإسلام والغرب، ط2، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1997، ص ص 176 – 178.

7.  نقلاً عن: مازن إسماعيل الرمضاني، الواقع الدولي الراهن في ظل الهيمنة الأمريكية، مجلة شؤون سياسية، العدد 2، بغداد، مركز الجمهورية للدراسات الدولية، 1994، ص38.

8.    محمد عابد الجابري، المصدر السابق، ص180.

9.  راجع: أمل هندي كاطع ماجد الخزعلي، الفكر الإسلامي المعاصر والطروحات الفكرية للوضع الدولي الجديد، رسالة دكتوراه (غير منشورة) مقدمة إلى كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 2001، ص1 و ص8 .

10.    راجع: مازن إسماعيل الرمضاني، المصدر السابق، ص30.

11.  نقلاً عن: باسم عبد الحميد حمودي، مستقبل العلاقة بين العرب والغرب، مجلة الموقف الثقافي، العدد1، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، 1996، ص128.

12.    مازن إسماعيل الرمضاني، المصدر السابق، ص30.

13.    محمد عابد الجابري، المصدر السابق، ص173.

14.  راجع: فريدهاليداي، الإسلام وخرافة المواجهة: الدين والسياسة في الشرق الأوسط، ط1. القاهرة، مكتبة مدبولي، 1997،ص ص 20-21 و ص 143.

15.    نقلاً عن:محمد عابد الجابري،المصدر السابق،ص ص179-180.

16.    فريدهاليداي، المصدر السابق، ص 142.

17.    المصدر نفسه، ص212.

18.    محمد عايد الجابري، المصدر السابق، ص142.

19.    نقلاً عن: مجلة شؤون سياسية، العدد2، بغداد، مركز الجمهورية للدراسات الدولية، 1994، ص99.

20.    فريد هاليداي المصدر السابق، ص181.

21.  ياس خضير البياتي، الإستراتيجية الأمريكية للغزو الإعلامي، مجلة شؤون سياسية، العدد2، بغداد، مركز الجمهورية للدراسات الدولية، 1994، ص50.

22.  راجع:عبد الحي يحيى زلوم، نذر العولمة، الطبعة العربية الأولى، بيروت، المؤسسة العربية لدراسات والنشر، 1999، ص398.

23.    راجع:أحمد هريدي، أمريكا سري للغاية، القاهرة، مكتبة مدبولي، 1987، ص79.

24.    راجع: المصدر نفسه، ص129.

25.  حسن طوالية، مقارنة بين العنف والإرهاب: الإرهاب والعنف الثوري والكفاح المسلح. مجلة الحكمة، العدد 21، بغداد، بيت الحكمة، 2001، ص83.

26.    عصمت سيف الدولة، الشباب العربي ومشكلة الانتماء، القاهرة، دار الموقف العربي، 1991، ص67.

27.    أنظر في ذلك: أحمد هريدي، المصدر السابق، ص59

28.    ياس خضير البياتي، المصدر السابق، ص50.

29.    المصدر نفسه، ص48.

30.    ليستر ثرو، مستقبل الرأسمالية، ترجمة فالح عبد القادر حلمي، بغداد، بيت الحكمة، 2000، ص ص 358 – 359.

31.    فريد هاليداي، المصدر السابق، ص135.

32.    ليستر ثرو، المصدر السابق، ص573.

33.    المصدر نفسه، ص571.

34.    نقلاً عن: باسم عبد الحميد حمودي، المصدر السابق، ص179.

35.    نقلاً عن: محمد عابد الجابري، المصدر السابق، ص179.

36.  راجع: محمد عابد الجابري، الدين والدولة وتطبيق الشريعة، ط1، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1996، ص ص37 – 39.

37.    فريد هاليداي، المصدر السابق، ص171.

38.    المصدر نفسه، ص180.

39.    نقلاً عن:نديم عيسى خلف، المصدر السابق، ص165.

40.  نقلاً عن:عبد القادر محمد فهمي، مكانة الإسلام والمسلمين في الإدراك السياسي والاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية، مجلة العلوم السياسية، العدد19، بغداد، كلية العلوم السياسية، 1999، ص59.

41.  هدى شاكر النعيمي، الإرهاب الصهيوني وتوقعات المستقبل، مجلة العلوم السياسية، العدد 26، بغداد، كلية العلوم السياسية، 2002، ص177.

الفصل الرابع

الآليات السياسية لمواجهة الإرهاب

 سليم فرحان جيثوم*

تمهيد

من خلال الاطلاع على بعض الأدبيات السياسية يتبين أن هناك ثمة ترابط بين السياسة والإرهاب، وهذا الترابط ناتج عن بعض أوجه التشابه الحاصلة بين الاثنين من حيث المدلول والممارسات.

من حيث المدلول: لوعدنا إلى مفهوم السياسة لوجدنا الدكتور عبد الإله بلقزيز يصنف مدلولات السياسة إلى صنفين يقعا على طرفي نقيض، الأول هو المفهوم الوحشي للسياسة، والثاني، هو المفهوم المدني للسياسة، ما يهمنا هنا هو المفهوم الوحشي للسياسة، الذي يرى فيه السياسة بأنها عملية نزاعية مجردة من كل قيمة إنسانية ومن كل قاعدة أخلاقية ترعى مصالح الآخرين أو تحترم حقوقهم أو حتى أدميتهم في بعض الحالات، من اجل حصولها على مطلبها الأساس وهو إشباع الحاجة المادية لها من خلال امتلاك السلطة والحفاظ على حق السيطرة عليها، وهذا الحق لا يتحقق ألا من خلال العنف والتسلط والاستعباد والقمع الوحشي للرعية الأمر الذي يؤدي في النتيجة النهائية له ردة فعل من قبل القوى والتيارات الموجودة في الداخل وبالتالي تظهر الفتن والصراعات الوحشية مابين الدولة والأطراف الموجودة في الداخل(1) .

أما الإرهاب فلو عرضنا مدلولاته وان تعددت ألا أنها تركز في معظمها على السلطة والاستئثار بها ومن بين أهم ما جاء في هذا الصدد ما أشار له قاموس ويبستر، عندما ربط الإرهاب بالدولة بقوله أن الإرهاب هو "أسلوب للحكم أو لمعارضة الحكم عن طريق التهديد"(2)، وهناك من عرفه على انه

  "الاستخدام المنهجي لإجراءات استثنائية للعنف لتحقيق هدف سياسي هو انتزاع السلطة أو الحفاظ عليها أو ممارستها"(3)، بينما أشار آخرون على أن الإرهاب هو "مجموعة أعمال العنف فردية أو جماعية، تدمير، تخريب، الذي تقوم به جماعة سياسية للتأثير على الناس وخلق جو من عدم الأمان"(4).

أما من حيث الممارسة: فان السياسة في ظل مفهوم السياسة الوحشية، والجماعات القائمة بالأعمال الإرهابية يبغون تحقيق أهداف سياسية متمثلة في الإمساك أو الإبقاء على السلطة، واستخدام الأساليب والوسائل كافة (العنف، القمع الوحشي، التسلط، الاستعباد،... الخ) التي من شأنها أن تحافظ على هذا الإبقاء أو الإمساك.

واستناداً على ما تقدم يمكن القول أن اغلب شعوب العالم في الوقت الحاضر تعيش هذا الوضع، فهي من جانب تعاني من تسلط الدولة واستعبادها لها حيث تمارس اشد أنواع البطش والترهيب، ومن جانب آخر تواجه الأعمال الإرهابية التي تقوم بها جماعات معينة متجاوزة الضحية المباشرة لهذا العمل الإرهابي، إذ أن هدفها هو إيصال رسالة للخصم أولا ولخلق حالة من الذعر والخوف وعدم الأمان وصولاً إلى الغايات السياسية المراد تحقيقها والمذكورة آنفا.

وبسبب من تفاقم هذا الوضع يوم بعد يوم نجد الباحثين المختصين اهتموا بدراسة هذه الظاهرة وحاولوا تغطية اغلب جوانبها لكن دون أن يحددوا لنا الآليات سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو القانونية أو الإعلامية...الخ، التي من خلالها يمكن الحد من هذه الظاهرة أو التخفيف منها بالشكل الذي يهيأ الأجواء الملائمة لحياة طبيعية يسودها الأمن والاستقرار

  والطمأنينة، من هنا انطلقت إشكالية الدراسة التي ترى في الإرهاب ظاهرة سياسية، هذه الظاهرة باتت تشكل خطراً على اغلب دول العالم، فما هي الآليات السياسية الكفيلة بمعالجة هذه الظاهرة لذلك طرحنا الفرضية التي مفادها "أن هناك ثمة آليات سياسية متمثلة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، لو تم تطبيقها فعلياً لأصبحت بمثابة المفتاح الذي يمكن من خلاله غلق باب الإرهاب".

وفي ضوء هذه الفرضية يمكن طرح مجموعة تساؤلات منها:

1. ما هي الديمقراطية؟ و ما هي حقوق الإنسان؟

2. كيف تتمكن هذه الآليات الحد من ظاهرة الإرهاب؟

3. على من تقع مسؤولية تطبيق هذه الآليات؟

ولأجل الإجابة على التساؤلات المطروحة آنفاً تم تقسيم الدراسة إلى مبحثين، عالج الأول موضوع الديمقراطية في أربعة محاور، بينما ركز الثاني على مسالة حماية واحترام حقوق الإنسان في ثلاثة محاور بعد ذلك تم التوصل إلى الاستنتاجات النهائية والخاتمة للبحث.

المبحث الأول

الديمقراطية

لو تأملنا قليلاً في طبيعة الحياة السياسية التي يعيش في كنفها اغلب دول العالم النامي لتبين أنها حياة رعوية قائمة على أساس وجود طرفين في المعادلة هما الراعي، والرعية، الراعي هو الحاكم السياسي الذي يرأس السلطة السياسية، والرعية هم الشعب، وفي هذا النموذج من السلطة تنتفي الحاجة إلى وجود دستور ينظم العملية السياسية لان الراعي (الحاكم السياسي) هو مفروض بناءً على نص في قيادة الرعية، والرعية مطالبة بالطاعة والخضوع، وبذلك فان الخطاب المستخدم في هذه العلاقة (علاقة الراعي بالرعية) هو خطاب أمر ونهي  والجواب الوحيد المقبول هو الامتثال والقبول(5)، ونتيجة لهذه السياسات السلطوية القائمة على أساس الأمر والنهي والتي بدورها نفت حقوق الإنسان في التعبير والتمثيل والمشاركة في السلطة السياسية، إضافة لذلك العنف والقهر والقسوة المستخدمة من قبل الحكومة ضد الشعب من اجل كسب الشرعية والبقاء لأطول فترة ممكنة، أدى ذلك إلى بروز حالة من العنف المضاد أي من قبل الشعب ضد الدولة وبمرور الوقت نجد أن هذا العنف المتبادل أصبح يمثل ظاهرة سياسية واضحة للعيان لا يمكن تجاهلها، وفي رأينا نجد أن المخرج الأول والأخير للخلاص من هذه الصراعات وأعمال العنف والإرهاب هو التطبيق الحقيقي والفعلي للديمقراطية، وهنا تثار مجموعة تساؤلات هي:

 *  ما هي الديمقراطية ؟

* كيف يمكن تطبيقها فعلياً على ارض الواقع ؟

 والإجابة على التساؤل الأول، يمكن القول أن الديمقراطية ظاهرة سياسية تسعى الشعوب إلى تحقيقها، لما تحققه من سعادة ورفاهية للمجتمع، ودون الدخول في تفاصيل الآراء التي تبنتها الاتجاهات الفكرية المختلفة التي تناولت مفهوم الديمقراطية من زوايا متعددة، سنقتصر هنا على ما جاء به الفقه الحديث حيث عرفها على أنها" الحكومة التي تقوم على أسس السيادة الشعبية، وتحقق للمواطنين الحرية والمساواة السياسية وتخضع السلطة فيها لرقابة الرأي العام"(6) ومن خلال هذا المفهوم يتضح أن المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الديمقراطية هي(7):

 1. السيادة الشعبية.

2. المساواة السياسية من خلال الأخذ بمبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات السياسية والقانونية على الأقل.

3. وجود دستور ديمقراطي دائم ينظم العملية السياسية برمتها من جانب ويحدد بدقة عالية حقوق الإنسان وواجباته في البلد.

4. حكم الأغلبية، معنى ذلك أن لا يكون هناك سيادة لفرد أو لقلة من الناس على الشعب.

5. رقابة الشعب على أعمال الحكومة بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال ممثليهم في البرلمان.

 أما الإجابة على التساؤل الثاني، كيف يمكن تطبيق الديمقراطية تطبيقاً فعلياً ؟

يمكن القول أن التطبيق الفعلي للديمقراطية يتطلب التركيز على أمور عدة منها:

 1. دستور ديمقراطي دائم.

2. التعددية السياسية.

3. التداول السلمي على السلطة.

4. المشاركة السياسية.

 وسنأتي لأحقاً إلى توضيح كل فقرة من الفقرات على حدة وبشكل مختصر وسنبين أيضاً علاقة ارتباطها بظاهرة الإرهاب وكيف يمكن لهذه الفقرات الحد من ظاهرة الإرهاب بشكل أو بآخر .

المطلب الأول

دستور ديمقراطي دائم

اختلف فقهاء القانون الدستوري حول تحديد مفهوم محدد ودقيق لكلمة دستور فمنهم من عرفه على أنه "مجموعة من القواعد الرئيسة التي تسير بموجبها حكومة من الحكومات سواء كانت هذه القواعد مكتوبة أم غير مكتوبة، قانونية أم خارج نطاق القانون"(8)، وهناك من عرفه على أنه "مجموعة القواعد القانونية التي تنظم أمر الحكم في الدولة"(9)، لكن على الرغم من الاختلاف الحاصل ما بين الفقهاء حول هذا المفهوم إلا أن الفكرة الأساسية التي تدور حولها أغلب هذه المفاهيم هو أن الدستور مهمته تنظيم العلاقة المتبادلة بين أجهزة الحكم، ويحدد مجال الاختصاص الوظيفي المسند إلى كل سلطة من سلطات الدولة العامة (التشريعية كانت أو التنفيذية أو القضائية)، كما انه هو الذي يبين حقوق المواطنين وواجباتهم العامة. وأيضاً يرسي دعائم العلاقة بين الحاكم والمحكومين في إطار من الشرعية القانونية(10)، وبذلك فأن الدستور الديمقراطي هو المؤسسة المركزية في نظام الحكم الديمقراطي،تخضع الدولة والمجتمع على حد سواء لأحكامه وتحتكم جميع الأطراف إلى شرعيته(11).

ولكي يمكننا الحديث عن دستور ديمقراطي، فلا بد من توافره على بعض الشروط منها:

 1.  يجب أن يكون الدستور الديمقراطي محدداً في نصوصه وأحكامه، ويجب أن تكون صياغة هذه النصوص على درجة عالية من الدقة والوضوح لكي لا يحدث اللبس أو الغموض أثناء التغيير عند التطبيق العملي لأحكامه.

 2.  يجب أن يتضمن الدستور الديمقراطي على قواعد تضمن ممارسة الديمقراطية في البلاد إضافة لذلك تمتعه ببعض الصفات منها الشمولية والإلزام، أي أن تكون هناك تفصيلات شاملة لجميع اختصاصات السلطات والعلاقة المتبادلة بينها وتفصيلات حول الآليات التي يتم من خلالها ممارسة الديمقراطية، كذلك يتم توضيح جميع الجوانب والأبعاد الملزمة لممارسة الديمقراطية لكي لا تترك العملية خاضعة للتقديرات والاجتهادات الشخصية التي تطبعها التحيزات الذاتية في كثير من الأحيان(12).

 3.  يجب أن يحتوي الدستور على أبواب خاصة أو نصوص خاصة بحقوق الإنسان ويعمل على تنظيمها في إطار نظام متكامل من الضوابط والضمانات.

 4.  يجب أن يكون الدستور الديمقراطي دستوراً دائماً، والغاية من ذلك، أن الدستور الدائم يتمتع بالسمو الموضوعي والشكلي في آن واحد خلاف الدستور المؤقت وعليه فأن القواعد الدستورية هنا تصبح هي القواعد العليا في البلاد لا يمكن تغييرها بسهولة وإنما يتطلب إجراءات معقدة يحددها الدستور نفسه، كما أن الدستور الدائم يمكن من خلاله إخضاع الحكام للقواعد الدستورية دون قدرتهم على تغييرها إلا وفق أساليب رسمية ومعقدة محددة سلفاً، خلاف ذلك الدستور المؤقت الذي من الممكن تغييره وبسهولة كبيرة جداً ووفق إجراءات بسيطة بما يتلاءم مع أهواء ونوايا الحكام السياسيين(13) .

 5.  يجب أن يتضمن الدستور الديمقراطي الدائم على نصوص تتعلق بتنظيم الوضع الداخلي وإيجاد حلول مرضية لجميع الأطراف خاصة في البلدان التي تحتوي على أقليات متعددة على أن يراعي اعتبارات مختلف الجماعات وشروط انخراطها في العملية الديمقراطية.

 الغاية من وضع دستور ديمقراطي دائم يحتوي على ما تم ذكره آنفاً، هو تنظيم السلطات في الدولة ووضع قيود دستورية على ممارسة السلطة وكفالة الحقوق والحريات العامة للأفراد، الأمر الذي من شأنه أن يوقف أي مظهر من مظاهر الاستبداد والتسلط عند ممارسة السلطة، ويكون وسيلة إلى تحقيق ذلك هو تحديد الإجراءات والتدابير القانونية والسياسية التي يمكن بواسطتها محاسبة أي جهة كانت حكام أو محكومين في حال انتهاكهم لهذه القواعد الدستورية.

 في حال تحقق هذا الأمر "إنشاء دستور ديمقراطي دائم" سنكون قد وضعنا حجر الأساس نحو القضاء أو الحد من أعمال العنف أو الإرهاب، لأن الجميع وفق هذا الدستور يتمتعون بنفس الحقوق والواجبات لهم ما لهم وعليهم ما عليهم دون تميز يذكر، لكن هذا الأمر يبقى متوقف على النية الصادقة والفعلية في تطبيق هذه النصوص على ارض الواقع وهذا ما سنشير إليه في الفقرات اللاحقة.

 المطلب الثاني

المشاركة السياسية

المشاركة السياسية تعني في أوسع معانيها: حق المواطن في أن يؤدي دوراً معيناً في عملية صنع القرارات السياسية، وفي أضيق معانيها تعني: حق ذلك المواطن في أن يراقب هذه القرارات بالتقويم والضبط عقب صدورها من جانب الحاكم(14)، وهناك من يرى أن المشاركة السياسية تعني "اشتراك جميع أعضاء الجماعة الوطنية وبمختلف انتماءاتهم الأثنية والإقليمية والاجتماعية في الحياة السياسية العامة، أو إدخالهم في دائرة الجماعة السياسية وعدم اقتصارها على قلة، بحيث يتمتع المواطنون جميعاً بمواطنتيهم بشكل كامل"(15)، وهذه المشاركة تتخذ إشكالا عديدة منها المشاركة في اتخاذ القرارات، وصياغة السياسة العامة بشكل مباشر، أي بمعنى الإسهام في الحياة العامة، أو اختيار المسؤولين الحكوميين، أو التأثير على صنع القرار السياسي من خلال تعبير كل فئة أو طبقة أو جماعة عن مصالحها أو مراقبة فعل الحكومة من خلال قنوات التقويم والضبط(16)، وعليه يمكن القول أن المشاركة السياسية تمثل المظهر الرئيس للديمقراطية، حيث أن انتشار المشاركة السياسية من قبل المواطنين في العملية السياسية يمثل التعبير العملي عن الديمقراطية، لكن عملية تحقيق المشاركة السياسية الواسعة والفعالة يتطلب توافر مجموعة من الشروط أهمها:

1.    رفع درجة الوعي السياسي من خلال القضاء على الأمية والتخلف.

2.    حرية الصحافة والأعلام، وحرية التعبير عن الرأي، وحرية الاختيار دون تأثير(17).

3.    تشجيع المشاركة في عمليات انتخابية في مجالات اجتماعية خارجة عن نطاق العملية السياسية.

4.    تقوية وتفعيل التنظيمات السياسية الوسيطة من أحزاب وجماعات مصالح وجماعات ضغط.

5.    تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني باعتبارها أداة مهمة من أدوات مراقبة أعمال الحكومة.

6.    تقليص فجوة التفاوت الاجتماعي- الاقتصادي داخل المجتمع وضمان الرفاهية الاقتصادية لهم.

7.  توفر المؤسسات السياسية القادرة على استيعاب القوى الراغبة في المشاركة السياسية، لأنه أي مجتمع يتمكن من رفع درجة المأسسة السياسية سيتمكن دون أدنى شك من تحقيق أعلى درجات المشاركة السياسية وبذلك سيتجه نحو نظام سياسي ديمقراطي، أما إذا حدث العكس، أي أن درجة المأسسة السياسية لا تتناسب مع عدد الراغبين في المشاركة السياسية فأنه سيتحول إلى نظام (بريتوري) جماهيري يقوم على التعبئة على حساب المشاركة-وبذلك سيكون في هذه الحالة ارتفاع عدد الراغبين في المشاركة السياسية مقابل انخفاض في درجة المأسسة السياسية بما لا يسمح بتحقيق مشاركة سياسية حقيقية(18).

وفي حال توافر الشروط المذكورة آنفاً يمكن الحديث عن إمكانية قيام مشاركة سياسية فاعلة من قبل المجتمع، وهذه المشاركة لو حدثت فعلاً لعادت على المجتمع بمجموعة فوائد أهمها الآتي:

1.  يتمكن الفرد من خلالها مناقشة قضاياه المهمة وذات الصلة الـمباشرة بمصيره في هذا الـبلد، كما وأن الأفراد سيدلون بأصواتهم ويشاركون بنشاط في عملية صنع القرار السياسي، وبهذا يتمكن كل فرد من تحقيق ذاته باعتباره مشاركاً نشطاً في العملية السياسية وليس متفرجاً سلبياً(19).

2.    تسهل الوصول إلى حكم الأغلبية، لأن القرارات التي تتخذ تمثل رغبات الإرادة العامة للمجتمع .

3.  المشاركة السياسية تكبح جماح الطغيان والاستبداد والعجز في الأداء وبالتالي فأن السيادة النهائية تبقى للشعب، الذي يصبح دوره مهم في الكشف عن الفساد وأن يلزم الحكومة بعدم التجاوز على صلاحياتها والالتزام بما هو مرسوم لها في الدستور على أن يتم ذلك من خلال الرقابة المشددة والمستمرة على أعمالها من قبل ممثلي الشعب في البرلمان أو من قبل الشعب مباشرة عن طريق المظاهرات السلمية أو الاحتجاجات أو الاعتصامات...الخ .

4.  المشاركة السياسية تمثل شرطاً أساسيا لتحقيق التنمية الفعلية في المجتمعات البشرية كافة، وتشهد تجارب الدول الصناعية والنامية، أن المجتمعات التي تتوفر فيها المساءلة والمحاسبة، وتتخذ القرارات بشفافية ومن قبل قطاع كبير من المجتمع اقدر على استغلال مواردها وتحقيق أهدافها التنموية من تلك التي تنفرد فيها فئة قليلة بالقرار وفي محيط من السرية وغياب المحاسبة(20).

  5.  الفائدة الكبرى من المشاركة السياسية، هو استتباب الأمن والاستقرار داخل المجتمع وهذا ما ذكره صراحة القاضي الأمريكي (لويس برانديز) عندما قال "أن النظام لا يمكن التوصل إليه عن طريق التخويف بالعقوبة على أي تجاوز فقط، إذ إن الخوف يولد القمع، والقمع يولد الكراهية، والكراهية تهدد استقرار الحكم، وإن طريق الأمان هو أن نقتنص الفرصة لمناقشة شكاوي الناس ومظالمهم بحرية، وأن نناقش كذلك بحرية طرق العلاج المقترحة لهذه المظالم"(21).

وعلى أساس ما تقدم يمكن القول أن المشاركة السياسية من خلال فتح الباب على مصراعيه إمام الأفراد دون تميز ودون قمع أو استبداد أو احتكار في الرأي والتعبير يولد الاستقرار والأمن، أما إذا حصل العكس من ذلك، أي القمع والاستبداد في القرارات، وحصرها بيد فئة قليلة وحرمان الأغلبية من المشاركة، سيولد في النهاية قيام الأغلبية مهما كانت التشديدات الأمنية المتبعة من قبل الحكومة بأعمال مضادة للحكومة مما يؤدي إلى خلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار وبالتالي تقويض الدعائم الأساسية للنظام ومن ثم القضاء عليه أو أضعافه، لذلك المشاركة السياسية عامل مهم جداً من عوامل الحد من الأعمال الإرهابية.

المطلب الثالث

التعددية السياسية

يقصد بالتعددية السياسية كما يراها محمد عابد الجابري بأنها  مظهر من مظاهر الحداثة السياسية، ونقصد بها أولا وقبل كل شيء، وجود مجال اجتماعي وفكري يمارس الناس فيه "الحرب" بواسطة السياسة، أي بواسطة الحوار والنقد والاعتراض والأخذ والعطاء، وبالتالي التعايش في إطار من السلم القائم على الحلول الوسطى المتنامية...والتعددية هي وجود صوت أو أصوات أخرى مخالفة لصوت الحاكم(22)، أما الدكتور سعد الدين إبراهيم فيعرف التعددية السياسية على أنها "مشروعية تعدد القوى والآراء السياسية وحقها في التعايش والتعبير عن نفسها والمشاركة في التأثير على القرار السياسي في مجتمعها"(23)، بينما عرفتها الدكتورة ثناء فؤاد بأنها "الإقرار بوجود التنوع، وأن هذا التنوع يترتب عليه اختلاف المصالح والاهتمامات والأولويات"(24)، وقد أشار هنري كاريل إلى التعددية بقوله أنها "ترتيبات مؤسسية خاصة لتوزيع السلطة الحكومية والمشاركة فيها"(25)، في حين أفاض وأغنى الدكتور احمد صدقي الديجاني مفهوم التعددية عندما قال أنها "مصطلح يعني أولا الاعتراف بوجود تنوع في مجتمع ما يفصل وجود عدة دوائر انتماء فيه ضمن الهوية الواحدة...وبقي ثانياً احترام هذا التنوع وقبول ما يترتب عليه من خلاف أو اختلاف في العقائد والألسنة والمصالح وأنماط الحياة والاهتمامات...ومن ثم الأولويات وبقي ثالثاً أيجاد صيغ ملائمة للتعبير عن ذلك بحرية في إطار مناسب"(26).

 ومن خلال الاستعراض السريع لمجموعة المفاهيم المذكورة آنفاً يتبين الآتي:

1.  التعددية السياسية عنصراً رئيساً من عناصر وجود الديمقراطية في بلد ما.

2.  القرارات السياسية التي تتخذ في دولة تتمتع بالتعددية هي قرارات نخب عديدة ومجموعات قيادية متخصصة لا تتخذها نخبة أو فئة واحدة(27).

3.  التعددية السياسية تعني اختلاف في الآراء والطروحات الفكرية واختلاف في المصالح واختلاف في التكوينات الاجتماعية أو الديموغرافية أو الاقتصادية.

ولكي توجد التعددية السياسية في دولة ما لا بد من توافر الآتي:

 1. لابد من وجود نظام قانوني يؤمن للفئات الاجتماعية كافة الحق في التنظيم المستقل والتعبير عن آرائها، وعن ضرورة التسليم بالطموحات المشروعة لمختلف الفئات الاجتماعية في سعيها السلمي للوصول إلى السلطة السياسية تحت مظلة تنظيم تشريعي يسمح بذلك ويقننه(28) .

 2. لابد من وجود تنظيمات وسيطة بين الشعب والحكومة تنظم العملية السياسية مثل الأحزاب السياسية التي أصبحت تمثل ظاهرة هامة يصعب التخلي عنها في النظم السياسية الديمقراطية الحديثة لأنها تقوم بمجموعة وظائف مهمة من بينها:

* الوظيفة التنظيمية: من مهام الأحزاب السياسية القيام بتوجيه وتنظيم الأفكار والأمزجة العديدة والمتفرقة، في إطار شامل، بمعنى نقل الآراء المتعددة إلى مستوى الاختيارات الجماعية(29).

*الوظيفة الاتصالية: حيث تقوم بدور قناة الاتصال بين القاعدة والقيادة من جهة وبين الحاكم والمحكومين من جهة أخرى. وتعمل على خلق شبكة من الاتصالات بين الجماهير والقيادة بطريقة تمكنها من توليد القوة السياسية لتلك الجماهير من خلال توجيهها وتعبئتها(30).

* الأحزاب السياسية تلعب دوراً مزدوجاً في التمثيل السياسي، حيث إنها تعمل على تأهيل الناخبين من خلال تطوير الوعي السياسي لهم وتسمح بتعبير أكثر وضوحاً عن الخيارات السياسية من جهة، وتعمل في الوقت نفسه على تأهيل المنتخبين من خلال اختيارها للمرشحين الذين ستجري بينهم المنافسة الانتخابية من جهة أخرى. وبذلك الأحزاب السياسية هنا تلعب دور الوسيط بين الناخبين والممثلين(المنتخبين)(31).

* تمارس الأحزاب السياسية وظيفة مهمة جداً إلا وهي تنظيم المشاركة السياسية، من خلال تعبئة الجماهير لاسيما الفقيرة منها، كما تعمل على تمكين الفرد من أن يمارس دوره في إدارة الشؤون العامة قدر الإمكان.

 من خلال ما تم ذكره آنفا يتضح أن التعددية السياسية ضرورة ملحة في كل مجتمع يسعى باتجاه التحول نحو الديمقراطية، وذلك لان الممارسة الديمقراطية على ارض الواقع تحتاج إلى توفير مصادر المشاركة السياسية في اتخاذ القرارات وتحديد الخيارات العامة، إلى جانب الحق القانوني والسياسي الذي ينص على مشاركة الملزمين بتلك القرارات والخيارات العامة في اتخاذها(32)، وعليه فمن خلال إعطاء الحرية لتشكيل الأحزاب السياسية وجماعات الضغط وجماعات المصالح ومؤسسات المجتمع المدني ..الخ، ستكون هناك حرية لكل أطياف المجتمع في إن تشكل هذه التكوينات السياسية لتعبر عن رأيها وتدافع عن مصالحها وتسهم بشكل أو بأخر في التأثير على القرار السياسي، مما يؤدي في النتيجة إلى خروج قرارات متوازنة تلبي مصلحة الجميع دون إن تغبن حق فئة أو طائفة أو مجموعة داخل المجتمع، وبالتالي هذا الأمر يخلق دون شك الاستقرار والأمن في البلد وخلاف ذلك بمعنى إذا حدث العكس، لا توجد حرية في تشكيل الأحزاب السياسية، لا يوجد حق في التعبير عن رأي ومصالح الجماعات الموجودة داخل البلد، سيطرة الأقلية على الأغلبية، غبن فئات اجتماعية كثيرة وجعلها فئات مهمشة غير ممثلة ليس لها دور في القرار السياسي ولا في الحياة العامة للبلد، كل ذلك يولد إعمال مضادة للدولة والدولة أيضا تصعد العنف ضد هذه الجماعات وبالنتيجة ستكون هناك أعمال إرهابية متبادلة مابين الشعب والدولة، لذلك فان وجود التعددية الحزبية وقدرتها على المشاركة الإيجابية في العملية السياسية وتمثيل كل أطياف الشعب في الأحزاب ومن ثم في البرلمان سيقضي على أو يحد من إعمال العنف والإرهاب.

المطلب الرابع

التداول السلمي على السلطة

 المقصود بالتداول السلمي على السلطة هو التعاقب الدوري للحكام على سدة الحكم تحت صيغ الانتخابات، وبذلك يمارس هؤلاء الحكام المنتخبون اختصاصاتهم الدستورية لفترات محددة سلفاً، وبذلك فان اسم الدولة لا يتغير ولا يتبدل دستورها ولا تزول شخصيتها الاعتبارية نتيجة تغير الحاكم أو الأحزاب الحاكمة(33)، وبذلك فان السلطة هي اختصاص يتم ممارسته من قبل الحاكم بتفويض من الناخبين وفق أحكام الدستور، وليست السلطة حقاً يتوجه الحاكم لغيره أو يورثه لمن بعده وإنما يتم تداول السلطة وفق أحكام الدستور.

 وبناءً على ما تقدم يمكن القول أن مبدأ التداول السلمي على السلطة من قبل القوى والتيارات السياسية الفاعلة من ابرز آليات الممارسة الديمقراطية، لذلك لا يمكن الحديث عن بناء دولة ديمقراطية مالم يكن هناك اعتراف بحق جميع التيارات والأحزاب السياسية إن تتبادل مواقع الحكم والمعارضة داخل الدولة(34)، الأمر الذي يكشف لنا إن السلطة السياسية لم تعد حكراً لحزب معين أو لفئة معينة على حساب الآخرين، وإنما السلطة من الممكن أدارتها من قبل الأحزاب والحركات السياسية التي ستحصل على الأغلبية من أصوات الناخبين أثناء العملية الانتخابية وهذا ما ستحدده صناديق الاقتراع العام بعد فرز الأصوات، وعليه فان مبدأ التداول السلمي على السلطة قائم على أساس المنافسة الحرة النزيهة مابين القوى السياسية، حيث تتم هذه المنافسة في إطار الإحكام الدستورية والقانونية دون الخروج عنها، لأن الخروج عنها يعني خروج عن القانون والنظام، وبالتالي خروج عن العملية الديمقراطية بأسرها، لذلك التداول السلمي على السلطة إنما يعني الرضا والشرعية التي منحها الشعب للسلطة في مزاولة أعمالها المنصوص عليها في القانون، وهذا الأمر بحد ذاته هو نصر على الإرهاب، لان الشعب بأغلبيته راضي على السلطة وأقليته ممثله في هذه السلطة وحقوقها مصونة وفق أحكام الدستور، فبالتأكيد سيكون هناك أمن واستقرار في ذلك البلد أما إذا لم يكن كذلك أي لم يوجد تداول سلمي على السلطة والسلطة محتكرة من قبل جهة معينة ليس بإمكانها التنازل عن امتيازاتها حتى وان كلفها الأمر تصفية من يعارضها بالتأكيد سيخلق هذا الحال ردود أفعال قد تكون اعنف من الذي تفعله الحكومة وبالتالي تعم الفوضى وينعدم الأمن والاستقرار.

المبحث الثاني

حماية واحترام حقوق الإنسان

إن مسألة حقوق الإنسان باتت تشكل موضوعاً يمس حياة وتطور الشعوب والدول بأسرها باختلاف حضارتها ومواقعها الجغرافية وأنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لذلك نجد النظرة لهذه الحقوق أخذت بالتطور تدريجياً، لان الإنسان (الفرد) أصبح هو المحور الأساس لها، إلى درجة وصلت إلى أن احترام حقوق الإنسان هو السبيل الأفضل لاحترام الكرامة الإنسانية لكل فرد وإعلاء قيمته(35)، وعليه لو تتبعنا هذا التطور لهذه الحقوق لتبين لنا إنها مرت بثلاث أجيال متعاقبة يمكن تحديدها بالأتي(36) :

الجيل الأول/ وهو جيل الحقوق السياسية والمدنية، أي جيل حقوق الإنسان (الفرد) والمواطن، وهذه الحقوق تتحقق في حال الامتناع من الاعتداء عليها سواء من قبل السلطة السياسية أو أي جهة أخرى، وكان للغرب دور في إصدار المواثيق في هذا الجيل بالنظر لاهتمامه فيها.

 الجيل الثاني/ وهو جيل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أي جيل حقوق الإنسان الجماعية، وهذه الحقوق يشترط توفرها للإنسان من قبل الدولة، إذ إن مصدرها ناتج جراء التبعات الاجتماعية والآثار الفكرية التي نتجت عن الثورة الصناعية، التي بينت إن الإنسان هو طرف في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكان للدول الاشتراكية ودول العالم النامي دوراً بارزاً في تبني مواثيق إقليمية تكرس هذه الحقوق .

 الجيل الثالث/ وهو الجيل الذي يفرض دوراً ايجابياً يجب أن تلعبه كل الأطراف: الشعوب والحكومات والمجتمع الدولي في تحقيقها ومواجهة التحديات التي قد تعترضها أو تهدد بقاؤها، وكان الحق في التنمية والحق في السلام والبيئة النظيفة من ابرز ما نادى فيه هذا الجيل، ولكي نصل إلى العلاقة الرابطة مابين حقوق الإنسان والإرهاب لابد من إعطاء صورة مبسطة حول هذه الحقوق.

المطلب الأول

تصنيفات حقوق الإنسان

 صنف الباحثون حقوق الإنسان إلى صنفين أساسيين هما:

1. الحقوق السياسية والمدنية.

2. الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثـقافية.

 أولا: الحقوق السياسية والمدنية

ينطوي تحت لواء هذه الحقوق الكثير من الحقوق السياسية والمدنية المهمة جداً بالنسبة لكل فرد من بينها:

 1. الحق في الحياة :

يعد الحق في الحياة من أسمى الحقوق بل هو أساسها جميعاً، وهذا الحق يجب ضمانة وحمايته بنص قانوني أولا والتطبيق الفعلي للقانون ثانياً، لان الإنسان دائماً يحاول الحفاظ على مقوماته الجسمية والنفسية، ولا يسمح لأي أحد أن يمس حياته لا في جسمه ولا في روحه، كما للإنسان الحق في التمتع في الحياة وإشباع رغباته وحاجاته ماعدا ما فيها ضرر له أو يسبب في إلحاق الأذى بالمخلوقات الأخرى(37).

 2. حق كل فرد من أن لا يتعرض إلى التعذيب أو لمعاملة قاسية مهينة:

هذا الحق أكد عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الخامسة إذ نصت على أن "لا يعّرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية (والحاطة بالكرامة)" (38) لان هذا الحق نابع من الكرامة المتأصلة في الإنسان، والالتزام بذلك سيتطلب أكثر من وجود قانون يمنع مثل هكذا معاملات، بمعنى أخر لابد من وجود وسائل أخرى تكشف عن هذه الحالات قبل أو أثناء وقوعها مثال ذلك يجب أن تكون هناك زيارات ميدانية من قبل الأطباء والمحامين واسر المسجونين إلى السجن للتأكد من عدم تعرضهم لمثل هذه المعاملات القاسية وفي حال حصول ذلك يجب رفع الشكاوى أمام الجهات القضائية وعد الأشخاص القائمين بهذه الأعمال الوحشية مجرمون ويجب تقديمهم للعدالة(39).

 3. حق كل فرد بحريته وسلامته الشخصية:

هذا الحق يعني عدم جواز إخضاع الفرد إلى أي اعتقال تعسفي، كما حقه في أن يعلم بالأسباب التي أدت إلى اعتقاله، ويجب إن يعرف التهمة الموجهة حياله، وهذا الأمر نصت عليه المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان "لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه"(40)، وكذلك أشار الميثاق العربي لحقوق الإنسان في مادته الخامسة بقولها" لكل فرد الحق في الحياة وفي الحرية وفي سلامة شخصه ويحمي القانون هذه الحقوق"(41)، أما الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب فقد أشار لذلك في مادته الرابعة "لا يجوز انتهاك حرمة الإنسان ومن حقه احترام حياته وسلامة شخصه البدنية والمعنوية ولا يجوز حرمانه من هذا الحق تعسفاً"(42).

4. حرية الرأي والتعبير:

خير من عبر عن هذا الحق المفكر الفرنسي فرانسوا فولتير (1694 – 1778) في مقولته المشهورة "قد اختلف معك في الرأي ، ولكني على استعداد لان ادفع حياتي ثمناً لحقك في الدفاع عن رأيك"(43) .

نشتق من المقولة المذكورة آنفا، إن حرية الرأي والتعبير بالأساس تعني احترام الرأي الأخر، والقدرة على التعبير عنه، وبذلك يمكن أن يتم انتقاد سياسة الدولة الداخلية منها والخارجية وبكافة الوسائل السمعية والمرئية والمكتوبة، وقد أشارت اغلب إن لم يكن جميع الإعلانات والمواثيق الإقليمية والدولية المتعلقة بحقوق الإنسان لهذا الحق إشارة صريحة وضمن مادة منفردة.

 5. الحق بإقامة الأحزاب والتجمعات السياسية :

هذا الحق أتاح المجال أمام كل جماعة أو فئة تتوافر فيها شروط معينة ينظم القانون إمكانية تشكيل حزب سياسي أو جماعة ضغط أو مصالح، أو أي تجمعات أخرى غير حكومية هدفها الدخول أو تقويم العملية السياسية في بلد ما، لذلك نجد اغلب الدساتير العالمية أشارت لهذا الحق وأفردت مواد خاصة تعالج فيه هذه المسألة، لكن المعضلة الأساسية هنا هو التطبيق الفعلي لهذه المواد الدستورية، إذ نجد اغلب الدول وضعت شروط أو معوقات أمام تطبيق هذه المواد، قد وصلت الحالة في بعض الدول إلى نفي هذه المواد وعدم تطبيقها بتاتاً تحت مبررات لا أساس لها .

 6. حرية الفكر والاعتقاد :

يقصد بهذا الحق أن لكل فرد الحرية الكاملة في التفكير واختيار المعتقد الذي يتلاءم مع فكره وتطلعاته دون أن يكون هناك أي تأثير جانبي على هذا الاختيار ومن أي جهة كانت. وهذا الحق أشار إليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الثامنة عشر "لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الأعراب عنها بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراًَ أم مع الجماعة"(44)، وكذلك جاء في الميثاق العربي لحقوق الإنسان في مادته السادسة والسابعة والعشرون وعلى التوالي "حرية العقيدة والفكر والرأي مكفولة لكل فرد"(45)، "للأفراد من كل دين الحق في ممارسة شعائرهم الدينية كما ولهم الحق في التعبير عن أفكارهم عن طريق العبادة أو الممارسة أو التعليم، وبغير إخلال بحقوق الآخرين، ولا يجوز فرض أية قيود على ممارسة حرية العقيدة أو الفكر والرأي ألا بما نص عليه القانون"(46)، وعليه فان هذا الحق هو متروك لكل فرد دون أن يكون هناك أي إجبار في ذلك، لان الله سبحانه وتعالى لم يوجب الأيمان على أساس الإجبار والقصد ولكن على أساس التمكين والاختيار(47).

 7. الحق في المساواة :

يجب أن يكون الجميع وفق هذا الحق متساوون أمام القانون فلهم ما لغيرهم وعليهم ما على غيرهم من حقوق وواجبات دون نقص أو زيادة، ودون تميز بسبب العرق أو الجنس أو الدين(48)، وهذا ما أكده الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته السابعة "كل الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة من دون أي تفرقة، كما أن لهم جميعاً الحق في حماية متساوية ضد أي تمييز يخل بهذا الإعلان وضد أي تحريض على تميز كهذا"(49) . وكذلك المادة التاسعة من الميثاق العربي لحقوق الإنسان "جميع الناس متساوون أمام القضاء وحق التقاضي مكفول لكل شخص على إقليم الدولة"(50) .

 ثانياً: الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

هذه الحقوق الأكثر أهمية بالنسبة للمواطن العادي نظراً لارتباطها المباشر بحياته وحياة أسرته، وهي التي تتصل بحقه في التعليم وبمستوى صحي جيد، ومستوى مقبول من المعيشة، ومستوى جيد من الدخل، وعمل مناسب، وحقه في الضمان الاجتماعي، وحقه في الراحة أثناء وقت الفراغ، وحقه في الاشتراك في حياة المجتمع الثقافية..الخ، ولو تتبعنا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لوجدنا أن المواد (من 22 إلى27) متضمنة هذه الحقوق، بينما تضمن الميثاق العربي لحقوق الإنسان هذه الحقوق في مواده المحصورة بين المادة 30 والمادة 37 .

المطلب الثاني

العلاقة بين الإرهاب وحقوق الإنسان

بعد أن استعرضنا حقوق الإنسان السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، يتبين لنا أن هذه الحقوق قد تكون مغيبة أو شبه مغيبة في بعض الدول، خاصة تلك التي تمارس العنف والشدة في استخدام السلطة ضد الشعب، وبذلك تحرمه من اغلب هذه الحقوق، مثال ذلك أن الفرد يسجن تعسفاً ويعذب ويهان دون أن يكون له الحق في التعبير عن رأيه، وليس لديه القدرة في إمكانية تشكيل أحزاب أو تجمعات سياسية أو غير سياسية كما انه لا توجد مساواة أمام القانون، ويعاني من تمييز أما على أساس ديني أو عرقي أو على أساس الجنس، كما لم تكن هناك حرية في أداء الشعائر الدينية، مستوى المعيشة متدني، لا يوجد ضمان صحي ولاضمان اجتماعي، لا يتم توفير عمل ملائم ولا أجور تتلاءم مع ما تتطلبه الحياة من سلع وخدمات، كما إن حقوق الأقليات غير مكفولة نصيبها من ميزانية الدولة والتنمية الوطنية واطئ جداً...الخ(51)، إذا كان الفرد في ظل دولته يعيش هذه الحالة أو بعضها، ماذا تريد منه أن يفعل، هل يبقى راضخ مهان جائع شأنه شأن ابسط الحيوانات الأليفة التي يتحكم الإنسان بمصيرها، فهو تتحكم بمصيره السلطة، لذلك يقوم بتحين الفرصة التي من خلالها يسعى إلى الانقضاض على السلطة أولا والى تحقيق أهدافه في تحسين هذه الأوضاع جميعاً ثانياً، وردة الفعل هنا ستكون عنيفة جداً ومن الجانبين السلطة والشعب وهذا بالتأكيد ستكون هناك أعمال إرهابية متبادلة بين الطرفين، هذا على المستوى الوطني، أما على المستوى العالمي، فنجد إن الاختلاف بين المجتمعات حقيقة قائمة، وان هذا الاختلاف هو بحد ذاته مصدراً للإثراء المتبادل يجب أن يحترم من قبل الأطراف كافة، لكن هذا الاختلاف إذا لم يحترم ويهاجم من قبل الطرف المقابل بالتأكيد الصورة ستتغير، نقرب الصورة أكثر، حقوق الإنسان في الآونة الأخيرة أصبحت شعاراً يرفع في جميع أنحاء العالم، ومن جميع الجهات والتيارات، ولكن لأغراض مختلفة وبمضامين متباينة، الهدف من هذا الشعار هو استخدامه كسلاح ايدولوجيا ضد الخصم لتحقيق مصالحه الخاصة وهذا ما يعمله بشكل واضح الإعلام الغربي(52)، حيث استعمل الغرب حقوق الإنسان سلاح ضد الاتحاد السوفياتي قبل انهياره، واليوم يستخدمها ضد العرب والمسلمين في الوقت نفسه يسكت عن انتهاكات فادحة ويومية لحقوق الإنسان في فلسطين المحتلة، من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية، وكذلك الحال في اغلب دول العالم النامي الموالية للغرب، لا بل وحتى في داخل الدول الغربية نفسها وما تمارسه من مضايقات وتمييز ضد الأجانب المقيمون فيها .

هذه الازدواجية في التعامل ستخلق بالتأكيد عنف مضاد يصل في بعض الحالات إلى عمليات إرهابية متبادلة مابين الدول التي تتبنى هذه الشعارات والتيارات المناهضة لها.

لذلك يتطلب الأمر أن يكون هناك وضوح في الرؤية حول هذه الحقوق، إذ يجب أن تتوفر الحماية الكافية لضمان تمتع المواطنين بهذه الحقوق وعلى كافة الصعد الوطنية والإقليمية والدولية وكما هو مبين في المطلب اللاحق.

 المطلب الثالث

حماية حقوق الإنسان

يقصد بحماية حقوق الإنسان "مجموعة الإجراءات التي تتخذ سواء على الصعيد الدولي أو الإقليمي أو الوطني من قبل الجهات المختصة في بلد ما لبيان مدى التزام سلطات هذا البلد بحقوق الإنسان والكشف عن الانتهاكات المرتكبة ووضع المقترحات لوقف هذه الانتهاكات وتحسين أوضاع حقوق الإنسان في ذلك البلد أو معاقبة مرتكبي هذه الانتهاكات بإحالتهم إلى القضاء الوطني أو إلى قضاء دولي لمحاسبتهم"(53)، وفي ضوء هذا المدلول لحماية حقوق الإنسان، ولكي نتمكن من مواجهة الأعمال الإرهابية الناجمة عن الانتهاكات لهذه الحقوق على مختلف الأصعدة والمستويات، لابد من تقديم بعض المقترحات التي من شأنها أن توفر الحماية الكافية لهذه الحقوق وكما يأتي:

 أولاً: الضمانات الوطنية لحماية حقوق الإنسان

1.  إصدار التشريعات القانونية التي من شأنها ضمان تطبيق هذه الحقوق .

2.  تنشيط وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني، التي مهمتها الأساسية الوقوف بوجه التصرفات الاستبدادية الصادرة عن السلطة، والدفاع عن هذه الحقوق والحيلولة دون انتهاكها ومن ثم الرجوع إلى الدكتاتورية من جديد(54) ومن هذه التنظيمات الغير حكومية، هيئات الدفاع عن حقوق الإنسان، والأحزاب السياسية، وقوى الضغط السياسي... الخ(55).

3.  تحديد سلطة الحاكم وتحديد اختصاصاته والعمل على مراقبتها بدقة .

4.  العمل الجاد وبالإمكانات كافة، لأجل الوصول إلى خلق مجتمع متسلح بثقافة التسامح، لأن التسامح هو طاقة المجتمع وقدرته على استيعاب المعارضة والاختلاف واحترامهما، والتسامح يجب أن لا يقتصر على ميدان واحد فقط بل يجب أن يتحقق على جميع المستويات، تسامح سياسي وديني واجتماعي، وتسامح على صعيد الأفراد والمجتمع والدولة وعلى مستوى المجتمع الدولي(56).

5. على الدولة أن تسعى إلى حماية حرية الاعتقاد والتعبير عن الرأي، وحرية الكلام، وسرية المراسلات، وصيانة اللغة والثقافات الجوهرية المختلفة، كما يجب توفير حرية تشكيل الجمعيات والأحزاب، وحق الانتخاب، وسرية التصويت، وتحريم الرق، وممارسة المهنة المختارة والتنقل في الأمة واليها وعنها، إضافة لذلك تنظيم المظاهرات وإقرارها ومن ثم تحقيق المساواة بين العامل وأرباب العمل(57).

6. يجب على الحكومة توفير المساعدة الاقتصادية من خلال الأجر المتساوي للعمل الواحد وبصرف النظر عن الجنس أو السن أو الجنسية أو الطائفة، وتوفير حد أدنى للأجور، وتحديد حد أعلى لساعات العمل، وتقديم المعونة المالية والاقتصادية للعاطلين عن العمل، ورفع الدخول للعاملين وتوفير مستوى جيد من المعيشة والعمل على تأمين الضمان الصحي والاجتماعي(58).

7. توفير المساعدات الاجتماعية عن طريق مجانية التعليم وتحريم تشغيل الأطفال وحماية الأسر والأطفال من الأضرار الخارجية، والعمل على صيانة الآثار التاريخية، والاهتمام بالرياضة وتنشيط أو تطوير الجانب الثقافي للمجتمع(59).

8. العمل الجدي لتطبيق الديمقراطية تطبيقاً عملياً، وبالشكل الذي ينعكس ايجابياً على الرأي العام وتمكنه من أن يكون مصدراً ثابتاً للضمانات السياسية التي بدورها تكفل عدم الاعتداء أو تعطيل الحقوق والحريات العامة(60).

9. التوجه الجاد والفعلي نحو إلغاء حالات الطوارئ والإحكام العرفية المعلنة وجميع الإجراءات الاستثنائية الصادرة بموجبها حتى لو صدرت بموافقة مجالس تشريعية لا تملك في الواقع من أمرها شيئاً، وإعطاء ذلك الهدف الأولوية الدائمة أن يتحقق لأن هذه الأحكام من الممكن أن تقف إمام تحقيق الديمقراطية ومن ثم الحقوق والحريات الإنسانية(61).

 ثانياً: الضمانات الإقليمية والدولية لحماية حقوق الإنسان

1. تشكيل لجان ومنظمات دولية وإقليمية مهمتها رعاية حقوق الإنسان ورصد انتهاكاتها، وتنبه مرتكبي الانتهاكات لغرض تعديل وتصحيح مواقفهم(62).

2. خضوع الدول إلى أحكام قضاء إقليمي وعـــالمي مختصة بالنظر في تجاوزات حقوق الإنسان(63).

3. توحيد الرأي العام العالمي والإقليمي باتجاه مواجهة انتهاكات حقوق الإنسان، وإنهاء حالة الازدواجية في النظر إلى مثل هكذا انتهاكات من اجل خلق نوع من المساواة وعدم التحيز ما بين الشعوب أو الدول.

 نستنتج مما تقدم آنفاً أن العلاقة ما بين الديمقراطية وحقوق الإنسان من جانب والإرهاب من جانب آخر هي علاقة عكسية، أي أنه كلما كان هناك تسلط واستبداد وانفراد في اتخاذ القرارات من قبل الدولة وعدم وجود قيود

على سلطة الحاكم، وسيطرة فئة أو أقلية معينة على مقاليد السلطة، وعدم وجود مشاركة سياسية حقيقية، ولم يكن هناك تعاقب سلمي على السلطة وغياب الحقوق والحريات للأفراد وعدم وجود ضمانات أو الضمانات موجودة ولكنها مغيبة تماماً تكفل احترام هذه الحقوق، بالتأكيد سيكون هناك تصاعد للأعمال الإرهابية من الطرفين (السلطة والشعب)، السلطة تحاول بسط نفوذها والحفاظ على سلطتها بكافة الوسائل والأساليب، والشعب يحاول القضاء على السلطة والوصول إلى سدة الحكم بمن يمثله واثبات وجوده، لذلك الاثنين هنا يمارسان العنف والإرهاب لتحقيق أهدافهما.

أما إذا حدث العكس، دستور يحدد صلاحيات الحاكم ويقيدها بضوابط معينة ويدعو إلى حكم القانون وجعله فوق الجميع حكام ومحكومين، ويضمن حقوق الإفراد وحرياتهم، ويضع الضمانات الصارمة لحمايتها من الانتهاك، إضافة لذلك يكفل حقوق الأقليات ويصون الخصوصيات الثقافية لها ويفتح الباب على مصراعيه إمام الجميع للمشاركة والتمثيل في العملية السياسية والتأثير على صنع القرار السياسي، كل ذلك سيحد من ظاهرة الإرهاب، لذلك يمكن القول أن المدخل الأساس للخلاص من ظاهرة  الإرهاب هو فتح ملف الديمقراطية وحقوق الإنسان، وفق إجراءات وخيارات جديدة، والعمل على تحرير المجال السياسي من قيم القمع وثقافة التسلط واحتكار الرأي، والعدوان على الحقوق المدنية والسياسية للمجتمع، واستبدالها بقيم جديدة متمثلة بقيم حرية الرأي والتعبير، وحرية الصحافة أو حرية الاعتقاد والتفكير، والحق في الاختلاف مع الآخر، والمساواة بين جميع أطياف المجتمع دون تمييز، واحترام النظام الديمقراطي والحياة التمثيلية من خلال المشاركة السياسية والاحتكام إلى

 الاقتراع الحر النزيه في الانتخابات، ويتقاسم كل من الشعب والسلطة (النظام السياسي) على حد سواء المسؤوليات المذكورة آنفا، فالشعب تقع عليه مسؤولية اختيار من هم الأفضل لتحقيق الفائدة القصوى للمجتمع، ورقابة أعمال الحكومة المنتخبة بشكل متواصل ومطالبتها بعدم المساس بالحقوق والحريات العامة ومحاسبتها في حال قيامها بأية أعمال من الممكن أن تعود على المجتمع ببعض السلبيات هذا من جانب، من جانب آخر على الشعب أن يشجع الحكومة الديمقراطية من اجل تأدية مهامها بشكل صحيح أولاً والتقدم بالعملية الديمقراطية إلى الإمام ثانياً، أما النظام السياسي عليه الالتزام بكل ما هو موجود في الدستور وعدم التجاوز عليه وجعله موضع التنفيذ والانصياع إلى تحقيق رغبات وآمال وتطلعات الشعب.

* مدرس مساعد/ كلية القانون/ جامعة كربلاء .

الهوامش

1. د.عبد الإله بلقزيز، العنف والديمقراطية، لبنان، دار الكنوز الأدبية، ط2، 2000، ص ص 19 – 20 .

2. د.أمل اليازجي، د.محمد عزيز شكري، الإرهاب الدولي والنظام العالمي الراهن، دمشق، دار الفكر، 2002، ص126.

3. د. رياض عزيز هادي، حقوق الإنسان والعنف والإرهاب، بغداد، مجلة العلوم السياسية، العدد (26)، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد،2002، ص143.

4. المصدر نفسه، ص143.

5. تركي علي الربيعي، المحاكمة والإرهاب، بيروت، رياض الريس للكتب والنشر، 2001، ص137 – 138.

6. د.محمد نصر مهنا، في نظرية الدولة والنظم السياسية، الإسكندرية، المكتب الجامعي الحديث، 2001، ص113 .

7. اوستن رني، سياسة الحكم، ترجمة: د. حسن علي ذنون، مراجعة: د.ايليا زغيب، بغداد، المكتبة الأهلية، 1964، ص ص263 – 273. وكذلك: علي خليفة الكواري، مفهوم الحزب الديمقراطي: ملاحظات أولية، بيروت، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ع 296، أكتوبر 2003، ص47 .

8. أوستن رني، المصدر السابق، ص120 .

9. د.حسن السعدي، أصول القانون الدستوري (دراسة في ظل الدستور العراقي المقترح)، بغداد، مجلة الإسلام والديمقراطية، ع4، دار المستقبل للتأليف والنشر والتوزيع، ك1 2003، ص12.

10. د.محمد نصر مهنا، المصدر السابق، ص141.

11. د.علي خليفه الكواري، مفهوم الديمقراطية المعاصرة: قراءة أولية في خصائص الديمقراطية والمبادئ العامة المشتركة للدستور الديمقراطي، في المسألة الديمقراطية في الوطن العربي (مجموعة باحثين)، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2000، ص36.

12. خالد سليمان، الممارسة الديمقراطية داخل حزب جبهة العمل الإسلامي، بيروت، مجلة المستقبل العربي، ع296، مركز دراسات الوحدة العربية، اكتوبر 2003، ص54.

13. موريس دوفرجيه، المؤسسات السياسية والقانون الدستوري (الأنظمة السياسية الكبرى)، ترجمة: د.جورج سعد، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1992،  ص11، وكذلك انظر:

د.رعد الجده وآخرون، القانون الدستوري، بغداد، ص ص164-171.

14. جلال عبد الله معوض، أزمة المشاركة السياسية في الوطن العربي، في الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي (مجموعة باحثين)، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط4، 1998، ص63 .

15. د.عبد السلام إبراهيم بغدادي، الوحدة الوطنية ومشكلة الأقليات في أفريقيا، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1993 ، ص278 .

16. د.علي خليفه الكواري، المواطنة والديمقراطية في الوطن العربي، بيروت، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ع264،  شباط 2001، ص105.

17. تيد هندريش، العنف السياسي (فلسفته، أصوله، أبعاده)، ترجمة: عبد الكريم محفوظ وعيسى طنوس، دمشق، دار النشر بلا، 1986، ص134.

18. د.حسين علوان البيج، الديمقراطية وإشكالية التعاقب على السلطة، في المسألة الديمقراطية في الوطن العربي (مجموعة باحثين)، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2000، ص157. وكذلك: د.عبد السلام بغدادي، المصدر السابق، ص279.

19. رودني أ. سموللا، حرية التعبير في مجتمع مفتوح، ترجمة: كمال عبد الرؤوف، القاهرة، الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، 1995، ص24– 25.

20. يوسف خليفه اليوسف، المشاركة السياسية والتنمية في دول الخليج (مجلس التعاون الخليجي)، بيروت، مجلة المستقبل العربي، ع 290، مركز دراسات الوحدة العربية، نيسان 2003 ، ص 126 .

21. رودني أ. سموللا، المصدر السابق، ص24 - 25 .

22. د.رياض عزيز هادي، من الحزب الواحد إلى التعددية، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، 1995، ص63.

23. المصدر نفسه، ص63 .

24. د.ثناء فؤاد عبد الله، الحزب والسياسة والديمقراطية، بغداد، مجلة الإسلام والديمقراطية، ع3، آب 2003، ص40.

25. المصدر نفسه، ص23.

26. د.رياض عزيز هادي، من الحزب الواحد إلى التعددية، المصدر السابق، ص64.

27. د.كمال المنوفي، نظريات النظم السياسية، الكويت، وكالة المطبوعات الكويتية، 1985، ص64 .

28. د. محمد نور فرحات، التعددية السياسية في العالم العربي: الواقع والتحديات، الرباط، مجلة الوحدة، ع91، المجلس القومي للثقافة العربية، نيسان 1992، ص8.

29. د.عبد السلام بغدادي، المصدر السابق، ص262.

30.المصدر نفسه، ص262 .

31.موريس دوفرجيه، المصدر السابق، ص75 .

32. د.علي خليفه الكواري، مفهوم الحزب الديمقراطي، المصدر السابق، ص51 .

33. د.علي خليفه الكواري، مفهوم الديمقراطية المعاصرة: قراءة أولية في خصائص الديمقراطية والمبادئ العامة المشتركة للدستور الديمقراطي، المصدر السابق، ص54 .

34. د. حسين علوان البيج، التعاقب على السلطة في الوطن العربي، بغداد،  مجلة دراسات إستراتيجية، ع4، مركز الدراسات الدولية ،جامعة بغداد، 1998، ص173 .

35. جورج كاتب، المحيط الداخلي (النظرية الفردية والثقافة الديمقراطية)، ترجمة د. علي حسين عجاج، مراجعة: د.فاروق منصور، عمان، دار البشير، 1999، ص13.

36. د. رياض عزيز هادي، العالم الثالث وحقوق الإنسان، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، 2000، ص27-28.

37. د. محمد عابد الجابري، الديمقراطية وحقوق الإنسان، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1997، ص ص 209-211.

38. إدارة الأعلام العام في الأمم المتحدة، حقائق أساسية عن الأمم المتحدة، القاهرة، دار الشعب، 1980، ص108.

39. د. منذر عنيتاوي، دور النخبة المثقفة في تعزيز حقوق الإنسان العربي، بيروت، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ع 55، 1983، ص303.

40. د. رياض عزيز هادي، العالم الثالث وحقوق الإنسان، المصدر السابق، ص83.

41. المصدر نفسه، ص103.

42. المصدر نفسه، ص117.

43. علي الشمري، قراءة في مواثيق حقوق الإنسان، دمشق، مجلة النبأ، مؤسسة النبأ العالمية، ع63، 2001، ص86.

44. د.رياض عزيز هادي، العالم الثالث وحقوق الإنسان، المصدر السابق، ص86.

45. المصدر نفسه، ص108.

46. المصدر نفسه، ص108.

47. د. محمد عابد الجابري، المصدر السابق، ص214.

48. أكرم علي، لا يضع حداً للسلطة إلا السلطة، بغداد، المجلة العراقية لحقوق الإنسان، ع7، كانون الثاني 2003 ، ص22.

49. د. رياض عزيز هادي، العالم الثالث وحقوق الإنسان، المصدر السابق، ص83.

50. المصدر نفسه، ص104.

51. د. حسنين توفيق إبراهيم، ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1999، ص229.

52. د. محمد عابد الجابري، المصدر السابق، ص141.

53 . باسيل يوسف، حماية حقوق الإنسان في الجامعة العربية: الواقع والخلفية السياسية، بغداد، مجلة دراسات سياسية، ع9، بيت الحكمة، صيف 2002، ص118-119 .

54. حمزة الكاظمي، من اجل نظام ديمقراطي دستوري لعراق حر موحد وسعيد، سورية، المجلة العراقية لحقوق الإنسان، الجمعية العراقية لحقوق الإنسان، ع7، كانون الثاني، 2003، ص36.

55. د. علي خليفه الكواري، مفهوم الديمقراطية المعاصرة: قراءة أولية في خصائص الديمقراطية والمبادئ العامة المشتركة للدستور الديمقراطي، المصدر السابق، ص52 .

56. د.رياض عزيز هادي، العالم الثالث وحقوق الإنسان، المصدر السابق، ص74.

57. اوستن رني، المصدر السابق، ص157 .

58. المصدر نفسه، ص159 .

59. المصدر نفسه، ص159 .

60. حسن علي، حقوق الإنسان، الكويت، وكالة المطبوعات الكويتية، 1982، ص ص 115 -125.

61. د.منذر عنيتاوي، المصدر السابق، ص303 .

62. علي الشمري، المصدر السابق، ص95 .

63. د.علي خليفه الكواري، مفهوم الديمقراطية المعاصرة: قراءة أولية، المصدر السابق، ص53.

  الفصل الخامس

التداعيات الاقتصادية وأثرها في العمل الارهابي  (العراق نموذج)

 د. كريم ضمد مشير الفتلاوي 

تمهيد

مما لاشك فيه إن اخطر ما يواجه عالمنا اليوم هو تنامي المنظمات الإرهابية التي باتت تقض مضاجع الشعوب في العالم اجمع فلم تعد هذه المنظمات مقتصرة على دولة بعينها بل هي اليوم قد غدت ظاهرة دولية خطيرة.

ويجري في تنفيذ جرائمها في مختلف بلدان العالم شرقاً وغرباً، في أمريكا وروسيا و اندنوسيا وألمانيا وفرنسا وبريطانية، ونال العالم العربي الذي غدا المنبع الأكبر لقوى الإرهاب حصة الأسد  من هذه النشاطات بحكم استغلال القائمين على المنظمات الإرهابيين ومنظريها للدين الإسلامي، وغسل عقول الفقراء البسطاء وتسخيرهم لتنفيذ جرائمها البشعة التي تؤدي بحياة الأبرياء، ولم يعد أي بلد في مأمن من جرائم هذه المنظمات الإرهابية التي تتميز بالتنظيم المحكم، ويقوم على إدارة شؤونها محولون ومجهزون للسلاح ومنظرون يستغلون الوضع الاقتصادي البائس والفقر المدقع الذي يعاني منه مئات الملايين من بني البشر لتجنيد البؤساء لتنفيذ الأعمال الإرهابية، كما تتلقى هذه المنظمات دعما غير مباشر من عدد من الدول الداعمة للإرهاب وقد ساعد التطور الكبير في وسائل الاتصال وانتشار الانترنيت في نشر الإرهاب الدولي في شتى بقاع الأرض.

إن تنامي خطر المنظمات الإرهابية قد غدا اليوم مشكلة دولية خطيرة تتطلب جهداً دولياً مشتركاً للتصدي لهذه الظاهرة ومعالجة الأسباب الحقيقية لتنامي النشاط الإرهابي في جانبية السياسي والاقتصادي ومن ظن إن القوة العسكرية تستطيع وحدها محاربة الإرهاب واستئصاله ظناً فيه ضبابية، فالقوة والعنف وحدهما لا يمكن أن يحققا الأمن والسلام في العالم، ولابد من معالجة الأسباب الحقيقية لهذا الداء الوبيل.

إن الذين يلتحقون بهذه المنظمات الإرهابية في اغلب الأحوال أما إنهم يعانون من البطالة والفقر المدقع الذي يعتبر البيئة الأرحب لانتشار الإرهاب أو إنهم قد نشأوا في ظل أنظمة دكتاتورية فاشية مارست الإرهاب ضد شعوبها، وقد يكون البعض يعتقد إن محاربة الاستعمار لن يتم إلا بهذه الطريقة .

وعلى هذا الأساس فأن موضوعة هذا البحث ستكون محاولة لتشخيص العلل الاقتصادية لظاهرة الإرهاب وتلمس الحلول المناسبة لها كونها تمثل مشكلة حقيقية تقلق الأنظمة والشعوب على حد سواء.

إن الفرضية التي يقوم عليها البحث تتمثل بأن ظاهرة الإرهاب لها أسبابها الاقتصادية الداخلية والخارجية كما إنها تأتي نتيجة لسياسات النظم الاستبدادية وسياسات الدول العظمى ومنظمة الأمم المتحدة.

ولإثبات صحة الفرضية أو عدمها قُسم البحث إلى المحاور الآتية:

1.  المبحث الأول: النظام العراقي السابق (الاستبداد والطائفية).

* الخداع وسياسات التظليل.

*الإسقاطات الطائفية على المجتمع.

2.  المبحث الثاني: الأسباب الاقتصادية الداخلية والخارجية للإرهاب.

* الأسباب الاقتصادية الداخلية.

* الأسباب الاقتصادية الخارجية.

3. * الاستنتاجات والتوصيات

المنهجية

إن المنهج المعتمد في البحث هو المنهج التاريخي التحليلي لمعرفة الأساس الفلسفي لظاهرة الإرهاب.

 المبحث الأول

النظام العراقي الســــابق (الاستبداد والطائفية)

جاءت سياسة صدام الاستبدادية والطائفية نتيجة ثلاث مؤثرات أساسية تتمثل في البيئة التي نشأ فيها وتربى، والمعتقد الذي يعتنقه وثقافته التي اكتسبها من خلال التعليم والممارسة وهذه المتركزات الثلاثة بمجملها شكلت شخصية صدام الثقافية وألقت بظلالها على المجتمع من خلال:

* الخداع وسياسة التظليل

فهو ولد لعائلة فاقدة الأب ولأم متزوجة لأكثر من مرة جعلته يائساً مشرداً من ناحية وخلقت له قلق فكري مهد له بأن يبحث عن فكرة لعلها تمكنه الخروج من المأزق الذي يعيشه من ناحية ثانية فكانت فكرة البعث بمثابة الإطار الذي يتحرك من خلاله بطريقة تغطي سلوكه الانتقامي في محاولة لسد النقص الذي كان يعانيه وإشباع روحيته المتصدعة عن طريق الانتقام والتمرد(1) في محاولة لتعويض انعكاسات الفقر والحرمان الذي لحقه به إبان طفولته.

وقد كان لقلقه الفكري أثراً كبير في فهمه الخاطئ للعقيدة التي آمن بها فأتخذ التطرف المؤطر بإطار العصيبة القبلية منحاً في فهمه لهذه العقيدة وظل عاجزاً عن إدراكها إدراكاً حقيقياً كما يريده الإسلام دائماً وهو الاعتدال والتوسط ودليل هذا التطرف وسوء الفهم لأمر العقيدة انه آمر بكتابة القرآن بدمه ونسي إن القرآن منزل مطهراً لا يمسه إلا المطهرون فأخترق بذلك الناموس والقانون وشريعة السماء كما في قوله تعالى(إنما حرمّ عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير…)(2).

هذه الازدواجية في فهم العقيدة والقلق الذي يعيشه خُيّل له بأن الفكرة القومية يمكن استخدامها كإطار لخدمة نوازعه الشخصية من خلال توظيف شعارات الفكرة القومية المتمثلة بالوحدة والحرية والاشتراكية بأنها تشكل الفكرة الجديدة لنهوض الأمة(3) كبديل للعقيدة الإسلامية متوهماً بأن الخلل في العقيدة لا في المجتمع الذي غادر العقيدة نتيجة الحكم الاستبدادي باسم الدين، وبهذه الطريقة استطاع أن يوظف هذه المناورة في محاولة لقمع أي حساً دينياً أو عقائدياً لدى أية فئة أخرى في العراق عدا وسطه الذي ينتمي له والذي يمثل الوسط المناسب لتنفيذ سياساته العدوانية.

إن تبنيه لهذه الشعارات في الظاهر بعّدها تعبير عن طموحات العرب وهي في الواقع وفي مضمونها الحقيقي بعيدة عن هذا الطموح ويمكن استجلاء حقيقة كونها مجرد شعارات من خلال سلوكية النظام.

فالوحدة تعني الاندماج الروحي والمصلحي والواقعي لجميع أجزاء الوطن العربي(4) غير أن سلوكه يشير إلا غير ذلك عندما استخدم القوة في ضم  الكويت، ومعاداته لسوريا وسوء علاقاته مع جميع الأقطار العربية، وبالضد مما يتطلبه العمل الوحدوي، أما بخصوص الوحدة الوطنية، فهو عمل جاهداً على تفتيت وحدة المجتمع العراقي بالقول والفعل من خلال سياسته الداخلية القائمة على أساس العنصرية والطائفية(5). 

والحرية تعني، حرية الرأي والتفكير والاعتقاد، وحرية الأحزاب والصحافة والنقد والانتخاب..هذا في مضمونها الداخلي وتعني التحرر من جميع أشكال الهيمنة وتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي في مضمونها الخارجي، غير أن الواقع يشير إلى عكس ذلك، فحرية الرأي مصادره ولا يجاز العمل لأي حزب، والصحافة مشروط بتبعيتها للنظام، وعلى الكل أن يقبل بشرعية النظام و(الحزب القائد) وأما الموت(6) أما على مستوى الاستقلال الخارجي، كانت نتائج سياسات النظام الاستبدادي أن جعلت من العراق فاقداً السيادة في شتى الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية، بفعل قرارات الأمم المتحدة والحصار(7) .

أما الاشتراكية تعني العدالة في التوزيع والحقوق والواجبات ورفع مستوى معيشة المجتمع وتحقيق التنمية الاقتصادية والسياسية، ولكن الحقيقة تؤشر غير ذلك، فالهوة واسعة ببن عموم الشعب وأبناء السلطة في مستوى المعيشة ودخول الأفراد جراء انعدام العدالة والعنصرية في إشغال المناصب، والوظائف التي امتاز بها أعوانه ومساعديه وحجبها على فئة دون أخرى، فكانت الحرية والحياة لأبناء فئته، والموت والتهجير والمقابر الجماعية والسجون لأبناء العراق الآخرين، وكثيرة هي المظالم التي ارتكبها النظام الاستبدادي.

بهذه الهيكلية رسم الشكل التنظيمي لأبناء وسطه فالفكرة القومية تمثل المظهر الخارجي ،فيما يكون محتواها طائفي(8) يقوم على أساس الإقصاء والموت والتهجير والمقابر الجامعية، وثقافة الأمية، وسياسيته التربوية التي خلقت ورائها أكثر من نصف المجتمع أمي.

إن اعتماد هذه المنهجية في العملية التربوية المقصود فيها تمرير شعاراته دون وعي من قبل المجتمع وتمكن من خلالها خوض حربين وحصار لا طائلة من وراء كل ذلك سوى الظلم الذي لحق بالعراق والعراقيين، بل حتى على العرب استطاع آن يحرر سياسته الطائفية تحت شعارات القومية مازالت آثارها تنعكس سلبياً تجاه الشعب العراقي.

* الإسقاطات الطائفية على المجتمع

انعكست سياسة صدام الطائفية بجملة من المؤشرات تحمل وزرها أبناء الشعب العراقي وخصوصاً الطائفة الشيعية والأكراد وبنسب متباينة من تشكيلات الشعب العراقي الأخرى. ومن هذه المؤشرات:

1.  رفعت السلطة شعارات قومية وثورية في الظاهر بينما في واقع الأمر كانت موجهة لقمع المجتمع، وذات مضامين طائفية في محتواها.

2.  اعتماد أسلوب التغيير الديموغرافي للسكان عبر وسائل منها التصفيات الجسدية، والحروب، والتهجير إلى خارج العراق وسحب الجنسية والتشريد من خلال القمع الخ.

3.  استخدام السلطة أساليب بشعة كذريعة لتهجير الشيعة وعدهم من (العجم) وخصوصاً في كربلاء والنجف والكاظمية وبلد والدجيل ونسي النظام إن شعبه العراق هم أصل الإسلام في بلاد فارس ذلك لان أبناء الكوفة والبصرة هم من حمل الإسلام إلى بلاد فارس وهم الذين أشاعوا فكرة التشيع لا وبالعكس كما يصورها النظام الطائفي.

4.  يدعون إلى نبذ  الطائفية والدعوة إلى الإخوة الدينية في الظاهر في الوقت الذي يبخسون الناس أشيائهم ويصادرون حقوق الأكثرية طول مدة بقائهم على رأس سدة الحكم.

5.  أن من يريد الاستقرار والأمن لابد أن يحقق العدالة والحرية والديمقراطية وإعطاء الجميع حقوقهم، لكن النظام صادر كل هذا فولد القلق والاضطراب.

6.  ترسيخ الهيمنة الاستعمارية لان سيطرة الأقلية على الحكم يكرس الهيمنة الاستعمارية، إذ تبقى هذه الدولة التي لا تعتمد على شعبها تحتاج إلى دعم خارجي يحميها.

7.  السمة السائدة للنظام الاستبداد والقمع لان الأقلية لا تستطيع أن تحكم دون ذلك وأيضا من خلال القضاء على التمثيل البرلماني الصحيح.

8.  توزيع الامتيازات بطريقة غير عادله ومنحازة، نتيجة الاستبداد في السلطة انطلاقاً من نوازعه الطائفية، وحرمان غالبية الشعب من ابسط حقوقها.

9.  إن من طائفية الدولة أن تشرد فقراء العراق في أصقاع الأرض لا أن يطلق اصطلاح طائفي على من شُرد وسحب هويته وصودرت أمواله.

10.  وفقاً لإحصاء الإدارة البريطانية تشكل نسب السكان للعرب الشيعة 55% العرب السنة 19% الأكراد السنة 18% الطوائف الأخرى 8%، ومنذ ظهور ذلك الإحصاء حتى يومنا هذا مازالت المصادر الرسمية في العراق تستخدم حصة الشيعة العرب لزيادة نسبة العرب مقابل الأكراد وتستخدم الأكراد السنة لزيادة نسبة السنة في مقابل الشيعة.

11.  إن تياراً واسعاً في المشروع القومي في العراق يسعى منذ قيام ثورة العشرين حتى يومنا هذا إلى سلخ الشيعة من العروبة ووصفهم في صف العجم (إن كل شيعي هو إيراني) هذا هو القانون العام الذي استحدث أول مرة على لسان السيد (مزاحم الباججي) في خطابه الذي ودع فيه الكولونيل وكيل المندوب السامي البريطاني بعد أن قمع عسكريا ثورة العشرين(9)

إن ما يمكن استنتاجه مما تقدم، هو أن الشعور بالهيمنة السياسية ولدت نزعة استعلائية لدى أبناء هذه الفئة بأنها هي الأقوى  وهي صاحبة الحق في حكم الأغلبية، نتيجة الخطأ التاريخي الذي أتاح لها التوارث في حكم العراق لسنين طويلة ومتناسية إنها كانت تحكم الأغلبية بالقهر والاستبداد، وان في العدل سعة، وسيأتي اليوم الذي يعاد فيه الحق إلى نصابه، ومع ذلك إن هذه الفئة غير قادرة على تحمل نتائج الواقع وشعورها بالخسارة (حسب تصورها) في ظل النظام الديمقراطي ويكون للأغلبية فيه صوت وسيحجّم دور هذه الفئة والتي تشكل أقلية أمام الشيعة والأكراد والقوميات والأديان الأخرى، إضافة إلى إن العقلية الثقافية التي نشأت فيها هذه الشخصية الطائفية، واعتماد القتل جزء في بناء شخصيتها جعل منها تتصرف بعقلية غير واقعية تسلطية تبحث عن إعادة مركزها الذي بدأت تشعر بأن هناك شريك سيعمل معها ويضغط عليها ليحجم دورها ويجعلها ثانوية بعد أن كانت أساسية.

إن ردود الفعل لهذه الفئة بدأ يظهر على شكل إرهاب منظم في محاولة منها لفرض شخصيتها والحصول على المكاسب غير الشرعية في ظل الظروف القلقة، يعزز ذلك تطرف جزء من أبناء هذه الفئة بسبب نزعتها الأصولية المتطرفة في تفكير الآخر، مما دفعها إلى إثارة الرعب والفوضى بدوافع متعددة إضافة إلى كونها تمثل امتداد لثقافة ماضية رغم انقطاعها عن أصولها الصدامية.

المبحث الثاني

الأسباب الاقتصادية للإرهاب 

* الأسباب الاقتصادية الداخلية:

أفرزت سياسة النظام الاستبدادية والطائفية جملة من المؤشرات الاقتصادية ذات الأثر السلبي على حياة المجتمع العراقي  وبالخصوص أبناء الشيعة والأكراد وفيما يأتي أهم هذه الإفرازات:

1.  القضاء على الموارد البشرية في سن العمل من خلال إشغالهم في الحروب المتواصلة مع إيران والكويت، وقتل الآخرين في السجون والمعتقلات والتهجير والتشريد…..الخ(10)

2.  إن سياسة النظام في قتل أعداد هائلة من الرجال ألقى بظلاله على مختلف أوجه النشاط الاقتصادي . ففي محاولة خلق وإيجاد الموارد البشرية اللازمة للعملية التنموية مستقبلاً على سبيل المثال، ثم تعطيلها بفعل تعطيل آلية الزواج تنجية الموت أو الأحجام بسبب هاجس المصير المجهول الذي ينتظر الشباب بجانب الإمكانات المالية اللازم لمثل هذه الفعاليات.

3.  انخفاض مستوى الدخل للفرد العراقي، نتيجة انشغال أبناء المجتمع في الحروب التي ما أنفك أن يخرج من حرب حتى دخل أخرى، انعكس ذلك بأثر سلبي على مستوى معيشة الفرد، حتى وصل إلى مستوى لا يصدق معه، فكانت من نتائج انخفاض مستوى الدخل دفع بالعديد من أبناء الشعب، إلى الوقوع في هاوية الانحراف والجريمة، أثقلت كاهل المجتمع، وهيئة العديد من الشباب وخصوصاً الأعداد الكبيرة من المتسربين دراسياً. والمطاردين من السلطة جراء هروبهم من أداء الخدمة العسكرية أن يصبحوا كتلة جاهزة  لزرع ثقافة الإرهاب والجريمة في أذهانهم مما انعكس ذلك سلباً في بناء شخصياتهم الثقافية أفرزت الحرب الأمريكية نتائجها الآن ما يدفعه الشعب جراء هذا الانحراف والتطرف لهذه الشريحة من المجتمع.

4.  إحلال العمالة الأجنبية محل العمالة المحلية بنسبة تصل إلى 80% خلقت نتائج اقتصادية واجتماعية ، كان من أبرزها تسرب العملة الصعبة إلى خارج العراق تسرباً سريعا مما اضعف قيمة الدينار العراقي وافرغ البنك المركزي من احتياطي العملة الأجنبية واختلال كبير في موازين الدولة المختلفة إضافة إلى خلق عجزاً في قدرات الدولة من الإيفاء بالتزاماتها الدولية وتسديد الديون المترتبة عليها جراء الاستيراد المتواصل للشؤون العسكرية من مختلف دول العالم وصلت إلى أكثر من (132) مليار دولار.

5.  إن الحروب التي خاضها العراق والتدمير الذي لحق بالبنى التحتية، وتدمير الصناعة وتوقف تصدير النفط كلها أدت إلى الإجهاز على مستلزمات غطاء العملة وبالتالي فقدان الثقة بها حتى انخفضت قيمتها الدولية مقابل الدولار إلى(6000) مرة، هذه الظاهرة ألقت بظلها على المجتمع. فأصبح التعامل بالملايين من الدنانير بينما بقي راتب الموظف(2000) دينار أي ما قيمته اقل من الدولار الواحد لمرتب الشهر.

6.  هذه المتناقضات والسياسات المالية الطائفية تجاه الشعب العراقي باستثناء ثلثه من أبناء طائفته والمقربين منه، حيث يغدق العطاء عليهم بإيجاده العديد من المنافذ كالمناسبات وحملة الأنواط والأصدقاء إضافة إلى إشغالهم أهم المناصب السياسية في الدولة من الداخل والخارج والأجهزة الخاصة التي كانت مقفلة على أبناء جلدته.

7.  هذه السياسيات ألقت بظلالها على شرائح المجتمع وكان لها ابلغ الأثر في انحراف أعداد هائلة من المواطنين نتيجة الفاقة والحرمان. فحدث سقوط أخلاقي، وانحراف اجتماعي، وقلق فكري، وامتهن آخرون طريق الجريمة وهذه النتيجة حتمية لمثل هذه السياسة. فقد أشر مثل هذه  النتائج لأمثال هكذا سياسة قول الإمام علي(عليه السلام) قبل أكثر من (1380) سنة إذ يقول (إذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه)(11)، فالثروة بيد صدام وأعوانه والناس جياع، فتهيأت بذلك البيئة بزرع الرذيلة والإغراق والرشوة ..الخ

وجاءت محنة احتلال الكويت من تدمير للجيش العراقي بالآلة الأمريكية، والإجهاز على أبناء الانتفاضة الشعبانية بمباركة أمريكا من خلال سماحها لصدام بإبادة الشيعة واجتياح مدنهم باستخدام الأسلحة الثقيلة والمواد الكيمياوية، وطائراته السمتية واعتقالاته العشوائية والمقابر الجامعية .

وزادت محنة الشعب العراقي وخصوصاً الشيعة في فترة الحصار الذي طبقه على هذا الشعب، بحجج باطلة وأعذار واهية كان المقصود منها ارضاخ إرادة هذا الشعب من خلال سياسة الجوع، والظلم إلى إرادة المحتل وفعلاً استطاعت أمريكا بسياستها هذه أن تحصل على الرضا أو السكوت في حالة اجتياحها الأراضي العراقية وهذا ما حصل بالفعل .

وكان من نتائج الحصار المطبق على الشعب العراقي من الداخل والخارج بجانب الملاحقات والاعتقالات والإعدامات والفقر المدقع، افرز العديد من الظواهر كان أهمها ما يلي:

*بطالة متفشية نتيجة شل جميع الحياة الاقتصادية ومن جراء الحصار.

* التسرب الهائل للشباب من مقاعد الدراسة بحثاً عن لقمة العيش.

* تفريغ العراق من عقول وطاقاته الإنتاجية والإبداعية (العلمية والثقافية) من خلال الهجرة الجماعية إلى الخارج بحثاً عن الأمان وسد رمق الحياة.

ولا ينسى الشعب العراقي الغصة التي لفة رقبته جراء سياسيات الأنظمة السياسية العربية عندما منعت العراقيون من الدخول إلى أراضيها باتفاقها مع صدام حسين مما خلق شرخاً كبيراً في مفاهيم القومية العربية، التي طالما نادى بها وعمل لها أبناء هذا الشعب العريق.

*هذه الجوانب المعقدة جعل شبح الموت يلاحق كل فرد صغيراً أو كبيراً رجلاً أو امرأة، فالصحة خاوية، والدخل تحت مستوى خط الصفر والجوع يحصد الرؤوس، وضعف العلاقات الاجتماعية لعدم قدرة الناس الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية وأصبحت القطيعة هي السمة السائدة والوصال حالة نادرة، وانفصمت بذلك عُرى الإخوة والقرابة، وحتى على مستوى الأسرة، ضعف الاحترام بين الزوج والزوجة، والابن والأب بسبب عدم قدرة رب الأسرة على الوفاء بالتزاماته المالية تجاه أفراد أسرته. فضاعت بذلك سلطة الأب الأسرية وتحللت الأواصر الأسرية لأعداد كبيرة منها فتسيبت أبناءها وكانت نتائجها ضياع وانحراف وامتهان للجريمة.

* الشعور السائد لدى أبناء فئة صدام حسين بالتعالي على أبناء الشعب الفقير، من خلال ما يملكونه من أموال وجاه امتهنوا بها كرامة الإنسان العراقي وصادروا إنسانيته، وبتبنيهم ثقافة  حب الذات، وعدم احترام الآخر بينة شخصياتهم الثقافية انطلاقاً من العصبية والولاء المطلق للنظام والقتل الأعمى لأبناء الشعب، فكانت تمارس دورها في ظل النظام دون قيد أو شرط، وهي الآن تمارس دورها بشكل سافر ومكشوف من خلال الأعمال الإرهابية بقتل العراقيين وتخريب البني التحتية للعراق وتخريب منشأته النفطية وتعطيل عملية إعادة الأعمار.

إن سياسة النظام الطائفية والاقتصادية تجاه أبناء الشيعة كان يبغي من ورائها الحد من النمو السكاني لهذه الطائفة من خلال الحد من الزواج لأسباب اقتصادية، أو أسباب القتل والموت والتشريد وبالتالي الحد من الإنجاب في محاولة لقلب الموازنة السكانية في العراق وعلى حساب جغرافيه العراق، في الوقت الذي كانت طائفته تتمتع بدخول مرتفقة مما لها أثرا كبيراً في زيادة الزواج وبالتالي الإنجاب.

8. إن انخفاض مستوى الدخل يعد عاملاً له ابلغ الأثر  باتجاه تصعيد الإرهاب مقابل الحصول على المال.

ورغم صحة جوانب عديدة في عملية تأثير مستوى الدخل وانعكاساتها على الجريمة والإرهاب إلا انه نجد رغم تدني مستوى دخل أبناء الشيعة إلا إنهم لم يمارسوا دور الإرهاب، واعتقد إن السبب يعود للشخصية الثقافية أكثر من العوامل الاقتصادية والدليل الشاخص على ذلك هو إن بناء الشخصية الثقافية لأبناء فئة صدام القائمة على القتل والموت وحز الرؤوس تؤكد بكل وضوح ما ذهبنا إليه فالعمليات الإرهابية ضد الشعب العراقي تمارس من قبل أبناء هذه الفئة بينما لا تمارسها أبناء الفئات الأخرى ..

* الأسباب الاقتصادية الخارجية:

لقد حققت بعض الشعوب الغنية كالولايات المتحدة الأمريكية ودول غرب أوربا لنفسها مستوى عالياً من توفير الغذاء لرعاياها ويواجه رجل القرن الواحد والعشرين الكثير من المشكلات الخطيرة أهمها:

أولاً: كيف يحول إنسان هذا العصر دون وقوع حرب قد تكون فيها نهايته الحتمية، وتدمير حضارته الإنسانية.

ثانياً: كيف يمكن الاستفادة من التقدم الاقتصادي والاجتماعي إلى ابعد نقطة ممكنة؟

وفي كلتا الحاليتين فأنه في محاولة صراع مستمر مع الحياة من اجل البقاء في عالم أصبح فيه الكون مقسماً إلى عالمين. عالم يتمتع فيه الإنسان بازدهار اقتصادي واجتماعي حتى ولو كان نسبيا عند بعض الدول، وعالم آخر يعيش فيه الإنسان في حالة من الجوع والفقر والحرمان إلى حد الموت، ذلك الصراع بأوجهه المختلفة ولـّد فجوة بين شعوب العالم الغنية والفقيرة(12) التي أخذت بالاتساع يومياً وفقاً للمتغيرات السياسية، وفقدان التوازن العالمي الذي من شأنه أن يبقى هذا العالم في حالة مستمرة من التوتر إلى حد الانفجار(13).

ومما لا جدال فيه إن العصور القديمة كانت في هذه الناحية بصفة عامه من غير حالات المجاعة والقحط التي كانت تنشأ إبان عصور الحروب والفوضى.

أحسن حالاً، فكانت المواد الغذائية أوفر كماً وأحسن نوعاً وارخص ثمناً بحيث يستطيع الجميع الحصول عليها في غير إرهاق أو عسر(14).

إلا إن الإنسان الحديث رغم تخطيه دور الوحشية وشريعة الغاب فيما مضى من الزمان، عاد إليها في حظيرة المدنية والحضارة حتى وصلت إلى ذروتها الوحشية وأصبحت تطبق قوانينها بشكل أكثر تنظيماً مما كان عليه في الأزمان السالفة، فلم يعد هذا العالم أكثر أمناً وتراحماً وعطفاً بين الناس فيما مضى بل ازدادت شهوات القلة والسيطرة والغل والحقد والأنانية وساد الظلم والفساد والتدهور الأخلاقي.

وما يتعرض له الإنسان العصري من ضجيج الأسلحة والتهديدات والقلق والخوف إلى غيرها من التأثيرات الأخرى المتواصلة قد زادت من توتره المستمر في أعصابه ولم يعد جدوى من أي علاج وأصبح الكثيرون يتمنون الموت أثراً للعلاج والراحة بعد أن تغلب عليهم اليأس والإحباط.

إن تلك الآثار الخطيرة لاشك إنها تهدد أمن المجتمعات وقد تدفع إلى الانتقام والعنف والفوضى والتخريب كحجة قاطعة للإرهاب وبث الرعب.

* هيمنة الاقتصاد الرأسمالي:

إن الخلل الاقتصادي الكبير الذي تشهده بلدان العالم الثالثة هو في الحقيقة نتيجة لهيمنة الاقتصاد الرأسمالي.

وهو رأي غالب، لكننا لا نجد مبرراً قوياً على الاعتقاد بأن ذلك سبباً حقيقاً للإخلال بإقتصادات العالم الثالث إضافة إلى ذلك فان سيطرة الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات تفتح آفاق حرة للكسب المادي وترفع من اقتصاديات البلدان لإمكانية هذه الشركات العالمية وارتباطها بعجلة الاقتصاد الأوربي المتطور(15).

كما انه ليست بالضرورة أن تؤدي عملية التوافق الاقتصادي بالعمل مع الشركات الكبرى تحت سيطرة الاقتصاد الرأسمالي إلى الخسارة أو الوصول إلى نتيجة أحداث كارثة اقتصادية.

يؤكد الواقع إن العنف والإرهاب يمارس من قبل أشخاص يعانون من أوضاع اجتماعية واقتصادية صعبة وسيئة في معظم الأحيان، فالبطالة والتضخم ومشكلات السكن وتدني المستوى المعيشي وعدم تناسب الأجور والأسعار قد تدفع الأفراد بعض الأحيان إلى العنف والإرهاب للتعبير عن احتجاجهم على الأوضاع المتردية التي يعيشون فيها (16).

إن نظرة فاحصة إلى أحوال عالمنا اليوم تبين أن هنالك عالمان، عالم من الأقلية غارقاً بالغنى الفاحش، وعالم من الأكثرية يعيش في حالة مزرية من الفقر والجوع والحرمان والأمراض الفتاكة.

وتشير دراسة المعهد (برو لينجز) بأن 20% من دول العالم تستحوذ على 85% من الناتج العالمي الإجمالي، وان 358 بليونير يملكون ثروة تضاهي ما يمكله 2.5 بليون إنسان!؟

وكما يشير معهد إنعاش التنمية التابعة للأمم المتحدة إلى إن خُمس سكان العالم يعاني من سوء التغذية ومعظمهم في قارتي آسيا وأفريقيا، ومليار آخر يعانون الأمية و3.1 مليار يفتقرون للمياه الصالحة للشرب، 180 مليون طفل يعانون من سوء التغذية، وان هناك ما يزيد على 95 مليون طفل يتركون المدرسة ويتوجهون للعمل الشاق لمساعدة عائلاتهم.

كما إن البطالة في الدول الجنوب تتجاوز30% من قوة العمل بينهم 700 مليون عاطل في الجنوب وهذا بالإضافة 80 مليون عملاً متقطعا أو غير إنتاجي.

ومما يضاعف من مشكلة الفقر والبطالة، هو مضاعفات الدين الخارجي لدول الجنوب حيث وصل إلى 140 مليار دولار، ويستهلك هذا الدين نصف الدخل القومي جراء تراكم الفوائد، والفوائد المركبة بالإضافة إلى تصدير التضخم السلعي، واستيراد السلاح من دول الشمال التي تأخذ جانباً كبيراً من الدخل القومي.

وهكذا يتبين لنا تراكم الثروة الهائلة في دول الشمال يقابلها في الدول الجنوب انتشار الفقر والمجاعات والأمراض والبطالة وفقدان الخدمات الاجتماعية وتردي الخدمات الصحية، وارتفاع نسبة وفيات الأطفال إلى عشرة أمثالها في دول الشمال.

هذه الحالة هي التي خلقت البيئة الواسعة للإرهاب فالإنسان الذي يعمل ويتمتع بدخل يحقق له الحياة الكريمة لا يمكن أن يفكر في التحول نحو العصابات الإرهابية.

المبحث الثالث

تحقيق المطالب السياسية أو الاقتصادية

 إن من الأسباب الرئيسية وراء تخريب المنشآت النفطية والبنى التحتية الرئيسة واقتحام السفارات والممثليات والملحقيات الثقافية، هو تحقيق أغراض سياسية أو اقتصادية بغض النظر عن نتائج العمل الإرهابي الذي يذهب ضحيتها الكثير هم في الحقيقة أبرياء، ولكنهم تواجدوا في مسرح الحدث، فهم ضحايا السيارات المفخخة في الشوارع و تفجير المطاعم و نسف مكاتب البريد، وغيرها من الأعمال الإجرامية، كما إنها تشيع الخوف والذعر والرعب في العالم، ولو نظرنا إلى العلميات الإرهابية التي استخدمتها منظمة الباسك في اسبانيا من تخريب ضد المنشآت السياحية الاسبانية أدى إلى هروب عدد كبير من السائحين وعزوفهم عن زيارة اسبانيا مما اثر على دخلها وإرغام الدولة على الاستجابة لبعض مطالب المنظمة(17).

وأيضاً العلميات الإرهابية التي استخدمتها منظمة التحرير الجمهوري الايرلندي ضد المنشآت البريطانية ،مما أدى ألي هروب عدد كبير من السائحين وعزومهم عن زيارة بريطانيا، وكان له أثراً واضحاً على السياسة البريطانية عندما دعت للتفاوض معهم والاستجابة لمطالبهم إلى حد كبير(18).

وكذلك ما قام به أعضاء متطرفين بعمليات تفجير واسعة في القسم الأوربي من تركيا وبالتحديد في مدينة اسطنبول أدى إلى هروب عدد كبير من السائحين وعزوفهم عن زيارة تركيا فكان لذلك أثراً بإلغاء الاقتصاد التركي والسياسة التركية(19).

وما اشتهرت فيه المنظمات الإرهابية الألمانية والايطالية في ارتكاب الجرائم المنظمة أكثر من غيرها من المنظمات الإجرامية وكان هدفها هو الحصول على أموال حتى عن طريق التعاون مع جهات خارجية تتفق معها في إستراتيجية مشتركة (20).

وفي ختام البحث يمكن تسجيل بعض النتائج والتوصيات يكون أجمالها في النقاط الآتية:

* الاستنتاجات:

تمثل النظم الاستبدادية أهم العوامل المسببة للإرهاب على مستوى الفرد والمجتمع مما له بالغ الأثر في إيجاد بؤر التوتر والاضطراب وخلق ردود فعل معادية للنظم الاستبدادية في الوقت الذي تزداد فيها ردة فعل النظام وبطشه للشعب في محاولة لإخضاع الشعب لهيمنة النظام.

السياسات الخاطئة من قبل الدول العظمى تجاه الشعوب ومحاولة فرض هيمنتها بالقوة دون إعارة اهتماماً لمصالح الشعوب ومشاعرها مما ينعكس ذلك على شكل أعمال إرهابية تمثل رد فعل طبيعية لهذه السياسات.

القلق الفكري الذي أوجده الاستعمار من خلال ثقافاته أو من خلال استعماره المباشر ولد حالة من ردود الفعل غير المدروسة وحالة من التخبط دون تشخيص دقيق للمشكلة كان نتيجتها رد فعل عنيف على هيئة فعاليات تتسم أحيانا بمظاهر إرهابية غير مقصودة.

الظلم الذي لحق بالشعوب جراء فقدان العدالة وطمس الحريات سواء كانت من قبل الأنظمة السياسية مباشرةًً أو جراء ظلم المستعمرين أو الاثنان معاً.

كثرة الحروب كان لها أثرا كبيرا في خلق نوع من ثقافة القتل والتدمير تعود عليها أبناء الشعب حتى صارت ظاهرة مرافقة لسلوكيات العديد من أبناءه، يمكن العودة لها في أية حاله من الاضطرار بسبب ضغوط سياسة أو نقص مالي.

قرارات الأمم المتحدة المجحفة بحق الشعوب الفقيرة نتيجة السياسات الخاطئة لأنظمتها السياسية يدفع ثمنها الشعب مما تدفع به إلى التعبير عن سخطه في العديد من الأعمال الإرهابية تجاه الأطراف التي يعتقد بأنها سبباً وراء هذه القرارات.

تدني المستوى المعيشي لأعداد هائلة من سكان الكرة الأرضية في الوقت الذي ترمى آلاف الأطنان من الطعام في البحار خوفاً من عرضها كي لا تنخفض أثمانها وهذه الظاهرة ومن أمثالها تشكل ظلماً لبنى البشر ينعكس على شكل رد فعل قد يكون من نتائجها الكثير من العمليات الإرهابية.

الفجوة الكبيرة في الفهم والتفكير وفي مستويات الحياة والتكنولوجيا والاتصالات بين الدول المتقدمة والأخرى المتأخرة خلفه حالة من التوتر وانعدام لغة التفاهم بين الشعوب أدت بالنتيجة إلى ورود ظاهرة الإرهاب كرد فعل لاختلاف الرؤى في النظرة للحياة من مختلف الزوايا.

إن انعدام النظم الديمقراطية وبخس الناس حقوقهم مهد الطريق أمام الفئات والأقليات والقوميات والطوائف المغيبة في التعبير عن حقوقها من خلال الإرهاب بغية الاستجابة لتحقيق مطاليبها.

إن مأتم التوصل إليه من استنتاجات والتي ألمح إليها البحث تشكل جزءاً من الكثير من الاستنتاجات يمكن التوصل لها فيما لو بحثت ظاهرة الإرهاب من مختلف جوانبها.

* التوصيات:

إن تشخيص العلل لا يعطي بعداً حقيقيا لمشكلة الإرهاب للقارئ الكريم ذلك أن تشخيص المشكلة يحتاج إلى علاج ويحاول هنا الباحث أن يثبت بعض التوصيات لعلها تفيد في  بلورة طرق العلاج لمثل هذه الظاهرة الخطيرة واهم هذه التوصيات هي:

إن معالجة الوضع المأساوي في دول الجنوب والعمل على رفع مستوى حياة الإنسان فيها يعد عاملاً حاسماً في الحرب على الإرهاب.

الحل العادل للقضية الفلسطينية، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والقابلة للحياة، وتجنب الولايات المتحدة سياستها الخاطئة التي تمارسها في مختلف أنحاء العالم.

 وفي العراق الذي يعاني اليوم من تنامي الإرهاب، وفقدان الأمن، وتدهور الحالة المعيشية للشعب، وانتشار البطالة والأمراض الفتاكة والخراب الذي شمل كل مرافق البلاد، والذي تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية كبرى عما آلت إليه هذه الأوضاع، وهي التي شنت الحرب الأخيرة حيث انتهت بسقوط النظام الصدامي وتركت البلاد دون جيش لتعبث العصابات  التي أطلق سراحها صدام قبل سقوط حكمه فساداً وتخريباً وإحراقا لكل المرافق العامة ولم تتخذ أي إجراء لصيانة الأمن والنظام العام، فكانت النتيجة تنامي النشاط الإرهابي في البلاد وبشكل رهيب، وكان لكثرة البطالة والفقر المدقع ساعد على انتشار الإرهاب في أكثر من بيئة.

نستخلص مما تقدم إلى انه لا سبيل لاستئصال النشاط الإرهابي إلا بتحقيق الشروط التالية:

الأول: سياسة عادلة تجاه الشعوب كافة، ودعم النظم الديمقراطية التي تحترم حقوق الإنسان، والتخلي عن دعم الأنظمة الدكتاتورية والفاشية، وتثبيت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في صلب القانون الدولي، والعمل بكل ما من شأنه إقرار الآمن والسلام في العالم اجمع.

الثاني: سياسة اقتصادية عادلة تعالج مشكلة الفقر والجوع والتخلف والأمراض والأمية في عالم الجنوب، وتخصيص جزء من الثروة الهائلة التي يحصل عليها عالم الشمال من اجل بناء عالماً جديداً في ظل نظاماً ديمقراطياً عادلاً يحقق الحياة الكريمة لجميع الشعوب.

الثالث: الحوار المتبادل بين الشعوب والحضارات بغية تذليل العراقيل في طريق التقارب الفكري حول العديد من الإشكاليات واستخدام وسائل الاتصال والتقنيات الحديثة لخدمة التقارب بدل استخدامها لتعميق الهوة كما يحدث الآن عبر الفضائيات وخصوصاً الفضائيات العربية.

الرابع: السعي العالمي لبناء نظم ديمقراطي في مختلف أنحاء العالم بما يمكن الشعوب التحرر من الاستبداد وبما يحافظ على هوية الشعوب وعقائدها، خصوصاً وفي الديمقراطية متسعاً لاستيعاب مختلف رؤى الشعوب وتوظيفها ضمن آليات لنظام الديمقراطي لكل من بلدان العالم.

  

*تدريسي/ كلية الإدارة والاقتصاد/ جامعة كربلاء .

المصــــادر

1.القرآن الكريم.

2. الحكيم، محمد باقر، الوجه الآخر للنظام الحاكم في بغداد.

3.  حركة الجماهير المسلحة في العراق، التعذيب الوحشي في زنزانات البعث.

4.  حجازي، مصطفى، التخلف الاجتماعي، مدخل سيكولوجية الإنسان المقهور، معهد الإنماء العربي– بيروت 1976.

5. السياسة العراقية-المنطلقات والممارسات، الأهداف، بدون مكان طبع وبدون طبعة.

6.  سيدي، محمد عبد الله، ماذا وراء ظاهرة العنف في العالم مجلة الأمن والحياة، العدد 45، 1986.

7.  العلوي، حسن، الشيعة والدولة القومية في العراق،1914-1990 دار الثقافة للطباعة والنشر، إيران، قم.

8.  العباسي،عبد الحميد، صفحات سوداء من بعث العراق، مطبقة التراث العربي، ط1، حـ2، لندن 1988.

9.  العبد الله، فهد،حقيقة الإرهاب عبر العصور، ط1، بغداد، 2004.

10. عز الدين، احمد جلال، مكافحة الإرهاب، مطابع دار الشعب، القاهرة، 1987 .

11. فرح، الياس، تاريخ حزب البعث العربي، بغداد.

12.  قرارات الأمم المتحدة، بعد غزو الكويت.

13. من منشورات منظمة العمل الإسلامي في العراق، رسائل وصور من جحيم البعث .

14.  منظمة العفو الدولية، تكشف جرائم التعذيب في العراق -ترجمة مركز الإعلام الحربي للجمهورية الإسلامية في إيران.

15. من بيانات الهيئة العالمية للتغذية والزراعة.

16. المحامي، احمد حسين، الطاقة الإنسانية ، 1988 .

17. نهج البلاغة، قصار الحكم ،رقم 372.

18. نضال البعث،ج1.

19. د.وديع، جليل، العنف والجريمة، الدار العربية للعلوم.

 الهوامش

 1.  د.جليل وديع، العنف والجريمة، الدار العربية للعلوم، ص49، مصطفى مجاز، التخلف الاجتماعي، مدخل إلي سيكولوجية الإنسان المقهور معهد الإنماء العربي، بيروت 1976، ص 281.

2. البقرة آية 173.

3.  نضال القيد، جـ 4، دار الطلبة، بيروت.

4.   د.قاسم سلام، البعث والوطني العربي، منثورات العالم العربي، باريس، ص 246 .

5.  محمد باقر الحكيم، الوجه الآخر للنظام الحاكم في بغداد، ص 19/31 .

6. من منثورات منظمة العمل الإسلامي في العراق، رسائل وحور في جحيم البعث، ص23 .

7.     تمكين العودة إلى قرارات الأمم المتحدة، بعد غزو الكويت.

8.  السياسية العراقية، المنطلقات، الممارسات، الأهداف،بدون مطبعة ومكان طبع وسنة الطبع، ص31.وانظر أيضا:حسن العلوي، الشيعة والدولة القومية في العراق1914–1990، دار الثقافة للطباعة والنشر، إيران، قم. جميع صفحات الكتاب .

9. حسن العلوي، الشيعة والدولة القومية في العراق– مصدر سابق ص47.

10.  عبد الحميد العباسي، صفحات سوداء من البعث العراقي، مطبعة دار التراث العربي، ط1،ج2 لندن، 1988 .

11.  منظمة العفو الدولية، تكشف جرائم التعذيب في العراق، ترجمة مركز الأعلام الحزبي للجمهورية الإسلامية في إيران.

12. حركة الجماهير المسلمة في العراق.التعذيب الوحشي في زنزانات البعث، منشور.

13. نهج البلاغة، قصار الحكم، رقم (372).

14.  من بيانات الهيئة العليا للتغذية والزراعة.

15.فهد العبد الله، حقيقة الإرهاب عبر العصور، ط، بغداد، 2004.

16.احمد حسين المحامي، الطاقة الإنسانية، عام 1988، ص 61.

17.فهد العبد الله، حقيقة الإرهاب عبر العصور، بغداد، 2004،ص90- ص93.  

18.محمد عبد الله السيدي، ماذا وراء ظاهرة العنف في العالم. مجلة الآمن والحياة، العدد45، 1986 ص34

19.د.احمد جلال عز الدين، مكافحة الإرهاب، مطابع دار الشعب، القاهرة، 1987، ص117.

20.فهد العبد الله، حقيقة الإرهاب عبر العصور، مصدر سابق، ص18.

21.المصدر نفسه، ص19 .

22.المصدر نفسه، ص144.

 الفصل السادس

الإرهاب والخطاب الإعلامي

( يحسبون كلّ صيحةِ عليهم هم العدو فأحذرهم )

  

عمران كاظم الكركوشي*

تمهيد:

يعتبر الخطاب الإعلامي احد العوامل التي تلعب دورا هاما في صياغة الذهنية الإنسانية على اعتبار أن وسائل الإعلام هي المصدر الأهم لتدفق الرموز وبالتالي المكون الأساس للصورة المعبرة عن العالم في العقل البشري، إضافة إلى أن الخطاب الإعلامي هو المعبر عن التوجه السياسي ومجسدا للأهداف التي تضعها الجهة القائمة على الاتصال أو الوسيلة الإعلامية، ومن أهم الأحداث أو الظواهر التي تشغل بال البشرية في الوقت الراهن هي ظاهرة (الإرهاب) المفهوم والعملية، ولهذا الحدث صورة معقدة إن كان في علاقاتها الداخلية أم الخارجية، وتعقيد صورة الإرهاب تـأتي من مستويين:

المستوى الأول: هو طبيعة هذه الظاهرة وامتزاجها مع مكونات وظواهر أخرى مثل المقاومة والكفاح والنضال والجهاد.

والمستوى الثاني: وهو الأخطر في طبيعة النظرة والتعامل مع هذه الظاهرة من قبل السياسيين والعلماء والمثقفين سواء من كان معنيا بها أم غير ذلك.

إن هذه الظاهرة والتي بدأت تؤثر في الحياة المعاصرة، لها وجوه متعددة كأنها فسيفساء، يهمنا هنا وجهها الإعلامي، وهناك جزئية من هذه الصورة سنحاول أن نلقي نظرة تحليلية عليها وهي الحالة التي يظهر بها الإرهاب في وسائل الإعلام، ولكي نكون اقرب إلى المنهج فإننا سنحاول الإجابة عن الإشكالية التي تطرحها العلاقة بين الإرهاب والخطاب الإعلامي، حيث شغلت هذه العلاقة العلماء والساسة على حد سواء وتميزت آراء الجميع بعدم الوضوح والجدلية العالية التي يمكن ملاحظتها ببساطة في العلاقة بين السياسيين والقنوات الإعلامية التي أصبحت علاقة على قدر من التعقيد والحساسية، وكأن هذه الأخيرة -القنوات الإعلامية-هي عالم مستقل ودولة مستقلة كانت صغيرة وهامشية بالأمس وبدأت تلعب اليوم لعبة الكبار، ومن هنا جاءت أهمية هذا البحث الذي يحاول تحليل هذه العلاقة، ويستخدم البحث المنهج الوصفي باستخدام المعالجة النظرية للنصوص ويحاول الاستناد إلى المقارنة والتحليل النظري للحقائق التي أشارت إليها الدراسات والنظريات الهامة في هذا المجال، وينقسم هذا البحث إلى المباحث التالية:

المبحث الأول: يوضح طبيعة الإعلام والوسائل الإعلامية (نظرة في المكونات).

المبحث الثاني: يشير إلى الإعلام ودراسة الخطاب.

المبحث الثالث: الخطاب الإعلامي: التعريف والماهية والمكونات.

المبحث الرابع: الإرهاب والنص الإعلامي .

المبحث الخامس: الخطاب النموذج الأمريكي.

المبحث الأول

الإعلام نظرة في المكونات

من اجل الابتعاد عن احتمال الخلط في المفاهيم فإننا نشير إلى أن (الإعلام) المقصود به هنا العملية (process) التي تتم عبر وسائل الاتصال الجماهيرية المقروءة والمسموعة والمرئية، هذه العملية التفاعلية المكونة من المرسل الرسالة والوسيلة والمستقبل ورجع الصدى.

والباحث يستخدم مصطلح الإعلام بمعنى الـ(media) إشارة إلى الوسائل المستخدمة في العملية الاتصالية، وهو الخطاب الذي يستخدم الوسائل الاتصالية بغية نشر الحقائق والتقارير عن الأحداث الجارية ؟

ونلاحظ أن بعض العلماء والمنظرين في هذا المجال لا يحبذون استخدام مفهوم الإعلام في مثل هذه الحالات لان الإعلام من حيث العملية هو إيصال المعلومات من المرسل إلى المستقبل وغالبا ما تكون هذه المعلومات متعلقة بالأحداث الجارية وهذه جزء من العملية التي يطلقون عليها العملية الاتصالية(1)، وبمجرد توظيف المعلومات عن الأحداث الجارية باتجاه معين فان العملية تخرج عن مسارها الإعلامي إلى الحرب النفسية أو الدعاية أو الدعوة أو التسميم السياسي، وستنتفي عنها صفة الإعلام (بمعنى الإخبار)، ولحل هذه الإشكالية فان بعض المنظرين يدعون إلى إطلاق اسم وسائل الاتصال على هذه الوسائل والعملية(الاتصالية) بدلا من العملية (الإعلامية)(2).

ومن هنا سنحاول في هذا البحث الإجابة عن التساؤل التالي:

هل هناك علاقة بين الإرهاب والخطاب الإعلامي؟ بمعنى هل هناك علاقة بين طبيعة الإرهاب وطبيعة الخطاب الإعلامي، فعندما يتغير الإرهاب باتجاه معين هل  يتبعه الإعلام ؟ومن يتأثر بالآخر؟

وهناك وجه آخر لهذا السؤال هو إمكانية العلاقة المحتملة بين مستوى و طبيعة الخطاب الإعلامي وطبيعة الإرهاب؟

ونتساءل أيضا هل للخطاب الإرهابي علاقة بالخطاب الإعلامي؟ ومتى يكون كل واحد وجها للآخر؟

تعريف الخطاب تحليل الخطاب :

ورد في العديد من الأدبيات الإعلامية أن الخطاب هو حالة من حالات استعمال اللغة والتي يمكن تصنيفها على أساس استعمال اللغة التي تشكل المعنى الضمني للخطاب، ومن الصعب إعطاء تعريف بسيط لتحليل الخطاب كطريقة في البحث وبدلا من ذلك يمكن أن يكون هذا العمل يتميز كطريق اقتراب والتفكير بمشكلة، وبهذا المعنى فان عملية تحليل الخطاب كمنهج هي عملية لا نوعية ولا كمية ولكن أسلوب لاستجواب الافتراضات البسيطة لطرق البحث الكمية والنوعية، وتحليل الحديث لا يعطي جوابا ملموسا للمشاكل استنادا إلى البحث العلمي لكنه يمكن من الوصول إلى الحقائق والافتراضات الوجودية والمعرفية التي تقف وراء النص، وبكلمة أخرى إن تحليل الخطاب سيمكن من الكشف عن الحوافز(الدوافع) المخفية وراء النص أو وراء اختيار طريقة معينة لترجمة وتفسير أو دراسة ذلك النص، وإذاً فعملية تحليل الخطاب إن هي إلا عملية تحليل لغة أو فلسفة لدراسة عدم التناغم في أجزاءها (deconstructive) وذلك من خلال دراسة أو قراءة وتفسير مشكلة أو نص، وهذا يعني إن الحقيقة هي نفسها في بعض الأحيان نصا أو خطابا يمكن تحليله، وإذا فكل (نص) هو (حد) و(مضمون) يعبر عن خطاب معين وهذا هو مصطلح تحليل الخطاب، وهكذا فان تحليل الخطاب لا يعطي إجابات مؤكدة لمشاكل محددة ولكنه يمكننا من فهم الظروف التي تقف وراء مشكلة معينة و يمكننا من إدراك جوهر هذه الحقيقة وحلها، ويهدف تحليل الخطاب إلى السماح لنا بملاحظة المشكلة من مشهد عال، للحصول على نظرة مقارنة للمشكلة وعلاقة أنفسنا مع هذه المشكلة، وتحليل الخطاب يعني الحصول على إدراك عال للدوافع المختفية في داخلنا وداخل الآخرين، وبالرغم من أن الفكر النقدي للخطاب فكر قديم قدم الفلسفة نفسها إلا أن تحليل الخطاب ظهر بشكل جلي في فترة ما بعد الحداثة أو هو ناتج عنها(3).

أن معنى إن يكون الخطاب حاملا لقوة أو سلطة اجتماعية هو أن يتمكن المشاركون الأقوياء في هذا الخطاب من التحكم في ما يقوله المشاركون غير الأقوياء وفي تقييد قدرتهم على استخدام اللغة لكبح هذا التحكم. وأنواع الكبح اللغوي تشمل في رأي فيركلاف:

1.    المضمون (أي مضمون ما يقال في النصوص).

2.      طبيعة العلاقات بين الأفراد المشتركين في الخطاب.

3.      المواقع التي يموضع كل منهم نفسه فيها)(4).

يؤكد( فيركلاف) انه يمكن للمحلل النقدي أن يبحث عن آثار القوى الاجتماعية في نص من النصوص، مكتوبا كان أم محكيا، ويمكنه أن يرى من خلال هذا التحليل أن هناك كوابح تحد من الخطاب من ناحية المضمون حيث لا يسمح لكل من يريد إن يقول شيئا إن يقوله كما يريده لأن هناك قوة أقوى تمنع ذلك المضمون، كما يمكن رؤية مواقع المشاركين في الخطاب في خارطة القوى الاجتماعية من خلال النصوص إضافة إلى ما تحمله تلك النصوص من دلائل لغوية على طبيعة العلاقة غير المتساوية بينهم(5)، إن الهيمنة قد تكون حاضرة ليس في الخطاب نفسه بل خلفه، أي إن الوضع الاجتماعي الذي يظهر فيه أو لأجله النص يحد بأكمله من إنتاج خطابات أخرى تباين الخطابات ذات السلطة، ففي حالة اللغة العربية مثلا، لا يمكن لمن لا يستطيع الحديث باللغة الفصحى مثلا(كأن يكون فلاحا من قرية لم يتعلم القراءة أو الكتابة) إن يستضاف في برنامج حواري في وسيلة إعلام مرئية أو مسموعة، رغم إمكانية مساهمته الفعالة في موضوع الحوار، وذلك لهيمنة الفصحى، أضف إلى ذلك إن آليات اختيار منتجي الخطاب في بعض المواضع تحد من الذين «لا تنطبق عليه الشروط» من القدرة على إنتاجه، ولهذا فإن الخطاب الذي يظهر العلن للناس، بإضافة إلى حضور السلطة في عناصره، يخفي الهيمنة التي منعت آخرين من إنتاج خطاباتهم الموازية له(6).

المبحث الثاني

الخطاب الإعلامي: التعريف والماهية والمكونات

 الخطاب الإعلامي هو نمط الرسالة الإعلامية الموجهة عبر وسيلة الإعلام إلى الجمهور المحدد بغية تحقيق أهداف محددة، وغالبا ما يتجسد الخطاب الإعلامي في عدد من الفنون الاتصالية المستخدمة في وسائل الاتصال والإعلام مثل صناعة الأخبار والسينما والتلفزيون والانترنت وحتى الإعلان.

لقد أكد العلماء والباحثون بأن الصحفيين والمنظمات التي تستفيد منهم لا تعمل في فراغ ذلك إن حسابات الأخبار تتأثر بمضمون السياق الهيكلي للذي ينتجونه(7)، وهذه دلالة واضحة على علاقة صميمية بين المحرر وبين الهيكل القيمي الذي يحكم عمله باعتباره ضمن مؤسسة.

أسس الخطاب الإعلامي:

يتأسس الخطاب الإعلامي على مجموعة من القواعد التي تلزم لبناء خطاب إعلامي ناجح ومؤثر، ومن هذه القواعد:

* الايدولوجيا المكونة لثقافة المجتمع.

* المنظومة الثقافية والقيمية.

*منظومة العلوم السائدة وذلك لأن الخطاب الإعلامي يستند إلى النظريات العلمية التي تؤشر عددا من القواعد وأنماط الخطاب الإعلامي المؤثرة دون غيرها ويشمل ذلك العلوم التقنية التي تؤسس لـ(وسائل)الخطاب الإعلامي(media ).

أنواع النصوص الإعلامية:

تتنوع النصوص الإعلامية بتنوع الفنون الصحفية والإعلامية بشكل عام، فأي رسالة إعلامية هي نص بغض النظر عن كونها جملة خبرية أم خبرا أم مقالا أم حوارا صحفيا أم تحقيقا أم برنامجا تلفزيونيا إلى ما شابه ذلك من أنواع الفنون الصحفية المتداولة.

لذلك فان(النص) يتداخل مع كل الفنون الإعلامية، وهذا مكمن الخطر لان قدرة النص على الامتزاج مع الفن الإعلامي تعطيه القدرة على الاستفادة من مميزات وخصائص كل فن منفرد أو مجتمع مع الفنون الأخرى.

الصورة كنص: تعد الصورة من أهم النصوص الإعلامية التي يمكن معالجتها إعلاميا وأكثرها قابلية للتأثير على الجمهور، وزاد استخدام الصورة في صناعة النصوص مع تطور صناعة الإعلام المرئي سبقها في ذلك الفن الطباعي الذي كان يستخدم الصورة بشكل اقل في المضمون والتأثير على أساس التركيز على الصورة غير الحية إلى أن جاء التلفزيون بتأثيره الخرافي على البشر من خلال استخدام البث المباشر لميادين الأحداث، وصناعة السينما التي باتت من اعقد مراحل صناعة الصورة وذلك للرمزية العالية التي تتضمنها، ولا يمكن تحديد الرموز الداخلة في الصورة باعتبارها نصا، ذلك لان كل صورة هي منظومة من الرموز المتعلقة بموضوع معين، ودخلت قراءة مفهوم الصورة والبرامج التلفزيونية كنصوص في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وتأسس آنذاك منهجا نقديا خاصا للإجابة عن كيفية قراءة النصوص التلفزيونية.

والخطاب ميدان للهيمنة في النصوص المكتوبة، وهو ما نجده في حالة النصوص الإعلامية التي تخفي في العادة أنماط الهيمنة الموجودة فيه، وكتّاب النصوص الإعلامية يخاطبون جمهورا واسعا من الناس ولهذا فإنهم يضعون في أذهانهم متلقيا مثاليا لنصوصهم، وعادة ما تمارس وسائل الإعلام تأثيرها على نحو منهجي حيث تكرار الأخبار على نحو يحدد طبيعة ما يتلقاه المجتمع من رؤى حول الأحداث من وسائل إعلام، وتكمن الهيمنة في النصوص الإعلامية في أن لدى منتجي النصوص الإطار المؤسسي لإنتاج الخطاب وهم الذين يمتلكون حقوق إنتاج الخطاب، ولهذا فإنهم يتحكمون في ما ينشر وما لا ينشر، وفي كيفية عرض الأحداث، كما إن مصادر الأخبار تكون في العادة من الأطراف الأقوى في المجتمع كالسياسيين والرأسماليين، ونادرا يؤخذ الخبر من جماعات ضعيفة اجتماعيا كالطبقات المتدنية في وضعها الاجتماعي أو المالي كالفقراء أو العاطلين عن العمل(8).

المبحث الثالث

الإعلام ودراسة الخطاب

 لا ريب أن الإعلام قد أثر في عمق الحياة البشرية من حيث أنها تشكل المرة الأولى التي يتمكن فيها كل إنسان من الوصول إلى المعلومات أينما كان مصدرها، وهو مجال خصب لدراسات الخطاب والدراسات النقدية اللغوية من أكثر من زاوية(9) فقد حققت وسائل الاتصال الأهداف التالية:

* الوصول إلى الخطاب: اعتبار المواقع الإعلامية بإعتبارها نصوصا. أضف إلى ذلك يمكن دراسة شروط إنتاج نصوص الإعلام التي تشرطها مؤسسات توفير المواقع الإعلامية.

*  حرية الوسيلة: وفرت وسائل الإعلام والاتصال مجالا لكثير من منتجي النصوص الذين منعهم الوضع الاجتماعي من إنتاج أو إشاعة نصوصهم وخطاباتهم، وتتبع حضور القوى الاجتماعية فيها، خصوصا بعد أن تمكن منتجوها من الوصول إلى وضع إنتاج النصوص والخطابات، وطبيعة تلقى المجموعات الأخرى لهذه النصوص والخطابات وتفاعلها معها، أي حلقات النقاش المفتوحة، والتي تتميز بأن كل من يريد أن يسجل فيها يستطيع التسجيل والمساهمة في إنتاج نصه وإشاعته (رغم الشروط والظروف التي تحد من إنتاج النصوص أحيانا)، وهو وضع يكسر الوضع التقليدي الذي كان يحد من إمكانية الأفراد ومجموعات معينة من إنتاج نصوصها، كذلك يمكن دراسة مضامين هذه الخطابات، وطبيعة الحوارات الموجودة في هذه المنتديات، وعلاقتها بالقوى الاجتماعية الموجودة.

*  طبيعة نصوص الانترنت: يمكن للباحثين النقديين دراسة ما أدى إليه الانترنت من انتاج نصوص لم تكن موجودة مسبقا، كأنواع المواقع الالكترونية ذاتها، ومضامينها والعلاقات التي تفرضها، ويمكن الإشارة هنا مثلا إلى ما يسمى (النص المفرع hyper text) حيث يرتبط النص المكتوب برموز أخرى كالصور والأصوات بما يسمح لمستخدمه أن يتجول في الترابطات الموجودة في النص دون الالتزام بإتباع ترتيب الموضوعات المطروحة فيه. إضافة إلى هذا فقد أدخلت الحاسوب والانترنت تجربة ومفهوم المكتبة الالكترونية حيث توفر الانترنت عددا لا يحصى من الكتب التي يستطيع أيا كان فتحها من أي موقع في العالم كتجربة مكتبة الوراق (www.alwaraq.com) على سبيل المثال. وهنا فإنه يمكن للباحث اللغوي النقدي أن يدرس استغلال القوى الاجتماعية لأنماط النصوص الجديدة لتعزيز وضعها الاجتماعي، وأنواع المقاومة الاجتماعية بتجلياتها النصية الانترنتية والإعلامية.

*البريد الالكتروني: يعد البريد الإلكتروني مجالا لدراسات نقدية لغوية تتناول شتى مظاهره، كدراسة أساليب كتابة الرسائل الإلكترونية، وعلاقة هذه الرسائل بالأوضاع الاجتماعية، كعلاقتها برسمية مواقف إنتاج الخطاب على سبيل المثال. 

تقنيات الخطاب الإعلامي:

 يستمد تقنيات الخطاب الإعلامي من العناصر التالية:

* التقنيات الصناعية البحتة التي تستخدم في صنع الرسالة الإعلامية والمتمثلة في منظومة الآلات الداخلة في صناعة الصورة والتحرير والنقل والبث الفضائي.

* تقنيات صناعة النص باعتباره منظومة من اللغة والمعاني المعبرة عنها والداخلة في تكوينها.

المبحث الرابع

الإرهاب والنص الإعلامي

يقول الناقد الأمريكي بارينتي في كتابه (اختراع أو فبركة الحقيقة) (إن تحديد من هو إرهابي ومن ليس إرهابيا أمر تقرره سياسة وسيلة الإعلام التي تصفه) وهذا القول إن هو إلا دليل قاطع على العلاقة الجوهرية بين الإعلام والإرهاب على الأقل في وجه من وجوهه(10).

ويلتقي الإرهاب والنص في ملتقين:

الملتقى الأول: التأثير الذي يمكن إن تحدثه وسائل الإعلام في الجمهور المتلقي، وبصورة عامة فقد انقسمت النظريات التي تعالج موضوع تأثير وسائل الإعلام إلى ثلاثة اتجاهات(9).

 الاتجاه الأول:

يشير إلى التأثير الكبير الذي يمكن أن تحدثه وسائل الإعلام في الجمهور.فالآثار الأساسية للاتصال الجمعي نراها كل يوم (على حد قول شرام) في طبيعة العادات الاجتماعية الموجودة حولنا وفي المشاكل التي يناقشها الناس واللغة التي يتحدثون بها وهي آثار بطيئة وغير مدرَكة(11).

 الاتجاه الثاني:

يقلل من شأن هذا التأثير، ويركز على أن الدور الذي تلعبه وسائل الاتصال كمثير في ضوء ظاهرة كلية تكون موضع الملاحظة(12).

  الاتجاه الثالث:

إن هذا التأثير لا يتم إلا من خلال عوامل وسيطة كالعامل الثقافي والخلفية الحضرية الخلفية الاجتماعية(13).

الملتقى الثاني: السياسة

لقد أثبتت السياسة أنها المحرك والصانع والمكون الأول والهام والأساسي لكل أنماط الحياة الأخرى في المجتمع، والى ذلك فان السياسة والسياسيين بدأ دورهم يتعاظم في صنع مصير ومستقبل البشرية إلى الأبد، والمشهور عن النصوص الإعلامية ارتباطها بالعامل السياسي جوهري بسبب إن الإعلام احد عناصر القوة السياسية في عالمنا المعاصر وأداتها المعبرة عن روح واتجاهات ومضامين المنهج و الطروحات السياسية في كل الدول، فان الملتقى بين النص والإرهاب ملتقى جدلي غاية في التعقيد والحميمية في نفس الوقت، ولم تتعقد العلاقة بين الإرهاب والإعلام بالقدر الذي حدث بعد هجمات 11 أيلول، ذلك الحدث الذي أعاد رسم السياسة العالمية(14).

الإرهاب الإعلامي

الإرهاب الإعلامي هو احد وجوه الإرهاب الذي تمارسه الأطراف المتصارعة دوليا، واستخدمت هذه العقيدة منذ زمن بعيد، ومنذ إن بدأت العلاقة بين المتحاربين تتعقد وتبحث لها عن طرائق غير تقليدية. فكانت الحرب النفسية والدعاية ومن ثم الإرهاب الإعلامي كأحد وجوه تجميع كل الإمكانات المذكورة وتجسيدها في رموز خطابية ترسل من خلال وسائل الإعلام، وقد شكلت نظرية الإمبريالية الإعلامية التي أسسها (هربرت شيللر)(15) والفكر المناهض لها احد المحاور الأساسية للخطاب الإعلامي الحديث ويقصد بمصطلح الإمبريالية الإعلامية استخدام قوة وسائل الإعلام من اجل فرض القيم والعادات والنزعات الاستهلاكية كثقافة أجنبية وافدة على حساب الثقافة المحلية وقد تفرع خطاب الإمبريالية الإعلامية (كما أوضح جون توموليسون) إلى أربعة محاور رئيسية هي(16) خطاب يرى الهيمنة الإعلامية في السياق الاشمل للإمبريالية الثقافية ويرفض الفصل بينهما وهو التوجه الذي يفضله الماركسيون الجدد وذلك من اجل إبراز ضراوة الإعلام الحديث وإظهار تحالفاته مع القوى الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

خطاب ينظر إلى الإمبريالية الإعلامية من المنظور القومي حيث يرى فيها تهديدا للهوية ومثالهم المفضل في شان ذلك هو سيادة اللغة الإنكليزية في وسائل الإعلام خاصة في الانترنت.

خطاب مدرسة فرانكفورت الذي يرى الميديا وسيلة للسيطرة وتجديد دماء الرأسمالية من اجل مزيد من الاستغلال والاستقطاب الاجتماعي.

خطاب يرى الإمبريالية الإعلامية كأحد مظاهر الحداثة التي يجب النظر إليها بصفتها مصدر الداء الرئيسي بقول آخر لا يجب النظر إلى الميديا منفصلة عن مظاهر الحداثة الأخرى كالهجرة إلى المدن والاستسلام لسطوة العلم والتكنولوجيا وطبيعة الترتيبات الهرمية للمؤسسات الاجتماعية وما شابه. 

وتواجه النظرية الإمبريالية الإعلامية هجوما ضاريا من قبل المؤيدين لعولمة الإعلام وينطلق الفكر النقدي لها من منطلقات عدة(17) منها إن مفهوم الإمبريالية الإعلامية قد قام في ظل سيادة الدولة على وسائل الإعلام ولابد انه سيزول بغيابها وإغفال نظرية الإمبريالية الإعلامية لدور المستهلك للرسالة الإعلامية، وان نظرية الإمبريالية الإعلامية قد أعطت مزيدا من الثقل للإعلام على حساب القوى الاجتماعية الأخرى، إضافة إلى الاعتقاد أن هناك تناقضا جوهريا في فكر هربرت شيللر مؤسس النظرية فيما يخص ما تضمنت بشان تهديد الهوية القومية فكيف يتسنى له وهو صاحب التوجه الماركسي أن يتحدث عن الهوية القومية في حين أن الفكر الماركسي معاد لفكر القومية، ويمثل الخطاب الإعلامي لهذه النظرية من اخطر أنماط الحطاب الإعلامي الذي قد يؤثر في بناء فكر مضاد ونشط باتجاه منظومة الهيمنة التي تعتبر بحد ذاتها احد الدوافع الهامة لظهور السلوك الإرهابي. 

علاقة الصورة بالإرهاب

تعتبر الصورة احد المكونات الدافعية للعمل الإرهابي أو السلوك المعبر عنه بالإرهاب، وقد أكدت العديد من الدراسات والبحوث إن الصورة المرئية هي احد العناصر الهامة والمؤثرة باتجاه تكوين اتجاهات عنيفة يتسم بها السلوك الفردي، وكان ذلك من نتائج دراسات عديدة حول تأثير التلفاز.

يمكن أن نحلل هذه العلاقة على أساس المعاني التي تتخذها الصورة، فللصورة في المعنى العام معنيان: فهي في معناها التقني الخالص "حالة فوتوغرافية" مؤرخة تختزل واقع الحال في قاريته أو في حركيته..."بتجرد". وهي، في معناها الفلسفي، تمثل ذهني، ضمني أو معبر عنه، لذات الواقع...دونما تجرد كبير، يحيل المعنى الأول للصورة على تمثل التقنية لها، فلا تظهر الصورة بالتالي إلا كمخرج من مخرجاته التقنية ليس إلا، في حين يحيل المعنى الثاني على الصورة التي يتمثلها الفرد (أو الجماعة) لذاته وللآخر، وقد يتراءى من غير الطبيعي التقاء المستويين أو تكاملهما،إذ لكل المعنيين فضاءه الخاص ولكل منهما أدواته وسياقه العام،لكنهما، عكس ذلك، يلتقيان ويؤثر كلاهما في الآخر: فالتقنية تفعل في فضاء قائم هي نتاجه وجزء من منظومة قيمه في آن واحد، تماما كما أنها تمثل الأفراد والجماعات لذاتهم وللآخر هو، يمثل، إفراز من إفرازات متعددة... للتقنية دور كبير، وعلى هذا الأساس، فما اصطلح على تسميته (منذ مدة في الأدبيات السوسيولوجية) بـ "حضارة الصورة" لا يغدو، في تصورنا، كونه مظهرا من مظاهر الالتقاء إياه وتجليا من تجلياته.

التغطية الإعلامية كناقل للإرهاب

تنامت في العقدين الأخيرين من القرن العشرين الأدبيات التي تربط وسائط الإعلام بالإرهاب مع أن البعض يعتقد انه ليس هناك من دليل علمي على ذلك (18).

ولقد نقلت نظريات التعلم الاجتماعي والإثارة وأبطال النهي عن تأثيرات توصيف وسائط الإعلام للعنف والجريمة إلى مسالة توصيف الإرهاب.وقبلت نتائج الدراسات المساندة لأراء الباحثين في العنف في وجه الأدلة المتناقضة، حدث هذا بالرغم من انه لم تثبت دراسات أجريت على تأثير توصيفات العنف والجريمة أن هناك علاقة سبب ونتيجة بين الإعلام والعنف والجريمة وفي أفضل الأحوال يمكن القول إن توصيفات وسائط الإعلام لا تتسبب في أن يصبح الجمهور عنيفا لكنها قد تؤثر على بعض مستخدمي وسائط الإعلام الذين يملكون نزعات لا اجتماعية وقد تنشر الشك والخوف بين الآخرين وبينما تقترح نتائج أبحاث العنف هذه فرضيات معقولة لأبحاث الإرهاب إلا انه لم تجري أبحاث على هذا المنوال، وعوضا عن ذلك فقد سلم على انه حقيقة بما كان يجب إن يكون مجرد فرضيات عن الإعلام والإرهاب.

ورغم ذلك فان وجهة النظر التي تعتبر الإعلام ناقلا لعدوى الإرهاب تستخدم على الدوام ضد الإعلام، إذ يقول رودولف أيفي الخبير في وزارة الدفاع الأمريكية في نشرة المخابرات العسكرية بقوله إن الخبراء يعتقدون إن نمط التغطية يكون له في كثير من الأحيان تأثيرات عكسية مثل: تشجيع تكوين الجماعات الجديدة، إبقاء اسم المنظمات الإرهابية أمام أعين الجماهير الذين يفترض إن الإرهابيين يعملون لصالحها، جعل المجموعات الأخرى أو الأفراد الأقل نجاحا يقومون بأعمال عنف إرهابية أكثر جرأة، وإغراء الإرهابيين اللذين تلقوا تغطية إعلامية محابية لهم في الماضي ليحاولوا السيطرة على الإعلام(19) .

وقد أشار بعض الباحثين إن اخطر تأثيرات نقل وسائط الإعلام لأخبار الإرهاب المتمرد هي الزيادة المحتملة في النشاطات الإرهابية فوسائط الإعلام قد تزود الإرهابي المحتمل بكل المكونات الضرورية لكي يشترك في هذا النوع من العنف، ويستخدم العمل الثقافي(الإعلامي) دائما بصحبة الحرب والاستراتيجيات السياسات العامة وفي خدمتها، وكأنه نوع آخر من الحرب المعلنة أو المخططات المرافقة للهيمنة والاحتلال، وثمة قوة صارمة تستند إلى قوة اقتصادية وعسكرية، وقوة هشة هي قدرة دولة على حمل دولة أخرى على أن تقول ما تريده من خلال اللجوء إلى ثقافتها وأيديولوجيتها، وإذا كانت ثقافة دولة ما لها جاذبية سيكون الآخرون أكثر استعدادا لإتباع قيادتها، فالقوة الهشة بنفس أهمية القوة الصارمة، بينهما اعتماد متبادل(20) .

المبحث الخامس

النموذج الأمريكي للخطاب

 من الممكن أن نقول إن هناك نموذجا أمريكيا في الخطاب الإعلامي وذلك إشارة إلى مجموع العمليات التي تتناسب مع التوجهات الثقافية والعلمية التي تقود وتسود في نفس الوقت في الإعلام الأمريكي والغرض منها التعامل مع الإرهاب باعتباره ظاهرة تمس الوجود الأمريكي بشكل خاص.

والى جانب ذلك لا يمكن لأحد أن يتجاهل التأثير الكبير والفعال للخطاب الأمريكي على الساحة الدولية .ولقد شهد الخطاب الإعلامي الأمريكي مضامين جديدة لم تعهدها من قبل أحداث الحادي عشر من أيلول حيث ظهر على لسان المسئولين الأمريكيين الكبار كلمات من مثل الأمة والوطن والدفاع عن الأرض، ذلك مما بذل العولميون جهداً كبيراً في العقدين الماضيين لإقناع ممن يعتقدون في القومية والوطن والأرض والأمة بأن عصرها انتهى، كما ظهرت ازدواجية السلوك العالمي وظهر أن هناك من لم ينهزم من داخله بعد أمام تسويق أميركا لنفسها على أنها مارد عملاق لا يمكن إيلامه أو حتى لمسه.وان العالم لا يمكن أن ينقسم إلي الأبد إلي معسكرين للأغنياء والفقراء، إن العالم الثالث سواء بدوافع عقائدية أو اقتصادية سيتنبه أن ثراء وقوة أميركا لن تكون على حسابه للأبد وأنه يمكن ولو بالعنف وبغض النظر عن الموقف يمكن استخدام العنف للتغيير، يمكن تغيير هذه المعادلة كما افرز عالم ما بعد الثلاثاء الأمريكي أيديولوجيات جديدة أو تشكيلات جديدة تتصدي لماردٍ ظهر أنه يمكن تحجيمه رغم قوته وشراسته، وقد تستفيد شعوب العالم الثالث من أدوات الحضارة الغربية ذاتها لتقاوم انفراد أميركا بالثروة والقوة والتاريخ والزمان والمكان، وقد أتضح لأصحاب الفكر (الواقعي) الذين يقولون أنه يمكن بالقانون الدولي والشرعية الدولية وغيرها من مفاهيم جميلة تحقق (مكاسب) لا يمكن تحقيقها بوسائل أخري أمام جبروت القوة العظمي، قد يعرفون أن هذه الشرعية الدولية صنعها الأقوياء لتخويف الضعفاء بها، وقد وضع الأقوياء قوانين كثيرة عبر التاريخ وأسقطها المتمردون والمغبونون من جراء تطبيقها، لكنهم لم يسقطوها بالقانون وإنما في الغالب بلطمات مفاجئة للعمالقة من حيث لا يتوقعون، وهنا دعا الأوروبيون إلى البحث عن حل(عادل) للقضايا التي يتذرع بها (الإرهابيون)، وهو ما يشير إلي صدى عملية الثلاثاء من إمكانية دفع الأمريكان إلي مراجعة سياسية لتفسير السؤال الذي يطرح في أوروبا والولايات المتحدة: لماذا يكره العالم أمريكا،أما حرب الإعلام هذه السطوة الرهيبة للقنوات التليفزيونية الفضائية والصحف العالمية الغربية خاصة علي عقول المشاهدين والمتابعين والتي ثبت بقوة كيف تحول الرأي العام في الاتجاه الذي يخدم أهداف محركيها، فمنذ صباح الثلاثاء الشهير ومحطات الـ CNN وغيرها من محطات التليفزيون الغربية ما زالت في حالة تغطية كاملة مستمرة مدروسة واضحة الأهداف في كل تحقيق وبرنامج تليفزيوني وحتى انتقاء الصور والمشاهد بل والموسيقي والأصوات واللقاءات، مما يدفع الشريحة القادرة علي متابعة المحطات الأجنبية لاستقاء معلوماتهم ممن يتوعدونهم (بمسحهم من علي خريطة العالم) كما قال رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي(21).

لقد نتج عن رد الفعل هذا حربا مختلفة الوجوه مع مجموعات ذات اتجاهات إرهابية وكان الخطاب الإعلامي احد قنوات هذا الصراع الجديد.

لقد أمكننا هنا إن نؤكد إن الإرهاب في أهم صوره أدى إلى إتباع سياسات إعلامية وخطاب إعلامي ذو مسحة خاصة استعملت فيه المواد العينية للإرهاب بشكل إعلامي بمعنى أنها دخلت في صلب الخطاب الإعلامي.

فمثلا من المنظور السياسي، جرى إيلاء الجمرة الخبيثة قدراً كبيراً من الاهتمام السياسي والإعلامي منذ عام 1995، فمن أواسط التسعينات حتى أواخرها، كان هناك الكثير من الحديث عن امتلاك العراق والاتحاد السوفيتي، ومن بعده روسيا، وجنوب إفريقيا، برامج ضخمة للأسلحة البيولوجية ومنها الجمرة الخبيثة، علاوة على ذلك، أدى برنامج المؤسسة العسكرية الأميركية للتلقيح ضد الجمرة الخبيثة جدلاً كبيراً حول فعالية وسلامة اللقاح التي لم يتم التثبت منها في أي اختبارات سريرية، وأخيراً، أدى نبأ حظي بتغطية إعلامية واسعة عن اعتقال متطرف يميني عام 1988 بشبهة حيازة جرثومة الجمرة الخبيثة، وكان ما ضبط منه نوع عديم الضرر من أحد أنواع لقاحات الجمرة الخبيثة، إلى مئات العمليات الزائفة لاستخدام الجمرة الخبيثة في مختلف أنحاء البلاد بين عامي 1998 و2001، وطوال الفترة بين عامي 1995 و2001، أبرزت مئات التقارير الإعلامية، والأكاديمية، والحكومية إمكانية تعرّض الولايات المتحدة لخطر الهجمات الإرهابية البيولوجية، الأمر الذي لعلّه لم يؤكد للإرهابيين المحتملين أن الولايات المتحدة غير مستعدة للتصدي للإرهاب البيولوجي وحسب، بل أن الشعب الأميركي أيضاً ترعبه إمكانية تعرضه لهذا الخطر، يقول جيسون بايت، وهو باحث رئيسي وأحد مدراء معهد مونتيري للدراسات الدولية، "إن الاتجاهات السائدة في الإرهاب منذ 15 سنة تشير إلى أن شبكات عابرة للحدود وغير وثيقة الارتباط، دوافعها الأساسية إيديولوجيات دينية وتسعى إلى إيقاع إصابات جماعية هي التي أخذت تحل محل الإرهابيين التقليديين التي تكوّن دوافعهم الأساسية سياسية، إن هذه الاتجاهات التي تنذر بالشرور تشير إلى احتمال حصول هجمات توقع ضحايا بالجملة، وحيث أن من الممكن استخدام المواد البيولوجية لهذه الغاية، فإن القدرة على الإرهاب البيولوجي وإلحاق الإصابات الجماعية يكون قد أصبح بين أيدينا(22).

والى ذلك تسعى الولايات المتحدة إلى محاصرة القنوات التي يمكن إن يعمل في إطارها الإرهاب وحتى لو كان ذلك دولة وعدم تقديم أي تنازلات للإرهابيين، وعدم عقد أي صفقات معهم، وعزل الدول التي ترعى الإرهاب وممارسة الضغط عليها لإجبارها على تغيير سلوكه و تعزيز قدرات مكافحة الإرهاب في الدول التي تعمل بالتعاون مع الولايات المتحدة وتحتاج إلى مساعدة (مكتب منسق مكافحة الإرهاب، وزارة الخارجية الأميركية (تّم بموجب هذا الأمر إنشاء مجلس يضم حوالي 30 رئيسا تنفيذيا لشركات مساهمة لإعطاء المشورة للرئيس حول أمن أنظمة المعلوماتية التي تدعم القطاع الخاص وحكومات الولايات والحكومات المحلية(23)، ولكي تدعم كل المقولات السابقة قامت الولايات المتحدة بإعادة صياغة الخطاب الإعلامي بوسائل الإعلام الأمريكية باتجاه جديد يتسم بالشمولية واقصد هنا بالشمولية هي فرض هيمنة المركز على محتوى ومضمون الرسالة الإعلامية وبمنهج جديد يخدم المصلحة الأمريكية باعتبار هذه داخلة في جبهة الصراع مع الإرهاب.

إن مقولة أن أحداث أيلول أسست لخطاب إعلامي جديد تمتلك فرصة من الصحة، وسواء كان هذا الخطاب جديدا أو استئناف لخطاب قديم كان يلقى مواراة أو معارضة فإن الفكرة في محصلتها واحدة، وستبنى سيناريوهات ومسارات للخطاب متوقعة بناء على هذه النماذج، ومن أهم هذه النماذج: ندوة "التقييم الاستراتيجي" التي عقدها سلاح الجو الأمريكي عام 1995، ودراسة صمويل هنتنغتون الشهيرة جدا صدام الحضارات" ودراسة فرانسيس فوكوياما الشهيرة أيضا "نهاية التاريخ الذي خلص إلى نتيجة رئيسية هي: إن الثقافة الكونية متعددة الأقطاب والحضارات لم تؤد إلى حضارة كونية ولا تقرب المجتمعات غير الغربية، وأما فرانسيس فوكوياما فيعتقد أن الصراعات الكبرى في العالم قد انتهت بانتصار نهائي وحاسم للديمقراطية الليبرالية الغربية الرأسمالية، وهذا ما يعنيه بمقولة نهاية التاريخ، والتطبيق الثقافي والاستراتيجي لهذه الرؤية أن العالم كله يجب أن يتبع النموذج الأمريكي، وأن ما عداه هو شر محض وتخلف (معنا أو مع الإرهاب) وأن محاربة هذا النموذج هو محاربة الازدهار والحداثة والديمقراطية، وكانت أحداث أيلول حربا على طريقة الحياة المتقدمة والانتخاب والتقدم، ومن ثم فإن الحرب الأمريكية في العالم هي دفاع عن قيم التقدم والديمقراطية وملاحقة لأعداء الحضارة، وهي الرؤية التطبيقية لنموذجي فوكوياما وهنتنغتون".

إن هذا الخطاب يدل على أن الإرهاب هو ما يمس المصالح القومية الأمريكية ولا نستطيع أن نلمس تعريفا فاعلا ومؤثرا على الساحة الدولية أكثر من هذا التعريف، وهنا فان الصورة الإعلامية والفنون المرتبطة بوسائل الإعلام ستكون هي أول المتأثرين بهذا التصور لأنها ستقوم بترجمة الأحداث والوقائع على الساحة  الدولية وفق هذا الإطار، بل إن ذلك سيرتب الموقف من المكونات المجتمع العالمي، لنتأمل على سبيل المثال هذا الحديث الذي نشرته جميع الوكالات ووسائل الإعلام لنائب وزير الدفاع الأمريكي بول ولفويتز في معهد بروكنغز الأميركي، فقد عبر المسئول الأمريكي عن مخاوفه من وجود تصادم ناتج عن سوء فهم بين العالمين الغربي والإسلامي، قال إنه يسفر عن "فجوة خطيرة" بين الجانبين. ودعا إلى إحداث تقارب بين هذين العالمين  مطالبا بالعمل على ردم هذه الفجوة(24) وناقشت الندوة عنصرا مهما في صياغة سياسات أميركا نحو المنطقة وهو مكافحة "الأصولية الإسلامية"، إذ لا تخفي التحليلات الأميركية تخوفها الهستيري من هذه "الأصولية" التي ترى فيها مبررا مقنعا لدعم الدكتاتوريات في العالم الإسلامي، ولو أدى هذا إلى حرمان الحركات الإسلامية من فرصة العمل السلمي والعلني والمشاركة في التنافس الانتخابي، أو التضحية بالديمقراطية وحقوق الإنسان المزعومة.الأميركية المرافقة للحرية المتاحة للأصولية، ويبذل جهدا كبيرا في التنظير للسياسة الأميركية ولحكومات الشرق الأوسط لنزع الإعجاب والتأييد الجماهيري الذي تحظى به الحركة الإسلامية دون ملاحظة وجه المنطق الجماهيري والشعبي الذي يقف وراء التأييد الشعبي الكبير للحركة الإسلامية.

 مضامين الخطاب الثقافي الغربي

إن من يحلل بدقة الخطاب الغربي الذي جاء تلقائيا كرد فعل فوري لهجمات أيلول حين حدث الهجوم المفاجئ على المعاقل الاقتصادية والسياسية والعسكرية الأمريكية ورموزها والمؤشرات القوة الأمريكية ليدرك أن هذا الخطاب الذي ترددت أصداءه في واشنطن ولندن وباريس على السنة الرؤساء بوش وشيراك وبلير يعيد إنتاج الخطاب الغربي التقليدي الذي ساد منذ عصر التنوير والذي قام على أساسه مشروع الحداثة الغربية كله ويقوم على التفرقة بين البربرية والمدنية والبربرية في هذا الخطاب، تميز شعوب الأرض جميعا أما المدنية فهي التي يتصف بها الغرب الظافر الذي خرج منتصرا من غياهب القرون الوسطي مفتتحا عصر الثورة الصناعية ومزودا بالعلم والتكنولوجيا وبالآلة الحربية الحديثة التي سمحت له بالقيام بأكبر عملية استعمارية في التاريخ الحديث لاحتلال بلاد العالم الثالث وخصوصا في أفريقيا وآسيا وهو هذا الخطاب العنصري الذي ابتكر نظرية (عبء الرجل الأبيض) في تمدن الشعوب البربرية الغارقة في جهالتها، والسادرة في تخلفها! لقد كانت هذه النظرية وغيرها من الادراكات الغربية إزاء شعوب العالم غير الغربي وثقافته هي الغطاء الأيديولوجي لإضفاء الشرعية على الاستعمار وهي بذاتها التي أصبحت المكونات الرئيسية للنظرية العنصرية التي سادت طوال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ولو تأملنا في خطاب الرؤساء الغربيين آنذاك لأدركنا إن مفرداته الغالبة هي مجرد إعادة إنتاج للعنصرية القديمة والجديدة على السواء(25)، والذي انعكس على طبيعة الصورة المعطاة عن هذا الخطاب إن كانت الصورة الرمزية أم الصورة الفوتوغرافية التي تعرضها وسائل الإعلام  التي تسير مع هذه السياسة على الأقل سيرا دبلوماسيا وفي تغطية الأحداث المرتبطة بها .

فمواقع الحدث (كما الضحايا سواء بسواء) بقيت في منأى تام عن صناع الصورة...تماما كما بقيت الممارسات والتضييقات والاعتداءات على الجاليات الأجنبية (بالغرب عموما) في "مأمن" عن الالتقاط والتصوير.

لم يكن مرد منع الصحفيين من بلوغ مكان الحادث لأسباب تقنية محضة (قياسا إلى حجم الحادث) ولا لإعتبارات أمنية خالصة، بل وبالأساس للحيلولة (حيلولة الإدارة الأمريكية بالخصوص) دون انتشار صور من شأنها إظهار الحضارة الأمريكية وكأنها تحتضر أمام دقة العملية وجرأة منفذيها.

والضربة على قواعد طالبان (كما على المواقع المدنية المسالمة) لم نر منها إلا صورة لخراب الحجر دونما أن نرى أدنى صورة لدمار البشر، لدرجة يخال للمرء معها أن الحرب الجارية هي حرب أشباح لا شيئا آخر.

من الوارد أن يكون مرد ذلك كامنا في تعذر صناعة الصورة بعين المكان، على اعتبار طبيعة الضربة ذاتها وكذا تكتم المؤسسة العسكرية على المواقع المستهدفة، لكن الثابت أن السببين أعلاهما لا يصمدان أمام واقع الحال: فحكومة طالبان منعت القنوات العالمية من بلوغ أراضيها تاركة الاستفراد في ذلك لقناة الجزيرة، ثم أن الإدارة الأمريكية ذاتها لم ترخص لقنواتها مصاحبة الجنود لعين المكان. 

وإذا كانت هناك حرب على الصورة نهجتها حكومة طالبان والولايات المتحدة وإن على خلفية مختلفة فطالبان لم تقتصر في حربها على الصورة بمنع ما وصل إليه العلم الحديث والمعاصر من تطورات في تكنولوجيا المعلومات والإعلام والاتصال، بل تعدت ذلك إلى اعتبارها أداة كفر وإلحاد. 

والولايات المتحدة بدورها (وهي بشركاتها للإعلام والسينما موطن حضارة الصورة بامتياز) لم تعد تخشى الصورة كصورة في حد ذاتها (كما هو شأن غريمتها طالبان) بل لإيمانها الراسخ بقدرة الصورة على إفساد مخططاتها العسكرية أو تأنيب الرأي العام العالمي في حال وقوف الصورة إياها على تجاوزات قصفها أو جنودها.

وأشار بعض الباحثين إلى إن الخطاب الثقافي الأمريكي أو التابع له في مناطق العالم والذي لن يتاح لغيره بالعمل بالرموز التالية:

* علمانية تبدو لا تعادي الإسلام ولا الحضارات والثقافات غير الغربية.

* ديمقراطية لا تتيح لغير العلمانيين وعملاء أمريكا الوصول إلى الحكم والتأثير والتوجيه.

* إغراق ثقافي يملأ الفضاء والأوقات والمؤسسات والفئات المستهدفة جميعها ويستوفي الأشكال المختلفة من العمل من فن وسينما وإذاعة ومجلات وصحف ومؤتمرات وندوات ومحاضرات ومعارض ورحلات وزيارات وضيافة ولا يدع مجالا للتقويم والتساؤل والتقاط الأنفاس.

* إغداق مادي وأدبي وجوائز وإغواء إعلامي وأضواء تقدم لفئة من النخب التابعة وحرمان وتجاهل ومطاردة وربما اغتيال وتصفية للآخرين.

* تشجيع الخارجين على الدين والثقافة الوطنية حتى لو كانوا جهلة صغارا وربما يفعلون ذلك للحصول على دعم الغرب وتأييده.

* تشريعات وبرامج ثقافية وسياسية وإعلامية تفرض الثقافة الغربية وتحارب قيم الأسرة والتماسك والثقافة الوطنية، وتشجع عادات وأنماط حياة وافدة مثل تحديد النسل وتنظيمه، والاختلاط، وإباحة العلاقة بين الرجل والمرأة خارج إطار الزوجية، وإطلاق الحريات الفردية بلا حدود، والانفتاح الكامل على الثقافة والقيم الغربية.

 وسائل الخطاب الإعلامي الأمريكي   

تعرض الكاتبة البريطانية فرانسيس ستونز سودرز في كتابها"الحرب الباردة الثقافية" لمعركة "الاستيلاء على عقول البشر" التي كانت تديرها وكالة المخابرات الأمريكية CIA وتولت تكوين واجهة ثقافية تحارب بالوسائل الثقافية واستخدمت في ذلك المنشقين والمراكز الثقافية وأفلام السينما والمحاضرات والموسيقى وترويج الذوق الأمريكي في الطعام واللباس والغناء والفن، وأنشئ عام 1950 منظمة كونغرس الحرية الثقافية تحولت عام 1967 إلى "الاتحاد الدولي للحرية الثقافية" وأنشأت هذه المنظمة فروعاً لها في خمس وثلاثين دولة، وأصدرت أكثر من عشرين مجلة ذات تأثير كبير، لقد ضخت المخابرات الأمريكية عشرات الملايين من الدولارات على مدى سنوات لمنظمة الحرية الثقافية، وأنشئت أيضا منظمة أوروبا الحرة التي كانت تدير إذاعة أوروبا الحرة ومقرها برلين وكانت موجهة إلى دول أوروبا الشرقية وتبث بست عشرة لغة مختلفة، وكانت تتصل بالعاملين في الخدمات الإعلامية خلف "الستار الحديدي" وترصد الإذاعات الشيوعية وتبث المحاضرات والكتابات المعادية للشيوعية، وعبئت مؤسسات تبدو طوعية خاصة مثل مؤسستي فورد وروكفلر في الحرب السياسية على الشيوعية، وقدمت هذه المؤسسات منح مالية كبيرة لأنشطة ترعاها وتنسقها المخابرات الأمريكية، مثل شراء كتب وأعمال روسية ممنوعة وتمويل معهد الفن المعاصر، والدعم المباشر لمنظمة الحرية الثقافية.

وكتب آرثر ميلر "كانت الولايات المتحدة تتصرف مع أصغر حزب ولم يكن الاختراق والتوجيه في مجال الفن مختلفاً عن الثقافة والأدب، وكانت هيئة السينما المنبثقة عن المخابرات الأمريكية تمول المعارض والمهرجانات وتستقطب الفنانين والمخرجين، وكانت الهيئة تملك شبكة عمل وتوزيع في 87 دولة وتتمتع بدعم حكومي هائل، وعند استعارة هذا النموذج يمكن الحديث عن مؤسسات ثقافية  وصحف ومجلات ومؤتمرات وندوات ترعاها الولايات المتحدة وأوروبا، تقود العمل الثقافي والإعلامي والتوجيه  والمعلومات، وتحرم الاتجاه الآخر من فرص التعبير والظهور وأن يستمع إليه أحد أو تتاح له فرصة في مزاولة نشاطه ونشر  فكرته بأي صورة من الصور، إن هذا الاتجاه التثقيفي أدى إلى بروز نزعة معادية أو عدوانية بل لابد أن تكون النتيجة الأهم هي توتر يقود إلى دعم الإرهاب باعتباره رد فعل موضوعي على فعل عدم التوازن المعرفي والفكري بين مكونات المجتمع الدولي.

قول السفير ريتشارد هاس، مدير دائرة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية، إن مؤسسات الفكر والرأي توفّر، من منظور صانعي السياسة الأميركية، خمس فوائد رئيسية، منها تثقيف المواطنين الأميركيين عن العالم(مؤسسات الفكر والرأي وسياسة الولايات المتحدة الخارجية:  جهة نظر أحد صانعي السياسة بقلم ريتشارد ن. هاس مدير دائرة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأميركية).

وبرز تعبير "المجتمع المدني العالمي" مثله مثل تعبير "المجتمع المدني" ذاته مجددا في سياق التحولات التي رافقت انهيار القطبية الثنائية، وربما يصح ربطه أيضا مع خطاب العولمة.ينهض هذا الربط لا بفضل الالتقاء حول مضمون معين، وإنما بسبب جملة المشروعات والأفكار التي أطلقها انحسار التهديدات المرافقة للقطبية الثنائية وسباق التسلح والحروب الباردة، وقد عكست هذه الخطط والمشروعات روحا تفاؤلية بمستقبل العالم، ومحاولة حث الخطى إلى طرق جديدة لعلاج مشكلاته وتطوير بنياته، ثمة بشرى بحقبة سلام ممتدة تحدث قطيعة نسبية مع النمط التاريخي للعلاقات الدولية كما تأسست في أوربا منذ القرن السابع عشر. وما يسمى بالخطاب المثالي في العلاقات الدولية صار لأول مرة ممكناً، ومن المنظور الغربي بدا ممكنا مثلا توسيع نطاق الرفاهية والسلام الذي عاشته أوربا منذ الحرب العالمية الثانية إلى أرجاء العالم.

المبحث السادس

الخطاب ( الإرهاب = الإسلام )

 من الواضح أن تمثٌّل الأفراد والجماعات (في الغرب) "للإرهاب وللإرهابيين وللحملة على الإرهاب" أيضا، لم يكن له أن يكون سوى ما تمثلته الإدارة الأمريكية،"بالتالي فمنذ 11 سبتمبر (ومن قبلها في الخيال الغربي الدفين) لم يكن لصورة العربي والمسلم (أعني لتمثٌّل الفرد الأمريكي لهذه الصورة) أن تخرج عن كونها صورة "الإرهابي المتعطش للدم"،المؤمن بعقيدة العنف"، "المهين لصورة المرأة" وما إلى ذلك تماما كما كرست لهذه الصورة من قبل استوديوهاتها في هوليود وبالعديد من مراكز البحوث في الصورة إياها.

 الخطاب الإعلامي العربي

وضع العديد من الباحثين والمنظرين العرب العديد من الأسئلة أمام حقيقة وجود فكر عربي أو ثقافة عربية ذات حدود واضحة، ومن هنا فان من الصعب على أي باحث إن يضع تصورا محددا للخطاب الإعلامي العربي وتتمثل الصعوبات فيما يلي:

1.عدم التجانس في المنطلقات التي تمد الخطاب الإعلامي العربي بمضمونه وشكله النهائيين، وعلى قاعدة اختلاف الثقافات العربية ومرجعياتها الفكرية.

2. اختلاف الرؤى الفكرية ومناهجها العملية والتطبيقية باعتبار الاختلاف الأول.

3.تعقد العلاقة بين المكونات الأساسية للفكر العربي وبين آليات تطبيقه اختلاف مدى تطور آليات هذا التطبيق من مجتمع إلى آخر.

4.اختلاف في محاور التأثير والتأثر في الشكل والمضمون باختلاف البيئة المحيطة بكل مجتمع عربي إلى آخر.

ومن هنا اختلفت المشاكل والهموم والمعالجات ومن ثم الأهداف والوسائل التي يتبناها الخطاب العربي (والأصح الخطابات العربية).

وتنوعت المداخل التي طرحت لتحقيق هذا التصور:

* فالبعض طرح خطاب العولمة الاقتصادية التي تعني مد نطاق السياسات والفعاليات التي قادت إلى الرخاء والسلام في الغرب أو الشمال إلى العالم كله، عبر طائفة من الاتفاقيات الدولية والتعديلات الهيكلية المحلية التي تطلق قوى السوق، وتدفع إلى تحسين الإنتاجية، والإفادة الأفضل من الموارد، وتشجع المزيد من التطور التكنولوجي، وتحسن من التنظيم الاجتماعي.

* وطرح آخرون بالمقابل عولمة مضادة تقوم على إدراك وترجمة المسئولية المباشرة للعالم المتقدم عن اقتلاع الفقر، وذلك من خلال التوقف عن الاستغلال المالي للعالم الثالث، وتعويضه عن فترات الاستعمار والاستنزاف الزائد للثروات الطبيعية، وتصفية المديونية، والاعتراف بحاجة العالم الثالث لانتهاج طرقه الخاصة بالتطور والنمو والتقدم الاقتصادي الاجتماعي، ومنحه معاملة تمييزية تتحيز لإطلاق قواه المنتجة، وتعفيه من منافسة يستحيل عليه مقابلتها، وتوفر له الموارد اللازمة لانطلاقه. يدعو بعض المنظرين الخطاب الإعلامي العربي إلى استخدام الإعلام في الحرب الإرهابية (قوة الثقافة والإعلام والتي هي السبيل لإظهار الحق وكسب الأنصار والمؤيدين والتي يتحقق فيها الترهيب «تُرهِبون» وتنمية الروح الحماسية للجهاد «يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال.

أثبتت وسائل الإعلام العربية خصوصاً القنوات الفضائية الجديدة، إنها يمكن أن تكون منافسين أقوياءَ إلى الشبكاتِ الغربيةِ، مثل السي إن إنِ والبي بي سي، في تغطيتِهم ما تدعوه أمريكا الحرب على الإرهابِ، حيث قامت ببعض المجازفات الصحفية على الأرض مثل مقابلة بعض الشخصيات التي تدعى إرهابية وتغطية الحروب في العراق وأفغانستان والعنف السياسي في النزاعِ الفلسطيني الإسرائيليِ واستعمال مراسليهم و مصادرَهم الخاصة في ذلك ومن كسبت هذه القنوات شرعية ومصداقية دوليتين.

إن التغطية المحترفة الإعلامية العربية للنشاطاتِ الإرهابيةِ والعنفِ السياسيِ في الشرق الأوسطِ مَا كَانَ يُمْكنُ أَنْ تحصل لولا عدم امتلاكها حريةِ التعبير الذي كافحت هذه الوسائل من اجله كثيرا، ويواجه الصحفيون العرب مجموعة من الأسئلةِ الذي يَحتاجونَ للمُخَاطَبَة في تغطيتِهم للنزاعاتِ المستقبليةِ والنشاطات الإرهابيةِ: كيف يمكن فرز الحقيقةً مِنْ الدعايةِ الإتّهاماتِ المتعارضةِ؟ كيف يمكن تَقديم كُلّ وجهات النظر في مثل هذه المشكلةِ الحسّاسةِ كالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي؟ ما هو تأثير الشعور المعادي للأمريكانَ في المنطقةِ على قدرة صحفي  في ذكر قصة الصراع ؟، وعلى مستوى آخر أساسي جداً، كَيفَ للمراسل أن يَبْقى حيّاً في هذه البيئةِ الخطرة ؟.

وقد بدأ العرب يشعرون إن صورة الإرهاب بدأت تتطابق بشكل مقصود مع صورة كل ما هو عربي أو إسلامي فذهبوا يعقدون الاجتماعات وعلى مستويات عالية من اجل التعامل مع هذه الظاهرة الجديدة، ظاهرة اسلمة الإرهاب، ففي الجلسة الافتتاحية لاجتماع وزراء الإعلام العرب يوم الأربعاء الخامس والعشرين من حزيران/يونيو 2003  بالقاهرة دعا وزراء الإعلام العرب خلاله إلى تشكيل لجنة وزارية مصغرة تبحث في القرارات التي تم اتخاذها في السابق والعمل على تنفيذها في أسرع وقت، ودعا عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية الدول العربية إلى تشجيع مناقشات الإصلاح السياسي في وسائل الإعلام حسب ما ذكر موقع البيان الإخباري.

وأكد وزير الإعلام العماني احمد بن محمد الراشدي والذي ترأس الدورة آنذاك(26/6/2005) في كلمته الافتتاحية للاجتماع (أن أهم التحديات التي تواجهنا هي تقديم صورة صحيحة في عالم التبست فيه المفاهيم وانقلبت الصور ووصف الأبرياء والعنف والإرهاب)وأشار إلى أن دعوات العنف والإرهاب الفكري دخيلة على هذه الأمة ولا مكان لها في المجتمعات العربية مؤكدا ضرورة معالجة أسباب هذا العنف والإرهاب، ولكن الصراع في الخطاب الإعلامي لم يزل ولا يزال محتدما بأشكال شتى.

 ومن صور هذا الصراع هي القنوات العربية.حيث تمثل علاقة الغرب بعدد من القنوت الإعلامية العربية احد وجوه علاقة الخطاب الإعلامي بالإرهاب، ولقد اعتمدت هذه العلاقة على اعتبار إن القنوات العربية وبعضها على الأقل هي مشجع للإرهاب أو تتعامل مع بعض الأحداث التي تعتبرها القوى الغربية مشجعة للإرهاب.

وكانت علاقة الغرب مع قناة الجزيرة من الظواهر التي لا تنسى في احد مظاهر وتجليات العلاقة الغريبة التي بدأت تتكون بين الإعلام والإرهاب على الأقل فيما هو معلن من مواقف. 

والى ذلك جرى التأكيد من القناة أنها وضعت "الجزيرة"، ميثاقا للسلوك المهني، يتعهد الميثاق بأن الجزيرة ستكون أكثر احتراما للضحايا والمشاهدين في تغطيتها للعنف في الشرق الأوسط، لكنه يؤكد أن المحطة ستواصل إظهار "الوجه القبيح للحرب"، كما يلزم الميثاق موظفيها "التمييز بين المادة الإخبارية وبين الرأي والتحليل، لتجنب مزالق التخمين والدعاية"، والجزيرة، التي انتقدها الرئيس بوش بزعم أنها منحازة ضد أمريكا وتدعم العنف، هي أول مؤسسة إخبارية عربية تعتمد ميثاقا للأخلاق، ويعتقد بعض المراقبين أن ضغط الولايات المتحدة على المحطة لعب دورا في إصدار الميثاق.  

الخاتمة

تغيير عناصر الخطاب الإعلامي من الأساليب التي يجب أن تكون هدفا أساسيا من اجل الحد من ظاهرة الإرهاب وذلك للارتباط الوثيق بين الإرهاب والخطاب الإعلامي باعتبار إن الخطاب هو (إذا جاز القول) فعل فيزيائي يتطلب أو يشترط رد فعل على نفس المستوى وعكس الاتجاه.

ومن المحاور الأساسية الآن في العمل الإرهابي استناده إلى المادة والوسيلة الإعلاميتين، ومن جانب آخر لابد من التأكيد على إن الفعل الإعلامي أو الخطاب الإعلامي يجب أن لا يكون رد فعل لعملية سياسية ولا أن تكون العملية السياسية في إطار الفعل أو القول أن تستخدم وسائل الإعلام بشكل عالي الأهمية ودقيق مع الأخذ بنظر الاعتبار إن الأداء الإرهابي والسياسي هما عملية تستخدم الإعلام ووسائله بنفس الاتجاه مما يعزز من فرص الإرهاب في الظهور والتأثير على الساحة الإنسانية.

*باحث إعلامي

المصادر

1.ولبور شرام :وسائل الاتصال، القاهرة.1980 .

2.د.صادق الأسود: ص193 وما بعدها.

3.شبكة المعلومات الدولية: المصادر الأجنبية (Discourse Analysis ).

4.عبد الله الخراصي: من الهيمنة الخفية إلى التدافع الواعي- نحو رؤية لغوية نقدية عربية شبكة المعلومات الدولية).

5.المصدر السابق.

6.(Sharon Dunwoody: Community Structure and Media Risk Coverage) شبكة المعلومات .

7.نبيل دجاني: أجهزة الإعلام الغربية وموضوع الإرهاب، مجلة المستقبل العربي العدد ص 30 وما بعدها).

8.انظر: محمود عودة، أساليب الاتصال والتغير الاجتماعي، مطبعة ذات السلاسل، ط2، الكويت، 1989.

9.محمود عودة نفس المصدر .

10.انظر على سبيل المثال (هويدا طه، العالم ما بعد الثلاثاء الأمريكي: القدس العربي 18/9/2001).

11.نبيل علي: الثقافة العربية وعصر المعلومات، عالم المعرفة العدد 265، الكويت 2001 ص376.

12.دوريس إيه جريبر: سلطة وسائل الإعلام في السياسة، ترجمة أسعد أبو لبدة، دار لبشير، ط1، عمان، 1999.

13.RUDOLF LEVY: TERRORISM AND THE MASS MEDIA MILITERY INTELLIGENCE، OCTOBER-DECEMBER,1985، P 35.

14.الإستراتيجية الثقافية للولايات المتحدة بعد 11  سبتمبر بقلم/إبراهيم غرايبة .

15.القدس العربي 18/9/2001 ، بقلم جيسون بايت باحث رئيسي، أحد مدراء مشروع إرهاب أسلحة الدمار الشامل، معهد مونتيري للدراسات الدولية(الجمرة الخبيثة وإرهاب الإصابات الجماعية:ما هو تهديد الإرهاب البيولوجي بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر) منشورات وزارة الخارجية الأمريكية.

16.حماية أميركا ضد الإرهاب عبر الانترنت: بقلم بول روجرز مساعد رئيس الوحدة وحدة التواصل والدعم الميداني المركز القومي لحماية البنية التحتية، مكتب التحقيقات الفدرالي.

17.غراهام فولر: رعب الأصولية ونموذج البنتاغون .منشورات وزارة الخارجية الأمريكية.

18.السيد يسين:حوار الحضارات، ميريت للنشر ط1 القاهرة 2002 (ص 188).

19.لفرانسيس ستونز سودرز: الحرب الباردة الثقافية: المخابرات الأمريكية وعالم الفنون والآداب، ترجمة طلعت الشايب، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة ، 2002.

20.آرثر هيرمان: فكرة الاضمحلال في التاريخ الغربي، ترجمة طلعت الشايب، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، العدد 233،2000 .

21.ناصيف نصار: منطق السلطة(مدخل إلى فلسفة الأمر)، دار أمواج للطباعة والنشر، بيروت، 1995.

22.حميدة سميسم: الإرهاب، بغداد، دار الشؤون الثقافية، 1988 .

23.حامد ربيع: الحرب النفسية في الوطن العربي، دار واسط، بغداد 1985.

24.Ph.D: Mohammed el-Nawawy : Terrorist or Freedom Fighter?: The Arab Media Coverage of “Terrorism” or “So-alled Terrorism”GeorgiaStateUniversity.

25.يحيى اليحياوي: الإرهاب و"حضارة الصورة"جريدة العلم، 27 مارس 2002.

26.د.محمد السيد سعيد. المجتمع المدني العالمي ومناهضة الحرب.

الفصل السابع

حرية المرأة تحت ظل الإرهاب المسلح بين الواقع والخيال

( دراسة ميدانية في محافظة كربلاء )

سليمة سلطان نور*


تمهيد:

أنتم يا من

خرجتم من الطوفان

الذي غرقنا نحن فيه

تذكروا إذا ما تحدثتم عن ضعفنا

الزمن المظلم

الذي أفلتم انتم منه

قصيدة الزمن المظلم (برترولد بريخت)

 اقتضت ضرورة التغيير بأن تنهض دراسات لابد منها في ظل الوضع الراهن وهذه الدراسة المتواضعة من ضمنها، وتكمن أهمية هذه الدراسة في معرفة وضع المرأة في مجتمع يتعرض للإرهاب المسلح ومدى تأثير ذلك الحدث على حياتها وانعكاسه على علاقتها بالآخرين وتبرز المشكلة كون المرأة هي محور المجتمع الذي يدور حوله كل من يحيط به كونها الأم والزوجة والابنة وقلقها يتسبب بالتالي باضطراب وإقلاق الأسرة ، لذا فهي تحتاج إلى الاستقرار وتقديم التطمينات لحاجتها الماسة إليه، هذا البحث هو دراسة ميدانية اعتمدت شريحة من النساء المعاصرات للحدث، واللاتي كن شهود عيان لما يجري على الساحة في العراق عامة وكربلاء خاصة.                                            

ويتكون هذا البحث من مدخل وفصلين كان الفصل الأول عبارة عن دراسة نظرية تختص بدراسة أثر الإرهاب المادي والمباشر- إن صحت التسمية - على المرأة، على أساس أنها جزء حيوي ومهم من المجتمع العراقي أو أي مجتمع آخر فضلا عن حساسية المرأة العالية ووضعها الخاص، والفصل يتكون من مبحثين:                               المبحث الأول: كان عن حرية المرأة بين الواقع والخيال ومدى حصول المرأة على حريتها واقعا وبين الحرية النظرية المتخيلة أكثر منها واقعا معاش.

والمبحث الثاني: كان خاصا بالحديث عن حرية المرأة تحت ظل الإرهاب وكيف يؤثر الإرهاب سلبا على حياتها.                                                             

أما الفصل الثاني: فقد كان مخصصا للدراسة الميدانية التي قامت بها الباحثة في محافظة كربلاء المقدسة، الذي كان عبارة عن استطلاع آراء مئة من النساء من مختلف أقضية ونواحي المدينة ومن مختلف المستويات العلمية والاقتصادية والاجتماعية ومن أعمار مختلفة وذلك في محاولة استيعاب معظم الآراء قدر الإمكان وقد توصلت الباحثة في هذه الدراسة إلى مجموعة من الاستنتاجات المنطقية نتيجة ردة فعل المشاركات في المقابلة إلا في بعض الإجابات التي امتازت ببعض الغرابة والتي ظلت تعبر عن رأي أصحابها قبل كل شيء .                                                                  

في الختام تحب الباحثة أن تشكر كل من ساعدها في إنجاز البحث وشارك في تقديم رأيه مخلصا لفكره مهما كانت هذه الفكرة خاصة إنه كان يتعامل بصدق وولاء لوطنه حسب اعتقاده  واسأل الله أن يوفقنا إلى طريق الحق والصواب ويبعدنا عن الشطط والتجديف وأن نكون خدم متواضعين للحقيقة النافعة.                     

مـدخـل:                           

 لم تشغل العالم كله خلال السنوات الأخيرة قضية تحولية هامة مثلما شغلته قضية الإرهاب، فعندما يسمع البعض هذه الكلمة والتي صرنا نسمعها كل يوم مرارا وتكرارا يتبادر إلى ذهنه أشياء محدده تؤطرها، وربما يكون من ابرز هذه الأطر العامة هو الخوف من هجوم غير متوقع ومفاجئ من قوى غالبا ما تكون مبهمة وغير واضحة، قوة ترغب في الإيذاء بأي طريقة كانت وهي بالتأكيد قوة معادية، وإذا أردنا  أن نستوفي دراسة الموضوع بكثير من التفاصيل فلابد أن نعود إلى المقدمات اللغوية ومراجعة الموضوع لنصل إلى تعريف معقول ومقبول، وان كان ذلك صعب جدا، والصعوبة لا تتأتى من صعوبة المصطلح نفسه بل من تعدد وجهات النظر حوله وبالتالي تعدد المواقف منه وإن كنا لا ننكر إن هذه المواقف نابعة أحيانا من المصالح الخاصة أو العامة وهذا يزيد الأمر تعقيدا، لقد ورد الفعل رهب في كل المعاجم العربية بمعنى أرعب وأخاف(1)، أما الترهيب‏:‏ فهو مصدر قولهم‏:‏ رهبة من الشيء،‏ بمعنى أخافه منه خوفا شديدا ترتعد له فرائصه‏،‏ ويتحقق بذلك رهبة منه تخالج شعوره‏،‏ وتدفع صاحبها إلى البعد عنه‏،‏ وعما يؤدي إليه من أعمال في هذه الحياة الدنيا، ولكن وضع المعنى على العموم، وترك التوسع فيه وحرية فلسفته وإخراجه إلى معاني عقلية ودلالية متروك للدارس، أما مصطلح الإرهاب الشائع مؤخرا فإن أول ما يتبادر إلى أذهاننا هو الأسلحة والمعدات العسكرية أو أحد المتطرفين من أنصار أبي مصعب الزرقاوي أو غيره والذين  أصبحوا نجوم فضائيات لهم عشاقهم ومشجعيهم، وهو قد يكون غائما على الرغم من الضجة التي تُثار حوله وذلك لاختلاف وجهات النظر فيه فالبعض أطلقه على الحركات التحررية، والبعض أطلقه جزافا على كل من ينزعج منهم، بينما تحفظ بعض الدارسين والإعلاميين في استخدام الكلمة فلم يطلقها على الإرهابيين أنفسهم، وبالطبع للمصالح العامة والخاصة دور كبير في استخدام المصطلح ومن الغريب أن يكون تعريفه هو القوة المعادية خاصة إذا كانت كبيرة، هل هذا هو الإرهاب؟ يعني قوتنا، حسب وجهة نظر العدو هي إرهاب، وقوته حسب وجهة نظرنا هي إرهاب  هل هو ممارسة القوة الغاشمة والاستبداد بالآخرين والاستهانة بحياتهم وعدّ حياة الأبرياء جزء من الحدث ولا بأس من التضحية بها فموتهم خطأ وارد ولا داعي لإتعاب الضمير بالتفكير بهم، فهو متعب أساسا من الهزائم التي شوهت الروح، وطول انتظار لنصر مستحيل، فلا بأس بان يحقق المرء انتصاراته عن طريق إزهاق هذه الأرواح وقد صار لفظ الإرهاب والترهيب يطلق على كل قول أو فعل يقصد به العدوان على الأنفس أو على الأموال أو على الأعراض أو على أي حق من حقوق الأفراد أو الجماعات أو الأمم‏،‏ سواء أكان هذا الحق يتعلق بأمور معنوية كالحرية الإنسانية والكرامة البشرية أو يتعلق بأمور حسية كالعدوان على أموال الناس وممتلكاتهم عن طريق اغتصابها أو تخريبها أو طرد أهلها منها ظلما وبغيا‏(2)‏، ولكن إذا كان الدين قد نص على أن "اعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل" سابقا والدبابة الآن فان للآية تكملة فهلا أكملتم "ترهبون بها عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم‏"}الأنفال‏:60{‏، أي تخيفونه وبشدة، وأيا كان عدو الله حسب وجهة نظر الآخر إلا إن الله سبحانه وتعالى  لم يقل تقتلون الولدان والنساء والشيب ولا حتى تخيفونهم، بل أعداء الله أصحاب الجبروت والطاغوت وليس نساء رحن يسألن الله أن يحفظ لهن صغارهن، وشيوخ يتوسلون إلى الله أن يحسن عاقبتهم وغيرهم فما بالكم ترهبون عباد الله، وأعداء الله أمامكم تعلو صروحهم وترتفع وانتصاراتهم مازالت تطبع على جلودكم عميقا كسياط الجهل والطغيان ولكن مع اختلاف المعاني والاستخدامات ظل هناك نوعا من الاتفاق على أن الإرهاب هو أي عمل عدواني يستخدم العنف والقوة ضد المدنيين ويهدف إلى إضعاف الشخصية والنفوس هو عمل لا أخلاقي ولا مسؤول يمارس ضد المدنيين والناس البسطاء في زمن الحروب والاضطرابات غالبا وذلك لوجود مبرر لهذه العملية التي أوجدتها الفوضى أو التصرفات السياسية المنحرفة، وللإرهاب أثر سيء على حياة المجتمع عموما دون استثناء بما فيهم القائمين على الأعمال الإرهابية أنفسهم، فالإرهاب حالة نفسية شاذة يلجأ إليها الإنسان لشعوره بالحاجة إليها معتقدا إنها السبيل الوحيد لإثبات وجوده وفرض رأيه حيث يؤكد العلماء إن الإرهابي يعاني من عقدة الجبن والخوف ولا يريد أن يظهر شاذا في محيطه الاجتماعي، لذلك يسعى إلى جعل المجتمع كحالته خائف متخاذل مرعوب، هذا المعقد يحاول التخلص من شعوره الذاتي عن طريق إشاعة الرعب في نفوس مجتمعه لكي لا يمتاز أو ينفرد بشذوذه عن الآخرين، تجد نظرته لذاته مؤطرة بترهات الاستعلاء العنصري، علما إن العنصرية لا تختصر على لون البشرة فهي تحتوي على نوعية الثقافة الاجتماعية والدين والقومية، هذا الإرهابي يحاول عن طريق الإرهاب القفز على تدني نفسيته بالتظاهر بالاستعلاء على المجتمع، هو يدعي انه الأحسن والأوعى والأقرب إلى الله والمبادئ الإنسانية الراقية، فيبرر إرهابه كونه مصلح اجتماعي وعلى الشعب الخنوع لإرادته، وهو في الغالب يؤمن بصواب رأيه أو إن هذا الفعل يمنحه أسباب القوة والقبول"(3)، ولا يمكننا القول إن الإرهاب العالمي قد ولد قبل أربع سنوات فقط مع هجمة أصولية إسلامية مستحدثة على رموز الحضارة الأقوى في نيويورك وواشنطن، ذلك إن الإرهاب قديم قدم الطغيان المتجذر في تاريخ الإنسان، انه الوجه الآخر للطغيان الملاصق له والمختلف عنه، بل يكاد يكون الإرهاب هو الاسم الآخر للطغيان النابع منه أصلا، ولكن قد يتحول بعضه ضد جبروته، ففي البدء كان الطغيان هو التعبير عن فيض القوة التي تفلت من رقابة صاحبها وأمست سيدة على إرادته، لكن في الوقت عينه قد ينقسم إرهاب الطغيان على نفسه، ويبرز أمامه قسمه الآخر على شكل عنف، ليس هو من فيض قوة مفرطة، بل من شبه انعدام لنوع تلك القوة المحتكرة لجبروت الطغيان وحدها، انه عنف المستضعفين الذي لم يكن ليوجد ويظهر على شكل التمرد والثورة والعصيان إلا بسبب انفلات الطغيان واستفحال ممارساته المنكرة(4)، فالإرهاب هو صنو الطغيان وكلاهما ظالم وطاغي وجبان، والحقيقة إننا لسنا بصدد مناقشة الإرهابيين، ولكن بصدد مناقشة أثر ذلك على المجتمع عامة والمرأة خاصة ليس لأهميتها وقدرتها على عكس هذا الموقف على أسرتها أو المحيطين بها وبالتالي فإنها تتسبب بقصد أو دون قصد بإعاقة من حولها، ولكن لان المرأة هي الأكثر حساسية اتجاه الحدث لذلك يتضاعف أثره عليها وهي سواء في كربلاء أو غيرها الطرف الأضعف والأكثر حاجة إلى تطمينات، وهو وإن كان شعورا عاما إلا إن هذا الإحساس واقعا يتضخم عند المرأة خصوصا في مجتمعاتنا الشرقية القديرة بتضخيم المخاوف إلى ابعد مدى ممكن .                                                           

 وإذا ما حاولنا التحدث عن حرية المرأة ومعرفة اثر الإرهاب عليها فان علينا أولاً وقبل التطرق إلى هذا الموضوع من مراجعة تاريخية ميسرة، لقد ظهرت الدعوة إلى حرية المرأة لأول مرة منذ القرن التاسع عشر في الغرب واستمرت كحركة منظمة ولها مريديها وستبقى إلى ما شاء الله، فالمرأة الغربية التي حققت منجزات يحق لها أن تفخر بها، بل أن نجاحات المرأة الغربية مهدت لنجاحات يصح أن يقال جاهزة للمرأة العربية وغيرها كما هو الحال في حقها بالانتخابات التي سعت إليه المرأة، وناضلت طويلا حتى حصلت عليه كما في أحداث عام(1917) في أمريكا بقيادة(ليليان راسيل)، ولكن المرأة الغربية لم تكن تناضل وتقدم التضحيات من اجل المرأة العربية أو غيرها، إنما فعلت ذلك من اجل حقوقها هي أولا، أما في البلاد العربية فقد ظهرت هذه الدعوة في مصر على يد قاسم أمين الذي كان له احتكاك مباشر بالغرب وإطلاع على ما وصلت إليه المرأة الغربية ولم يخل الأمر من مساند ومهاجم، أما في العراق فقد ظهرت لأول مرة في الثلاثينيات من القرن الماضي على يد الأدباء إذ نادى بها وبحماس شديد الرصافي والزهاوي وبعض المصلحين، ولكنها كانت دعوة يعمها الاضطراب والفوضى، واتسمت بشيء من التقليد خلا من الوعي الحقيقي بحاجات المرأة أحيانا، وقد جوبهت بحرب شعواء خلت أحيانا من الإنصاف والموضوعية، ذلك إن دعوة الرصافي بالذات كان فيها الكثير من الإخلاص والصدق  في محاولة تغيير وضع المرأة في العراق(5)، بعد ذلك عمت الحركة وأصبحت من روتين الحياة  ولكن دون معارك مشهودة ودون ضحايا ربما لأن المرأة يئست، أو لأن الأوضاع تغيرت فعلا نحو الأحسن إلى الحد الذي لم تكن فيه بحاجة لهذا النزاع، وآن الأوان لنسأل ماذا نعني بحرية المرأة ؟. وفي هذه الأيام ظهرت أصوات تنادي  تحرر المرأة ومنحها حقوقها وهذه النداءات واقعا جاءت ضمن ضجة دارت حول تغيير الوضع بكامله في العراق، بمعنى أخر وتوخيا للدقة ان ما يحدث في موضوع منح المرأة حريتها جاءت كجزء من الوضع العام ولنقل التغيير العام، والباحثة تخشى أن تضيع هذه الصرخة في وادي امتلئ بصدى صرخات قد يكون مصير معظمها الزوال، ولكن مع ذلك عليها أن تقوم بما يتوجب عليها إن كانت صادقة في تقديم الخدمة للمرأة العراقية والتي لها على كل من في الوطن واجب تقديم العون والمساعدة لكي تصل إلى نوع من الحرية يسمح لها بصون كرامتها وإنسانيتها التي تعرضت للانسحاق تحت ظل عقود بل قرون من الظلم العام والخاص .                                                            

 المبحث الأول

حريـــــة المرأة (الواقع والخيال)

 فيما يخص المرأة العراقية وبعيدا عن التحيز لها يمكن القول أنها تمتعت بالقوة،  وعُرف عنها الحضور في الحياة الاجتماعية والسياسية على مدى التاريخ، فالقصص التي كانت بطلاتها نساء لا تعد ولا تحصى، ويعود ذلك لأن العراق كان مركز حضاري منذ القدم وبالطبع فإن للحضارة دورها المؤثر على حياة الناس فهل يعقل أن تبتعد المرأة عن الظهور وهي(زينب بنت علي بن أبي طالب)، أو تغيب وهي (الخيزران) زوجة الخليفة وأم الخليفة، أو(زبيدة) وهي زوجة الخليفة، وغيرهن من المحيطات بالخلفاء والسياسيين آنذاك وبالرغم من تفاوت المواقف بين هؤلاء النساء ومواقفهن من الحق إلا إنهن كن حاضرات في الخريطة الإنسانية والتاريخية، وليس من المنطقي أن تبتعد المرأة عن الفن والأدب وهي في بلاد الأدب والفن، بل وهي روح هذا الفن ومضمونه، ولكن إذا صح إن نربط استقلالية المرأة بالازدهار بكل أنواعه  فهذا يعني إننا يجب أن نذكر عصور الانحطاط أيضا، ولكن الباحثة لم تكن تقصد سوى أن تقول أن المرأة العراقية كانت تتمتع بنوع من الاستقلالية، أما الحرية فهي دعوة متأخرة في كل العالم وكانت حركة طبيعية ومرافقة للتطور العام الذي شمل كل مرافق الحياة، والمرأة جزء من مجتمع متمدن وإن كانت هذه المنجزات المتمناة ستبقى وهم وخيال لولا المطالبة بها والسعي لتحقيقها، وعلى المرأة العربية والعراقية المطالبة بحريتها، وإذا كنا سنتحدث عن العصر الراهن فإن المرأة العراقية استطاعت رغم قسوة الأحداث أن تستمر لا أقول في التطور بل تستمر على نسق ثابت من الوجود الفاعل وهذا أمر يحسب لها، أما الحرية فلقد كانت دائما دعوات خجولة سرعان ما تعود بعد مشوار قصير إلى نقطة الصفر، ولكي لا ننساق خلف السراب في الحصول على الحرية علينا أولا أن نعرف الحرية، وهنا نلجأ في تعريف الحرية إلى الفكرة القانونية ليس لأنها تكون محايدة ومنطقية إلى حد مقبول، بل لأنها الأكثر عمليا وانجازا على الأقل بالنسبة للمرأة ولأنها تلاقي اعترافا من قبل القانون والمجتمع من خلال عرض القيم الكبرى في الحرية القانونية وهي كالآتي(6):                                                                                         

1.المساواة والديمقراطية.                                                               

2.حرية التعاقد.                                                                          

3.حرية التملك.                                                                       

4.حق التجمع.                                                                           

5.حرية العمل .                                                                          

6.التحرر من الحاجة والضمان الاجتماعي .                                            

7.حرية الكلام والصحافة .                                                           

8.حرية الدين .                                                                          

9.الحرية الشخصية.                                                                

10.حكم القانون.                                                                          

11.مسألة تنازع القيم ويقصد بها القيم الفردية والشخصية والقيم الاجتماعية وما يخص أمن الدولة وسلامتها.    

 12.  حقوق الإنسان وحمايتها دوليا.                                                        

 وهنا علينا أن نميز بين الحرية وحقوق الإنسان وأن لا نخلطها بالحقوق، فمن ابسط حقوق المرأة(7) هو حصولها على العيش الكريم، وحقها في التعلم، والعمل المشروع دون مضايقات، والحصول على حقوقها المادية والاعتبارية على أساس إنها إنسان كامل غير ناقص، لها بند يخص إنسانيتها المساوية لإنسانية الآخرين(8) وبالطبع ألآخرين هم الرجال ليس لأنه خصم بل لأنه الطرف الثاني والوحيد فليس على الأرض سوى الرجال والنساء من بني البشر على حد علمي وربما عد الأمر كذلك بالنسبة للحريات، فالحرية لا تعني الانطلاق الجامح دون شرط أو قيد فلكل شيء حد وعلينا أن نتذكر إذا كنا متحضرين كما ندعي "إن حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين"، هكذا تعلمنا وهذا أمر جيد لتنطلق المرأة حسب حدود حريتها،إذن أين المشكلة كيف تقول الباحثة" علينا أن نميز بين الحرية والحقوق "أم أنها ترغب في الضغط على المرأة لتجبرها على العيش بطريقة معينة أو ربما كانت من أنصار الرأسمالية المتحجرين وتريد أن تجبر المرأة على العمل وتكرهها على التعليم، الواقع إن أحدا لن يرفض الحرية بشرط احترام حرية الآخرين ولكن إذا نظرنا إلى الموضوع من زاوية أخرى -أرجو أن لا تكون تشاؤمية- إلى حرية الآخرين سنجد إن ابسط أولويات حرية الآخرين هو حبس المرأة خاصتهم على الأقل في دائرة لا يتجاوز قطرها دائرة منزله المغلقة، لذلك فقد دعت إلى فصل الحقوق عن الحريات لتحصل على أضعف الإيمان أما الحرية فهذا حلم يكاد يكون بعيدا، يحتاج فيه المصلح الاجتماعي إلى تربية المرأة وإعدادها قبل إعادة إعداد الرجل  لتقبل وفهم الحرية المنطقية والمقبولة بدلا من طرحها كقضية جدلية وتحدٍ لا طائل منه، فتكون القضية المهمة والضرورية لنماء أي مجتمع مجرد سفسطة تضر ولا تنفع ويضيع فيها الجهد والفكر بلا نفع - وهذا رأي شخصي خاضع للنقاش والرد- .                                                        

  

المبحث الثاني

حرية المرأة والإرهاب

الواقع إن هذا البحث يختص بدراسة موضوع الإرهاب ومدى تأثيره على حرية المرأة في العراق، والإرهاب واقعا له أثر سيء على البشرية أجمع ليس على حرياتهم وأعمالهم، بل على مستقبل أيامهم حتى بعد أن ينتهي ويصبح من أشباح الماضي ستبقى ذكراه مؤلمة، ولكن يمكن القول إن المرأة هي أكثر المتضررين من الإرهاب والتي هي دائما في مجتمعاتنا الحلقة الأضعف، ولعل أوضح اثر هو الرعب الشديد الذي يصيبها وشعورها بالتالي بالإعاقة والخوف مما قد تتعرض له، وهو وإن كان شعورا عاما إلا إن هذا الإحساس واقعا يتضخم عند المرأة خصوصا في مجتمعاتنا الشرقية القديرة بتضخيم المخاوف إلى ابعد مدى ممكن، ومادمنا قد تحدثنا عن الإرهاب والمرأة في الشرق، فإن من العدل أن نذكر إن المرأة في هذا الجزء من العالم بالذات قد تعرضت إلى إرهاب اجتماعي وفكري أيضا، ومع إن المرأة في العراق لم تحرم من الحصول على الشهادة العلمية في العقود القليلة الماضية ألا إنها لم تحقق طموحها كما تمكنت من ذلك المرأة الأوربية أو الغربية عموما مع إن قدراتها لا تقل عن نظيراتها، ولكن كان الوضع لا بأس به إذا ما علمنا إن العراق لم يكن يوما يخلو من مُدرسة أو أستاذة جامعية في أي تخصص مهما كان نادرا وبالتالي مهدت لها الشهادة الحصول على نوع من الثقافة، وقد يكون من الغريب أن يقال أن هذه الثقافة ولدت للمرأة أزمة أخرى، فلقد كان عليها أن تقف أمام تابوا معين لا تتجاوزه مثل السياسة والدين والجنس وللإنصاف فأن هذه تابو محرم على الجميع تقريبا حتى الرجال، ولكن هي على المرأة عار وسبة،هذا غير تعدد التابوات المحرمة عليها  إلى حد مبالغ فيه، نستطيع أن نقول إن كل ما يضايق الرجل التطرق إليه أصبح تابوا أما من الناحية الاجتماعية فقد عُدت من قبل غالبية الشرقيين نكرة بل أقل من ذلك، إذ عوملت من قبل البعض وكأنها بهيمة يقال قبل ذكر اسمها لفظة تكرم، وهو أمر جارح وقاسي، ويكفي أن نكرر مثل يكرره الرجال عندما يحتاجون لدغدغة نرجسيتهم فيقولون بتباهي (كل مية مرة(مئة امرأة) بقبر رجل مجنون)، ومع إن هذا المثل الدارج يغني عن الكثير من الكلام إلا إنه لا بأس من ذكر بعض أوجه الإرهاب الاجتماعي، فهناك الكثير من العادات والتقاليد الاجتماعية التي كان على المرأة أن تخضع لها لم ينزل الله بها من سلطان إلا اللهم حكم العرف والتقاليد، ولعل ابرز ظاهرة تذكر على عجل هي أرامل ضحايا الحرب العراقية الإيرانية(القادسية المجيدة!) أو (أم المعارك) وغيرها من معارك الهزائم، والتي تركت عشرات الآلاف من الأرامل، ولو عدنا بالذاكرة قليلا لوجدنا إن المجتمع انتقد بشدة كل من تزوجت بعد وفاة زوجها حتى بعض الشابات اللواتي لم يكن لهن أطفال وكأن على المرأة أن تقتل نفسها حزنا وكآبة بعد زوجها وأن تحبس نفسها في المنزل إلى أن تلحق بزوجها مع إن الله ورسوله لم يحرموا ذلك بل لقد شجع الرسول على زواج الأرملة، فبأي شريعة حكم الناس في هذا الأمر وغيره، وهذا الكلام تقوله الباحثة كشاهدة عيان على الحدث، ولقد عوملت المرأة في ظل حكم العشيرة معاملة أقل ما يقال عنها إنها متناقضة بشكل عجيب ففي الوقت الذي تُعد فيه رمز عزة العشيرة وكرامتها، هي في نفس الوقت جزء من رأس المال وبعض حاجيات الرجل، وتُعطى كغرامة (فيما يعرف بظاهرة الفصل أو الدية)  وتخضع لقانون الجواري تماما فهي لن تملك حريتها ثانية إلا بعد أن تنجب طفلا فتصبح حرة في العودة إلى عشيرتها، والباحثة لن تبرر هذا العمل وإن كان قليل ونادر الحدوث، لأنها تعتقد إن الرجل حين حافظ على كرامة المرأة فلأنها تمثل كرامته هو، وعندما يدفعها كفصل فإنه هو المقصود بالإهانة لا المرأة، وفي كلا الحالتين المغبون هو المرأة، هذا غير ابن العم وملكيته الصرف لابنة عمه وجعلها رهينة شاربه فيما يعرف بظاهرة (النهوة) إذا ما رغب أن ينهي على ابنة عمه في بعض المجتمعات القبلية أو حتى المدنية أحيانا، وعلى المتضرر اللجوء إلى أهل الرحم، ومع وجود قنوات متعددة للإرهاب إلا إن الدراسة تتخصص بالإرهاب المسلح وأثره على حرية المرأة، إذ استطاعت المرأة التعايش مع جميع أنواع الإرهاب عدا المسلح، فهي بطبيعة تربيتها الشرقية اعتادت على تقبل أفكار وأعراف اجتماعية وثقافية وأحيانا سياسية خاطئة، أما الإرهاب المسلح فإن عشرين عام من الحرب لم تتمكن من إعاقة تطورها نوعا ما، واستطاعت أن تصل إلى مستوى قد لا يبلغ الطموح ولكنه مقبول إذا ما قورن بوضع المرأة العربية، وفي ظروف السلم لا الحرب كما هي الحال مع العراقيات، ومع كوارث الحرب والحصار الظالم من قبل النظام البائد والمجتمع الدولي على الشعب العراقي، إلا إن الوضع لم يبلغ السوء الذي وصل إليه في الآونة الأخيرة، ففي العقدين الأخيرين من القرن العشرين إذ تعرضت المدينة لإرهاب مسلح من قبل الدولة نفسها من خلال أجهزتها القمعية أو من خلال الحروب التي حدثت ونحن إذ نقر بان إرهاب الدولة وطغيانها اكبر بكثير من إرهاب الأفراد وأكثر سحقا لإنسانية الإنسان وكرامته، إلا أن (المواطن) المسلوب الأمن والكرامة والذي فقد إحساسه بالمواطنة تحت ظل مثل هذه الظروف يتقبل أن يختبئ خلف حياديته وصمته وانهزاميته أو قد يتخذ موقف الانتهازي والوصولي ويسير في ركاب الدولة، وهذا ليس بالضرورة قد يحميه من الإرهاب الذي قد يتعرض له في أي لحظة، ولكن مع إرهاب الأفراد المسلح يكون اتقاء هذا العنف أمر يتعسر عليه اتقاءه، ونحن هنا لا ندرس صحة الموقف أو خطأه بل ندرس فعل وردة فعل، وذلك لأن الإرهاب المسلح أسوأ من الحروب -حسب وجهة نظر الباحثة- على الأقل بالنسبة للمجتمع المدني والذي هو بأي وضع ليس بمعزل عن المجتمع العسكري فالعسكر هم جزء من هذا المجتمع المدني وليس مبتورين عنه، ولكن عندما تكون ساحة القتال محدودة ومعروفة فإن هذا يجعل باقي البلاد تسير بهدوء نوعا ما، وهذا الكلام قد يبدو غريبا  فقد يعطي انطباعا بأن الحرب مقبولة  ولكن بالنسبة لإنسان عاش عمره كله تحت وطأة الحروب والأمور تسير في بلاده من سيء إلى أسوأ فإن هذا الكلام يبدو مقبولا إلى حد ما، ومن ابرز أخطار الإرهاب على المرأة هو الآتي:

1.تهديد وجودها وحياتها وتعرضها لما يمكن أن يسبب لها  الموت أو العوق هذا  فضلا عن إرعابها وإجبارها على اللجوء إلى الأماكن التي يتوفر فيها الأمان وقد تعجز عن ذلك مما قد يشعرها بالعجز والإذلال.

2.نتيجة لردة الفعل اتجاه الإرهاب المسلح الذي يتعرض له المجتمع عامة والمرأة خاصة، فان ذلك سيخلق نوع من الانهزامية والتراجع لدى المرأة التي تعرضت للشلل نتيجة الخوف وسيغلب عليها التردد والإحجام عن معظم الأعمال التي تحتاج إلى فاعليتها التي خسرتها نتيجة الخوف مما يمكن أن تتعرض له.                                          

3.وإذا كنا قد اتفقنا ولو ضمنا على إن المرأة العراقية قد تجاوزت إلى حد ما معظم أنواع  الإرهاب عدا المسلح منه فإن علينا أن نتأكد تماما إن هذا النوع يسبب لها الشلل التام في التفكير، إذ ينحصر تفكيرها في الحياة والموت وأثار العدوان المسلح على حرمة المدن المسالمة ويشل كذلك الحركة إذ تتقدم الأولويات في مثل هذه الظروف، وليس من الأولويات في شيء السعي وراء إثبات الوجود، والتنقل وتلغى معظم التنقلات، ويلغى أحيانا حتى الظهور في الشارع المنكوب ببطولات الإرهابيين وصولاتهم وجولاتهم على المدنيين العزل، وسنلاحظ في الدراسة الميدانية في الفصل الثاني أثر ذلك على المرأة وحريتها من خلال المقابلات الشخصية التي أجريت مع عدد من النساء .                                                            

المبحث الثالث

الدراسة الميدانية

أولا: عـينة الدراسة        

تعد مدينة كربلاء من مدن العراق العريقة ولها تاريخ حافل فهي من المدن التي تضرب جذورها في التاريخ عميقاً، ويعود تاريخها إلى العهد البابلي ويُذكر إن اسمها يعني (قرب الآلهة) وذهب بعضهم إلى إن اسمها مشتق من كلمة (كور بابل) التي هي عبارة عن مجموعة من قرى بابلية قديمة منها نينوى والغاضرية وكربلة (بتفخيم اللام) ثم كربلاء وعقر بابل والنوايس والحائر وذهب آخرون إن اسمها مشتق من الكرب والبلاء وتشتهر كربلاء بقدسيتها فقد أُريق على تربتها دم سبط الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) وأهل بيته الأطهار في واقعة (الطف) المشهورة سنة(6)للهجرة (680) للميلاد (8)، وهنا نتوقف عن تعريف المدينة ونترك ذكر مساحتها وطبيعتها وعدد سكانها، لأن كربلاء أصبحت الحسين والحسين فقط فهو ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وهذا الكلام هو واقع وحقيقي وبعيد جدا عن العاطفة فبالرغم من قدم هذه المدينة الضاربة في القدم إلا إنها ليست سوى مدينة للحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهي لم تعامل إلا هذا الأساس عندما كانت تأخذ مكانها من الاعتبار والتقدير أو من الحرب والدمار والإرهاب وتاريخ المدينة يشهد بذلك، والباحثة حين تذكر بعض من تاريخ المدينة فلأهميته الكبيرة في البحث ألا وهي إننا إذا كنا قد اتفقنا على إن كربلاء ليست سوى مدينة للحسين ومحبيه فإن هذا الأمر قد عرضها للحرب الشعواء أحيانا من قبل أعدائه، ولكنه أيضا جعل منها مدينة مقدسة ورفع من شأنها وجعلها من أعظم المدن المقدسة في العالم أجمع، هذا ألأمر ساعد في أن تنعم إلى حد ما بالتقدير والأمان بالرغم من كثرة الحروب الشرسة التي استمرت على مدى عقدين طويلين.

وبعد حصول الانتفاضة الشعبانية في شهر(آذار) من العام(1991) ضربت قوات النظام العراقي البائد المدينة المقدسة فضلا عن ما تتعرض له المدينة آنذاك من إرهاب الدولة المستمر في المناسبات الدينية كمناسبة عاشوراء، هذا الشيء جعل المرأة في كربلاء تعاني من الإرهاب بمفهومه المادي والصريح، وإن كانت تعاني من إرهاب اجتماعي وثقافي وأيديولوجي، أما في المرحلة الراهنة فإننا نرى أن كربلاء قد أصبحت هدفا للإرهاب الذي فرضه عليها المذهب التكفيري، فتعرضت المدينة لهجمة وحشية يندى لها جبين الإنسانية في العاشر من محرم الحرام عام 2004 أودى بحياة العشرات من الزائرين للحرم المقدس لضريح الحسين (عليه السلام) وشهداء معركة (الطف) الشهيرة من أهل المدينة وخارجها، وقد تم اختيار عينة الدراسة من هذه المدينة على أساس أنها نموذج صالح لمدن عراقية ظرفها مشابه لما يحدث في (مدينة كربلاء) كما في(مدينة النجف المقدسة) أو (مدينة الكاظمية)، أما عن كيفية اختيار العينة نفسها، فقد كانت هناك أسباب جعلت الباحثة تعتقد إنها الطريقة الأصلح، إذ اختارت مئة امرأة من النساء في (مدينة كربلاء) من اللواتي تتراوح أعمارهن بين العشرين والستين، من مختلف الشرائح الاجتماعية والثقافية والاقتصادية ولكن الباحثة اعتمدت الحالة الثقافية بالدرجة الأساس، وذلك أن مسألة تحرر المرأة تكاد تكون أزمة ثقافة أولا، هذا فضلا عن ارتباط الثقافة الوثيق بجميع نواحي الحياة الأخرى والذي دعا إلى هذا التنوع هو كون التنوع حقيقة واقع المرأة في العراق عموما وفي كربلاء خصوصا أما الأمر الآخر فهو ضرورة استطلاع  معظم شرائح المجتمع  فإذا كانت الأكاديمية  تملك القدرة على التعبير عن رأيها تتدرج بين الموضوعية والأمانة إلى الرغبة والهوى فإن للنساء الأخريات الحق في التعبير عن آرائهن مهما كانت حالتهن الاجتماعية  والاقتصادية فالبقالة التي تبيع في السوق امرأة عاملة أيضا وكذلك ربة البيت ونفس الشيء يقال عن العاطلات عن العمل، واختيار العدد والنسب كان قريباً من النسب المئوية في المجتمع العراقي وقد كان الاختيار على حسب الآتي:                                       

 المجموعة الأولى: وتتكون من (34) ربات البيوت وتحصيلهن الدراسي بين ابتدائية والثانوية وأعمارهن تتراوح بين 30-60 سنة                                  

المجموعة الثانية: وتتكون من (40) طالبة من خريجات معهد إعداد المعلمات  في كربلاء أثناء التطبيق الصيفي وتتراوح أعمارهن بين 20 – 30 سنة.                             

المجموعة الثالثة: وتتكون من (19) من الحاصلات على الشهادات الجامعية  من مدرسات وربات بيوت  وتتراوح أعمارهن بين  30 – 60 سنة

المجموعة الرابعة: وتتكون من (7) من الأكاديميات  وتتراوح أعمارهن بين  35 – 50 سنة . فكان اصغر المشاركات في المقابلة قد بلغت العشرين من عمرها واكبر المشاركات قد بلغت الستين وهن عدد قليل على كل حال وذلك لان المراة في سن العشرين تكون لها بالضرورة آراء مختلفة عن غيرها، ومما يجب ذكره للأمانة العلمية إن الباحثة قامت بقراءة نموذج المقابلة لبعض المشاركات وذلك لجهلن بالقراء وأشرفت على الإجابة بنفسها لاعتقادها بحياديتها.        

ثانيا: نتائج المقابلة                   

يعود سبب اختيار الاستبيان بهذا الشكل إلى إن هذه المفردات المختارة والتي هي على علاقة وثيقة بالإرهاب المسلح قد أصبحت شائعة لدرجة أنها كانت مفردات يومية، والواقع أنه على الرغم من الحروب التي دامت على مدى عقدين من الزمن وتعرض العراقيين للقصف والترهيب بأنواعه إلا إنها لم تكن شائعة بهذا الشكل الفج والمؤلم، وعلى الرغم من تنوع المشاركات إلا أنه يبقى شبه اتفاق على الكثير من الإجابات على اعتبار تأثيرها في النفس البشرية بعيدا عن كل مؤثرات أخرى، إلا في القليل النادر كما هو الحال في بعض الإجابات التي امتازت بالغرابة أو الطرافة والتي علقت عليها الباحثة وأعطت فيها رأيها، وهو كما سبق وذُكر يبقى خاضع للنقاش والرد، وقد كان نموذج المقابلة عبارة عن مجاميع من الأسئلة كما هو مبين في الملحق، وطُلب من المشاركات الإجابة بإيجاز سواء بكلمة واحدة أو مجموعة من الكلمات وكانت الإجابات من قبل المشتركات على المجموعة الأولى تكاد تكون متشابهة إلى حد بعيد وهذا طبيعي، فكان هناك حوالي90% اتفقوا على الامتعاض والكراهية والرعب من هذه المفردات 10% إجابات مختلفة بين الرفض واللعن للأمريكان هذا لأنهم نظروا لكل العسكر الذين دخلوا إلى العراق على أنهم أمريكان فقط وهذا كان واضحا عندما علقت المشتركات على مفردة رتل عسكري بإضافة أمريكي دون أن يُذكر ذلك في الاستمارة وكان يمكن أن تمر الإجابات بدون ملاحظة تذكر لولا وجود مفردة طائرة التي أثارت حولها كثير من التعليقات فقد كانت النتائج كالآتي:

نسبة 55% من المشتركات قد علقن عليها بالرعب الشديد والخوف والرهبة وما شابه و38% قلن إنها تحلق دائما في السماء وتزعجنا أنها إزعاج وآلة بغيضة وسبب للدمار وسلاح متطور للقتل، وهناك نسبة 22 % أجبن بأنها تطور وتقدم، و10 % قلن عنها حلم، 8 % إنها شيء جميل هكذا بالنص.                                                       

وسيلاحظ القارئ بالتأكيد إن نسب الإجابة أعلى بكثير من عدد المشتركات، يعود واقعا إلى أن التعليق على هذه المفردة كان دائما مزدوج ومؤثر حقيقةً لأنه كان متناقضا فقد كانت بعض المشتركات يجبن بأنه شيء جميل ومخيف أو أنه تطور  وقاتل رائع ومخيف ولعل أكثر إجابة تؤثر في النفس هي إجابة طالبة في معهد المعلمات عندما قالت إنها حلم وألم ومن الإجابات الأخرى والتي أثارت الاستغراب فعلا هي إجابة طالبة قالت عن القصف تغيير وعندما نحلل الكلمة نجد إن عمر الطالبة كان عشرين سنة يعني إنها كانت السادسة من عمرها عندما قامت حرب الخليج الثانية عام (1991) وتعرضت كربلاء لانتهاك أجواءها من قبل قوات حلف الأطلسي، ومن ثم تعرض المدينة للقصف من قبل قوات النظام البائد فلم تدرك تماما الأحداث السابقة، وفي المرة الثانية في عام(2003) ربطت بين التغيير الذي حصل وبين القصف.

في المجموعة الثانية كانت كلمة (إرهاب) على الرغم من كونها لفظة جديد على المجتمع العراقي، إلا إنها  كانت واضحة ومفهومة وكانت جميع الإجابات تدل على الأذى والرعب والرفض وبنسبة95% ونسبة 5% عمل بغيض، ولكن ظلت إشكالية توضيح المعنى للمشاركات، إذ وجدت الباحثة نفسها مضطرة لشرح لفظة التطرف والموضوعية لكثير من المشاركات بما فيهن خريجات المعهد ومع إنها شرحت بطريقة قاموسية في محاولة عدم التأثير والإيحاء للمشاركات بإجابة معينة وحين وضعت كلمة التطرف كان الغرض منها معرفة ما تعنيه هذه الكلمة وما إذا كن المشاركات سيتهمن جهة معينة بالتطرف، الواقع إن الإجابات كانت مخيبة وغير متوقعة خاصة في مفردة التطرف إذ كانت كالآتي:                                                     

­   نسبة 50% من الإجابات كانت مبهمة وغير واضحة، وكتبت كلمات تدور حول المعنى لاتصل إليه مثل السياسة، قلة أدب، سيء بالدين، رأي غير صائب وغير صحيح، وتعدد الآراء، ومخالفة الآراء من الكلمات التي فهمتها من الشرح وهي تقرأ الاستمارة. 

­  36% رفضت التطرف وقالت عنه انه أمر خطير وإنه تفريق  للعراق وتمزيق لأرضه .                                                                                  

­   نسبة 10% لم تعلق على الكلمة وتركت الإجابة عليه.                                

­   نسبة 4%  قالت إنه أمر جيد وحين أعدت شرح المفردة من جديد قالت نعم انه أمر جيد ولم يكن من الممكن التأثير على المشاركات لأن هذا يتنافى مع الأمانة العلمية وهي عندما قالت ذلك قالته معتقدة انه الاعتزاز بالدين وان المتطرفين أنفسهم هم قوم معتزين بدينهم وإنهم يدافعون عن مذهبهم بغض النظر عن عدالة قضيتهم أم لا.

­    أما كلمة الموضوعية فلقد أجاب حوالي 78 % بأنها آمر جيد ونسبة 17 % قلن إنه ليس هناك أي موضوعية، و5% أكدن على إنها ضرورة ملحة في الوقت الراهن.                                              

أما المجموعة الثالثة من الأسئلة فإن هذا الجزء من البحث هو أهم ما فيه تقريبا، وذلك لأننا من خلاله نستطيع أن نستقرء أثر الإرهاب ليس على حرية المرأة فقط بل على حياتها و فكرها ككل، لأن الإرهاب لا يمكن أن يمر على النفس الإنسانية دون أن يترك فيها أسوأ الأثر، وهذا ما يمكن ملاحظته عند دراسة إجابات الكثير من المشاركات بالاستبيان، فقد لاحظت الباحثة نوع من النفاق ولنقل بلفظ ألطف مهادنة نسبة 27% من الإجابات والذي سمح لها بهذا الحكم هو معرفتها الشخصية ببعض المشاركات، وللإنصاف فإن المهادنة أمر في هذه المرحلة يكاد يكون شيء طبيعي، فنحن نمر بمرحلة انتقالية ليس على الوضع العام فقط بل والخاص أحيانا، وإذا كان القارئ سيقول "بالله عليك طبيعي؟"، لماذا إذن وصفتيه بالنفاق؟! فأقول له لأن بعض المشاركات كنَّ يرددنَّ أقوال وأفكار لا يؤمنَّ بها، وهنَّ واقعا لا يرغبن بتبني مثل هذه الأفكار إنما فرضها عليهن جو الرعب والإرهاب، فنجدها تذكر إن حرية المرأة هي أن تكون ضمن حدود الشريعة، مع إنها لا تعلم إن الشريعة الإسلامية منحت المرأة حرية حقيقية أعظم بكثير مما تحلم به المرأة فقد أعطتها الحق في الحياة والتعليم واختيار الشريك وإدارة حياتها وأموالها(9) بما لا يخالف الشرائع والقوانين السماوية السمحاء.

 وكانت نسبة 45 % من المشاركات قد أجبن بطريقة مُرةٍ للغاية إذ ذكرن إن حرية المرأة سخافة وقلة أدب وانحراف وأنه "خطر على الإسلام" كذا ورد بالنص وآراء أخرى تلقي بك من علياء الفكر إلى حضيض الواقع المر فالمرأة العراقية لا تعرف معنى حرية المرأة، وتعتقد إن بطلات المسلسلات هن من يعنون بهن المتحررات، وان الحرية هي العري والخلاعة، وأنها صناعة أمريكية كاسدة تريد تصديرها للشعب العراقي المؤمن، ولا تنفع كل التأففات ومحاولة الشرح والتوضيح، فهذه أحدى الإجابات والتي تقول فيها خريجة من معهد المعلمات عن السؤال عما تعنيه الحرية "إنها كل شيء يخالف الشريعة الإسلامية.                                       

ولعل اغرب الإجابات كانت عن السؤال هل حصلت المرأة على حريتها، إذ كانت غير متوقعة أحيانا حيث كانت النسب المئوية كالآتي:         نسبة 92% إنهن لم يحصلن على حريتهن وان الحرية وهم وإنها معدومة وغيرها من التعليقات التي دلت على النفي القاطع، ونسبة 8% أكدن إنهن حصلن على حريتهن.                                                      

أين الغرابة في الموضوع إذاً؟ هل هي نسبة 92 % أو نسبة 8 % ؟ طبعاً توقعنا إن الغالبية العظمى من النساء سينفين حصولهن على الحرية، وهو سؤال منطقي فعلا، ولكن عندما تدرس الإجابات بتمعن ترى إن جميع من قلن إنهن حاصلات على حريتهن هن ربات بيوت بين أميات أو خريجات ابتدائية، ولم تقصد الباحثة الإساءة في هذا النطاق إنما الأمانة العلمية استدعت هذا، وعندما سألت الباحثة إحدى المشاركات أتعنين إنك حصلت على حريتك أكدت المشاركة بثقة إنها تشعر بذلك وعندما ألحت الباحثة بالسؤال أفرضي إنك أردت القيام بمشروع يرفضه المجتمع ولكن ليس فيه ما يخالف الدين وحلال هل تقومين به؟ فردت بالإيجاب بطريقة تُحسد عليها فعلا، بينما نجد أن سبعا من الأكاديميات نفين حصولهن على الحرية، وهن كل الأكاديميات المشاركات في المقابلة، فإذا كنت أستاذة جامعية وحاصلة على الدكتوراه وأخرى طالبة دكتوراه وأستاذة جامعية وغيرهن من الحاصلات على لقب مدرس مساعد لا يشعرن بالحرية هذا غير المدرسات في الثانويات فما هي الحرية إذاً هل هي وجهة نظر خاضعة للأهواء أم إنها تصرف يخص المرأة بصفة شخصية  ووليد اللحظة وعلى المقابل قبوله لتكون المرأة حرة كما تريد، لكن لا، ليس الأمر كذلك بل المسألة تتعلق بالثقافة وأزمة الثقافة التي سبق ذكرها فمما يبدو إن العلاقة عكسية بين الثقافة والحرية فكلما ارتفع المستوى الثقافي للمرأة قلَّ إحساسها بالحرية وذلك لأن حاجتها للحرية تزداد ولا تستطيع تلبيتها في مجتمعها وهذا مما يؤسف له حقا فنحن إذا كنا متفقين على أن مفهوم الحرية يختلف من مكان إلى آخر ومن زمن لآخر فالحرية في فرنسا مثلا غيرها في العراق أو السودان أو أمريكا وحرية اليوم غيرها حرية الأمس أو حرية الغد إلا إننا نتفق على أنها حاجة ماسة وملحة أما السؤال هل حرية المرأة ضرورية؟ فقد أجمعت الإجابات بالموافقة وعدت المشاركات إن حرية المرأة ابسط حقوق المرأة وركيزة أساسية ولكن الذي يحير فعلا هو إذا كانت النساء يرغبن بالحرية فكيف يُفسر اعتبار بعضهن حرية المرأة بدعة وخطة شيطانية وخطر على الإسلام، وتعليل الأمر هو الخلط الكبير بالمفاهيم وتخبط المرأة الواضح في التكيف مع الأحداث وربما حدث هذا الخلط نتيجة لجو الإرهاب الفكري السائد وفرض مفهوم الآخر والذي يمسك بزمام الأمور وتسيير الوضع لصالحه وصالح فكره بغض النظر عن أهدافه، والباحثة هنا تدرس الأسباب فقط أما السؤال "تتوقعين المستقبل" والذي وضع بالأساس من اجل فتح أفق للأمل والتوقع ولكن من الغريب أن الإجابات كانت مخيبة للآمال مع إن السؤال طرح في ظرف حاولت الباحثة أن يكون هادئ قدر الإمكان ولكن نسبة غير المتفائلات بالمستقبل مع سوداويته كانت 92% وهي نسبة مخيفة حتى مع وجود ظرف الإرهاب والفوضى فلابد أن يكون هناك متسع من التفاؤل ولكن هذا لم يحدث مع الأسف، ونسبة 8% كانت إجابات بين "الله كريم" و "إن شاء الله خير" و "الله يعلم" ورغم الإجابات المبهمة ألا أن أحدا لا يمكن أن يلومهن على هذا فنحن للآن لا نجزم بثقة فيما يخص الحالة العامة إن نقول المستقبل واضح وبين ومشرق فما بالك بحرية المرآة وحقوقها، والواقع إن هذا التشاؤم من نتائج الإرهاب الذي تسبب بكسر نفسية المرأة ودفعها لتنشغل بأمور هي أكثر أهمية وضرورة بالنسبة لها.

 في نهاية المقابلة نتوصل إلى حقيقة واحدة إن الإرهاب بكل أنواعه هو أسوأ ما يمكن أن يصادف الإنسان في حياته ولعل ابرز سلبياته هو اغتصاب كرامته وحريته وبالتالي التأثير على فكره ودفعه للانهزامية والتردد والرضوخ للقوة الغاشمة ومثل هذه الأحداث تهدم المجتمعات وتوقف عجلة التقدم فيها  وتتسبب في تخلفها.                   

 الخاتمة                             

أرجو أن تكون هذه الدراسة مشروع خطوة جادة في طريق قل فيه السائرين لوعورته، وتوصلت الدراسة إلى بعض النتائج  من خلال التحليل لآراء عينة المقابلة وكذلك من خلال استقراء الأحداث الحالية للآتي:                                                                            

أولا: الحرية العامة والخاصة ضرورة من ضرورات الحياة ولا يكمن الاستغناء عنها تحت أي ظرف.                           

ثانيا: نتيجة لسنين طويلة من القمع الفكري والسياسي وهي أوضاع خطيرة وعسيرة على الإنسان فإن ما حصل هو خلط في المفاهيم بصورة اقرب إلى التشويه منها إلى سوء فهم وحسب، وقد لوحظ في أثناء الدراسة من سوء فهم لحرية المرأة  وذلك لربطها بالاحتلال وبالتالي مقارنتها به.

ثالثا: لكي يتمكن المصلح والمفكر من تحقيق حرية المرأة تحت أي ظرف فإن        عليه أن يعد المرأة أولاً لتقبل هذه الحرية، فهي تحتاج إلى إعداد ولا نقول تربية   فالكثير من النساء يرفضن فكرة التحرر وعدها سوء أخلاق ودفع المرأة عن الدين الحنيف وجرها إلى طريق الرذيلة.                                 

رابعا: إن السبب الرئيس الذي أدى لكل ما سبق من تشويه  للفكر والرضوخ لفكر فيه انحراف هو جو التوتر والإرهاب المسلح الذي أدى إلى شل التفكير واضطرابه والواقع إذا كنا قد اتفقنا على إن للإرهاب اثر سلبي بل يصح أن يقال انه مدمر، فان الحلول التي يمكن أن تُقترح هي اقل من القليلة، وذلك لأنها تكمن أساسا بإزالة المؤثر وهو الإرهاب وهذا أمر يعتمد على الحل الجذري والثوري لاقتلاع هذه الظاهرة من جذورها وهذا واقعا ليس بالإمكان على الأقل في الوقت الحاضر، وما أتمناه فعلا أن لا يكون غريبا أو شاذا أن أضيف للحلول القليلة والنادرة حلا آخر وهو توعية المرأة بأهمية التعامل مع هذا الأمر قدر المستطاع من خلال قنوات متعددة يمكن أن يوفرها المجتمع أو مؤسسات الدولة في حالة لم تكن الدولة هي سيدة الإرهاب، وأخيرا وليس بآخر أدعو الله مخلصة أن يوفق كل من يعمل لخدمة هذا الوطن وأن يفتح عليهم أبواب المعرفة والعلم .

  (نموذج من استمارة المقابلة)

بسم الله الرحمن الرحيم

 الأخت المحترمة تحية طيبة، أرجو التكرم بالإجابة عن الأسئلة المقدمة إليك، وذلك لغرض المساهمة في توضيح الرؤية حول موقف المرأة تحت ظل الإرهاب المسلح في هذه المدينة المقدسة، وما يمكن أن تتعرض له من ضغوط نفسية ومادية نتيجة الأحداث، والتي تنعكس على حياتها الخاصة والعامة، وأثرها السيئ على علاقتها بأسرتها والمجتمع، مع التكرم بإبداء الملاحظات إن وجدت، ولكِ عظيم الشكر والامتنان.                          

 السؤال: بماذا توحي لكِ الكلمات الآتية علقي بإيجاز؟

المجموعة الأولى:

الطائرة، رتل عسكري، الحرب، القصف، القنبلة، المفخخة، الانفجار ؟

المجموعة الثانية: 

 التطرف، الموضوعية، الإرهاب ؟

المجموعة الثالثة:

ماذا تعني لكِ حرية المرأة؟، هل حصلت المرأة على الحرية؟، هل حرية المرأة ضرورية؟، ماذا تتوقعين للمستقبل ؟    

 

باحثة أكاديمية*

الهوامش

1.أبو الحسين أحمد بن فارِس بن زكَرِيـّا، معجم مقـايـيسُ اللّغة، 395، بتحقيق وضبط عبد السَّلام محمــد هَــارُون، الجُزْءُ الثّـانِــي طبعــة اتحاد الكتاب العرب،  1423 هـ، 2002 م، ص476.

2.ينظر: د‏.محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، قضايا و آراء، هذا هو الإسلام، جريدة الأهرام، الخميس، 28 محرم،11 ابريل، السنة 126، العدد42129، 2004.

3.د. لطيف الوكيل، الإرهاب..التطرف غذاء، انظر الموقع: بلدي العراق/http://baladiiraq.de/wedadfaker/alirhabgetaa.  .

4.مطاع صفدي، حول نهاية لعصر الطغيان وتوأمة الإرهاب، انظر الموقع: التجديد العربي http://www.arabrenewal.com/ ,

5.للمزيد انظر: د.علي الوردي، في الطبيعة البشرية، تقديم سعد البزاز،مطبعة معراج، قم،إيران، د.ت، ص49-59 .

6.للمزيد انظر: د.دينيس لويد، فكرة القانون، ترجمة سليم الصويص، مراجعة سليم بسيسو، سلسلة عالم المعرفة، الكويت،1981 ص129-157 .

7.مجموعة باحثين، الحرية رؤية إسلامية مؤسسة البلاغ، مطبعة الصدر، طهران، إيران، ط1، 2002 . 

8.للمزيد اُنظر: سلمان هادي آل طعمة، كربلاء في الذاكرة، مطبعة العاني، بغداد، د.ت، ص13.    

9.للمزيد انظر: د.نعيمة شومان، الإسـلام بين كينز وماركس وحقوق الإنسان في الإسلام، دراسـة، منشورات اتحاد الكتّاب العرب.ط، 2000، ص115- 122 .

                          

المحتويات

 

الموضـــــــوع

رقم الصفحة

مقدمة

6

تقديــم

8

الفصل الأول/الإرهاب..التعريف..ووسائل المكافحة  (صلاح جبير البصيصي)

16

المبحث الأول/ محاولة التعريف بالإرهاب وبيان أنواعه

18

المطلب الأول: تعريف الإرهاب وبيان عناصره

19

المطلب الثاني: أنواع الإرهاب

25

المبحث الثاني/ وسائل مكافحة الإرهاب

31

المطلب الأول: الوسائل الداخلية لمكافحة الإرهاب

32

المطلب الثاني: الوسائل الدولية لمكافحة الإرهاب

37

الفصل الثاني/ مفهوم الإرهاب                          (د.محمد إبراهيم المصبح)

46

المبحث الأول/ الإرهاب كظاهرة سياسية

48

المبحث الثاني/ماهية ظاهرة الإرهاب

51

المبحث الثالث/أسباب ودوافع ظاهرة الإرهاب

55

الفصل الثالث/ الأبعاد الثقافية والحضارية للإرهاب   (خالد عليوي العرداوي)

58

المبحث الأول/ الجذور التاريخية للإرهاب الدولي

62

المبحث الثاني/ الإرهاب ومأزق العلاقة بين الإسلام والغرب

67

المبحث الثالث/ آليات مواجهة الإرهاب في البلدان الإسلامية

78

الفصل الرابع/ الآليات السياسية لمواجهة الإرهاب        (سليم فرحان جيثوم)

87

المبحث الأول/ الديمقراطية

91

المطلب الأول: دستور ديمقراطي دائم

93

المطلب الثاني: المشاركة السياسية

96

المطلب الثالث: التعددية السياسية

100

المطلب الرابع: التداول السلمي على السلطة

104

المبحث الثاني/ حماية واحترام حقوق الإنسان

106

المطلب الأول: تصنيفات حقوق الإنسان

108

المطلب الثاني: العلاقة بين الإرهاب وحقوق الإنسان

112

الموضـــــــوع

رقم الصفحة

المطلب الثالث: حماية حقوق الإنسان

114

الفصل الخامس/ التداعيات الاقتصادية وأثرها في العمل الإرهابي

 (د.كريم ضمد مشير الفتلاوي)

123

المبحث الأول/ النظام العراقي السـابق..الاستبداد والطائفية

126

المبحث الثاني/ الأسباب الاقتصادية للإرهاب

132

المبحث الثالث/ تحقيق المطالب السياسية أو الاقتصادية

140

الفصل السادس/ الإرهاب والخطاب الإعلامي       (عمران كاظم الكركوشي)

150

المبحث الأول/ الإعلام نظرة في المكونات

153

المبحث الثاني/ الخطاب الإعلامي: التعريف والماهية والمكونات

158

المبحث الثالث/ الإعلام ودراسة الخطاب

161

المبحث الرابع/ الإرهاب والنص الإعلامي

163

المبحث الخامس/ النموذج الأمريكي للخطاب

169

المبحث السادس/ الخطاب .. الإرهاب = الإسلام

179

الفصل السابع/ حرية المرأة تحت ظل الإرهاب المسلح بين الواقع والخيال

(سليمة سلطان نور)

186

المبحث الأول/ حريـــــة المرأة.. الواقع والخيال

194

المبحث الثاني/ حرية المرأة والإرهاب

197

المبحث الثالث/ الدراسة الميدانية

201

 دعوة للمشاركة

يسر مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية أن يعلن عن رغبته في التعاقد مع الباحثين من الأساتذة الأكاديميين وذوي الاختصاص وفقاً للآلية الآتية :

1.يقدم الباحث طلباً لكتابة دراسة أو بحثاً في موضوع معين يتناسب وأهداف المركز مشفوعاً بملخص عن الموضوع .

2.يلتزم المركز بالرد على الطلب خلال فترة أسبوعين من تاريخ تقديمه .

يتعهد المركز في حالة قبول طلب الباحث القيام بالأمور الآتية :

·التعاقد مع الباحث بالشكل الذي يُتفق عليها لاحقاً .

·   يسعى المركز إلى تسهيل حصول الباحث على المصادر التي تعينه في كتابة بحثه مما يتوفر في مكتبة المركز أو على شبكة الانترنت .

3.  يلتزم الباحث بأتباع أساليب البحث المتفق عليه علمياً .

4. بالنسبة إلى الدراسات المقدمة إلى المركز يجب أن لا تقل عدد صفحاتها عن (40) صفحة، أما البحوث فيجب أن لا تقل عن(15)صفحة وتكون مطبوعة بالكومبيوتر وترسل ثلاث نسخ بالإضافة إلى(CD) .

5.  تقدم الدراسة خلال مدة يُتفق عليها مع إدارة المركز لا تزيد بكل الأحوال عن ثلاثة أشهر، وشهرين بالنسبة للبحث.

6.  يُراعى في البحث أو الدراسة المقدمة الأمور الآتية:

·  أن لا تكون الدراسة أو البحث قد نشر سابقاً أو قدم للنشر في مكان آخر.

·  تكتب أسماء الباحثين وعناوين وظائفهم ودرجتهم العلمية.

·    يُقدم ملخص للبحث أو الدراسة باللغة العربية وباللغة الإنكليزية.

7.  يكون من حق المركز حصراً نشر وتوزيع البحث أو الدراسة وبكافة طبعاته.

8.   تقدم طلبات البحوث والدراسات في مقر المركز، أو للبريد الالكتروني للمركز أو البريد الخاص بمدير المركز.

9.      يؤّمن الباحث طريقة الاتصال المناسبة مع إدارة المركز.

صدر عن المركز

1. النشرة :

*نشرة الفرات (العدد الأول).

* نشرة الفرات (العدد الثاني).

* نشرة الفرات (العدد الثالث).

2.   الورش العلمية :

*  مدخل إلى بناء الديمقراطية في العراق.

*  آليات التحول الديمقراطي.

*نظم الانتخابات في العالم ومعطيات الواقع العراقي.

* المرأة العراقية في عالم مفتوح. 

3. الدراسات:

* العراق .. رؤية مستقبلية في العلاقات الدولية.

*المبادئ الأساسية لدستور العراق الدائم.

* وقائق الندوات العلميةز

* استطلاع الرأي العام

 

| © جميع الحقوق محفوظة لمركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية1427هـ/ 2006م