كيف نواجه الإرهاب؟
تحرير وتقديم د.أحمد باهض تقي
المشـــاركون
د. محمد إبراهيـم المصبح د.
كريـم ضمد الفتلاوي صـلاح جبيــر البصيصي
خـــالد عليـوي العرداوي
ســـليم فرحـان جيثــوم عمران كاظم الكركوشي سليـــمة سلطـان نـور
مقدمة
حقيقة ترمي بثقلها في الواقع
العربي- الإسلامي ألا وهي أن ذلك الواقع يمر بظروف هي الأكثر
تعقيداً عبر الزمان، وإن مرت الأمة الإسلامية بظروف سابقة أعقد
منها، إلا أن الوسائل والآليات المتبعة في عصرنا الراهن تجعل من
تلك الظروف هي الأخطر، وهذه الظروف هي التي نجحت واقترنت بمظاهر
شديدة، الواقع تكاد بمخرجاتها أن تجعل من الشعوب هي الضحية الأكبر
والوحيدة منها، وما الإرهاب وأخطاره، وما يصاحبه من إقصاء للآخر
وتكفير للأفكار، وإقحام سيء للإسلام فكراً وممارسة إلا مظهراً
أساسياً للواقع العربي- الإسلامي . وبعيداً عن الخواص في التفاصيل،
لا يمكن القول قطعاً أن ظاهرة الإرهاب هي ظاهرة دخيلة في المجتمع
الإسلامي، بل إن لها أسبابها ومبرراتها التي ضربت بشراكها وشباكها
دائرة مغلقة على العقل العربي- الإسلامي. كما أن الأسلوب غير
الصحيح في مواجهة هذه الظاهرة قد أدى إلى نتائج عكسية، ومن هنا فأن
أي خطر، يحتاج إلى تكاتف موقفي، كي تستمر الحياة ويتم إبعاد شبح
الموت عن الفقراء وعامة الشعب والذي أصبح يستهدفهم في كل مكان ولكن
الحقيقة هي انتظار موقفي متناثر . إن الجماعات الإرهابية وإن كانت
تدعي لنفسها استهدافها لأعداء سياسيين احتلوا العراق ويماطلون في
إعطاء الحقوق للشعب الفلسطيني ويعرقلون التنمية في البلدان
الإسلامية إلا أن ذلك لا يبرر قتلهم للناس عموماً تحت ذلك المسمى.
أمام كل ذلك، نجد أنفسنا جميعاً أمام موقف اختياري، سواء شعوب
البلدان العربية والإسلامية أو تلك الجاليات التي تعيش في البلدان
الغربية، فبين نفي المهمة عن أنفسنا، أو السكوت على تلك الأعمال
والأفعال، ذلك أن أولئك الذين يرتكبون تلك العمال والأفعال يعبرون
عن أنفسهم أفضل تعبير، سواء في عدائهم أو في الميكانزم التي تحركهم
وتحك عقولهم بحيث أن أعمالهم تحمل دائماً توقيعاتهم، ومن هنا
احتجنا جميعاً إلى مجتمعات عربية- إسلامية وكذلك الجاليات في
العواصم الغربية تحت مجهر الاختيار، بل إننا أمام امتحان مفاجئ
لطبيعة وحقيقة ثقافتنا وموقفنا من أعمال قتل المدنيين الأبرياء .
ومن هنا تصبح السلبية والوقوف والتعامل مع هذه الأعمال بمسافة
وهمية، يعني بالنسبة لشعوب العالم الأُخرى لأننا نقبل بوصاية
الإرهابيين علينا، وإننا نشجع أعمالهم وحركاتهم، وبعيداً عن السلوك
المتحضر الذي يجب أن يكون والذي يرافقه ضرورة ملحة للحفاظ على
الحياة، من المهم أن ندرك أن الخطر أصبح لصيقاً بكل فرد ينتمي إلى
العالم العربي- الإسلامي . ومن هنا يصبح لازماً علينا التمتع بأبسط
مظاهر الوعي بخطورة استمرار طوفان الإرهاب وإقامة سد منيع وإعلان
موقف مبدئي يناصر سلامة الإنسان باعتباره عنصر الحياة وأينما كان
وهذا يحتاج إلى إجراءات عملية وملموسة وسريعة يتم تبنيها من قبل
مؤسسات الحكم والمجتمع المدني وأجهزة الإعلام، يرافقها صراحة وشعور
أكبر بالمسؤولية بعيداً عن المتاجرة بالموقف . من هنا جاءت هذه
الورشة بفصولها المختلفة لتعبر عن ماهية هذه الظاهرة وآلياتها، مع
الأخذ بنظر الاعتبار النموذج العراقي .
مركز الفرات
للتنمية والدراسات الإستراتيجية
الإرهاب
موروث الأمس.. بلباس عصري
د.احمد باهض تقي*
تقديم
يقف المتأمل مرتبكا بشدة في تحليله للظاهرة الإرهابية التي أخذت
بالتزايد والاتساع والتي تجسدها المجاميع والتنظيمات التي تستخدم
العنف في محاولتها لتحقيق أهدافها، ولا تقل الأنظمة السياسية
المنتشرة على خارطة العالم العربي – الإسلامي عن تلك التنظيمات
والمجاميع تجسيدا لتلك الظاهرة، بل يمكن القول أنهما صنوان لا
يفترقان وان تضادا في الأسلوب والآليات والأفكار.
والشيء الذي يبرز ويطرح عناوين لافته للرؤية، ألا وهو أن الحديث
عن هذا الموضوع وتحليله لا يتم بصورة حياديه، أو بشكل يحدد فيه
أسباب هذه الظاهرة، كما أن الطروحات النظرية والآليات المتبعة في
المعالجة أخذت هي الأخرى في توسيع دائرة هذه الظاهرة، و ما يعطي
صورة جديرة بالاهتمام هو ذلك النفاق السياسي إن جاز لنا التعبير
والذي تتمتع به الكثير من الشخصيات والأنظمة السياسية المتصدية
لهذه الظاهرة، مما جعلها تفقد الكثير من المصداقية أمام شعوبها،
فالخطاب الذي تتمتع به هزيل، وتستبعد الكثير من أسباب المشكلة
وتجعل منها نتائج محتملة الوقوع للظاهرة .
وتنسى أو تتناسى ما هو موجود ومستشري في الواقع العربي الإسلامي
الذي يتجسد فيه:
· غياب كبير لحقوق الإنسان وتهميش واضح لدوره في البناء والتنمية .
· فساد إدارة الحكم سواء في الحقل السياسي أم في الحقل الاقتصادي .
· الاستبداد والتسلط مع كبت للحريات السياسية والمدنية للشعوب .
· انتشار حلقات الفقر والجوع مع تدني كبير للمستويات المعيشية .
· غياب الممارسات الديمقراطية وضعف المشاركة السياسية والمجتمعية .
قد ألقى ذلك بظلال قاتمة وسوداء على الواقع الاجتماعي في البلدان
العربية – الإسلامية، مما افقد المجتمعات فيها الرغبة في الابتكار
والإبداع وانعكس ذلك في ضعف شامل في الجوانب المعرفية وانهيار في
البنى التعليمية والثقافية، مما أدى إلى إفراغ هذه البلدان من
كفاءاتها .
ومن هنا فأننا عندما نوجه اللوم للجماعات المسلحة في أنها تسلط
جام غضبها على القطاعات المدنية والإنسانية، علينا إن نكون منصفين
مع أنفسنا بان تلك الجماعات ما كانت لتنمو وتزدهر لولا وجود
المبررات المقنعة للآخرين المتمثلة بـ:
· هيمنة الأنظمة السياسية المستبدة .
· الوجود الأجنبي في العالم العربي – الإسلامي .
وعندما نتحدث عن الإرهاب كظاهرة بدءا، فان ثمة شيء ينكره العقل
وخصوصا في العراق، إذ هناك شيئا إنسانيا للغاية في ذلك الإنكار،
فالبعض لا يكاد يتصور ولو أمكانية استيعاب حقيقة أن هناك الكثير من
الشباب المسلمين والعرب ينخرطون في هذه الجماعات والتنظيمات
ويقومون بهذه المجازر الجماعية، لان ذلك التصور يقودهم أن لا يمكن
بأي شكل من الأشكال أن يقود مفهوم العروبة أو الدين الإسلامي إلى
ذلك الحال، ولذلك نلاحظ أن الإنسان في العالم العربي، كائن من يكون
انتمائه أو قوميته أو شريحته، يحاول أن ينسبها إلى اشد الخصوم
عداوة ألا وهي الصهيونية العالمية، وبالرغم من نبل هذا الإنكار
لأنه في ذلك يستند إلى تحليل أنساني وأخلاقي للإسلام والوطنية
والعروبة، ولكن هذا الموقف والتحليل ينافي الواقع والحقيقة كثيرا
وطويلا .
وأمام ذلك الواقع لا يمكن لنا تجاوز الحقائق التي لا يمكن حجبها
بغربال التبريرات السياسية غير المنطقية، فكل الذين دافعوا وبرروا
لأحداث 11 أيلول 2001، والأعمال الإرهابية التي حصلت في مناطق
مختلفة من العالم، يقفون اليوم بالضد دون أي تردد، وعندما وصلت تلك
الإعمال إلى ديارهم نددوا فيها ، وبنفس الوقت يحاولون أن يجدوا
مخرجا لمواقفهم السابقة تحت عنوان إن تلك الإعمال ما كانت لتقع
لولا الظلم الدولي للعرب والمسلمين ، وبالرغم من أن العقل العربي–
الإسلامي يبدو مشوشا ، أمام العديد من الضربات الموجعة التي توجهها
هذه التنظيمات للولايات المتحدة الأمريكية والعديد من الأنظمة
السياسية المتحالفة معها، إلا إن ذلك العقل يقف حائرا أمام تلك
المجازر المروعة والجرائم الكبرى التي ترتكب ضد الناس الأبرياء
وتصويرها وكأنها حرب بريئة ضد الاستبداد والظلم .
من هنا يبرز التساؤل واضحا، هل أن الدين الإسلامي بما تصوره هذه
التنظيمات يخلق قاعدة فكرية منظمة تبرر تلك الأفعال والأعمال ؟
الحقيقة أن الإجابة على هذا التساؤل تتوافر على عنصري البساطة و
الإشكالية، إذ إننا إذا نظرنا إلى التاريخ الإسلامي الذي يشكل
العرب فيه محوراً أساسياً فإننا نجد أن الكثير من الصفحات الدموية
قد اتشح بها ذلك التاريخ بعيداً عن مبادئه وأُسسه وقرآنه العظيم
وسنة نبيه الأكرم محمد (صلى الله عليه واله وسلم)، فمنذ وفاة
الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) حصلت أحداثاً كبرى تجاوزت
معطياتها الكثير من تلك المبادئ والأُسس، وتمكنت بنتائجها أن تغير
المسار الحقيقي لما أراده الله (سبحانه وتعالى) من أن يكون الإسلام
ديناً للأُمم والشعوب في كل أنحاء العالم (وما بعثناك إلا رحمةً
للعالمين)، وتلك كانت بحق مخالفة كبرى لإرادة الله سبحانه، وتتالت
الأحداث والصراعات السلطوية على الحكم في الفترة التي أعقبت
استشهاد الخليفة والوصي الإمام علي (عليه السلام) ليبدأ عندها
عصراً جديداً من الإمبراطورية ألا وهي الدولة الأموية التي جعلت من
الخلافة التي أدعت إنها وريثة شرعية لها مجرد سلطنة، تلك الدولة
التي كانت من ممارساتها وآليات تطبيق الحكم فيها بما تعنيه اليوم
(إنها إرهابية) ويكفيها فخراً بأنها ارتكبت أبشع جريمة بحق الدين
الإسلامي ونبيه الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ألا وهي مذبحة
عاشوراء .
وبالرغم من الإنجازات الدنيوية التي يسطرها بعض المؤرخين لهذه
الدولة المستبدة والتي آل الله سبحانه وتعالى أنه لا تعمر طويلاً
جداً، إلا أنه يمكن القول إنها قد وضعت أساساً عملياً لما نجنيه
اليوم من مجازر ودماء وعنف وتمزيق للصف الإسلامي وإساءة إلى مبادئ
الدين الإسلامي أمام شعوب العالم، ولذلك فعندما جاءت من بعدها
الدولة العباسية لم تبتعد كثيراً عن تلك الأساليب والآليات، وصناعة
الإرهاب، بل إنها يكفيها فخراً بأن مؤسسها وسلطانها الأول يلقب
(بالسفاح)، وعندما يطرح اليوم هذا التحليل وفقاً لما وصل إليه حال
الإسلام والمسلمين بفعل هذه المسالك والوسائل، وما نجم عن ذلك من
تشكيل سيء لصورة المسلم والإسلام والعربي على وجه التحديد عند شعوب
العالم الأُخرى، فإن تلك الجماعات والأنظمة السياسية المستبدة التي
ترعاها أو تجد لها المبرر في هذا التواجد على الساحة السياسية
والاجتماعية، سوف تعمل جاهدة على إلصاق أشد النعوت والصفات سواءً
بمن يقف موقف الضد منها، ولا تتردد لحظة في أن تستخدم القوة والعنف
ضده ، والأمثلة على ذلك ليس لها حصر.
ومن هنا نجد أن الإسلام بمبادئه السمحاء لم يعطي ولا مبرر واحد في
استخدام العنف والقسر ضد الآخرين (لا إكراه في الدين)، ولكن
سلوكيات السلاطين ووعاظهم على مر التاريخ الإسلامي هي التي رسخت
الكثير من الممارسات الإرهابية في المجتمع الإسلامي وجعلت منها
نسقاً من القيم والتقاليد .
ولا غرو إذا قلنا، أن الكثير من علماء الإسلام قد تصدو لتلك
الظاهرة التي زرعت زرعاً في المجتمع الإسلامي، ولعل إسهامات الأزهر
الشريف والنجف الأشرف وكربلاء المقدسة ممثلة بأولئك العلماء
المجددين الذين أماطو اللثام عن حقيقة الإسلام الناصعة، ويكفي
الحوزة العلمية الشريفة في كربلاء المقدسة شرفاً بأن عالمها
الأبرز الإمام محمد الشيرازي (قدس سره) قد كتب نظرية متكاملة حول (اللاعنف
في الإسلام) كما أن الفتاوي المتلاحقة التي يصدرها كل من الأزهر
الشريف وعلماء المسلمين حول ضرورة حقن الدماء وحرمة قتل الأبرياء
قد أسهمت إسهاماً فاعلاً في إيجاد أرضية صلبة يقف عليها المسلمون
في محاججتهم للآخرين .
ومن نافلة القول، أن الفتاوى الواضحة والصريحة التي أصدرها
المراجع الدينية في كل من النجف وكربلاء ومن خارج العراق، والتي
وجهت خطابها كثيراً إلى أبناء الشعب العراقي من أجل حقن الدماء
وعدم استخدام العنف والعنف المضاد، قد ساعدت كثيراً في استقرار
الأوضاع واستمرار العملية السياسية في العراق أملاً في استتباب
الأمن.
ومن هنا نصل إلى نتيجة مهمة ألا وهي أن الإرهاب والتكفير ما كان
له أن يتواجد على الساحة الإسلامية لولا وجود دعم وغطاء سياسي
ممثلاً بكثير من الأنظمة الحاكمة وعلى مر العصور، والإسلام وقرآنه
وعلماءه العادلين من ذلك كله براء .
أن ما يمكن أن تصوره الكثير من الجماعات الإرهابية من أن قتل
الأبرياء له ما يبرره إذ يأتي مقروناً بقتلهم للكفار، لهو أمر
يتوافر على الكثير من التغيرات والتناقضات مما ينافي الحقائق .
أول هذه التغيرات هي ما تناولناه آنفاً بأن الإرهاب له جذور
تاريخية وفكرية في التاريخ العربي-الإسلامي وأنه يستند على تفسيرات
غاية في التطرف للإسلام .
فإذا كان قد بدأ بقتل أهل بيت النبوة (عليهم السلام) وصحابة رسول
الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه يصل اليوم إلى كونه حركة
واسعة لها أطراً ومؤسسات وآليات عمل ولها قدرة على التحرك والعمل
بأساليب ديناميكية متفوقة .
ثاني هذه التغيرات هي استهداف العمليات الإرهابية لطبقات فقيرة
وواسعة وبسيطة من مجتمعات المسلمين ويمكن القول إنهم أشد الفئات
تضرراً من هذه العمليات وبالتالي فإن هذه الأفعال تبتعد كثيراً عما
تدعيه الجماعات الإرهابية بنضالها وكفاحاً وجهادها ضد أمريكا
وإسرائيل .
ثالث هذه التغيرات، أن ما تبدأ به هذه الجماعات من خطاب أيديولوجي
يثير المشاعر ويحرك الوجدان بغضب شديد مما يفضي إلى تحول سياسي
وسيكولوجي عميق في نفسية وذهنية المتلقي وينقله إلى نفس الذهنية
لأولئك الأشد فتكاً وتقتيلاً وقسوة في التاريخ، ولذلك يصبح من
الصعب أن نفرق بين أصحاب المذاهب الإرهابية في التفسير الديني وبين
هولاكو وتيمورلنك، والآخيرين كانوا مسلمين أيضاً.
رابع هذه التغيرات، أن الخطاب الذي تتبناه هذه الجماعات الإرهابية
لا يفرق بين شعوب الغرب وأوربا على وجه العموم وبين الأنظمة
الحاكمة فيها، وتعتبر جميع هذه البلدان كفاراً بما يعطي لهذه
الجماعات حقاً في قتلهم سواء في بلدانهم أو عندما يكونوا ضيوفاً في
بلدان المسلمين إذ تجد منهم أعداء ويجدر قتلهم وينطلقون في ذلك من
الأفكار التي أنتجتها (وللأسف)القرون العربية الوسطى والتي أصبحت
فيما بعد مناهجاً علمية تدرس في المدارس والمعاهد والكليات في عدد
من البلدان العربية والإسلامية .
وبالتالي فإن تلك الممارسات والأعمال تعد ممارسات وأعمال شرعية
حسب وجهة نظرهم لأنها تستند على (تنظير الإسلام)، ولذلك يمكن القول
أن ما جاء به عدداً من وعاظ السلاطين من علماء الدين قد أساء
كثيراً للإسلام والمسلمين، وما يجنيه العرب والمسلمين من ثمار
العداء لهم من قبل الآخرين لا يمكن رميه بثقله على (مؤامرات
الأعداء) بل أن في معظمه له ما يبرر من الداخل العربي– الإسلامي .
الأمر الذي يؤكد على حقيقة أن الأعمال الإرهابية بعواقبها الوخيمة
تؤثر تأثيراً سيئاً وسلبياً على بلاد المسلمين ومجتمعاتها وأنها
تصب في مصلحة أعدائهم .
ويكفي لنا أن ننظر إلى ممارسات التيارات العنصرية في الغرب عموماً
وأمريكا على وجه التحديد في تحريضهم ضد العرب والمسلمين وكأنهم فئة
متوحشة لا تعرف قيمة للحياة الإنسانية .
ومن خلال ما تقدم نصل إلى حقيقة مفادها أنه لم يحدث أن انتصر
الإرهاب إلا في مواقع هامشية ومنعزلة، وان انتصاره في المناطق التي
ساهمت في صنع التاريخ والحضارة الإنسانيتين لهو أمر مستحيل، وحتى
الدول الإرهابية التي تسربلت كثيراً بالإسلام أو بالمسيحية أو أية
دين أو أفكار أُخرى لم تستمر طويلاً .
ولذلك أن من يريد أن يحرر نفسه ويحرر الآخرين عليه أن يفكر بطريقة
وخطاب يجعلان من طروحاته مقبولة ومن أفعاله نبيلة وهذا كله يتطلب
العديد من المقومات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية
التي تجعل من الشعوب المحرك الأساسي لعملية التحرر.
*تدريسي/ مدير مركز الفرات للتنمية الدراسات الاسترانتيجية.
الفصل الأول
الإرهاب.. التعريف..و وسائل
المكافحة
صلاح جبير البصيصي*
تمهيد
من المؤكد أن ظاهرة الإرهاب أيا كان نطاقها أو مداها ظاهرة قديمة
قدم الجماعة البشرية وليست بالحديثة كما يتصور البعض، فلقد عُرفت
تلك الظاهرة منذ أن وجد الإنسان الأول على ظهر هذه الأرض، ثم تطورت
بتطور المجتمع البشري فاتخذت أشكالاً وأنواعاً عدة فمنها ما انصب
على الأفراد ومنها ما وقع على الجماعة ومنها ما أصاب المنشآت، أن
الإرهاب من اشد المسائل القانونية تعقيداً فهو ليس مسألة عادية
ويعتبر من المظاهر الأكثر بروزاً على الساحة الدولية والداخلية،
ولقد كان للتطور العلمي والتكنولوجي أثره الواضح في تطوير وسائل
تنفيذ تلك الجريمة وبالتالي توسع دائرة آثارها المدمرة حتى تشمل
اكبر عدد ممكن من الأفراد والمنشآت الأمر الذي أصاب العالم اجمع
بالرعب من تلك الجريمة، من هنا كانت ضرورة مواجهة هذه الجريمة
ومكافحتها وبوسائل داخلية ودولية تحاول الحد من آثارها والتقليل من
مضارها، ولما كان الإرهاب هو مفهوم قانوني ذو بعد سياسي فأن الخشية
في أن يترك أمر الإرهاب خاضعاً للسياسة وحدها دون مرجع قانوني أو
أخلاقي من هنا ينصب المبحث محاولاً التركيز على أيجاد تعريف قانوني
للإرهاب وبيان لأنواعه كما سنرى، بينما طرح المبحث الثاني وسائل
مكافحة الإرهاب على المستوى الداخلي والمستوى الدولي.
المبحث الأول
محاولة التعريف بالإرهاب وبيان
أنواعه
بذلت الأسرة الدولية جهوداً كبيرة من اجل تعريف عالمي وموحد
لظاهرة الإرهاب، ألا أن مساعيها لم تنجح حتى اليوم. حتى أننا نجد
أن هناك أكثر من(109) تعريفاً للإرهاب ظهر مع ظهور هذا المصطلح
وانتشاره في الأوساط القانونية والسياسية منذ سنة 1936م ويعد السبب
في كثرة التعاريف واختلاف بعضها عن البعض الآخر يكمن في أن مصطلحات
مثل (الإرهاب) و(الإرهابي) تعاني من الغموض كما تقتصر على درجة من
اليقين ويلاحظ (آرنولد) أنها ظاهرة وصفها أسهل من تعريفها(1).
ولكننا نجد اليوم أن الجهود منصبة لإيجاد تعريف جامع ومانع
للإرهاب سواء كانت هذه الجهود تمثلت في الاتفاقيات الدولية العديدة
التي أعطت تعاريف مختلفة لهذا المفهوم أم في الجهود الفقهية التي
حاولت هي الأخرى وضع تعريف ومدلول للإرهاب، على أن تعريف الإرهاب
يتطلب أيضاً الوقوف على أهم عناصره لكي نميزه عن غيره ثم يجب
الوقوف على أنواعه وصولاً لخلق منظومة متكاملة عن الإرهاب الذي
يتطلب سبيل الوقاية قبل اللجوء إلى سبيل الاستئصال.
المطلب الأول
تعريف الإرهاب وبيان عناصره
حاولت بعض الاتفاقيات الدولية وكذلك جمهرة من فقهاء القانون
الدولي والجنائي إعطاء تعريف ظاهر للإرهاب ومن خلال هذه التعاريف
يمكن التوصل إلى عناصر هذه الظاهرة التي تعد من قبل الكثير من
القانونيين جريمة إذا توفرت أركانها شأنها في ذلك شأن الجرائم
الداخلية أو الدولية وأن تميزت عنها بخصائص معينة سوف نحاول الوقوف
عليها تباعاً.
أولا: التعريف الإتفاقي للإرهاب
ومن هذه التعريفات:
1. التعريف الوارد في اتفاقية جنيف لقمع ومعاقبة الإرهاب لعام
1937 والذي ينص على أن الأعمال الإرهابية هي "الأعمال الإجرامية
الموجهة ضد دولة ما وتهدف أو يقصد بها خلق حالة رعب في أذهان أشخاص
معينين أو مجموعة من الأشخاص أو عامة الجمهور"(2).
ويؤخذ على هذا التعريف قصوره عن الإرهاب الموجه ضد الدول برغم أن
الإرهاب قد تقوم به الدول نفسها ضد حركات التحرر الوطنية أو
الحركات الثورية وضد كيانات لم تصبح لسبب أو لآخر دولا بعد أو على
شعوب مشردة من أراضيها.
2. التعريف الوارد في اتفاقيات جنيف عام 1949 فقد تطرقت المادة
الثالثة المشتركة الخاصة بالمنازعات غير الدولية حيث نصت على منع
الإرهاب ثم جاء البروتوكول الأول لسنة 1977 ليؤكد في الفقرة
الثانية من المادة (51) على ذات المبدأ كما أكدت ذلك المادة
الرابعة من البروتوكول الثاني حيث ذكرت فقرتها الثانية بشكل صريح
تعبير(الإرهاب) وجاءت المادة(13) منه لتمنع أعمال التهديد بالعنف
التي تستهدف بشكل أساسي بث الإرهاب بين السكان المدنيين.
ويلاحظ في النصوص الواردة في اتفاقيات جنيف لعام 1949م وفي عام
1977م كانت تتوجه أولا ً للدول الأطراف في الاتفاقيات
وبروتوكولاتها أي أنها كانت تستهدف بشكل أساسي مواجهة إرهاب الدولة
باعتباره الخطر الأول الذي يمكن أن يهدد أمن المواطنين، ونحن إذ
نرى أن الدولة إذا كانت من باب أولى أن تتجنب الانتهاكات لما تتمتع
به من قدره وقوة فان الأمر الذي يجب ملاحظته أيضاً هو مكافحة
الإرهاب الذي تقوم به الجماعات والأفراد الذين اشتدت وطأتهم في
الآونة الأخيرة.
3. التعريف الوارد في الاتفاقية الأوربية لعام 1977م، حيث أن
هذه الاتفاقية لم تعرف الإرهاب بشكل محدد بل عددت مجموعة من
الأفعال منها ما كان قد جرم سابقاً باتفاقيات دولية وكان العامل
الوطني قد حرمها وأضاف أليها كل الأفعال الخطرة التي تهدد حياة
الأشخاص أو أموالهم إذا كانت تخلق خطرا جماعيا، تخرج من كل هذه
الأفعال من طائفة الجرائم السياسية منها لتطبيق مبدأ "عدم التسليم"
الذي كانت قد نصت عليه اتفاقية تسليم المجرمين لعام 1957م ويلاحظ
على هذه الاتفاقية أنها فتحت الباب واسعاً للتقدير التعسفي من جانب
الدول في تحديد ما يعد إرهابا وما لا يعد كذلك، ذلك أن كل من يوجه
ضد حياة الأشخاص وممتلكاتهم يشكل جريمة إرهابية إذا كان من شأنه
خلق خطر جماعي.
إضافة لذلك فان الاتفاقية في الوقت التي قررت عدم العمل بمبدأ
"عدم التسليم" عادت في المادة الخامسة تقرر بأن للدول التي تخشى
ضياع حقوق اللاجئين السياسيين فلها أن لا تسلم هؤلاء الأشخاص وفي
ذلك تناقض في أحكامها(3).
4. لقد سعت الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى تقديم تعريف
للإرهاب، بعد نقاش وجدال دام طويلا فاعتبرته يمثل جميع الممارسات
والوسائل غير المبررة التي تشير إلى رعب الجمهور أو مجموعة من
البشر لأسباب سياسية وبصرف النظر عن بواعثه المختلفة.
بهذا المعنى الواسع، حاولت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعريف
الإرهاب ومن هذا التعريف نستنتج، أن الإرهاب يشمل الاستخدام غير
الشرعي للقوة أو العنف أو تهديد باستخدامها بقصد تحقيق بعض الأهداف
ذات الطبيعة السياسية.
ودعا قرار الأمم المتحدة رقم60 لسنة 1994م دول العالم كافة، ومجلس
الأمن ومحكمة العدل الدولية والوكالات المتخصصة، إلى تطبيق
"الإعلان المتعلق بإجراءات إزالة الإرهاب الدولي" والى إدانة كاملة
للإرهاب بجميع أشكاله ومظاهرهِ بما في ذلك الأعمال التي تكون
الدولة متورطة بها بشكل مباشر وغير مباشر واوجب الإعلان إحالة
القائمين بالأعمال الإرهابية إلى القضاء، من أجل وضع حل نهائي لها،
سواء ارتكبت من إفراد عاديين أو موظفين أو سياسيين، كما أوجب اتخاذ
تدابير من أجل مكافحة الإرهاب، سواء ً كان ذلك على صعيد الدولة، أو
بالتعاون بين الدول(4).
5. لقد أوردت الاتفاقية العربية لعام 1998م في المادة الأولى من
الفقرة الثالثة تعريف للإرهاب بأنه (كل فعل من أفعال العنف
والتهديد، أيا كانت بواعثهِ أو أغراضه يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي
فردي أو جماعي ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم
بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم وأمنهم للخطر أو إلحاق الضرر
بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو امتلاكها
أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر).
ويلاحظ على هذا التعريف أنه لم يشر لا من قريب ولا من بعيد للبعد
السياسي الذي يحيط بالإرهاب عاكسا بذلك، رغبة الدول الموقعة في هذا
المضمار، بل أنه ساوى بين كل الأفعال العنيفة أياً كان باعثها إذا
كانت تخلق الرعب بين الناس أو تعرض حياتهم للخطر على أن هناك
الكثير من الجرائم العادية التي تخلق الرعب بين الناس كما أنه
اعتبر الامتلاك أو الاستيلاء على المرافق العامة والخاصة عملاً
إرهابياً وفي ذلك عدم دقة، لأن امتلاك أراضى الآخرين هو جريمة
عدوان مستمر وهي خطر وأشد عنفا وخرقاً لقواعد القانون الدولي من
الإرهاب(5).
ثانيا: التعريف الفقهي للإرهاب
أن تحديد موقف الفقه الدولي والجنائي من مفهوم الإرهاب من الصعوبة
بمكان تبعا ً لعوامل عدة، أولهما عدم خضوع مفهوم الإرهاب لمقاييس
ومعايير محددة، وثانيها تطوره المستمر من حيث الأساليب والأسباب
والصور.
وقد بذلت جهود فقهيه كثيرة لتعريف الإرهاب، وكانت أهم هذه
المحاولات هي التي ذكرت عام 1930م، وفي أثناء المؤتمر الأول لتوحيد
القانون الجنائي الذي أنعقد في مدينة (وارشو) في بولندا فقد ذكر
الفقيه (سوتيل) بأن الإرهاب هو "العمل الإجرامي المصحوب بالرعب أو
العنف أو الفزع بقصد خدمة هدف محدد" وعرفه الفقيه (ليمسكين)، بأنه
يقوم على تخويف الناس مهاجمة أعمال العنف أما الفقيه(جيفا نوفيتش)
يرى أن الإرهاب، هو عبارة عن"أعمال من طبيعتها أن تثير لدى شخص ما
الإحساس بالتهديد مما ينتج عنه الإحساس بالخوف بأي صورة"(6). أما
في الفقه العربي، فيذهب الدكتور(عبد العزيز محمد سرحان) بأن
الإرهاب، هو "كل اعتداء على الأرواح والأموال والممتلكات العامة أو
الخاصة بالمخالفة لأحكام القانون الدولي بمصادره المختلفة".
أما الدكتور(ممدوح توفيق) فيعرفه بأنه "جميع الأفعال التي ترمي
إلى إيجاد حالة ذعر وترتكب بوسائل خطيرة كالمواد والأدوات المتفجرة
أو الملتهبة أو السامة أو الوبائية أو التي من شأنها أن تحدث خطراً
عاما، وترتكبها العصابات أو الجماعات الإرهابية بقصد تحقيق غايات
قد تكون سياسية كما لو كان ذلك لإرهاب الحكومة القائمة مثلا
ًوإجبارها على التخلي عن الحكم أو على التصرف على نحو معين دون
غيره"(7).
وعرف الدكتور (صلاح الدين عامر) الإرهاب أنه "اصطلاح يستخدم في
الأزمنة المعاصرة للإشارة إلى الاستخدام المنظم للعنف، لتحقيق هدف
سياسي وبصفة خاصة جميع أعمال العنف التي تقوم منظمة سياسية
بممارستها على المواطنين وخلق جو من عدم الأمن"(8).
وفي الختام يجب التأكيد أن محاولات تعريف الإرهاب قد باءت بالفشل،
ذلك أن هذه المحاولات اقتصرت على بعض الجوانب دون غيرها، فمنهم من
ركز على الجانب المادي (الأفعال) ومنهم من ركز على الجانب
القانوني(الجرائم)، وآخرون أكدوا على الجانب السياسي والأخلاقي
بينما الأمر يتطلب أن يكون هناك تعريف شامل للإرهاب يتحرى أمرين:
الأول/ التجريد والموضوعية، بحيث لا يتفق فقط مع وجهة نظر طرف من
أطراف النزاع دون الطرف الآخر .
الثاني/ الإلمام بالجوانب المختلفة للظاهرة دون إغفال أي منها(9).
ثالثا: عناصر جريمة الإرهاب
أن الجريمة في القانون الداخلي تتحدد على هدى ثلاثة أركان وكذلك
الأمر في القانون الدولي الجنائي وهذه الأركان هي :
1. الركن المادي: وتمثل في الفعل المادي السلبي والإيجابي،ويكون
بانتهاك الالتزام الداخلي أو الدولي، سواء كان إيجابياً أم سلبياً
وبالتالي فان الركن المادي في جريمة الإرهاب، يتكون من النشاط
الإجرامي كاستعمال القوة أو العنف ضد الأشخاص أو الأموال أو
الممتلكات العامة أو الخاصة وترتكب عادة بوسائل معينة، أي الأدوات
المتفجرة والأسلحة النارية والمواد الملتهبة أو السامة أو المحرقة
أو الوبائية أو الجرثومية التي من شأنها أن تحدث دماراً واسعاً.
2. الركن الشرعي: ويتمثل بالقاعدة القانونية المجرمة للفعل، حيث
أن المبدأ السائد في القانون الجنائي الداخلي هو "لا جريمة ولا
عقوبة إلا بنص" وغالبا ما تكون الجرائم الإرهابية، منصوص على
تحريمها في التشريعات الداخلية وعند ذلك يتحقق هذا الركن، أما
بالنسبة لجرائم الإرهاب الدولية، فأن النصوص الجزائية غير محددة
غالبا، ولا يعتمد فيها على التفسير الحرفي لقاعدة الشرعية، إلا
أنه يمكن القول أن الركن الشرعي في جريمة الإرهاب الدولي، يتحقق في
مخالفة مبادئ القانون الدولي التي تمنع الإرهاب سواء وجدت هذه
المبادئ في الاتفاقيات الدولية أو القواعد العرفية التي تحرم
الإرهاب وتعتبره جريمة تستحق العقاب .
3. الركن المعنوي: ويقصد به القصد الجنائي للفاعل، أي أن يتوفر
لدى القائم بالأعمال الإرهابية، قصد التخويف والإكراه والضغط على
الدولة أو على أطراف المجتمع الدولي، والخضوع إلى مشيئة هذا
الإرهابي سواءً كان فرداً أو دولة والتي يقصد من خلال هذه الأعمال
تحقيق بعض المقاصد السياسية أو الاقتصادية أو المعنوية أو الشخصية
أو الأيدلوجية(10).
وعلى كل حال فأن جريمة الإرهاب تتميز بمجموعتين من العناصر ذات
طبيعة موضوعية وشخصية، فمن الناحية الموضوعية، نجد أن جريمة
الإرهاب جريمة ذات خطورة معينة سواء على الأشخاص أو الأموال أو
الممتلكات كما وأنها جريمة تترتب عليها أضرار جسيمة وهو أمر يميز
هذه الجريمة عن غيرها من الجرائم السياسية، أما من الناحية
الشخصية، فأن قصد الجاني الخاص من وراء اقتراف هذه الجريمة، سواء
أكان مبنياً على غرض أو نزعة سياسية أو أيديولوجية هو أمر متطلب في
جريمة الإرهاب عموما، فالغاية والهدف من وراء اقتراف هذه الجريمة
يعتبر الضابط الأقوى لتميز هذه الجريمة عن غيرها وأياً كان الهدف
سياسيا أو اجتماعياً أو أيديولوجيا(11).
المطلب الثاني
أنواع الإرهـــــــــاب
يمكن تقسيم الإرهاب إلى أنواع عدة، فمن ناحية المعيار الزماني
تميز بين طائفتين من الإرهاب، أحدهما إرهاب يحدث زمن السلم، وآخر
يحدث زمن النزاعات المسلحة، ومن ناحية المعيار الجغرافي أو
المكاني، فيمكن أن نقسم الإرهاب إلى طائفتين أيضا ً أحدهما إرهاب
داخلي والآخر إرهاب دولي.
وأخيرا فأننا يمكن أن نقسم الإرهاب من حيث الجهة القائمة به، إلى
طائفتين إرهاب الدولة وإرهاب الأفراد وهو ما سنقوم بدراسته تباعا.
أولا: الإرهاب زمن السلم والإرهاب زمن النزاعات المسلحة
1. الإرهاب زمن السلم :
تقع معظم أعمال الإرهاب زمن السلم، فهي الوسيلة التي لا يستطيع
البعض التعبير عن مواقفهم إلا بها وذلك عائد لأسباب عدة منها:
*فشل جماعة ما في أن تطرح أفكارها بصورة مقنعة للمحيط، لكي يلتقي
الناس حول هذه المبادئ ويصبح هذا الفشل عادة عاملاً للتراجع
والانحسار وبالتالي اللجوء إلى أيديولوجية الإرهاب، والضغوط التي
تمارسها .
*الضغط الذي تمارسه الحكومات، بحق بعض الجماعات وخاصة الداعية إلى
الإصلاح والديمقراطية، قد يدفع هذه الجماعات إلى استخدام العنف
للتعبير عن الذات(12).
ومما هو جدير بالذكر، أن الأعمال الإرهابية في وقت السلم، قد
تستهدف الأشخاص أو الأرواح أو الممتلكات، فهي قد توجه ضد شخصية
سياسية معينة للرغبة في التغيير وإحلال شخصية أخرى، وقد توجه
الأعمال الإرهابية ضد الأشخاص العاديين والمدنيين والمنشآت
والأعيان المدنية العائدة للدولة، وهذه الأخيرة ذائعة وقد عانى
منها معظم شعوب العالم، وهي من أخطر ما تكون، لأنه يترتب عليها
زعزعة الأمن والاستقرار داخل البلد وعليها يتوقف نمو الاقتصاد
الوطني وازدهاره وهي نوعية يصعب السيطرة عليها لذلك برزت الجهود
الدولية الرامية إلى القضاء عليها(13) وبالتالي يمثل الإرهاب وقت
السلم، أحد المؤشرات على أن المجتمع الذي يعاني منه يمر بفترة عدم
استقرار قد تستفحل بشكل كبير عند إهمال أسبابها وقد تنتهي في حالة
معالجة أسبابها.
2. الإرهاب زمن النزاعات المسلحة:
أن النزاعات المسلحة قد تكون دولية أو داخلية، وفي كلتا الحالتين
قد تتخلل هذه النزاعات أعمال إرهابية يقوم بها أحد أطراف النزاع،
وكان كل من قانون النزاعات المسلحة (قانون لاهاي) والقانون
الإنساني (قانون جنيف) واللذان نظما طرق ووسائل لسير العمليات
الحربية وكيفية معاملة الجرحى والأسرى والمرضى أثناء النزاعات
المسلحة للتخفيف من ويلات الحرب، قد منعا اللجوء إلى الإرهاب
كوسيلة من وسائل القتال، حيث يدخل إطار جرائم الإرهاب كل من جرائم
الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة إبادة الجنس البشري(14)،
وتحريم اللجوء إلى الإرهاب في زمن المنازعات المسلحة، يشمل جميع
أفراد القوات المسلحة النظامية وكذلك الحركات الثورية أو حركات
التحرر الوطني حيث دعت اتفاقيات جنيف لعام 1949م إلى تحريم جميع
تدابير التهديد والإرهاب إضافة إلى تحريم الاعتداء على المنشآت
الثقافية كما في اتفاقية لاهاي لحماية الأعيان الثقافية لعام 1954م
فضلا عن أن بروتوكولي جنيف الإضافيين لعام 1977م الملحقين باتفاقية
جنيف لعام 1949م نصا على حماية المنشآت الهندسية والمدنية كالجسور
والسدود والمحطات الكهربائية(15) ولكن كيفما كانت التهديدات
والقيود الممكن وضعها في هذا الإطار، فأنه يجب تحريم وتجنب الإرهاب
غير المميز فيجب الاقتصار على مهاجمة المواقع العسكرية دون مهاجمة
الأهداف المدنية التي تلحق الضرر بالسكان المدنيين الأبرياء.
ثانيا: الإرهاب الداخلي والإرهاب الدولي
1. الإرهاب الداخلي: أن عناصر الفعل الإرهابي كُلها تقع ضمن إطار
دولة واحدة .
فالإرهاب الداخلي هو عنف، ينحصر في داخل دولة ولا يوقع ضحايا من
الأجانب ولا يضر بمصالح أجنبية، ومن الممكن أن يمارس من قبل الدولة
ضد مواطنيها أو يمارسه مواطنو الدولة ضد سلطات الحكم فيها، ولكن
ليس ضد الأجانب وإلا أصبح إرهاباً دوليا ً ولو تم على إقليم
الدولة.
ومن ثم فالإرهاب المحلي يتطلب المحلية أو الوطنية في جميع عناصره،
سواءً من حيث المنفذين أو مكان التنفيذ أو التخطيط أو الأعداد
للعمل وكذلك الضحايا والأهداف والنتائج المترتبة عليه، والاعتماد
على الدعم المحلي في التمويل(16).
ولا تكاد أن تكون هناك دولة واحدة نجت من هذا النوع من الإرهاب،
الأمر الذي يدفع الكثير من دول العالم أن تحرص على أن تتضمن
قوانينها الداخلية عددا من النصوص التي تجرم الفعل الإرهابي وتعاقب
عليه بشدة للتقليل من مخاطره الكبيرة على استقرار الدولة الداخلي.
2. الإرهاب الدولي: تتكون عناصر الفعل الإرهابي في هذه الحالة
ممتدة لتشمل أكثر من دولة سواءً كانت دولة جنسية الفاعل أو الضحية
أو مكان ونوع الفعل هو العنصر الأجنبي، أي أن العمل الإرهابي يتصف
بالدولية عندما يحدث ضد أكثر من دولة، وعلى ضحايا ينتمون لدولٍ عدة
أخرى.
ويأخذ هذا النوع من الإرهاب حيزاً كبيراً من الاهتمام الدولي،
والواقع أنه رغم الاهتمام الكبير بالظاهرة، في الجمعية العامة
للأمم المتحدة ألا أننا لا نجد تعريفاً محدداً للإرهاب الدولي، وقد
قامت لجنة القانون الدولي، التابعة للأمم المتحدة بتقنين الجرائم
المختلفة الماسة بأمن وسلم الإنسانية وقدمت المادة(19) من المشروع
التعريف التالي للإرهاب بأنه :
"كل نشاط إجرامي موجه إلى دولة معينة ويستهدف إنشاء حالة من الرعب
في عقول الدولة أو أي سلطة من سلطاتها أو جماعات معينة فيها"(17) .
فعناصر الإرهاب في هذا التعريف تتمثل في:
العنصر
الأول، وهو النشاط الإجرامي والمتمثل في العدوان على الأرواح
والأشخاص أو الأموال أو كلاهما على أن العدوان على الأرواح
والأموال يمثل جريمة داخلية وكذلك الأفعال المادية المكونة لجرائم
الإرهاب كافة لكن الذي يعطي الوجه الدولي لهذه الجريمة هو حالة
الرعب الشديدة التي ينشرها في عقول وقلوب الناس والحكام بشكل أخص
لذلك يتخذ الإرهاب من وسائل النقل الجماعي هدفا ً له لأن أي عدوان
عليها ينشر رعبا ً بين طوائف عديدة من الناس وينتشر سريعاً في
مختلف الدول فيحقق الهدف المنشود من العدوان وهو نشر قضية
الإرهابيين وأشعار المجتمع الدولي بمدى الظلم الواقع عليهم.
ولتحقيق
هذا الهدف نجد أساليب جديدة وجريئة تتمثل في أشخاصا يضحون بأنفسهم
وينشرون رعبا في قطاعات واسعة من الدول كما نلاحظ في السيارات
الملغومة، فهم يحققون هدفين: ضرب العدو ونشر القضية، أذن فالعنصر
الثاني الهام المميز لجرائم الإرهاب هو نشر الرعب والخوف في قطاعات
دولية واسعة.
أما
العنصر الثالث ويتصل بضرورة توجيه الفعل إلى دولة معينة ففي حوادث
الإرهاب كافة نجد المستهدف هو مصالح دولة معينة سواء تمثل الإرهاب
في استخدام الاعتداء على الأشخاص المنتمين لها أو على ممتلكاتها من
طائرات أو سفن أو أنابيب بترول أو مبنى حكومي أو غير حكومي ولعل
هذا الاعتبار هو الذي جعل من أهم جرائم الإرهاب توجيه الأعمال إلى
رؤساء الدول أو ممثليها(18).
ثالثا: إرهاب الدولة وإرهاب الأفراد
1. إرهاب الدولة:
ويقصد به استعمال الدولة لوسائل العنف بانتظام ضد أفراد أو جماعات
أو دول أخرى، لأثاره الرعب أو بقصد الانتقام دون مبرر قانوني
لتحقيق أهداف سياسية معينة قد تتمثل في الاحتفاظ بالسلطة أو قمع
المعارضة، وهذا الإرهاب قد تقوم به الدولة بنفسها أو قد تقوم
الدولة برعايته، وتتكفل تهيئة الوسائل اللازمة للقيام به من قبل
فرد أو مجموعة من الأشخاص التابعين لها(19).
فإرهاب الدولة لا يتم دوما على نحو غير مباشر ولو أنه الأسلوب
الأكثر شيوعاً ذلك أن إرهاب الدولة يمكن أن يكون مباشراً و ذلك
عندما تقوم القوات المسلحة النظامية لدولة ما بشن هجوم على دولة
أخرى كما فعلت إسرائيل عندما أغارت على مطار بيروت عام 1968م وعلى
المفاعل النووي العراقي عام 1981م، أما الإرهاب غير المباشر الذي
تمارسه الدول فيتمثل بمساعدة وإيواء عناصر إرهابية معينة وتحريضها
على ارتكاب أعمال إرهابية في دول أخرى.
فمفهوم إرهاب الدولة يتعلق أذن بمخالفات المبادئ السياسية
والأحكام النافذة في القانون الدولي، وبخاصة القواعد الآمرة التي
لا يجوز إطلاقا مخالفتها في كل الأوقات والتي تتمثل بوجه الخصوص
بالمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني،
لذلك تحظر أعمال التعذيب في كل زمان ومكان وكذلك عمليات أخذ
الرهائن والاعتداء على الأماكن والمنشآت المدنية وخاصة الطبية
وكذلك حرم المجتمع الدولي عمليات إبادة الجنس البشري في اتفاقية
دولية أبرمت عام 1948م وحرم صور التمييز العنصري كافة في اتفاقية
أبرمت عام 1965م ومن الجدير بالإشارة أخيراً أن إرهاب الدولة يسمى
أيضا بإرهاب المؤسسة أو الإرهاب المؤسسي أو السلطوي نظراً لأنه
يحافظ على السلطة والشرعية والمؤسسات.
2. إرهاب الأفراد:
ويقصد به أعمال العنف التي يقوم بها فرد أو أفراد ضمن مجموعة
معينة والموجهة ضد دولة معينة، سواءً تعلق الأمر بأشخاص معينين
فيها أو ممتلكات أو منشآت عائدة لها، فهناك دوافع عدة تدفع
الإرهابيين للقيام بأعمالهم وقد تكون هذه الدوافع سياسية أو
إعلامية أو شخصية وقد يكون لها دافع ثأري، ولقد عرفت صور عديدة
للإرهاب الفردي، لا يمكن حصرها في صورة معينة ومن أمثلتها عمليات
الاغتيال وخطف الطائرات واحتجاز الرهائن وأعمال القتل والإبادة
والاغتصاب كافة التي يقوم بها أفراد أو جماعات معينة ضد أفراد
آخرين من مجالات أخرى.
ويسمى الإرهاب الفردي بالإرهاب غير السلطوي أو غير المؤسسي ويطلق
عليه أيضا ًإرهاب الضعفاء باعتباره صادر عن يأس في نفوس الذين
يمارسونه فيترجمون هذا اليأس بموقف متشنج شديد الخطورة ولذا يتصف
إرهابهم بالصفة الانتحارية لأنهم يمارسونه عن يأس فيخاطرون بأنفسهم
من أجل زعزعة النظام السياسي القائم(20)، وقد انعقدت عدة محاكم
جنائية خاصة لمحاكمة المتهمين بارتكاب الجرائم الدولية كما فعل في
يوغسلافيا السابقة و راوندا وأخيراً فقد أُسست المحكمة الجنائية
الدولية الدائمة بمقتضى معاهدة روما ويلاحظ على نظامها الأساسي أنه
يفرض العقوبات على الأشخاص الطبيعية وليس المعنوية في حالات
ارتكابهم جرائم حرب أو جرائم عدوان أو جرائم ضد الإنسانية أو جرائم
إبادة.
المبحث الثاني
وسائل مكافحة الإرهاب
أن مكافحة الإرهاب لا يجوز أن تقتصر على التعريف بالظاهرة فحسب،
وإنما يجب أن تتناول في شكل أساسي معالجة أسبابها فلا يمكن القضاء
على الإرهاب ألا بمعالجة أسبابه لأن مكافحة الإرهاب دون معالجة
أسبابه الحقيقية قد تؤدي إلى سلسلة من الفعل ورد الفعل تقود إلى
أتساع رقعة الإرهاب وارتفاع وتيرته.
لذلك فأن المعالجة القانونية السليمة لظاهرة الإرهاب، سواءً على
النطاق الداخلي أو الدولي يجب أن لا تقتصر على أعاده النظر في
النظام العقابي الذي يخضع له فعل الإرهابيين بل يجب معالجة جذور
المشكلة والى ضرورة تغيير الأوضاع الداخلية أو الدولية المولدة
للإرهاب والتي قد تدفع بأشخاص معينين بالتضحية بأرواحهم من أجل
أحداث هذا التغيير.
وترتيباً لما تقدم تحاول الدول والمنظمات الدولية وسائر قطاعات
المجتمع الداخلي والدولي وضع الوسائل المناسبة والكفيلة بمكافحة
ظاهرة الإرهاب والقضاء عليها، سواء على المستوى الوطني أو الداخلي
أم على المستوى الدولي أو العالمي، من هنا كان الواجب استعراض
الوسائل الداخلية لمكافحة الإرهاب في مطلب أول، ثم نتناول وسائل
مكافحة الإرهاب على المستوى الدولي في مطلب ثانِِ.
المطلب الأول
الوسائل الداخلية لمكافحة الإرهاب
أن علم الأجرام والعقاب يجمع إلى ضرورة دراسة عميقة لأسباب
الجريمة وعدم الاقتصار على تطبيق القواعد الزجرية بل من الضروري
التركيز على الوسائل الوقائية أولا ً.
أولا: الوسائل الوقائية لمكافحة الإرهاب
أن جريمة الإرهاب ينبغي النظر إليها كظاهرة لها أسبابها
الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، الأمر الذي يتطلب معالجة هذه
الأسباب معالجة موضوعية جذرية لا معالجة سطحية.
حيث أن المعالجة الموضوعية تتطلب أحداث تغير ملموس في حياة الناس
أو المواطن العادي في البلد من حيث توفير مستلزمات الحياة الحرة
الكريمة وإشاعة روح المواطنة الصحيحة، وذلك بتوفير فرص العمل
للمواطنين وإشاعة مناخات الديمقراطية وقبول وجهة نظر الآخر وتهيئة
ومساندة هيئات المجتمع المدني لكي تلعب دوراً في رسم سياسات البلد
وتوجيهه الوجه الصحيح نحو فتح آفاق تحسن الظروف المعاشية للمواطنين
وتوفير مختلف الضمانات الاجتماعية والقانونية كل ذلك لكي يشعر
المواطن أنه عنصر فعال في بناء المجتمع وأن الباب مفتوح له على
مصراعيه لكي يلعب دوراً ما في بنائه.
أما في الحالات التي تتبع فيها بعض الحكومات سياسة النار والحديد
ضد مواطنيها وتعمل على قمع الحريات وتزج بمواطنيها في غياهب السجون
وتذيقهم ألوانا من العذاب والذل فأن في ذلك خلق أجواء مناسبة
لظاهرة الإرهاب تدفع الشخص إلى أن يصبح قنبلة موقوتة قابلة
للانفجار في كل وقت، أن من بين الأسباب التي لها صلة بالإرهاب هي
حالة البؤس وخيبة الأمل والشعور بالضيم واليأس والتي تحمل بعض
الناس على التضحية بأرواح بشرية بما فيها أرواحهم هم محاولين بذلك
أحداث تغيرات جذرية في المجتمع الذي يعيشون فيه(21).
إن أي مجتمع من المجتمعات قد يتعرض للإرهاب إذا انقطعت صلة الوصل
بين المعارضة والحكم القائم أو بين الشعب والسلطة أيا ً كانت أسباب
هذا الانقطاع.
ولهذا كله يتوجب على الدول كافة أن تقوم بدراسة جوهرية للأسباب
المؤدية للإرهاب سواءً كان هذا الإرهاب داخلياً أم دولياً وبمعرفة
هذه الأسباب يمكن التوصل إلى الحلول الكفيلة للقضاء على الإرهاب أو
على الأقل الحد من انتشاره.
ثانيا: الوسائل القسرية لمكافحة الإرهاب
حاولت الدول السيطرة على جريمة الإرهاب بتبني تشريعات داخلية
صارمة وقد أشير إلى أن حوالي ثلاثة وخمسين دولة سنت قوانين وطنية
ضد الإرهاب وخصوصاً في العقد الأخير للتغلب على هذه الظاهرة على
المستوى الوطني وذلك تلبية للحاجات المحلية من جهة وللوفاء
بالالتزامات التي تترتب على الدول بمقتضى اتفاقيات دولية من جهة
أخرى(22).
فعلى النطاق العالمي قامت فرنسا في حقبة الثمانينات بإصدار قوانين
خاصة بالإرهاب وجاء القانون رقم (86 /1020) الصادر بتأريخ 9
/9/1986م يعدد مجموعة من الأفعال التي أعتبرها المشرع أعمالا ً
إرهابية إذا كانت قد نفذت بهدف زعزعة النظام العام ونشر الخوف
وليضع هذا التشريع قواعد أكثر صرامة للتقليل من خطورتها وهذا ما
فعلته القوانين التي صدرت بعده في عام 1992م و1996م وكان القانون
الفرنسي الصادر في 29/10/1981م قد أجاز طرد الأجانب المقيمين على
الأراضي الوطنية في حالة شكل وجودهم خطراً على الأمن.
وكانت إيطاليا من أكثر الدول الأوربية نشاطا في إصدار التشريعات
للوقاية من الإرهاب وقمعه فكان هناك القانون رقم(975) لعام 1965م
ثم قانون ريال لعام 1975م ثم قانون كوسيكا لعام 1977م ثم القانون
المرقم(9) في عام 1984م وتعتمد كل هذه القوانين على مبدأ تعداد
أفعال تعد بمثابة جرائم إرهاب إضافة إلى ما جاءت به من توسيع
لصلاحيات الشرطة والقضاء دون أن تراعي في بعض الأحيان المبادئ
الأساسية لحقوق المتهمين(23).
وكذلك نجد قانون العقوبات والإجراءات الأسباني لعام 1988م قد نص
على جرائم معينة أخضعها لمعاملة عقابية خاصة أن أرتكبها أشخاصاً
يعتبرون من التنظيمات الإرهابية باستخدام أسلحة نارية أو قنابل أو
متفجرات أو مواد حارقة وأعتبر هذا القانون الإرهاب ظرفاً مشدداً
عاماً في جميع الجرائم وقد حّرم هذا القانون أيضا ً كل صور
المعاونة والمساعدة التي تسهم في ارتكاب جريمة الإرهاب من إنشاء
أماكن معدة للسكن لهم أو لإخفاء أسلحتهم التي تستخدم للهجوم على
الأشخاص والممتلكات أو تقديم التمويل لهم أو إنشاء مراكز للتدريب
لهم أو أي شكل من أشكال المساعدة الاقتصادية أو الوساطة في تقديمها
كما أن للقاضي حرمان المهتم في إحدى الجرائم الإرهابية من مباشرة
الوظائف العامة أو السياسية لما في ذلك من خطورة على الأمن العام
في البلاد(24).
وكذلك نجد أن التشريع الاتحادي الأمريكي لم يكن يعتبر جريمة
الإرهاب جريمة مستقلة بمفردها حتى صدر قانون عام 1996م ثم صدر عدد
من التشريعات اللاحقة بعد11/9/2001 وكلها تتصل بمكافحة تمويل
الإرهاب وتنتقص من ضمانات المتهم وتنتهك عدداً من الحقوق والحريات
الشخصية المقررة له داخليا ودوليا، هذا وتطبق بعض ولايات الولايات
المتحدة الأمريكية عقوبة الإعدام لمن يرتكب عمل إرهابي وهو ما تم
تنفيذه ضد مرتكب تفجير أوكلاهوماستي، أما التشريعات العربية فأننا
نجد مثلاً أن التشريع الجنائي السوري يعتبر من أقدم التشريعات
العربية التي عالجت جريمة الإرهاب، وفرضت عقوبات مشددة ضدها فقانون
العقوبات السوري لعام 1949م وبعد أن عرفت المادة (304) الأعمال
الإرهابية جاءت المادة (305) منه لتقر عقوبات تتراوح بين السجن
خمسة عشر عاماً وحتى الإعدام مما يدل على أن هذه الجريمة من أشد
الجنايات خطورة، أما في مصر فقد صدر قانون مكافحة الإرهاب رقم (97)
لسنة 1992م والذي شمل تعديل بعض نصوص قانون العقوبات والإجراءات
الجنائية المصري والملاحظ على التشريع المصري أنه لم يفرق بين
الجرائم الإرهابية كما انه لم يعتبر توافر حالة الإرهاب ظرفا
مشدداً بل عدد الجرائم الخطيرة والتي أن وقعت أحدها تسري على
فاعلها العقاب ومثالها حالات حيازة أو استيراد أو صناعة مفرقعات،
دون ترخيص وكذلك جرائم تعطيل المواصلات وكذلك جرائم القتل والضرب
العمد ودون إشارة إلى كون الجاني كان يقصد أثاره الرعب والخوف من
عدمه.
وكذلك نجد أن قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969م لم يشر
إلى تعريف خاص بجريمة الإرهاب ولكنه لم يعتبر الجرائم الإرهابية من
الجرائم السياسية ولو كان الباعث لها سياسي وبالتالي لم تُشمل
بالمعاملة الخاصة للجريمة السياسية التي حلت عقوبة السجن المؤبد،
محل عقوبة الإعدام فيها كذلك يعاقب بالسجن المؤبد والمؤقت كل من
ضرب أو اتلف أو عطل عمدا أحد المواقع أو المصانع أو البواخر أو
الطائرات أو طرق المواصلات أو وسائل النقل أو أنابيب النفط أو
منشآته.
وكذلك يعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد كل من خرب أو هدم أو اتلف
عمداً مباني أو ممتلكات عامة أو خاصة للدوائر أو المصالح الحكومية
أو المؤسسات أو المرافق العامة، أو منشآت النفط أو محطات القوة
الكهربائية أو المائية أو الجسور أو السدود أو مجاري المياه العامة
أو الأماكن المعدة للاجتماعات العامة وتكون العقوبة الإعدام إذا
أستعمل الجاني المفرقعات في ارتكاب الجريمة أو نجم عن الجريمة موت
شخص(25)، وكان المشرع الجزائري قد أصدر مرسوماً في 20/9/1977م أشار
فيه لما يعتبر من أعمال الإرهاب وساوى بينها وبين أعمال التخريب
وأتبع المشرع وسيلتين للتعريف بالإرهاب أولهما اعتبار الإرهاب ظرفا
مشددا ًعاما لا جريمة والثانية استحداث مجموعة من جرائم الإرهاب
والتخريب(26).
ويتضح مما تقدم أن جميع التشريعات الداخلية ليست موحدة في أنظمتها
ووسائل مكافحة الإرهاب الداخلي وأن كان يوجد بينها قاسم مشترك في
الاتجاه إلى تشديد العقاب على جرائم الإرهاب عموماً.
ويلاحظ أخيراً أن بعض الدول في إطار مكافحتها للإرهاب على المستوى
الوطني قامت بإصدار تشريعات تهدف للحد من تمويل المنظمات الإرهابية
ولذلك نجد أن القانون المصري لمكافحة الإرهاب رقم 97 لسنة 1992م
تضمن تعديل لقانون سرية الحسابات في البنوك رقم 200 لسنة 1990م
وذلك للكشف عن التمويل الخارجي الموجه للنشاطات الإرهابية وكذلك
أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية قانوناً يمنع التعامل مع شركات
الدول التي تقدم دعماً للإرهاب كما قررت وزارة الخزانة الأمريكية
منع الأمريكيون من منح أو تلقي أي أموال من الدول الموضوعة في
قائمة الإرهاب منعاً لاستخدام هذه الأموال في دعم عمليات
العنف(27).
المطلب الثاني
الوسائل الدولية لمكافحة الإرهاب
أن الإرهاب الدولي أصبحَ مشكلة من المشاكل الدولية التي تهدد
القيم الإنسانية للمجتمع الدولي بالانهيار، فهو يشمل مجموعة من
الأعمال التي توجه ضد السلم والأمن الدوليين وتؤثر عليها تأثيراً
بالغا.
ولقد أنتشر الإرهاب الدولي انتشاراً واسعاً في الوقت الحاضر لذلك
فأن المعالجة الدولية السليمة لظاهرة الإرهاب يجب أن تتوجه إلى
جذور المشكلة والى ضرورة تغيير الأوضاع الدولية تغيراً جذرياً
بمحاولة القضاء على أسباب العنف واتخاذ قرارات دولية حاسمة لرفع
الظلم عن الفئات المضطهدة والمناضلة في سبيل حريتها ورفع السيطرة
الاستعمارية التي عادة ما يوجه الإرهاب نحوها(28)، والواقع أن
ظاهرة الإرهاب ليست ظاهرة حديثة، بل ظاهرة قديمة ولقد حاول المجتمع
الدولي وضع عدد من المعالجات القانونية لها، ولعلنا نجد من أهمها
سعي المنظمات الدولية الحثيث في الدعوة والإعلان عن ضرورة تبني
اتفاقيات واتخاذ قرارات وتوصيات تعالج مسألة الإرهاب وتحاول
التقليل من خطورتها قدر الإمكان.
كما أننا نجد في تقرير المسؤولية الدولية على الدول التي تقوم أو
ترعى الإرهاب من جهة، وكذلك تقرير المسؤولية الجنائية الفردية على
الأشخاص الذين يقومون بعمليات إرهابية من جهة أخرى، يعتبر من
المعالجات القانونية الدولية للحد من ظاهرة الإرهاب.
أولا: دور الأمم المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب
عندما نشأت عصبة الأمم في أعقاب الحرب العالمية الأولى، كان من
أهم أهدافها هو تنمية القانون بين الأمم وضمان السلم لها والبحث عن
حل لتجنب الدخول في حرب عالمية ثانية، ورغم فشل العصبة في تحقيق
ذلك ألا أنها نجحت في اعتبار أن الحرب العدوانية إرهاب وأن قتل
المدنيين دون ذنب إرهاب لا يحتاج إلى النقاش، لذلك عُقدت اتفاقية
دولية عام 1937م تتكفل بمنع ومعاقبة الإرهاب لكن أغلب الدول لم
تصادق على هذه الاتفاقية لذا لم تدخل حيز التنفيذ(29)، كما أن
الحرب العالمية الثانية وما تبعها كان قد شحذ همة منظمة الأمم
المتحدة للتصدي لظاهرة الإرهاب الدولي، فأنشأت لجنة مكونة من (35)
عضواً لدراسة مسألة الإرهاب الدولي وقد شكلت اللجنة الخاصة
بالإرهاب الدولي ثلاث لجان فرعية كان على الأولى تتصدى لتعريف
الإرهاب وعلى الثانية أن تّعرف الأسباب الكامنة وراء الإرهاب وعلى
الثالثة تحديد الإجراءات الكفيلة بالوقاية من الإرهاب وقامت مجموعة
العمل هذه خلال ثلاث دورات عقدت عام 1973م وعام 1979م بأعداد
تقارير ودراسات وتوصلت إلى نتائج .
إلا أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لم تكن تتفق على تحديد
تعريف معين للإرهاب، كما أن الأسباب الكامنة وراء الإرهاب لم توحد
الدول بشأن ظاهرة الإرهاب ذلك أن كل دولة ترى سبب معين للإرهاب ولا
تراه دولة أخرى سببا ًللإرهاب فبعض الدول ترى الفقر والعوز سبباً
للإرهاب، وترى دول أخرى أن تدخل الدول بعضها في شؤون البعض الآخر
يشكل سببا للإرهاب، وترى البعض أن عدم الحصول على تقرير حق المصير
يشكل سبباً للإرهاب، وترى دول أخرى أن نقص الديمقراطية في بعض
الأقاليم هو وراء الإرهاب.
ولم تستطع الدول الاتفاق على طرق محددة لمكافحة الإرهاب حيث ترى
بعض الدول ضرورة وضع منظومة قانونية صارمة ضد الإرهاب بينما ترى
دول أخرى أن خير وسيلة للوقاية من الإرهاب هي القضاء على أسبابه
مثل وضع حد للاستعمار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، لكن
على الرغم من ذلك الاختلاف فإن توصيات الدورات الثلاث قد اتفقت على
ضرورة الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية الموجودة لمحاربة أية صورة
من صور الإرهاب وعلى ضرورة احترام حقوق الشعوب في تقرير مصيرها
وعلى تشجيع القانون الدولي لمكافحة الإرهاب ذلك بعد أن أكدت على
ضرورة أيجاد تعريف جامع ومانع لهذه الظاهرة وعلى ضرورة محاربة
أسبابه(30).
ولقد ساهمت الجمعية العامة، بمجموعة من توصياتها وإعلاناتها بدعم
جهود الدول في التعريف بالإرهاب والقضاء على أسبابه، فقد سبق
للجمعية العامة للأمم المتحدة وفي مناسبات عديدة أدانتها لجميع
أعمال وأساليب وممارسات الإرهاب، ووصفها أعمالا ًإجرامية أينما
وجدت وأياً كان مرتكبها بما في ذلك تلك التي تهدد العلاقات الفردية
بين الدول وتهدد أمنها وطلبت من كل الدول الوفاء بالتزاماتها التي
يفرضها عليها القانون الدولي بالامتناع عن تنظيم الأعمال الإرهابية
في دول أخرى أو التحريض عليها أو المساعدة على ارتكابها أو
المشاركة فيها أو التغاضي عن أنشطة تنظم داخل أراضيها بغرض ارتكاب
أعمال من هذا القبيل والإسهام في القضاء التدريجي، على الأسباب
الكامنة وراء الإرهاب الدولي بما فيها الاستعمار والعنصرية وانتهاك
حقوق الإنسان والحريات السياسية والسيطرة الأجنبية والاحتلال
الأجنبي التي يمكن أن تولّد الإرهاب الدولي وتعرض السلم والأمن
الدوليين للخطر(31).
لقد دعى قرار الأمم المتحدة رقم 6 لسنة 1994م دول العالم كافة إلى
إدانة كاملة للإرهاب بجميع أشكاله وأياً كان مرتكبه وأوجب اتخاذ
تدابير وسياسات من أجل مكافحة الإرهاب الدولي والمعاقبة عليه ودعى
هذا الإعلان أيضاً إلى التعاون بين الدول في تحقيق السلام العالمي
وحماية أرواح الأبرياء.
كما أن مجلس الأمن الدولي أصدر قرارات عدة تدين الإرهاب وتدعو إلى
مكافحته ومنها قراره الصادر في 19/12/1985م الذي أدان احتجاز
الرهائن والاختطاف والدعوة إلى إطلاق سراح الرهائن كافة على الفور
ودعى المجلس أيضا إلى تكثيف التعاون الدولي من أجل ابتكار وتبني
الوسائل الفعالة لمنع الإرهاب، كما حث مجلس الأمن في 28/9/2001م
الدول إلى الانضمام إلى اتفاقية منع تمويل الإرهاب وأخيراً وبطلب
من روسيا صوتّ مجلس الأمن بالإجماع في 8/10/2004 م على قرار يدعو
لتكثيف الجهود لمكافحة الإرهاب.
ثانيا:المسؤولية الدولية على الأعمال الإرهابية
أن جريمة الإرهاب الدولي قد تقوم بها الدول وهنا تقع تحت طائلة
المسؤولية الدولية هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن جريمة الإرهاب
الدولي قد يقوم بها فرد أو مجموعة من الأفراد، وهنا تتحرك ضدهم
المسؤولية الجنائية الدولية المقررة على الأفراد.
1. الأحكام العامة للمسؤولية الدولية
يمكن تعريف المسؤولية بأنها: النظام القانوني الذي تلتزم بمقتضاه
الدولة، التي تأتي عملاً غير مشروع طبقاً للقانون الدولي العام
بتعويض الدولة التي لحقها ضرر جراء هذا العمل.
ومن هذا التعريف يتضح، أن العنصر الأساس للمسؤولية الدولية هو عدم
مشروعية العمل والعنصر الثاني لهذه المسؤولية يرتكز على تقدير عدم
المشروعية بالنسبة لقواعد القانون الدولي العام.
ولتحقيق المسؤولية الدولية يتطلب شروط ثلاثة هي :
* يجب أن يكون الفعل منسوبا ً للدولة.
* يجب أن يكون الفعل غير مشروع.
أن
يترتب على الفعل غير المشروع ضرر.
وإذا حاولنا تطبيق هذه الشروط على الفعل الإرهابي لرأينا أن
الدولة تكون مسؤولة عن الأعمال الإرهابية التي تصدر عن سلطتها
الثلاث، السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية إضافة لمسؤوليتها
عن العمل الإرهابي الصادر من أفرادها، ذلك أنها ملزمة بالمحافظة
على الأمن والنظام العام في إقليمها ولم تتخذ الوسائل الكفيلة بمنع
الأعمال الإرهابية هذا من ناحية الشرط الأول للمسؤولية أما من
ناحية الشرط الثاني للمسؤولية الدولية هو عدم شرعية الفعل فأنه
بالتأكيد يعد العمل الإرهابي جريمة دولية تخالف قواعد القانون
الدولي الاتفاقية والعرفية وأخيراً فأنه يترتب على العمل الإرهابي
ضرر يصيب الدولة التي حصل فيها الفعل الإرهابي سواء كان هذا الضرر
مادي كالاعتداء على طائراتها أو سفنها أو ضرر أدبي يلحق بالكرامة
أو السمعة .
هذا وقد يولد العمل غير المشروع (العمل الإرهابي) المنسوب لدولة
ضرراً بأحد أفراد رعايا دولة وليس الدولة نفسها بالذات وفي هذه
الحالة تستطيع هذه الدولة الأخيرة إذا ما عجز رعاياها عن الحصول
على التعويض بالطرق العادية في تلك الدولة أن تتدخل لحمايته
دبلوماسيا ً والمطالبة بحقوقه، وهذه الحماية الدبلوماسية التي
تمارسها الدولة لصالح رعاياها تضع شروط ثلاثة، الشرط الأول تَمثلَ
في رابطة الجنسية بين الشخص المتضرر والدولة التي تمارس هذه
الحماية، والشرط الثاني أن يستنفذ الفرد الإجراءات القانونية
الداخلية في الدولة التي حصل فيها الضرر ولم يحصل بذلك على حقه،
والشرط الثالث أن يكون الفرد المتضرر لم يتسبب بسلوكه المخالف
للقانون الدولي أو الداخلي في حدوث الضرر الذي يشكو منه، والمثل
على ذلك أن الفرد المتضرر إذا كان قد شارك في عمليات إرهابية في
ذلك البلد فأنه لا يمكنه بعد ذلك طلب حماية دولته دبلوماسيا ً
ويترتب على ذلك عدم قبول دعوى المسؤولية الدولية.
والجدير الإشارة أليه أخيراً إن الأثر المترتب على إقرار
المسؤولية الدولية هو التزام الدولة المسؤولة تعويض الضرر عن الفعل
غير المشروع (الفعل الإرهابي) وهذا التعويض قد يتخذ شكل ترضية
تقدمها الدولة التي قامت بالفعل غير المشروع وذلك بإعادة الحال إلى
ما كان عليه قبل وقوع العمل غير المشروع فمثلا عند اختطاف طائرة أو
رهائن تابعين لدولة أخرى فأنه يمكن أعاده الطائرة أو الرهائن
لدولتهم.
وأخيراً فأن الأثر المترتب على المسؤولية الدولية يتخذ في كثير من
الأحيان شكل التعويض المالي عن الضرر الناتج عن العمل الإرهابي .
2. المسؤولية الجنائية الدولية للفرد
إذا كان الفرد محل اهتمام القانون الدولي في حالة وقوع الضرر عليه
من قبل دولة من خلال نظرية الحماية الدبلوماسية فأن الفرد عندما
يكون هو مرتكب الضرر على المجتمع الدولي بأسره يكون أيضاً محل
اهتمام القانون الدولي من خلال نظرية المسؤولية الدولية الجنائية
للفرد، فإزاء وقوع جرائم بشعة ضد البشر من قبل أفراد فأنه لا يمكن
أن يترك هؤلاء الجناة دون مساءلة، ولما كانت المبادئ القانونية
العامة تقرر أنه لا عقوبة بدون مسؤولية فان الفقه الدولي اعترف
بوجود المسؤولية الدولية الجنائية كأساس لمحاكمة مرتكبي الجرائم
شديدة الخطورة على المجتمع الدولي، وعليه وفي ظل القانون الدولي
المعاصر فأنه عند حدوث جريمة دولية فان الفرد وحده هو محل
المسؤولية الدولية الجنائية أما الدولة فتمثل المسؤولية الدولية
المدنية من خلال جبر الضرر بالرد أو التعويض والترضية(32).
ولما كان العمل الإرهابي يشكل جريمة دولية تتحقق فيها كل أركان
الجريمة الدولية فالركن المادي يتجسد في الفعل المادي المنصوص عليه
في الاتفاقيات الدولية التي تحرم الإرهاب والركن المعنوي المتمثل
قي القصد الجنائي في العمل الإرهابي الذي يقصد منه تحقيق بعض
المقاصد السياسية أو الاقتصادية أو الشخصية.
كل ذلك يدفعنا للاعتراف بإمكانية محاكمة الفرد على جريمة الإرهاب
باعتبارها من الجرائم الخطيرة ضد القيم الإنسانية وقد وجد هذا
الاعتراف إقراراً به في معاهدات عدة، دولية ملزمة كما وجد له
تطبيقاً عملياً في أكثر من محاكمة دولية.
أما بخصوص القانون الواجب التطبيق على الجرائم الدولية المرتكبة
من قبل الأفراد فقد وضعت كل محكمة أُنشأت لمحاكمة مرتكبي الجرائم
الدولية، نظاماً أساسياًَ على أساسه تتم محاكمة الأفراد المتهمين
وكذلك وضعت الاتفاقيات الدولية التي تم التوصل أليها بشأن جريمة
الإرهاب وما يتصل بها من جرائم تحديداً للقانون الواجب التطبيق على
هذه الجرائم التي تحكمها هذه الاتفاقيات، وأخيراً فأنه تم إنشاء
المحكمة الجنائية الدولية التي تقرر المسؤولية الدولية الجنائية
للفرد وتمارس هذه المحكمة اختصاصاتها على جميع الأشخاص الذين
يرتكبون اشد الجرائم خطورة وللمحكمة اختصاص النظر في جرائم الإبادة
الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان(33).
ورغم كون جريمة الإرهاب جاءت في مشروع النظام الأساسي للمحكمة
الجنائية الدولية كإحدى الجرائم الأشد خطورة ألا أنه تم استبعادها
بعد ذلك بسبب عدم الاتفاق على تعريف معين للإرهاب من قبل المؤتمر
الدبلوماسي الذي انعقد في روما بين15-17/7/ 1998م الأمر الذي يتطلب
توحيد الجهود الدولية لتعريف الإرهاب وجعل منفذيه تحت طائلة العقاب
الدولي لا تحت طائلة العقاب الداخلي الذي توقعه الدول كلاً حسب
تعريفها للإرهاب.
*تدريسي/ كلية القانون/ جامعة الكوفة .
الهوامش
1. د.أمل يازجي، د.محمد عزيز شكري، الإرهاب الدولي والنظام
العالمي الراهن، دار الفكر العربي، ط1، نيسان 2002، ص 931.
2. المادة الأولى من الاتفاقية .
3. د.أمل يازجي و د.محمد عزيز شكري، مرجع سابق، ص 64- 65.
4. د.عبد الحسين شعبان، الإنسان هو الأصل (مدخل القانون الدولي
الإنساني وحقوق الإنسان)، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان،
2002، ص 104- 105.
5. د. أمل يازجي و د.محمد عزيز شكري، مرجع سابق، ص65-67.
6. المحامي ثامر إبراهيم الجمهاني، مفهوم الإرهاب في القانون
الدولي، دراسة قانونية، 1998، ص129-132.
7. د.رجب عبد المنعم متولي، حرب الإرهاب الدولي والشرعية الدولية
في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئ القانون الدولي العام، ط1،
دار النهضة العربية، 2003 ، ص106 .
8. د. صلاح الدين عامر، المقاومة الشعبية المسلحة في القانون
الدولي العام، بلا سنة طبع، ص486 .
9. المحامي ثامر إبراهيم الجمهاني، مرجع سابق، ص132 .
10. لقد قام مؤتمر الأمم المتحدة المعقد في تموز 1998 والمعني
بوضع مشروع المحكمة الجنائية الدولية بوضع تعريف لجريمة الإرهاب
بأنها (كل استعمال للقوة أو العنف ضد الأشخاص أو الأموال أو
الممتلكات العامة أو الخاصة وذلك لأغراض شخصية أو سياسية أو
أيدولوجية).
11. د. رجب عبد المنعم متولي، مرجع سابق، ص119-120 .
12. د. أمل يازجي، د.محمد عزيز شكري، مرجع سابق، ص21-22.
13. د. رجب عبد المنعم متولي، مرجع سابق، ص107- 108 .
14. أنظر في شرح هذه الجرائم، المصدر أعلاه، ص389 وما بعدها.
15. أنظر نص المادة الخامسة عشرة من البروتوكول الثاني لسنة 1977م
.
16. د.إمام حسانين عطا الله، الإرهاب والبيان القانوني للجريمة،
دراسة مقارنة، دار المطبوعات الجامعية، بلا سنة طبع، ص142-143 .
17. تقرير الأمين العام عن التدابير الرامية لمنع الإرهاب المقدم
إلى الدورة الأربعين للجمعية العامة .
18. د. جعفر عبد السلام، القانون الدولي لحقوق الإنسان، ط1، دار
الكتاب المصري واللبناني، 1999 ، ص128-129 .
19. ثامر إبراهيم الجمهاني، مرجع سابق، ص54 .
20. د. إمام حسانين عطا الله، مرجع سابق، ص136.
21. د. جعفر عبد السلام، مرجع سابق، ص126.
22. د.أمل يازجي، د.محمد عزيز شكري، مرجع سابق،ص 96.
23. المرجع السابق، ص32-33 .
24. د.رجب عبد المنعم متولي، مرجع سابق، ص121-125.
25. أنظر المواد (163، 197) من قانون العقوبات العراقي رقم 111
لسنة 1969م.
26. د. إمام حسانين، مرجع سابق، ص205.
27. المرجع السابق، ص135 .
28. د. جعفر عبد السلام، مرجع سابق، ص135.
29. توجد الآن حوالي(12)اتفاقية ومشروع اتفاقية تتعلق بالإرهاب
ووسائل مكافحته.
30. د.أمل يازجي، مرجع سابق، ص34-36.
31. د.عبد الكريم علوان، الوسيط في القانون الدولي العام، الكتاب
الثالث(حقوق الإنسان)، مكتبة الدار الثقافية، عمان، 1997م، ص41.
32. وائل احمد علام، مركز الفرد في النظام القانوني للمسؤولية
الدولية، دار النهضة العربية، 2001 ، ص95.
33. أورد النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تحديداً لجريمة
الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب أما فيما
يتعلق بجريمة العدوان فتمارس المحكمة الاختصاص عليها متى ما تم
التوصل إلى تعريف متفق عليه بشأن هذه الجريمة.
الفصل الثاني
مفهـــــوم الإرهـــــاب
د.محمد إبراهيم المصبح
تمهيد
لقد رافق عملية الصيرورة التي
مر بها المجتمع السياسي مجموعة من الظواهر التي كانت ولا تزال تشكل
تقاليد العمل السياسي الذي صار مع انبثاق الدولة القومية، يحكم
العلاقات السياسية الدولية، وتلك الظواهر كثيرة ومتنوعة ولكن جلها
يدور في فلك ممارسة السلطة وفرض الإرادة من قبل فئة بعينها على
غيرها من الفئات الأخرى.
إن بعض تلك الظواهر أتسمت
باستخدام العنف كوسيلة رئيسة لتحقيق الأهداف السياسية، وهذه
الظواهر تنوعت بتنوع الكيفية والطبيعة التي يمارس من خلالها العنف
فالعنف أتخذ أشكالاً متنوعة بتنوع الأهداف المبتغاة من وراءه وتنوع
الفئات الممارسة له، ويعد الإرهاب من بين تلك الظواهر التي صارت
تقترن بعمليات الإرهاب كنتيجة للتطورات التي حدثت ضمن تلك الظاهرة
على صعيد التخطيط والأسلحة المستخدمة، وكذلك بفعل تطور وتعاظم
الآثار التدميرية المصاحبة للأسلحة الحديثة، مجمل تلك الأمور جعلت
الإرهاب مفردة مهمة، وتتوافر على قدر كبير من التأثير في الحياة
اليومية التي يشهدها عالم اليوم، وبالتالي أصبح من الضروري إيلاء
تلك المفردة الأهمية المناسبة لها من حيث ترافق وتلازم تلك
الظاهرة.
ولكي تستكمل الدراسة
العلمية لأية ظاهرة سياسية أبعادها المعرفية ولتحقق الأهداف
الأكاديمية المتوخاة من ورائها لابد لها أن تبتدئ بتحليل الملزمات
والشروط الحاكمة التي تفضي إلى وصف الموضوع على أنه ظاهرة، كما
ينبغي التعرف على ماهية الظاهرة، والدوافع التي تقف وراء النشأة
والتطور، هذا ما سوف نتناوله في الصفحات القادمة.
المبحث الأول
الإرهاب كظاهرة سياسية
ما هو معيار اعتبار الحالة
من قبيل الظواهر؟
سؤال لابد من طرحه كبداية
موضوعية إذا ما أردنا البحث في موضوع الإرهاب كظاهرة معاصرة، إن
التحديد الدقيق لمفهوم (الظاهرة) يمكن أن يعبر عنه على أنه تواتر
حدوث الحالة وتكرار وقوعها بين الحين والآخر، فعلى هذا المنوال نجد
أن ما أستجد وقوعه من حوادث يسمى حالة أو حادثاً، في حين أن ما
تواتر وتكرر حدوثه يسمى ظاهرة، كما أن الظواهر لها ما يميزها من
السمات التي تكاد أن تبدو متشابهة بين كل حدث متكرر من أحداثها،
والإرهاب كفعل له صفة الاستمرارية والتكرار وبتوافر معظم حوادثه
على صفات وقواسم مشتركة، أكتسب ما يجعله مستوفي لشروط الوصف على
أنه ظاهرة، وبحكم كون المجتمع السياسي هو الوسط الذي ولدت ونمت في
كنفه تلك الظاهرة، إذن هي من قبيل الظواهر السياسية.
إن الوقوف على مدلولات مفردة
الإرهاب كظاهرة ينبغي له أن يأخذ عمقه الطبيعي الذي لا يمكن أن
يتحدد بولوج تلك الظاهرة حيز العلاقات الدولية، وإنما علينا الرجوع
إلى عمق الظاهرة ومرجعيتها الأساسية في السلوك الإنساني بشكل عام
والذي تمثل العلاقات الدولية إحدى تنوعاته، إن نطاق ظاهرة الإرهاب
هو السلوك الإنساني بشكل عام وليس قطاعاً أو نمطاً بعينه من أنماط
السلوك، فالإرهاب صيغة من صيغ الفعل الهادف وبغض النظر عن الغموض
الذي يعتري أهدافه وعدم شرعية الوسائل المستخدمة في تحقيقها.
هنالك بعض السمات المشتركة التي
ما انفكت ترافق الإرهاب وتسمه بصفاتها حتى أصبح من الصعب التفريق
بينها وبين الإرهاب ذاته وليبدوا في بعض الأحيان وكأنها هي الظاهرة
الإرهابية برمتها، أهم هذه السمات هي:
*التعصب الفكري والعنصرية
إن التعصب الفكري يشير إلى
الميل الانفعالي الذي يؤدي بصاحبه إلى أن يفكر بطرق وأساليب تتفق
مع حكم بالتفضيل أو عدم التفضيل لشخص أو جماعة (أخرى) وفقاً
لمرجعية فكرية مغلقة غير قابلة للتفاعل مع الآخر(1) .
أما العنصرية فهي شعور وتصور
الفرد أو الجماعة بأن هويتهم حاسمة الأهمية بالنسبة لوجودهم، وبأن
أهميتها تتطلب دائماً تغذية الشعور بالتفوق على الآخر ودونيته.
إن الترابط الوثيق ما بين
التعصب الفكري والعنصرية وجد الأرضية الخصبة له في ظاهرة الإرهاب
فصار هذا المركب سمة أساسية من سمات الظاهرة موضع البحث، بل أن
مركب التعصب/العنصرية هو من أهم دوافع الظاهرة الإرهابية فهو الذي
ينعش ويغذي الشعور المستمر بالعدوانية وهو الذي يثير الانفعالات
الفكرية ويرتقي بها إلى مستوى العنف ومن ثم إلى مستوى الإيذاء
العضوي.
* العنف (Violence)
هو كذلك من السمات الأساسية
لظاهرة الإرهاب، والعنف لا يتوقف عند حدود استخدام الوسائل المادية
وغير المادية بهدف إلحاق الأذى بالخصم، فالعنف المرتبط بالإرهاب
يتجلى واضحاً على صعيده المادي والمعنوي من خلال أعمال التخريب
المادي والقتل الجماعي، ناهيك عن الحرب النفسية ونشر الأفكار
المتعصبة وإثارة النعرات الدينية والطائفية المتشددة(2).
* الإيذاء العضوي (Physical Attack)
وهو أيضاً من بين السمات
المميزة لظاهرة الإرهاب، ويشير إلى الانتقال من الحالات الانفعالية
الفكرية إلى الهجوم الجسماني وقد تتفاقم هذه السمة لتصل إلى حد
الإبادة أو التطهير ضد فئة بشرية معينة هي مركز العدو بالنسبة لمن
يمارس الفعل الإرهابي(3).
إن هذه السمات الأساسية لظاهرة
الإرهاب تفسر جزءاً من حقيقة الظاهرة، غير إن عناصرها ومتغيراتها
هي أوسع وأشمل بحيث أنها خليط معقد من المتغيرات النفسية
والاقتصادية والعقائدية...الخ، هذا الخليط هو المدخلات الأساسية
لظاهرة الإرهاب أما مخرجاتها فهي الأثر الملموس الناجم عن الظاهرة
مادياً ومعنوياً، ومجمل تلك المدخلات والمخرجات سوف تكون ضمن
مفردات البحث في الصفحات القادمة.
المبحث الثاني
ماهية ظاهرة الإرهاب
الإرهاب ظاهرة رافقت المجتمع السياسي منذ زمن بعيد، ومثلما رافقت الجريمة
المجتمع الإنساني ونشأت مع نشأته فإن الإرهاب رافق تنظيم السلطة
والصراع الناجم عن التنافس على امتلاك القوة وفرضها على الآخرين،
ومن هنا كان الإرهاب قديماً قدم السلطة السياسية.
إن الإرهاب وفقاً لكثير من
الآراء في ميدان العلوم السياسية والقانونية يعبر عن آلية يلجأ
إليها الأفراد و الجماعات وأجهزة بعض الدول التي تمتلك استخدام
أدوات القوة والقمع، لتحقيق أهداف معينة، وعادةً يرتبط بتلك الآلية
قدر غير قليل من العنف الذي(وفقاً لما تقدم) سيكون مصدره الفرد أو
الجماعة أو الدولة عموماً(4)، ويتضمن الإرهاب استخداما مباشراً
للعنف ممثلاً بعناصر القوة المادية أو المعنوية، وتتراوح ما بين
العنف الشامل الذي يمس مساحة واسعة من شرائح المجتمع، أو العنف
المحدود الموجه نحو فئة محددة، ويعد عدد المشاركين في العمل
الإرهابي مباشرة أو بشكل غير مباشر، وفترته الزمنية والأهداف
المتوخاة من وراءه، والمساحة المستهدفة من قبله أهم المعايير التي
تحدد طبيعة ونوع الإرهاب.
من الأمور التي يجب
ملاحظتها أن ممارسة الإرهاب لا تقتصر على مجتمع معين دون غيره،
وإنما هي ظاهرة ملازمة كما ذكرنا لعموم المجتمع السياسي وهو الأمر
الذي يثبت الفرض القائل بأن الإرهاب ظاهرة ذات صلة مباشرة بالسلوك
الإنساني العام، طالما أن العنف يمثل حجر الأساس للإرهاب، ولعل
التعريف المبسط لظاهرة الإرهاب الذي يحلل هذه الظاهرة على أنها
استخدام غير شرعي للقوة من أجل تحقيق أهداف سياسية، يرشدنا للقول
بأن العنف هو المشهد الأول والأساس للإرهاب، فالعنف هو توظيف القوة
من أجل إيقاع الأذى (بالآخر) بقصد إرغامه على انتهاج سلوك معين أو
تغييره أو الكف عنه.
إن الدوافع الرئيسة للعنف هي
بالحقيقة دوافع نفسية تحركها متغيرات متنوعة، ولكن على قمة تلك
المتغيرات هي الطبيعة الاستحواذية التي تدفع بصاحبها لإنتهاج سلوك
يميل إلى التسلط، وتلعب المتغيرات الاقتصادية كذلك دوراً مهماً في
تغذية الروح التسلطية فخير مثال حول ذلك هي النزعات الفاشية
والنازية التي اجتاحت أوربا خلال العقود الأولى من القرن العشرين،
والتي كانت أحدى تجليات عصر التحول الاقتصادي في أوربا، في هذا
الصدد يشير (أريك فروم) إلى هذا التحول في كتابه (الخوف من الحرية)
إذ يرى أن المرحلة التي عاشتها أوربا بتحولها من الإقطاع إلى
الثورة الصناعية ولدّت لدى الفرد الأوربي هاجساً نفسياً عزز في
داخله مشاعر الوحدة والدونية واللاجدوى، وهذه المشاعر أدت بالتحليل
النهائي إلى تغذية تيارين نفسيين رئيسيين هما النزوع إلى التسلط
على الآخرين، والميل للخضوع إلى سلطة خارجية. وخلال مرحلة المخاض
التي عاشتها تلك المجتمعات ولدت الحركات الفاشية والنازية التي
مارست أسوء أنواع الإرهاب وأعتاها ضد الشعوب، ومن ثم قادت العالم
بأسره إلى حرب عالمية مدمرة(5).
إن الأهداف التي يضطلع
الإرهاب بتحقيقها متنوعة ومتشعبة، ويأتي تنوعها وتشعبها من عوامل
عدة أهمها تنوع المرجعيات الدينية والعقائدية التي تتبناها
المجاميع الإرهابية، وفي أحيان أخرى يكون التنوع نتاج لتنوع
الأهداف بفعل تعدد المصالح والأهداف تبقى السمة المميزة والجامعة
لتلك الحركات أو المنظمات أو المجاميع(أياً كان عنوانها) هي عدم
امتلاك القدرة على استخدام لغة الحوار مع (الآخر) لأجل تحقيق
التوافق بشأن ما يتعارض من الأهداف والتطلعات والرؤى بين الأطراف،
لعل أن تلك الاختلافات في نوعية الأهداف والمصالح، وفي طرق ممارسة
العنف ومستوياته، وحجم التنظيمات القائمة على ممارسة ذلك الدور،
أدت إلى الفرز بين بعض العناوين الرئيسة لتلك الجهات التي تمارس
الإرهاب، ويمكن أن نشير إلى بعض أهم تلك العناوين.
إرهاب على مستوى الدولة
القومية: ويطلق عليه عادة (إرهاب الدولة) وهو الآخر متنوع ومتعدد
الأوجه حيث يمكن أن يكون إرهاب الدولة موجه نحو الداخل كما هو
الحال مع النظم السياسية الدكتاتورية الشمولية التي لا تتوانى عن
استخدام العنف بالضد من رعاياها لأجل تحقيق أهداف سياسية معينة،
وعموماً ففي كلا الحالتين تقوم بأعمال الإرهاب أجهزة حكومية مؤسسة
ومهيأة بالأصل لممارسة ذلك النوع من أنواع العنف.
إرهاب على مستوى مجموعات
ومنظمات دون مستوى الدولة: ذلك النوع من الإرهاب متعدد الأوجه وهو
يخضع إلى تقسيمات فرعية، حيث تتأتى صفة التنوع فيه من اختلاف
المجاميع الإرهابية في طبيعتها من حيث الأهداف والوسائل، وكذلك من
حيث مستوى ممارسة العمل الإرهابي محلياً، إقليميا أو دولياً، لقد
تطورت ظاهرة الإرهاب نتيجة مجموعة من التطورات الهيكلية التي شهدها
العالم، لاسيما في أواخر القرن الماضي في عقد التسعينات خصوصاً،
تلك التطورات متعددة الأوجه ساهمت في تطوير ظاهرة الإرهاب، ومن
الممكن تشخيص مجالات التطور في أشكال الإرهاب على النحو التالي(6):
*الإرهاب التقليدي:
هو الشكل الابتدائي والذي لازال
يشكل الصورة الأساس والأكثر تكراراً لظاهرة الإرهاب، ويتجلى واضحاً
من خلال أعمال التخريب والتفجير المعتمدة على المتفجرات التقليدية،
وفي كثير من الحالات يكون منفذي العمليات الإرهابية من ذوي الخبرة
العالية في التعامل مع المعدات القتالية، بل أنهم في بعض الأحيان
يتوافرون على قدر من الخبرة يفوق إمكانيات أجهزة الأمن حتى في
الدول المتقدمة ومما يثبت صحة ذلك الشيء، هو أخفاق أجهزة الأمن في
أكثر الدول تقدماً وتطوراً في إجهاض العمليات الإرهابية قبل
وقوعها.
* الإرهاب غير التقليدي:
هذا النوع من الإرهاب يعتمد على أنواع من الأسلحة غير التقليدية
(الكيميائية، البايلوجية، النووية)، وقد ظهرت ملامح هذا النوع من
الإرهاب في بعض العمليات، مثل تلك التي قامت بها طائفة (أوم) في
أنفاق المترو في اليابان عندما تم استخدام غاز (السارين) كسلاح
كيميائي، إن أهم مؤشرات احتمال انتشار ذلك النوع من الإرهاب، هو
التوسع المطرد في أنتاج الغازات السامة المستخدمة كأسلحة، وكذلك
الوسائط الزرعية التي يتم من خلالها أنتاج البكتريا والفايروسات
القاتلة التي هي الأخرى دخلت مضمار الاستخدام كأسلحة، ويلاحظ أن
انتشار مثل تلك التقنيات لدى دول ذات بنية أمنية هشة، يجعل تلك
الأسلحة هدفاً سهلاً لبعض المجاميع الإرهابية.
* الإرهاب المعلوماتي:
وهو حلقة متقدمة في ميدان العمل
الإرهابي ومن اخطر أنواع الإرهاب في عالمنا المعاصر، يتمثل في
استخدام الموارد المعلوماتية المتمثلة في شبكات المعلومات الدولية
والوطنية، من أجل أغراض التخويف والإرغام لأهداف سياسية، وقد يتسبب
ذلك النوع من الإرهاب في إلحاق الشلل في أنظمة القيادة والسيطرة
والاتصالات، وتعطيل أنظمة الدفاع وإخراج الطائرات عن مسارها، أو
اختراق نظم الأمن لمحطات الطاقة الكبرى، وإرباك حركة الطيران
المدني، والسطو عبر اختراق النظم المصرفية...الخ.
المبحث الثالث
أسباب ودوافع ظاهرة الإرهاب
إن الأسباب والدوافع التي تقف
وراء ظاهرة الإرهاب تختلف من حالة إلى أخرى، ومع ذلك هنالك مسببات
ودوافع ذات صفات متشابهة ومشتركة، تجمع ما بين الدوافع النفسية
العامة، وبين الدوافع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المفتعلة
والتي تتجلى غالباً من خلال الصراع على السلطة والسيطرة.
لكي نلقي الضوء على تلك الدوافع
والأسباب لابد لنا من النظر إلى الظاهرة ككل متكامل يحمل صفات
مشتركة قابلة للتطبيق على أغلب حالات الإرهاب، لا عن طريق دراسة كل
حالة على حدة. من هنا يمكن أن نحدد مجموعة من الأسباب والدوافع
التي يمكن أن نعدها ذات صفة عمومية ملائمة لظاهرة الإرهاب بوجه
عام، هذه الأسباب والدوافع هي الآتي(7):
1. إخفاق النظم السياسية في الوصول إلى حالة من الإشباع الجماعي
السياسي النفسي والفكري والاقتصادي إلى فئات المجتمع الاجتماعية
والعمرية والعرقية كافة، بحيث تصبح هذه الحالة مانعا للمجتمع من
الانزلاق في دوامة العنف والعنف المضاد.
2. الدوافع العرقية ذات الطابع الانفصالي، فربما يكون احتواء
المجتمع على أكثر من فئة عرقية متمايزة دينياً ولغوياً ومكانياً،
فضلا عن سيطرة فئة عرقية بذاتها على الأعراق الأخرى، هو الدافع
المباشر وراء الإرهاب.
3. نزعات التعصب العنصري، وهي غالباً ما تقترن بفكرة أو عقيدة أو
أيديولوجية معينة، حيث يؤدي التعصب العنصري إلى تفاقم وأتساع
الفجوة ما بين الحركات المتبنية لهذا الفكر، وبين المجتمعات التي
تعيش بين ظهرانيها، وهو الأمر الذي يقود في نهاية المطاف إلى
اصطدام تلك الحركات أو المجاميع مع المجتمع، أما بصيغة التصادم مع
الأجهزة الحكومية، أو مع مجاميع أخرى داخل المجتمع.
التعثر في عملية التحول من حروب
أهلية غلفت بصراع بين أفكار يسارية وأخرى يمينية وفق معايير
التبعية والاستقلال، إلى مرحلة وفاق وطني وسلم أهلي، وخير مثال على
تلك الحالة هي كل من أفغانستان ويوغسلافيا.
4. الرغبة الجماعية للتمرد على سياسات النظم السياسية الرامية إلى
تهميش فئة اجتماعية (قومية، دينية، أو عرقية...الخ) وعزلها عن
الحياة السياسية للدولة.
5. الفقر المدقع وانخفاض المستوى المعيشي للأفراد في مجتمع معين،
يوجد أرضية مناسبة لنمو أفكار متطرفة غالباً ما تميل في نهاية
المطاف إلى استخدام العنف بالشكل الذي يجعلها صورة من صور الإرهاب
الأكثر شيوعاً.
هناك إرهاب غالباً يصاحب بعض
أنواع التجارة غير المشروعة مثل تجارة المخدرات والأسلحة، وتعد
أمريكا اللاتينية الأرضية الأكثر خصوبة لمثل هذا النوع من الإرهاب،
حيث تضم بعض دول تلك القارة مؤسسات عملاقة يملكها أباطرة هذه
الزراعة/ الصناعة المدمرة، ويدور العنف أما من قبل تلك المؤسسات
بهدف ترويع الدولة وأجهزتها، أو من قبل الدولة نفسها بهدف امتلاك
جذور تلك التجارة.
*باحث ومحلل سياسي.
الهوامش
1. أنظر معتز سيد عبد الله، الاتجاهات التعصبية (الكويت، المجلس
الوطني للثقافة والفنون والآداب الطبعة الأولى، 1989) ص104 – 108.
2. لمزيد من التفاصيل، يمكن
الرجوع إلى: ب. ف. سكينر ترجمة د.عبد القادر يوسف (الكويت، عالم
المعرفة، الطبعة الأولى 1980) ص 65 – 80.
3. معتز سيد عبد الله، مصدر
سبق ذكره، ص67.
4. التقرير الاستراتيجي
العربي لعام 1995 (القاهرة، مركز الدراسات السياسية و الإستراتيجية
بالأهرام، الطبعة الأولى، 1996) ص 403.
5. أنظر: أريك فروم، الخوف من
الحرية، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد (المؤسسة العربية للدراسات
والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1972) ص167-192.
6. أحمد إبراهيم محمود،
الإرهاب الجديد: الشكل الرئيسي للصراع المسلح في الساحة الدولية،
مجلة السياسة الدولية، (القاهرة – مؤسسة الأهرام، العدد 147، يناير
2002).
7. التقرير الاستراتيجي
العربي 1995، مصدر سبق ذكره ص 69.
الفصل الثالث
الأبعاد الثقافية والحضارية
للإرهاب
خالد عليوي العرداوي*
تمهيد:
منذ الحرب على العراق عام 1991 وما تلاها من انهيار للاتحاد
السوفيتي السابق، والدوائر الغربية – الفكرية والسياسية
والاقتصادية والعسكرية، تشهد حالة من التخبط حول اختيار الأطروحة
المناسبة، التي توفر الغطاء الدولي للهيمنة على العالم، حيث أنه مع
نهاية الحرب المذكورة آنفاً، وما جاء بعدها من أحداث دولية، عمل
الغرب على طرح ما سمي بالنظام الدولي الجديد، الذي فبركه طارحوه
الأمريكان ليبدو بصورة جذابة تشجع الآخرين على قبوله والتعامل بشكل
إيجابي معه، ولكنهم وجدوا أنه لا يوفر الغطاء الكافي لتحقيق
أهدافهم، فما كان منهم إلا أن بدءوا البحث عن أطروحة أخرى، فوفرها
لهم هذه المرة "صامويل هانتنغتون" الأمريكي في مقاله المنشور في
مجلة "فورن أفيرز" الأمريكية عام 1993، والذي أسماه "صدام
الحضارات"، ودعمه بعد ذلك بكتاب يصب في نفس الأهداف، فأخذت الدوائر
الغربية أفكاره، وهي أفكار تتغذى من خيالات تاريخية مليئة بالحقد،
وتنسجم مع نوايا إستراتيجية مليئة بالأطماع والعدوان، ورغم وجود
عدد من المفكرين الغربيين، الذين رفضوا أفكار "هانتنغتون"، إلا أن
الصوت الغالب والمؤثر كان لأولئك الذين أيدوه وتبنوا أفكاره،
وأستمر الحال على هذا المنوال، ومع تصاعد العنف المستخدم من قبل
الغرب عموماً، وأمريكا بشكل خاص، وتصاعد العدوان الوحشي الإسرائيلي
على العرب في فلسطين، كانت تتصاعد أعمال المقاومة والعنف في
البلدان الإسلامية، انسياقا مع مقولة "أن العنف لا ينجب إلا عنفاً
متزايداً"، حتى حصلت هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2001 في
الولايات المتحدة، والصدمة العنيفة التي وجهتها إلى مراكز القوة في
أقوى دولة غربية، فكان أن أعطي للإرهاب الدولي بعداً خطيراً، إذ
عمل الخطاب الرسمي الأمريكي على تقسيم العالم إلى معسكرين: المعسكر
الأول يضم أولئك الذين يناصرون أمريكا ويتعاونون معها إستخباراتياً،
وأمنياً، وعسكرياً، واقتصاديا، أما المعسكر الآخر فيشمل أولئك
الذين لا يقبلون التعاون مع أمريكا أو يرفضون سياساتها الدولية
المطروحة، وهم بالتالي (حسب الرؤية الأمريكية) مع الإرهاب، ولما
كان الطرف الذي حمل مسؤولية أحداث الحادي عشر من أيلول، طرفاً
إسلاميا، فقد أصبح الإسلام والمسلمين هدفاً ينصب عليه العداء
الغربي– الأمريكي– الإسرائيلي، وأصبحت مقاومة الإرهاب الدولي،
تتويجاً للأهداف التي يتوخاها الطارحون والمؤيدون لأطروحة صراع
الحضارات.
وفي ضوء الأبعاد الخطيرة للرؤى الغربية المتركزة حول هذه الفكرة،
فقد دار جدل كبير على مستوى العالم يحللها ويدرسها، البعض ساندها
وتحمس لها بشكل أعمى، ودون مناقشة الأسباب والمسببات، أما البعض
الآخر فقد وقف ضدها ولا سيما عالمنا الإسلامي، وأنطلق من موقف
الدفاع ليقدم بديلاً قائماً على الحوار الإيجابي بين الطرفين،
وبدون الانسياق بشكل مضلل وراء أولئك الذين تحمسوا لفكرة الصراع
خدمة لأهدافهم القريبة والبعيدة، أو الوقوف موقف المدافع لطرح بديل
قائم على حوار عقيم، لابد من التساؤل عن الجذور التاريخية للإرهاب،
وبالتالي هل هو نتاج إنساني عام أو نتاج إسلامي خاص؟ ثم ما هي
الغايات الغربية الأمريكية التي تقف وراء سياساتهم الداعية لمقاومة
الإرهاب؟ وهل أن العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية
(في ظل الواقع الحالي) مستقبلاً وفي المدى المنظور علاقة صراع أم
حوار؟
إن الفرضية التي يحاول هذا البحث إثباتها، هي أن الإرهاب نتاج
إنساني رافق الجنس البشري منذ وجوده على سطح الأرض، وأن الصراع بين
الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية سوف يتصاعد بشكل مستمر، طالما
بقي الغرب على سلوكه الحالي في التعامل مع الإسلام والمسلمين، وأن
تصاعد الصراع لا ينطلق من مبدأ ثابت يحكم العلاقة بين الحضارتين،
بل على العكس من ذلك، إن الحوار ممكن وليس مستحيلاً، وأن نتائجه
أفضل كثيراً لكن كل حوار لكي يقوم فهو يحتاج إلى قواعد محددة تؤدي
إلى نجاحه، وهي قطعاً ليست القواعد الحالية التي يحاول الغرب وضعها
لتحديد علاقته مع المسلمين.
وعليه تم تقسيم البحث إلى ثلاثة مباحث: تناول المبحث الأول الجذور
التاريخية للإرهاب، وكيفية توظيف الولايات المتحدة له في خدمة
أهدافها الإستراتيجية، في حين تناول المبحث الثاني الإرهاب ومأزق
العلاقة بين الإسلام والغرب، وتناول المبحث الثالث آليات مواجهة
الإرهاب في البلدان الإسلامية .
المبحث الأول
الجذور التاريخية للإرهاب الدولي وتوظيف
الولايات المتحدة له في خدمة أهدافها الإستراتيجية
أولاً: الجذور التاريخية للإرهاب الدولي
لقد اتفقت آراء الكثير من المفكرين على أن الإرهاب بوصفه عملاً من
أعمال العنف يعد من الظواهر التي عرفتها المجتمعات الإنسانية منذ
أقدم العصور، بل هو مقترن مع وجود الإنسان على هذه الأرض(1)، فكل
المجتمعات عرفّت الإرهاب بشكل من الأشكال في ماضيها وحاضرها، ومنها
المجتمعات الإسلامية، التي عرفت في ماضيها ممارسات إرهابية تمثلت
في "ممارسات الكثير من الفرق الدينية المعروفة بالحركات الغالية
والفرق الباطنية التي انحرفت عن الإسلام ومنها الإلحادية والإباحية
والبابية والبهائية، كما أن الفكر السياسي والفقهي الإسلامي قد عرف
نوعاً من الإرهاب المعروف بالحرابة، والحرابة هي خروج طائفة مسلمة
في دار الإسلام لأحداث الفوضى وسفك الدماء، وسلب الأموال، وهتك
الأعراض، وإهلاك الحرث والنسل، متحدية بذلك الدين والأخلاق والنظام
والقانون، ولا فرق بين أن تكون هذه الطائفة من المسلمين أو الذميين
أو المعاهدين أو الحربيين، مادام ذلك في دار الإسلام، وما دام
عدوانها على كل محقون الدم"(2)، كما إننا نجد عند التصفح للتاريخ
أن اليهود يمثلون أعرق المجتمعات في ممارسة الإرهاب المقترن برؤى
دينية، حيث تمثل التوراة والتلمود أقدم الكتب التي تنظر للإرهاب،
وتدعوا إليه بشكل صريح اتجاه كل ما هو غير يهودي من البشر، ولكن لم
يستخدم مصطلح "الإرهاب" في تعريف الممارسات التي تنطوي عليه قبل
الثورة الفرنسية عام 1789م، إذ لم يكن الإرهاب كوسيلة إجرائية
تستخدم عن وعي وتصميم يدفع العملية الثورية وزيادة سرعتها معروفاً
قبل الثورة الفرنسية، فذاك روبسبير الذي أحتسب الإرهاب انبثاقا من
الفضيلة، وسان جوستن الذي أحتسب الإرهاب هو العدالة الصلبة التي
تقضي بوجودها الفضيلة(3)، وعرف الإرهاب أيضاً بشكل كبير في تاريخ
الولايات المتحدة الأمريكية. سواء عندما أسست حين قام المستوطنون
الأوائل بممارسة كافة أعمال الإرهاب من أجل القضاء على الهنود
الحمر، أو عندما مورس الإرهاب بشكل واسع ضد الزنوج، ففي عام 1856م
أنشأت منظمة (كوكلاكس كلان)، ضد الحقوق المدنية للزنوج، وكان الشنق
وتعليق الضحايا على الأشجار هو الأسلوب الذي اشتهرت به إضافة إلى
قيامها بالإرهاب الدولي من خلال الاعتداء على سيادة دول العالم،
وتسخير عملائها لاغتيال القيادات السياسية المعارضة لها، يشاطرها
(أي الولايات المتحدة) في هذا التاريخ الإرهابي اليهود، لاسيما بعد
إقامة كيانهم في فلسطين منذ عام 1948، ولحد الآن(4).
ويمكن القول مع الدكتور محمد عابد الجابري: "إن الإرهاب في هذا
العصر ظاهرة عامة وذات دوافع مختلفة، يعاني منها العالم اليوم من
اليابان إلى أوربا وأمريكا، عبر آسيا وأفريقيا، والغريب المثير
للدهشة هو أن الإعلام الغربي يصر إصراراً على ربط الإرهاب بالإسلام
في البلدان العربية خاصة متجاهلاً عوامله الموضوعية، في حين أنه
عندما يتعلق الأمر بالإرهاب خارج البلدان العربية الإسلامية، يصرف
النظر عن ربطه بالدين ليقع التركيز على أسبابه الموضوعية... وهكذا
فعندما يفجر الجيش الأيرلندي قنابله في لندن لا يقال عن ذلك أنه
إرهاب كاثوليكي، وعندما ترتكب حركة بادرماينهوف جريمة قتل في
ألمانيا لا يقال عن ذلك أنه عمل إرهابي بروتستانتي، وعندما ينفذ
الجيش الأحمر الياباني عملية إرهابية لا يقال عن ذلك أنه إرهاب
بوذي، وعندما يرتكب الصرب جرائم فضيعة ضد مسلمي البوسنة لا يقال عن
ذلك أنه إرهاب أرثوذوكسي، (وعندما يقتل اليهود الفلسطينيين بوحشية،
لا يقال عن ذلك أنه إرهاب يهودي)...الخ، لكن ما أن يرتكب شخص مسلم،
أو منظمة إسلامية عملية فردية حتى تتلاحق الاتهامات الموجهة إلى
الإسلام بأنه دين الإرهاب، وإلى المسلمين بأنهم جماعات إرهابية
مشحونة بالعنف"(5).
وهذه الازدواجية في التعامل الغربي مع قضية الإرهاب، تعني أن هناك
أهدافاً سياسية تقف وراء ذلك، فما هي؟
ثانياً: توظيف الإرهاب الدولي في خدمة الأهداف الإستراتيجية
للولايات المتحدة
منذ أمد بعيد استقرت في الإستراتيجية الأمريكية نزعة الرغبة في
الهيمنة على العالم، وهذه النزعة كانت تجد التعبير عنها في أقوال
الكثير من المسؤولين الأمريكيين، فهذا (جورج بوش الأب) قال في
أوائل التسعينات من القرن الماضي: "أن القرن القادم (الحادي
والعشرين) ينبغي أن يكون أمريكياً، (وهو يكرر ما سبق أن قاله
(روزفلت) في نهاية الأربعينات: "أن قدرنا هو أمركة العالم، تكلموا
بهدوء واحملوا عصا غليظة"، وما قاله نيكسون في أنه،"يجب على أمريكا
أن تقود العالم"(6)، والذي وصل في كتابه (الفرصة السانحة) إلى
القول: "إن على الولايات المتحدة أن تضع الإستراتيجية اللازمة
للتأثير في التطور التاريخي في العالم الإسلامي، الشيء الذي يعني
العمل على ضمان استمرار هيمنة الولايات المتحدة على هذا
العالم"(7)، من أجل ضمان هيمنتها على العالم أجمع.
ومن أجل تحقيق ذلك، عملت الدوائر الأمريكية على التأكيد في أن
العالم سوف يكون أفضل في ظل هيمنتها وتعميم نموذجها السياسي،
والاقتصادي، والثقافي القيمي(8)، وأصبحت الديمقراطية، وحقوق
الإنسان، والعولمة بكل أشكالها حسب النموذج الأمريكي، غطاءاً
تستغله الإدارات الأمريكية المتعاقبة لتحقيق أهدافها، وهذه النزعة
الأمريكية جعلت إدارة هذا البلد ترفض كل نزعة أو توجه من شعوب
وحكومات العالم يعارضها سواء صدر هذا التوجه من حلفائها، حيث لا
تسمح لأي توجه منهم يهدد تطلعاتها القيادية الكونية(9)، أو كان
صادراً من بقية العالم، ومنه الشعوب الإسلامية، حتى وصل الأمر
بمفكر عربي هو منير العكش إلى القول:"إن رجل الدولة في واشنطن لن
يسمح لك بالاعتقاد بأي معنى إسلامي يهدد هيمنته ونهبه، رغم أنه
مستعد لإطلاق لحيته، ويصلي ويصوم، ولكنك إذا فكرت بإسلام يرفض
الهيمنة والنهب والاحتلال فهيا إلى حوار مع شوارزكوف"(10)، وهذا
المنطلق الأمريكي جعل قانون القوة، وليس قوة القانون هو الذي يفسر
جانباً مهماً من أنماط الحركة الأمريكية...في العالم(11)، ومع
تصاعد الحديث عن الإرهاب الدولي بعد أحداث الحادي عشر من أيلول
2001، فقد وظفت الولايات المتحدة ذلك في خدمة أهدافها في السيادة
والهيمنة، إذ جعلته ذريعة في التدخل في شؤون الدول الرافضة
لهيمنتها، والتي ترغب في إخضاعها ونهب خيراتها من أجل تثبيت أمر
واقع يمكنها من امتلاك مصادر القوة اللازمة للضغط على القوى الأخرى
التي يمكنها أن تنافسها مستقبلاً، وعلى الرغم من توجيه أمريكا
أصابع الاتهام في ممارسة الإرهاب الدولي إلى الإسلام ديناً، وإلى
المسلمين شعوباً وحكومات، إلا أن توظيفها للإرهاب الدولي بهذا
الشكل قاد وسيقود مستقبلاً إلى نتائج خطيرة على المستوى الدولي،
سواء على مستوى العلاقات بين دول العالم، أو على مستوى العلاقة بين
الأنظمة السياسية والقوى التي تعارضها داخل كل دولة.
*على مستوى العلاقات بين الدول:
إن توظيف أمريكا للإرهاب الدولي في خدمة أهدافها السياسية، سوف
يعقد النزاعات الدولية بالشكل الذي يجعل قيام الحروب أكثر احتمالا
من فضها بالطرق السلمية، إذ سوف تتذرع كل دولة بأنها تشن حرباً من
أجل مقاومة الأعمال الإرهابية لدول أو حركات إرهابية مزعومة، بحجة
أن الولايات المتحدة تمارس نفس الأسلوب، وهذا الأمر يمكن أن نلمس
مظاهره، في تلك النزعة الروسية المعلن عنها في شهر تشرين الأول
2002، حيث أبدت روسيا رغبتها في القيام بعمل عسكري اتجاه جورجيا
بحجة مقاومة الإرهاب الشيشاني على أراضيها، وما أكدته موسكو بعد
أحداث مدرسة بيسلان، في مطلع شهر أيلول 2004، حيث قالت: أنها سوف
تشن حرباً وقائية على مواقع الإرهاب داخل وخارج أراضيها، وهذا
المنطق إذا ساد العلاقات الدولية ستكون له أبعاد خطيرة تهدد
القانون الدولي، وتهمش دور المؤسسات الدولية التي وضعت لتطبيقه،
وسيكون قانون القوة هو الغالب حتى في هذه المؤسسات، وهذا ما نلاحظه
في الطريقة التي تعاملت بها الولايات المتحدة مع قضية العراق داخل
الأمم المتحدة.
*على مستوى العلاقة بين الأنظمة والقوى المعارضة لها داخل الدول:
سوف تجد الأنظمة السياسية (لاسيما في عالم الجنوب)، ذريعة مناسبة
لقمع وإرهاب معارضيها، وتصفية العملية الديمقراطية، وعدم اللجوء
إليها في علاقتها معهم بحجة أن هؤلاء جماعات إرهابية تهدد السلم
والأمن الداخلي والدولي، وهذا الأمر نجده حتى في داخل الدول
الغربية في تعاملها مع الأقليات الإسلامية الموجودة فيها. كما نجده
في إسرائيل (فلسطين)، وفي دول كثيرة عبر خريطة العالم سواء في
روسيا، أو باكستان، الفلبين أو اندونيسيا أو البلدان العربية ...
الخ، والكل لهم أدعاء مشترك هو مقاومة الإرهاب والقيام بنفس الدور
الذي تمارسه حكومة واشنطن، وهذا يعني أن سياسة الأخيرة الدولية سوف
تقود إلى نشر الرعب والخوف على مستوى العالم، وتضيق فرص توسع
وانتشار العمل الديمقراطي، وانتهاك حقوق الإنسان بشكل واسع.
المبحث
الثاني
الإرهاب ومأزق العلاقة بين الإسلام
والغرب
علينا أن نقر بلا حرج ولا تردد حقيقة أن الغرب بنمط تفكيره
الحالي، وسلوكه غير العادل في التعامل مع قضايا الإسلام والمسلمين،
يجعل الصراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية أمراً واقعاً
لا محالة، وهذا الكلام لا يمثل انسياقا أعمى وراء أفكار (صامويل
هانتنغتون) ومؤيديه، لأننا لا نفترض وجود سبع أو ثمان حضارات
تتصارع فيما بينها من منطلقات دينية – ثقافية، بل أن هناك صراعاً
أساسياً بين الحضارة الإسلامية والغرب، يؤججه ويفرضه الغرب على
العالم الإسلامي،نتيجة لعوامل كثيرة سنأتي على ذكرها لاحقاً فقد
أفرزت سياسات الغرب اتجاه العالم الإسلامي نوعاً جديدا من الإرهاب
هو الإرهاب الحضاري.
وقبل الدخول في تحديد عوامل الصراع، التي قادت إلى تصاعد أعمال
الإرهاب الحضاري، فإن الدارس للخطاب الغربي المعلن اتجاه الإسلام
والمسلمين، يجد ثلاثة عناصر أولية، تفرض نفسها في هذا الخطاب هي:
* مسألة المهاجرين المسلمين في البلدان الغربية، حيث يظهر الغرب
عداءاً متزايداً لهؤلاء المهاجرين لأنهم حسب زعمه يتسببون في
تغييرات ديموغرافية، وتحديات قيمية يفرضها عددهم المتزايد بالشكل
الذي أصبح الإسلام ينعت بأنه الدين الثاني في فرنسا(12)، وتمسك
المهاجرين بقيمهم الإسلامية، جعل منهم هدفاً لهجمات الحركات
اليمينية الغربية، فهذا (فيفان فرانزين) اليميني السويدي يتساءل
ساخطاً عام 1993:(كم سيمر من الوقت قبل أن يركع الأطفال السويديون
في مكة)، وهذا (جوتشن هايدر) زعيم حزب الحرية الجديد النمساوي يقول
في نفس الوقت:"أن التلاميذ النمساويين يفقدون ثقافتهم لأن الصلبان
أزيلت من بعض فصول فيينا التي توجد فيها نسبة مئوية أعلى من
المتوسط من الأطفال المسلمين"، وذاك (لوبن) الفرنسي يؤكد في حملته
للرئاسة الفرنسية عام 1995، أنه سوف يعمل على طرد ثلاثة ملايين
مهاجر مسلم إلى شمال أفريقيا إذا فاز في الانتخابات(13).
وهناك
الكثير من هذه الآراء على امتداد أوربا، إلا أنه مع العداء الغربي
للمهاجرين المسلمين، فإن الغرب في ذات الوقت لا يستطيع الاستغناء
عنهم اقتصادياً، لقيامهم بالأعمال التي لا يرغب الغربيون القيام
بها، وهذا الأمر يسبب عقدة غربية لا يمكن حلها.
*مسألة النمو السكاني الكبير في البلدان الإسلامية، وثبات هذا
النمو أو تناقصه في الغرب، وهذا الأمر يؤرق الغرب، لأنه يهدد
بتغيير الخارطة الديموغرافية في العالم لصالح المسلمين في
المستقبل، وهذا ما يمكن إدراكه في قول (نيكسون): "أن الإسلام سوف
يصبح قوة جيوسياسية مستعصية، فمن خلال نمو سكانه، ومن خلال تبوئه
مركزاً مالياً مهماً سيفرض تحدياً رئيسياً يحتم على الغرب أن يقيم
تحالفاً جديداً مع موسكو للتصدي لعالم إسلامي معاد وعدواني" حسب
زعمه(14).
* مسألة النفط، إذ يرى الغرب وعلى رأسه أمريكا أن المسلمين يمتلكون
في أرضهم أكبر مخزون له، ويمكنهم (لو أرادوا) أن يهددوا مستقبل
تطور الحضارة الغربية، لذا هو يسعى بشكل متواصل من أجل منع البلدان
الإسلامية من أن تكون صاحبة إدارة مستقلة تسيطر على هذا المصدر
المهم من مصادر الطاقة، هذه هي العناصر الأولية التي ترسم صورة
المسلمين في الخطاب الغربي، وهي لا تمثل العوامل الرئيسة في تأجيج
التوتر بين الحضارتين، بل هناك عوامل أخرى أكثر أهمية تسهم في ذلك
هي:
أولا:
البعد التاريخي للعلاقة بين الغرب والإسلام
تؤكد الدراسات التي تصدت إلى مسألة العلاقة بين الإسلام والغرب،
أن الغرب لازال يتمتع بذاكرة تاريخية مشحونة بالعداء إلى الإسلام
والمسلمين. وهو عندما يتعامل معهم يسترجع بوعي أو لاوعي هذه
الذاكرة، فهذا (فريد هاليداي) يقول:أن الصورة المرسومة لما يدعى
بالخطر الإسلامي تجد أحد مصادرها من تاريخ النزاع بين عالم الغرب
المسيحي وعالم الإسلام، وقد استحكم هذا النزاع من غزوات أيبريا في
القرن السابع وعبر الحروب الصليبية، التي بدأت في القرن الحادي
عشر، ثم عبر النزاعات مع الإمبراطورية العثمانية، التي استمرت من
القرن الخامس عشر حتى الانهيار النهائي لهذا التحدي الإسلامي في
عام 1918..."(15). وأن هذه النزعة تجد تعبيراتها في الثقافة
الأوربية الحديثة من خلال "الاستخدامات المهينة لكلمة تركي بمعنى
غبي في اللغة الهولندية، وفي التحذير الإيطالي للأطفال غير
المهذبين ماما أي تركي... وفي الاحتفال بهزيمة المسلمين في
الكرواسان الفرنسي، أو الكيبفيرل الفييني، وفي أسماء البارات
الانجليزية رأس التركي، وكذلك في الرمز القومي لأحدى مناطق أوربا
الناشئة (كورسيكا)، التي اتخذت رمزاً لها علم القرن الثامن عشر
برأس مغربي، وهو نفسه مستعار من الحروب الصليبية "(16).
وما يزيد من خطر هذه النزعة العدائية الغربية ذات البعد التأريخي،
إنها تكون حاضرة وبقوة في التفكير الغربي عند التخطيط للمستقبل،
حيث أن العرب والمسلمين يمثلون "... ذلك الآخر الذي نافسهما في
الماضي، والذي هو مرشح اليوم أكثر من غيره ليكون العدو في
المستقبل..."(17).
ويبدو أن وجود التحدي الشيوعي السابق، كان يغطي على هذه المشاعر
العدائية الغربية، ولكن مع انتهاء هذا التحدي لصالح الغرب
الرأسمالي، ورغبة الأخير بقيادة الولايات المتحدة في فرض الهيمنة
على العالم، فقد أسترجع الغرب ذاكرته التاريخية، وأستغل الساسة
وأصحاب النفوذ فيه، والدوائر اليهودية ذلك لتأجيج الصراع بين
الحضارتين تحقيقاً لمصالحهم الإستراتيجية.
إن وجود تاريخ من الصراع بين أبناء الحضارات المختلفة في الماضي
لا يجعل من الضرورة استمرار هذا الصراع في الحاضر والمستقبل، وهل
تاريخ الحضارات إلا سجل حافل بالنزاعات المتبادلة؟ لكن الغرب عندما
يتعامل مع هذا التاريخ وفق ما تقدم آنفاً، واقتران ذلك بأهداف
سياسية لها مصلحة في استرجاعه، فإن هذا التاريخ يهيئ الوسط النفسي
الملائم للصراع.
ثانياً: البعد الثقافي (القسر الثقافي)
مما لاشك فيه أن لكل حضارة قيمها الأخلاقية التي تميزها عن غيرها،
وهذه القيم إما تكون مقبولة خارج إطار هذه الحضارة، وإما تكون
مرفوضة بشكل كلي أو جزئي، فإذا كانت مقبولة تكون فرص الحوار بينها
وبين الحضارات الأخرى كبيرة جداً، وعندما تكون مرفوضة، فإن فرص
الحوار تتقلص حسب مقدار الرفض، لكن لا يعني ذلك جعل الصراع بديلاً
للحوار.
إذن، لماذا تصبح قيم الحضارة الغربية سببا في الصراع بينها وبين
الحضارة الإسلامية؟ بداية لابد من توضيح بعض الحقائق عن الثقافة
السائدة في الغرب عموماً، وفي الولايات المتحدة بشكل خاص. فقد جاء
في برنامج إذاعي لمحطة (CNN) الأمريكية أذيع صباح الثلاثاء
25/1/1994 القول: "إن الفضائح الأخلاقية والمالية تهز المجتمعات
الغربية، كل المجتمعات الغربية ما بين طوكيو وواشنطن مروراً
بالعواصم الأوربية، ولاسيما لندن، والتي كان من نتيجتها استقالة
مسؤولين عديدين، كما كشفت انهيارا لا مثيل له في القيم..."(18).
وهذا الكلام ليس كلاماً إعلامياً ترويجياً، فهذا (فريد هاليداي)،
في كتابه (الإسلام وخرافة المواجهة) ينصح الغرب بالقول:" إن هناك
مجالاً ينبغي لمن في الغرب أن يصغوا فيه إلى الخطاب الإسلامي، هو
نقد المجتمع الغربي ذاته، في قضايا الجريمة واستغلال المرأة،
ورعاية المسنين، وتماسك الأسرة، لأن هذا الأمر يلفت الانتباه إلى
عجز من يروجون لحقوق الإنسان عن أن يكونوا على مستوى معاييرهم
الكلية والعلمانية"(19)، هذا بالنسبة لثقافة الغرب عموماً، فماذا
عن الولايات المتحدة الأمريكية؟، إن القيم الأخلاقية التي تحاول
المادة الإعلامية الأمريكية الترويج لها هي(20):
1. الغلو في اللا منطقية، وإلغاء العقل في فهم الأشياء
والعلاقات والأحداث ...
2. تمجيد المغامرة الفردية والشعور بالعظمة، وقتل الإحساس
بالجماعة ...
3. الترويج للعنف والوحشية والقتل ...
4. الترويج للحياة الأمريكية ...
5. النزول بالمرأة عن مستواها الإنساني، وجعلها سلعة، واقترانها
بلذات ونزوات الرجال ...
6. نشر أفلام العنف والجنس لتهديم ذاتية الشباب وطاقتهم مما
يجعلهم غير قادرين على التكيف مع الواقع ...
والنتيجة التي تتمخض عن هذه المادة الإعلامية، أو التي تعبر عنها
هي: انتشار اللا مساواة داخل المجتمع الأمريكي(21)، والأمية(22)،
والمخدرات(23)، والجريمة، إذ بحسب إحصاءات عام 1989 (يموت شخص واحد
اغتيالا كل خمس ساعات في مدينة نيويورك مثلاً، وتنتهك حرمة امرأة
كل ثلاث ساعات، ويعتدي على شخص كل ثلاث دقائق)(24).
كما تشير الإحصاءات المتحفظة إلى إن 25% من الزوجات لهن علاقات
جنسية برجال غير أزواجهن، وإن ما بين 50-60 % من الرجال يمارسون
الزنا، وإن 25% من حالات الزواج تنتهي بالطلاق سنوياً(25)، ويسقط
في أمريكا بحسب إحصاءات 1987 مائة شاب ضحايا حوادث الانتحار كل
أسبوع لكونهم يفتقرون إلى الحب والرعاية من الأهل والأصدقاء وزملاء
الدراسة(26).
وهذه القيم الثقافية الغربية، تتنافى مع قيم الحضارة الإسلامية،
حضارة العدل والمساواة، والتماسك الأسري والاجتماعي، واختلاف القيم
الثقافية بين الحضارتين ليس هو ذاته ما يثير التوتر، بل ما يثيره
هو تلك السياسات التي يتبناها المتنفذون في الغرب، والتي يحاولون
من خلالها فرض ثقافتهم على العالم، فهذا (بريجنسكي) في كتابه (بين
عصرين) يدعو إلى خوض معركة شاملة على العالم، وفي مختلف الساحات،
بدءاً من حقوق الإنسان، حسب النموذج الأمريكي، وصولاً إلى تصدير
نمط الحياة الأمريكي: الجينز، والديسكو، والعلوم، والتكنولوجيا،
والعادات الأمريكية(27). وهذا التوجه الغربي هو قوام الغزو
الثقافي، الذي يهدف إلى تبعية الثقافات غير الغربية إلى ثقافة
الغرب، "بحيث يؤدي استمراره إلى زوال الثقافة المتأثرة، وانتصار
الثقافة المؤثرة، تمهيداً لخلق المناخ الموضوعي لتحقيق التبعية
السياسية والاقتصادية"(28).
فالغرب، عندما يبشر بقيمه التي تتناقض مع الثقافة الإسلامية،
ويحاول فرضها بالقسر، وعدم استعداد قواه المتنفذة إلى أن تحترم
الثقافة الإسلامية، كل ذلك لا يهيئ القاعدة المناسبة لقيام حوار
بين الحضارتين، بل على العكس يستفز المسلمين أفراداً وجماعات،
بالشكل الذي يؤدي إلى قيام اتجاهات متطرفة ترفض الحوار مع الغرب،
لا سيما إذا عرفنا أبعاد الممارسات الغربية غير العادلة سياسياً
واقتصاديا وعسكرياً في التعامل مع قضايا المسلمين، والغرب بذلك
يضيع فرصة تاريخية نادرة وفرتها تكنولوجيا الاتصالات الحديثة، التي
قربت بين الشعوب، وكان بالإمكان الاستفادة منها في إقامة علاقة
إيجابية بين الإسلام والغرب.
ثالثاً: الطبيعة الأيديولوجية للرأسمالية والديمقراطي