مدخل إلى بناء الديمقراطية
في العراق
تحرير
خالد عليوي جياد
المشاركون
سليم فرحان جيثوم
خالد عليوي جياد
صلاح جبير البصيصي
المقدمــة
إن أسوأ مظهر لنظام الحكم في عالمنا العربي- الإسلامي هو اتصافه
بالاستبداد، وقد لازمته هذه الصفة منذ أن تحول نظام الحكم في
الإسلام إلى ملك عظوظ والى وقتنا الحاضر، بغض النظر عن من هو
الحاكم سواء أكان خليفة أو ملكا أو أميرا أو رئيسا للجمهورية، وقد
جر الاستبداد معه الخراب والاحتلال والهوان للبلاد، إضافة إلى
الفقر والتخلف والمرض والقتل والحسد والأحقاد بين أفراد الشعب، أما
الأسس التي أقام الاستبداد عليها عرشه فهي الثقافة المتمثلة بأصحاب
الفكر من الفقهاء والمثقفين اللذين مارسوا دور وعاظ السلاطين،
وساهموا بما يكتبونه في خلق الإعلام المظلل للجمهور الذي يضفي صفات
التبرير والقداسة على أعمال الحكام، كما إن إفقار الناس، وتجهيلهم،
وكبت حرياتهم، وانقسام قياداتهم إلى حد الاحتراب الداخلي،
والانشغال بقضايا ثانوية ذات مصلحه آنية مرتبطة بالمال والجاه
والسلطان ونسيان أو إهمال القضايا الجوهرية المرتبطة بصلاح المجتمع
وإقامة نظام الحكم الصحيح الذي يكون فيه الحاكم مسؤولا مسؤولية
ملزمة اتجاه المحكومين، في الوقت الذي يكون فيه المحكومين قادرين
على تبديل الحاكم إذا ما تجاوز حدود صلاحياته واستبد في أحكامه، كل
هذه العوامل جعلت الاستبداد يتغلغل عميقا في مجتمعاتنا إلى الحد
الذي تجاوز فيه حدود الحكم والسلطة ليشمل أيضا الثقافة والفكر، بل
تغلغل في نفس الإنسان ببلادنا، فأصبح هذا الإنسان إنسانا خائفا من
السلطة ومرعوبا من الحكام، في الوقت الذي تنعكس فيه طبائع
الاستبداد على سلوكه اتجاه أسرته وأصدقائه وعلاقاته العامة مع
الآخرين، نعم هناك استثناءات لهذا الواقع إلا إنها لم تصل إلى حد
التيار الجارف الذي يقضي على الاستبداد ويهدم دعائمه، لقد أدرك
مفكرو عصر النهضة العربية- الإسلامية في القرن التاسع عشر ومطلع
القرن العشرين كرفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده،
وقاسم أمين، وعبد الرحمن الكواكبي...الخ، وبدرجات متفاوتة، إن علة
تأخر المسلمين تكمن في شكل نظام الحكم السائد المطبوع بطابع
الاستبداد والطغيان فحاولوا من خلال كتاباتهم إيجاد الأرضية
الفكرية والفقهية اللازمة للوصول إلى الحرية والديمقراطية، إلا إن
ما كتبوه لم يستطع القضاء على استبداد وتفرعن الحكام، بل على العكس
وجدنا أنفسنا بعد أن حصلنا على الاستقلال والتحرر من الاستعمار
الأجنبي المباشر محكومين من قبل أنظمة ملكية وجمهورية شديدة
الاستبداد، يدعم بعضها نظريات مستوردة وجاهزة تؤد لج الحكم الشمولي
والإرادة الحديدية القاهرة للشعب والمتجاوزة على حريته ليس في
التعبير والتفكير والتجمع والسفر والسكن فحسب، بل إنها تجاوزت على
حرية الفرد حتى في الملبس والزواج والعبادة، وقد جرت هكذا أنظمة
مستهترة بكرامة الإنسان كمخلوق عظيم أراده الله سبحانه وتعالى أن
يكون خليفة له في الأرض لأعمارها وإصلاحها ونشر المحبة والسلام في
ربوعها، إلا أنها جرت الهزائم والويلات على شعوبها ولعل أسوا هذه
الأنظمة وأكثرها استبدادا واستهتارا ونتائج كارثية على منطقتنا هو
نظام حكم صدام حسين في العراق الذي انتهى في 9/4/2003 وقد سادت بعد
هذا التاريخ في الخطاب الرسمي وغير الرسمي، على الصعيد المحلي
والإقليمي والدولي موجـة عارمة من الحديث عن الديمقراطية وفضائلها،
وضرورة بناء نظام الحكم المناسب لها الذي يكفل حماية حريات الناس
وحقوقهم الأساسية، دون أن يكون كثير من الداعين إلى الديمقراطية
على معرفة تامة بالأسس الصحيحة الفكرية والعملية المطلوبة لتحقيق
عملية التحول الديمقراطي.
نعم، نحن ندعو إلى رفع شعار: "ينبغي أن يوضع حد للاستبداد في
عالمنا العربي- الإسلامي"، لكننا ندعو دعاة نظام الحكم الديمقراطي
في بلادنا إلى أن يكونوا على دراية تامة بمتطلبات بناء هذا النظام،
إذ لا يكفي أن نقول: أن الديمقراطية هي حكم الشعب بالشعب وللشعب،
أو إنها مجرد وسيلة إجرائية لضمان التداول السلمي للسلطة، بل يجب
قبل أن نضع الدستور الديمقراطي، ونقيم المؤسسات الديمقراطية، أن
نعمل وبجد من اجل خلق الإنسان الديمقراطي، والثقافة الشعبية
والرسمية الديمقراطية، ونبني الاقتصاد المناسب للدولة الديمقراطية،
حتى لا تنقلب الدعوة للديمقراطية إلى دعوة للفوضى والانفلات الخلقي
والاقتصادي وما ندعو إليه هنا، ليس شيئاً غريبا على المهتمين
بموضوع الديمقراطية، فهذا الغرب الذي نعجب بأنظمته السياسية
والثقافية والاجتماعية، لم يصل إلى ما وصل إليه إلا بعد أن حقق
نهضته الفكرية الدينية والسياسية التي ثارت على أفكار وقيم وعادات
العصور الوسطى، عندما أسقطت نظرية الحق الإلهي في الحكم التي تعتبر
أن الحاكم هو ظل الله في الأرض، فسلبت الحكام امتيازاتهم التـي
تعالوا بها على شعوبهم، وجعلتهم مجـرد أفراد شاءت الظروف أن يؤدوا
خدمات عامـة لمجتمعاتهم، وقد بذلت فـي سبيل هذا الهدف الكثير من
التضحيات، وظهرت الكثير من النظريات منذ طرح نظرية العقد الاجتماعي
في القرن الثامن عشر وصولا إلى النظرية الليبرالية الحديثة، وقد
ترافقت محاولات الإصلاح السياسي مع محاولات فذة وضرورية جاءت من
داخل البيت الكنسي، تمثلت في محاولات الإصلاح الديني التي سلبت
الكنيسة سلطتها في تبرير استبدادها واستبداد الحكومات الزمنية
المطيعة لها، فمنعت الدين من أن يكون نصيرا للاستبداد، ومنحت
الإنسان حرية على المستوى الديني في تحقيق نجاحه والارتباط بخالقه،
إذن إذا كنا فعلا جادين في الدعوة إلى إقامة نظام حكم ديمقراطي
صالح لبلداننا،فيجب علينا أن نحقق ثورة ثقافية "دينية وسياسية" يتم
من خلالها القضاء على أسس الاستبداد كيفما كان شكله ومبرراته،
وتؤكد على إن الإنسان هو مخلوق متميز، وليس شيئا يعبث به العابثون
من اجـل تحقيق مآربهم في الحكم والسلطة، ومن اجل هذه الغاية
السامية، بادر مركز"الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية" إلى
إصدار هذا الكتيب الموسوم بـ" مدخل إلى بناء الديمقراطية في العراق"،
والذي هو ثمرة ورشة عمل أقامها المركز في ثلاثة موضوعات هي: ثقافة
المشاركة السياسية، والمجتمع المدني العراقي، والأساس القائم
للبناء الدستوري في ضوء قانون إدارة الدولة العراقية في المرحلة
الانتقالية، وهذه الموضوعات تمثل أركانا أساسية لأي عملية تحـول
ديمقراطي حقيقي في أي بلد، بالرغم من إنها تختص بالشأن العراقــي،
ونظـرا لأهميتها البالغة ندعو دعاة الديمقراطية في بلدنا "حكاما
ومحكومين" إلى قراءتها والتأمل الدقيق في موضوعاتها، وسوف يكون هذا
العمل بداية لسلسلة من الكتابات المماثلة التي نرجو من ورائها وضع
الأساس الصحيح لنجاح العملية الديمقراطية في العراق.
مركز الفرات
للتنمية والدراسات الإستراتيجية
الفصل الأول
ثقافة المشاركة السياسية
سليم فرحان جيثومí
í مدرس مساعد/ كلية القانون / جامعة كربلاء .
تمهيـــد
تعد ثقافة المشاركة السياسية من الموضوعات المهمة جدا، نظرا لما
تحتويه من أفكار وقيم تعطي للإنسان إنسانيته وتجعله مخلوقا يختلف
عن بقية المخلوقات الأخرى لما له من حقوق يجب ممارستها.
ومن خلال هذه الممارسة لهذه الحقوق يستطيع الإنسان أن يحدد دوره
الفعلي والحقيقي في وضع الأطر العامة للسياسة التي تدبر شؤونه
العامة، وفي نفس الوقت يمتلك القوة التأثيرية القادرة على تغيير
مجريات العملية السياسية بما يحقق أهدافه ومصالحة، ولكي نقدم فهما
أوسع للموضوع لابد من تسليط الضوء على بعض الموضوعات ذات الصلة
الوثيقة به والتي تعد بمثابة المدخلات الأساسية للموضوع، من أهمها
الثقافة، والثقافة السياسية.
المبحث الأول
الثـقافــــــــــة
احتلت الثقافة مكانة هامة وبارزة في علم الانثروبولوجيا الاجتماعية
وعلم الاجتماع على حد سواء، إذ نجد المتخصصين في كلا العلمين كرسوا
جهودهم لدراسة هذا الموضوع لما له من أهمية بالغة على صعيد الحياة
الإنسانية، من خلال العلاقة الوثيقة الرابطة بينها وبين المجتمع،
إذ إن الثقافة لا توجد إلا بوجود المجتمع، "وان المجتمع لا يقوم
ولا يبقى إلا بالثقافة"(1) وبذلك عدت الثقافة بمثابة الطريق المميز
لحياة الجماعة ونمط متكامل لحياة أفرادها ومن ثم تعتمد الثقافة على
وجود المجتمع، وهي التي تمده بالأدوات اللازمة لاطراد الحياة فيه،
وعلى أساس ذلك يمكن القول إن لكل فرد ثقافة خاصة تميزه عن غيره من
الأفراد، ولكل جماعة أو مجتمع ثقافة تميزهم عن جماعة أو مجتمع أخر،
بل إن الثقافة هي التي تميز الجنس البشري عن غيره من الأجناس، "لان
الثقافة هي التي تؤكد الصفة الإنسانية في البشر"(2)، وفي بحثنا
المتواضع هذا، لا نستطيع سبر أغوار الثقافة وتبيان تفاصيلها
الدقيقة لأنه كما اشرنا سلفا توجد دراسات متعددة تناولت الموضوع
بشكل موسع ودقيق وإنما سنكتفي بعرض بعض المفاهيم التي تعطي دلالة
للموضوع وسنبدأ بتعريف العالم الانثروبولوجي الإنكليزي "تايلور
1871" الذي عرف الثقافة على إنها " ذلك الكل المعقد الذي يتضمن
المعرفة والعقيدة والفن والأخلاق والقانون والتقاليد، وكل ما
يكتسبه الإنسان باعتباره عضوا في مجتمع إنساني"(3)، تايلور في
مفهومه هذا ركز على إبراز الجانب المعنوي في الثقافة من خلال
تأكيده على السلوك والأخلاق والعقائد والفن والتقاليد..الخ، ودورها
في بناء الحياة الإنسانية، وقد تأثر بعض الكتاب والمفكرين العرب
والأجانب بما ذهب إليه تايلور ومن بين هؤلاء ما جاء به عبد العزيز
الدوري عن الثقافة بقوله إنها " شؤون الفكر والأدب والفن والقيم"(4)،
وكذلك الجابري الذي رأى بالثقافة "ذلك المركب المتجانس من الذكريات
والتصورات والقيم والرموز والتعبيرات والإبداعات التي تحتفظ لجماعة
بشرية بهويتها الحضارية"(5). إلى جوار الجانب المعنوي في تحديد
مفهوم الثقافة هناك أيضا الجانب المادي الذي ركز عليه بعض الباحثين
والذي عد بمثابة العامل المكمل للجانب الأخر حيث نجد روبرت بيرستد
" 1963" يعرف الثقافة على إنها "هي ذلك الكل المركب الذي يتألف من
كل ما نفكر فيه، أو نقوم بعمله، أو نمتلكه كأعضاء في المجتمع"(6)،
يبرز هذا التعريف الصيغة التآلفية للثقافة لتصبح ظاهرة مركبة تتكون
من عناصر بعضها فكري وبعضها سلوكي وبعضها مادي، كذلك نجد محيي
الدين صابر عام 1978 ركز على الجانبين عند تعريفه للثقافة عندما
أشار لها بأنها "مجموعة معارف المجتمع ومهاراته وخبراته المكتسبة،
والتي يوظفها للقدرة على تجاوز الواقع وقهر تحديات العصر والمصير"(7)،
وعلى نفس المسار ذهبت منظمة اليونسكو عام 1982 عندما عرفة الثقافة
على إنها "جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي
تميز مجتمعا بعينه أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل الفنون
والآداب وطرائق الحياة، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم
القيم والتقاليد والمعتقدات"(8)، بعد إن تطرقنا لمفهوم الثقافة
ننتقل في الفقرة اللاحقة إلى تبيان الثقافة السياسية باعتبارها
مدخل أساس للموضوع.
المبحث الثاني
الثقافة السياسية
أولا: مفهوم الثقافة السياسية
الثقافة السياسية من الموضوعات الحديثة نسبيا في علم السياسة، لذلك
مسالة تحديد مفهوم واضح ودقيق لها اكتنفه الغموض في بداية الأمر
نتيجة الصعوبات الناجمة عن اختلافات وجهات النظر بين العاملين في
علم السياسة، لكن مع ذلك ظهرت العديد من الدراسات القيمة حول
الموضوع التي أزالت تدريجيا هذا الغموض، وبينت تفاصيله الدقيقة من
هذه الدراسات ما جاء به العالم الأمريكي غابريل الموند عام 1956
عندما استخدم الثقافة السياسية كبعد من أبعاد تحليل النظام السياسي
حيث عرفها على إنها "مجموعة من المواثيق والمعتقدات والمشاعر التي
تدور حول السياسة الجارية في دولة ما في فترة زمنية معينة" (9)،
أما دائرة المعـارف الدوليـة للعـلوم الاجتماعية فقد عرفتها بـ"
مجموعة الاتجاهات والمعتقدات والقيم التي تنظم وتعطي معنى للنظام
السياسي"(10)، أما لوسيان باي فقد عرفها على إنها" مجموعة
الاتجاهات والمعتقدات والمشاعر التي تعطي نظاما ومعنى للعملية
السياسية، وتقدم القواعد المستقرة التي تحكم تصرفات الأفراد داخل
النظام السياسي"(11)، وهناك من يعرفها على إنها "مجموعة التوجهات
إزاء عملية الحكم مثل الاتجاهات نحو ما تفعله الحكومة وما يجب أن
تفعله"(12).
من خلال ما تم ذكره سلفا يمكن القول إن الثقافة السياسية قد تنتقل
من جيل إلى أخر لكن عملية انتقالها هي ليست مسلمات ثابتة لا تتغير،
وإنما هي عرضة لقدر من التغيير من جيل لأخر، بل ومن وقت لأخر حتى
وان كان في نفس الجيل، نظراً للظروف والمتغيرات السياسية
والاجتماعية والثقافية...الخ من المتغيرات المحيطة، وبما إن
الثقافة السياسية اعتبرت بمنزلة أنماط حياة قابلة للاختبار
والتجربة، وعرضه للجدال بين الناس إذا هي قابلة للتغيير.
ثانيا: سمات الثقافة السياسية
حددت العديد من الدراسات المتخصصة السمات الرئيسة للثقافة السياسية
وكما يأتي:
1. تمثل الثقافة السياسية محصلة تفاعل الخبرة التاريخية والوضع
الجغرافي والمعتقدات الدينية والظروف الاجتماعية-الاقتصادية ونمط
الحكم السائد(13).
2. الثقافة السياسية فرعا من الثقافة العامة للمجتمع، وهي بذلك
تمثل الجوانب السياسية للثقافة.
3. تتأثر الثقافة السياسية بالرأي العام، بمعنى إذا اتسم الأخير
بقضية محددة لفترة زمنية طويلة نسبيا يمكن لقيمه أن تتحول إلى جزء
من نسق القيم التي تشتمل عليها الثقافة السياسية(14).
4. الثقافة السياسية متنوعة في روافدها وهي بذلك تختلف عن
الأيديولوجية فالأخيرة ممنهجة وتتميز بدرجة عالية من الانتقائية
وتتمتع بقـدر كبير من التجانس ألقيمي في حين إن الثقافة السياسية
غير ممنهجة وعملية تطورها ونموها يخضع لتفاعل مجموعة كبيرة من
المتغيرات التي تم ذكرها في الفقرة(1) آنفا.
5. إنها ليست مؤسسية، بمعنى أنها رغم ارتباطها بالنظـام السياسي لا
تأخذ طابعا مؤسساتياً(15).
ثالثا: أنماط الثقافة السياسية
أن هناك ثلاث أنماط أساسية للثقافة السياسية يتم من خلالها تحديد
نظرة الفرد لتأثيره الخاص بالعملية السياسية، ونظرته إلى السلطة
السياسية أو إلى الأفراد الذين يشغلون الأدوار في النظام السياسي
في وقت معين، والتوجهات إلى شكل النظام السياسي، وهذه الأنماط هي:
1. ثقافة سياسية تقليدية: يقصد بهذا النمط انعدام وعي الأفراد عن
كل ما يتعلق بالنظام السياسي، وليس لديهم أي إدراك حول تأثيرهم
الممكن في العملية السياسية أو النظام السياسي أو التزامهم تجاهه،
والثقافة السياسية وفق هذا النمط محدودة، وعليه فان البنية
السياسية المرتبطة بهذا النوع من الثقافة هي تقليدية غير مركزية
إلى حد كبير(16).
2. ثقافة الخضوع: هذا النمط من الثقافة يختلف عن النمط السابق حيث
يدرك الأفراد بأنهم جزء من النظام السياسي ويدركون تأثيره المحتمل
على حياتهم، وتكون نظرتهم إلى دورهم الخاص في السياسة نظرة تابعة
تتأثر بأفعال الحكومة ولكنهم لا يمتلكون دورا في تشكيلها، فهم
يتأثرون بالعملية السياسية ولا يؤثرون عليها، وعليه فان الثقافة
السياسية هنا تكون منخفضة،والبنية السياسية المرتبطة بهذا النمط هي
بنية سلطوية وممركزة(17).
3. ثقافة المشاركة: يقصد بهذا النمط من الثقافة هو وعي المواطنين
بنوعية المطالب الموجهة للنظام السياسي، وكذلك إدراكهم لحقوقهم
السياسية وضرورة ممارستها، وبذلك يمتلكون التأثير في مجريات
العملية السياسية بأسرها وبوسائل متعددة منها على سبيل المثال لا
الحصر" الانتخابات، المظاهرات، الشكاوى، تنظيم مجموعات الضغط، حرية
التعبير عن طريق الصحافة أو الأعلام ...الخ" من جانب، ومن جانب أخر
عليهم الالتزام بمخرجات النظام السياسي، وبذلك تكون الثقافة
السياسية هنا عالية، والبنية السياسية هي بنية ديمقراطية باعتبار
إن المشاركة هي عنصر جوهري من المواطنة، والمشاركة السياسية تولد
مجموعة من الفوائد للمجتمع، فما هي هذه الفوائد؟
المبحث الثالث
فوائد المشاركة السياسية
ثقافة المشاركة السياسية توفر للمجتمع مجموعة من الفوائد أهمها
الآتي(18):
1. من خلال المشاركة السياسية يستطيع الأفراد عن طريقها مناقشة
قضايا اليوم، ويدلون بأصواتهم، ويشاركون بنشاط في عمليات صنع
القرار التي تشكل المجتمع ونظام الحكم، أن يحقق ذاته وعندما يحقق
الإنسان ذاته يستطيع أن ينظم إلى المعترك السياسي، وان يقف ليستمع
الناس إلى رأيه ويحسبون له حساب وان يكون مشاركا نشطا في تحقيق
الديمقراطية، وليس متفرجا سلبيا، وعليه فان المشاركة السياسية هي
طريق لتحقيق ألذات الفردية للإنسان، كما إن كرامة الفرد تزداد
بالاعتراف بحقه في المشاركة في حكم الناس لأنفسهم جماعيا.
2. السعي لمعرفة الحقيقة السياسية، عن طريق إتباع سياسة حكيمة على
المدى البعيد يتم من خلالها تحديد الجهة التي تحقق اكبر قدر ممكن
من المنافع للناس، وهذا ما تقرره صناديق الاقتراع أثناء الانتخابات.
3. تسهيل الوصول إلى حكم الأغلبية، لأنه كما هو معلوم إن قرارات
الأمة تمثل رغبات الإرادة العامة للمجتمع.
4. المشاركة السياسية، كبحت جماح الطغيان والفساد والاستبداد
والعجز في الأداء، وبالتالي فان السيادة النهائية تبقى للشعب الذي
يصبح دوره مهم فـي الكشف عن الفسـاد، وان يوقف التجاوزات الطغيانية،
وان يلزم الحكومة حدود الميثاق الذي عن طريقه جاء الناس بها إلى
السلطة، وذلك من خلال الرقابة على أعمال الحكومة من قبل ممثلي
الشعب أو من قبل الشعب نفسه عن طريق الاحتجاجات أو المظاهرات
السلمية أو المظاهـر الأخـرى المعبرة عن رأي الشعب بعيدا عن العنف.
5. المشاركة السياسية، تولد الاستقرار داخل المجتمع، وهذا ما ذكره
القاضي لويس برانديز عندما قال"إن النظام لا يمكن التوصل إليه عن
طريق التخويف بالعقوبة على أي تجاوز فقط، إذ إن التخويف يولد القمع،
والقمع يولد الكراهية، والكراهية تهدد استقرار الحكم، وان طريق
ألامان هو أن تتاح الفرصة لمناقشة شكاوى الناس ومظالمهم وبحرية،
وان نناقش كذلك بحرية طرق العلاج المقترحة لهذه المظالم، كما إن
العلاج الناجح للنصائح السيئة هو تقديم النصائح الجيدة"(19)، وبذلك
لكي يتم المحافظة على المجتمع من الانفجار نتيجة التوترات
المتراكمة يجب أن توجد هنالك منافذ لهؤلاء الناس لكي يعبروا عن ما
يجيش في صدورهم، وهذا الانفتاح والمصارحة يؤدي إلى المرونة وسرعة
الانتعاش ويبتعد عن الكره والعنف.
6. في الدول التي تتبنى ثقافة المشاركة السياسية تسمح بمقدار واسع
من حرية التعبير الشخصي للمواطنين، حتى تصل في بعض الأحيان إلى أن
يكون هناك حوار حول أعمال الحكومة وجعلها تحت ضوء الفحص والتدقيق
العام من قبل المواطنين، الأمر الذي يجعل أعمال وإجراءات الحكومة
واضحة للجمهور أثناء ممارستها.
هذا النمط من الثقافة "ثقافة المشاركة" وصلت إليه إلى حد ما الدول
المتقدمة لما لديها من ارث ديمقراطي قديم، حيث أصبحت سمة الدولة في
نظم هذه الدول تتجسد بمدى مشاركة الأفراد في الحياة السياسية لغرض
المحافظة على النظام في حدود القانون(20)، الأمر الذي يعكس مدى
التطابق الحاصل ما بين الثقافة السياسية والبنية السياسية في تلك
الدول وهذا التطابق ضروري لتامين استقرار النظام.
أما فيما يتعلق بالعراق باعتباره اليوم على بوابة الانتقال
الديمقراطي فقد عانى الكثير طيلة تاريخه السياسي، وخاصة فيما يتعلق
بمسالة المشاركة السياسية حيث نجد الأتي:
1. الثقافة السياسية لدى المواطنين كانت ثقافة خضوع، حيث كان
المواطنين يدركون بأنهم جزءا من النظام السياسي ولديهم وجهات نظر
سلبية كانت أم ايجابية تجاه النظام السياسي ومؤسساته لكن بسبب
البنية السلطوية للنظام السياسي آنذاك اقتصر دور الأفراد على
استقبال مخرجـات النظـام السياسي دون التأثير بمدخلاته ولو بشئ
بسيط .
2. غياب مؤسسات المجتمع المدني عن ساحة العمل السياسي وانعدام فرص
المشاركة السياسية الفعلية والمنظمة التي تقدمها هذه المؤسسات
للمواطنين نتيجة قمع النظام لهذه المؤسسات أو محاولة تحجيم دورها
وربطها ببناه السياسية واستيعاب دورها في إطار العمل لكسب التأييد
الشعبي والشرعية السياسية.
3. عدم وجود مشاركة سياسية حقيقية وفعلية، حيث كانت جميع الممارسات
الديمقراطية تتم في جو من التزييف والتضليل والمراءاة ليس إلا،
الأمر الذي افرغ المشاركة السياسية من محتواها الحقيقي أو جوهرها
الديمقراطي، وبذلك انعدمت الثقة بمثل هكذا ممارسات.
4. لم تكن هناك تعددية سياسية في الأحزاب من الناحية الفعلية، لذلك
كانت السلطة والمجال السياسي مغلق لفئة معينة ولحزب معين لذلك كانت
المشاركة السياسية غير مجدية وغير فعالة، وعليه فان عملية الانتقال
الديمقراطي وتوسيع حجم المشاركة السياسية التي تعرف على إنها "عملية
طوعية يندفع صوبها المواطنون عبر مؤسساتهم وتنظيماتهم المدنية،
انطلاقا من دوافع ذاتية ونتيجة لتأثرهم بعدد من المحفزات والمنبهات
والمتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بمعزل عن
تأثر أدوات و بنى النظم كالحكومة أو الحزب أو القائد‘‘(21) تتطلب
القيام بمجموعة من الأمور التي لها أهمية كبيرة جدا في عملية
التحول هذه وكما يأتي:
* إشاعة الثقافة المدنية الديمقراطية، والتي هي بمثابة ثقافة
سياسية جديدة، مضمون هذه الثقافة هو إحلال النزعة النسبية في وعي
السياسة والمجال السياسي محل النزعة الشمولية، وحل التوافق
والتراضي والتعاقد والتنازل السلمي المتبادل محل قواعد التسلط
والاحتكار والإلغاء، فبذلك ينفتح المجال السياسي أمام المشاركة
الطبيعية للجميع دون استثناء وتفتح معه السلطة أمام إرادة التداول
السلمي عليها.
* بناء وتطوير المؤسسات السياسية داخل الدولة، الأمر الذي يؤدي إلى
اتساع عملية المشاركة السياسية من جهة، والسماح بوجود مشاركة
سياسية فعلية وحقيقية من جهة أخرى.
* من اجل ضمان التحول الديمقراطي لابد من أن تأخذ مؤسسات المجتمع
المدني دورها الحقيقي في تنمية المشاركة السياسية للمواطنين، من
خلال تهيئة المناخ الملائم لدورها الديمقراطي عبر تعميم الثقافة
السياسية الديمقراطية الجديدة، ومنع تدخل الدولة في نشاطات هذه
المؤسسات وتوفير الحرية التامة للتعبير عن الرأي والمساهمة الفعالة
لهذه المؤسسات من خلال آلية ديمقراطية، وهكذا كلما قويت مؤسسات
المجتمع المدني وازدادت فاعليتها ضعفت قدرة الدولة على التعسف إزاء
حقوق المواطنين وحرياتهم، والعكس صحيح أي كلما ضعفت هذه المؤسسات
بالمقابل ازداد تعسف سلطة الدولة إزاء المواطنين واغتصاب حقوقهم
وحرياتهم.
* حرية الصحافة والإعلام بكل أشكاله المرئية والسمعية والمكتوبة
وتوسيع التعليم وبرامجه من ندوات ومؤتمرات ومحاضرات...الخ، من
شانها أن تولد ارتفاع في معدلات النمو الثقافي للمجتمع وبتعاظم هذا
الوعي بشكل مستمر سيؤدي إلى اتساع الثقافة الديمقراطية والوعي
بالديمقراطية ذاتها مما سيوفر الخطوات الأساسية الأولى للانتقال
الصحيح نحو المشاركة السياسية.
* إفصاح الأحزاب والتيارات السياسية عن برامجها وخططها وأهدافها
عبر وسائل إعلامها المتعددة، لكي يكون المجتمع السياسي على بيّنة
واضحة من هذه الأحزاب والتيارات السياسية، وبذلك فان الناخب أثناء
العملية الانتخابية عندما يتوجه إلى صناديق الاقتراع سيدلي بصوته
بشكل يعبر عن قناعاته الذاتية دون أي ثير خارجي، وهذه هي
الديمقراطية بعينها، الأمر الذي يؤدي إلى إعادة الثقة بالمشاركة
السياسية وإرجاعها إلى محتواها الحقيقي بعد أن تم سلبه منها.
* الدولة التي تتبنى الديمقراطية، يتوجب عليها أن تحرص على توفير
المناخ الملائم للديمقراطية من خلال فسح المجال أمام حرية الكلام "حرية
التعبير"، وحرية العقيدة، وحرية الارتباط والتجمع السياسي
والاجتماعي والثقافي، وحرية المسيرات وحرية عقد الاجتماع السلمي
... الخ، هذه الحريات إذا توفرت بدون قيود ستولد شعورا داخليا لدى
المواطنين بالراحة وإدراكا بالذات، وهما عنصران أساسيان لتحقيق ذات
الفرد وكيانه.
* المشاركة السياسية لكي تكون فعالة وتؤدي الغرض الذي وجدت من اجله
لابد من تحسين الأوضاع الاقتصادية، وهذا ما ذهب إليه العديد من
الكتاب والمحللين أمثال راسل وهاكسلي الذين يرون بعدم فائدة الحقوق
والحريات السياسية والبطون خاوية، إذ إن الإنسان يتجه نحو صناديق
الاقتراع وهو لا يملك ثمن رغيف الخبز، طبيعي انه سيبيع صوته لكي
يأكل به، لذلك لابد من تحسين الأوضاع الاقتصادية والقضاء على
البطالة وتحقيق العدالة الاجتماعية والتكافل الاجتماعي...الخ، من
الأمور المهمة التي تحقق للإنسان المناخ الملائم للمشاركة السياسية
الصادقة البعيدة عن كل تأثير.
هوامش الفصل الأول
1. نظرية الثقافة، مجموعة من الكتاب، ترجمة د.علي سيد الصادي،
مراجعة وتقديم د.الفاروق زكي يونس، عالم المعرفة، الكويت، 1997، ص8
.
2. المصدر نفسه، ص 8 .
3. نقلا عن: محي الدين صابر،الثقافة العربية و تحديات المستقبل، في
"المثقف العربي همومه وعطاءه"، مجموعة باحثين، مركز دراسات الوحدة
العربية، بيروت، 1995، ص291.
4. عبد العزيز الدوري، الهوية الثقافية و التحديات، المستقبل
العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، السنة الثانية
والعشرون، العدد 248، تشرين أول 1999، ص6 .
5. نقلا عن:عدنان السيد حسين، متطلبات الأمن الثقافي العربي"دراسة
في الاستراتيجيات و السياسات"، المستقبل العربي، السنة الثانية و
العشرون، العدد246، أب 1999، ص24 .
6. نظرية الثقافة ، المصدر نفسه، ص9 – 10.
7. محي الدين صابر، الأمن الثقافي العربي و قومية المعركة،
المستقبل العربي، السنة الأولى، العدد(2)، تموز1978، ص8
8. محمد الرميحي، واقع الثقافة و مستقبلها في أقطار الخليج العربي،
المستقبل العربي، السنة الخامسة، العدد49، آذار 1983، ص45.
9. نقلا عن: د.مها عبد اللطيف الحديثي، معوقات بناء ثقافة سياسية
مشاركة في العالم الثالث، دراسات إستراتيجية، مركز الدراسات
الدولية، جامعة بغداد، العدد 4، بغداد، 1998 ص184 .
10. المصدر نفسه، ص184 .
11. كمال المنوفي، أصول النظم السياسية المقارنة، شركة الربيعان،
الكويت،1987، ص150 .
12. نظرية الثقافة، المصدر السابق، ص26.
13. كمال المنوفي، المصدر السابق، ص150.
14. د. علـي الدين هـلال، و د.نيفين مسعــد، النظــم السياسية
العربية (قضايا الاستمـرار و التغيير)، مركز دراسات الوحدة العربية،
بيروت، 2000، ص123.
15. د. عبد السـلام إبراهيـم بغدادي، الوحـدة الوطنية ومشكلة
الأقليات فـي أفريقيا، سلسلة أطروحات الدكتوراه(23)، مركز دراسـات
الوحـدة العـربية، بيروت،1993، ص57.
16. موريس دوفرجيه، علم اجتماع السياسة، ترجمة: د.سليم حداد،
المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1991، ص94.
17. المصدر نفسه، ص94.
18. رودني.أ. سموللا، حرية التعبير في مجتمع مفتوح، ترجمة :
كمال عبد الرءوف، الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية،
القاهرة، 1995،ص24-25.
19. المصدر نفسه،ص26.
20. د. احمد سويلم العمـري، أصول النظم السياسية المقارنة، الهيئة
المصـرية العامة للكتاب، القاهرة، 1976، ص92.
21. د. حسين علوان البيج، الديمقــراطية وإشكاليـــة التعاقب على
السلطة في"المسالــة الديمقراطية في الوطن العربي"، مجموعة باحثين،
مركــز دراسات الوحدة العربية، بيروت،2000، ص170.
الفصل الثاني
المجتمع المدني العراقي
إشكالية الولادة وضرورة التفعيل
خالد عليوي العرداويí
í مدرس مساعد/ كلية القانون/ جامعة كربلاء .
تمهيـــد
إذا كانت مفاهيم مثل: التحرير، الوحدة، الاستقلال، التنمية، قد
أخذت حيزا كبيرا من اهتمامات المفكرين والسياسيين العرب خلال النصف
الأول من القرن العشرين وحتى عقد الستينيات من القرن المنصرم، فمنذ
عقد السبعينيات، بدأت تحل محلها تدريجيا وبشكل متصاعد مفاهيم أخرى،
لعل من أبرزها وأكثرها رواجا في الوقت الحاضر مفهومي الديمقراطية
والمجتمع المدني، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تحول الاهتمام
الفكري من التأكيد على تحرير البلاد والعباد من المحتل الأجنبي
باستعماره القديم والجديد إلى الدعوة إلى التحرر من الاستبداد
الداخلي، بكل صورة، وجعل هذا الهدف في سلم الأولويات التي يتوقف
عليها تحقيق أهداف المجتمع الأخرى.
وإذا كانت بعض البلدان العربية (مصر، الأردن، المغرب، البحرين،
الكويت، الإمارات العربية المتحدة) قد تناولت موضوع المجتمع المدني
على صعيدي الفكر أو الممارسة لاسيما خلال العقد الأخير فان الأمر
المثير عند تحليل موضوع المجتمع المدني العراقي هواننا لا نواجه
مجتمعا مدنيا حقيقيا، بل نواجه مجتمعا مدنيا مفترضا أو في طور
الإنشاء، فخلال المدة التي سبقت 9/4/2003 لم تكن هناك بحوث جديه في
هذا المجال، لان الأنظمة الحاكمة آنذاك كانت تحاول فرض نفسها
بالقوة القاهرة على كل صغيرة وكبيرة في حياة الناس، وتمنع أية
معارضة أو اختلاف حتى ولو كان بنية الإصلاح، وهذا الأمر يجعل
البحوث التي تتناول الموضوع الآن بحوثا تأسيسية تواجه صعوبات
جمــة، لأنها تتعامل مع واقـع غيـر طبيعي، عانى من التهميش في كل
شيء، وخاصة التهميش الذي جرى لمؤسسات المجتمع المدني العراقي، حتى
إن المرء يتساءل أحيانا هل يوجد مجتمع مدني حقيقي في العراق ؟.
إن ما حصل بعد سقوط النظام السابق من ظهور فجائي للمؤسسات والقوى
والأحزاب السياسية والمهنية والدينية، فهو وان بذر البذور الأولى
نحو تشكيل المجتمع المدني، إلا إن الملاحظ إن هذه البذور قد نثرت
في ظرف غير طبيعي، وفي ارض مجدبة للغاية تفتقر إلى كثير من متطلبات
النجاح، إلا انه على الرغم من ذلك، يجب أن لا تترك الأمور تجري على
عواهنها بدون وضع رؤية صحيحة تشير إلى الصواب والخطأ فيها، وعليه
فان هذه الدراسة تحاول أن تسير خطوة في هذا الطريق الطويل، وصولا
إلى تحقيق هدف الحرية والخلاص من الاستبداد الداخلي بكل أشكاله،
الذي ندعو إليه جميعا .
يتضمن هذا الفصل ثلاثة مباحث: المبحث الأول بعنوان" تعريف بالمجتمع
المدني"، والمبحث الثاني "أسباب تخلف المجتمع المدني"، أما المبحث
الأخير الثالث فهو" أطر تفعيل المجتمع المدني العراقي".
المبحث الأول
تعريف بالمجتمع المدني
لقد ظهر مفهوم المجتمع المدني لأول مرة في القرن الثامن عشر في
إطار نظرية العقد الاجتماعي، وكان فيها رديفا للمجتمع السياسي
"الدولة" (1)، ثم حاول "هيغل" ومن بعده" ماركس" التفريق بين
المفهومين، واعتبرا مع اختلاف الرؤية إن المجتمع المدني يمثل
الفضاء الذي يجري فيه الصراع الاقتصادي بين قوى المجتمع(2)، ثم
تقدم المفكر الإيطالي انطونيو غرامشي خطوة بالمفهوم، فاعتبره مجالا
لتنافس الايدولوجيا في المجتمع(3)، واليوم توجد عشرات التعريفات
للمجتمع المدني، إلا إنها تكاد تتفق على انه "مجموعة التنظيمات
الطوعية الحرة التي تملئ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق
مصالح أفرادها ملتزمة بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح
والإدارة السليمة للتنوع والخلاف" (4).
ومن هذا التعريف نجد إن السمات الرئيسة للمجتمع المدني هي :
1. الطوعية: حيث أن المؤسسات التي يتكون منها المجتمع المدني، يكون
الانتماء إليها والخروج منها طوعيا وليس مفروضا بالقوة وبدون إرادة
الفرد، وبخلاف ذلك لا تكون المؤسسة تنتمي إلى مجتمع مدني حقيقي.
2. الاستقلالية: إن مؤسسات المجتمع المدني، يجب أن لا تكون خاضعة
للسلطة في تحديد طريقة تشكلها وتحركها"مع احترامها لقانون الدولة"،
لكي تتمكن من التأثير على سلطة الدولة ومنعها من السير في طريق
الاستبداد.
3. التنظيم: لا يكون العمل في مؤسسات المجتمع المدني فوضويا أو
عشوائيا، بل يكون عملا منظما يدل على وعي أفرادها.
4. الجماعية: إذ تعتمد مؤسسات المجتمع المدني على الجهد الجماعي
لتحقيق أهدافها، وهذا يعطيها القوة والتأثير في عملها.
5. البعد الأخلاقي- السلوكي: حيث تستند مؤسسات المجتمع المدني إلى
منظومة أخلاقية- سلوكية، تعتمد المواطنة، والحوار، والتسامح،
والاعتراف بالأخر، واحترام الرأي المخالف، والتنافس والصراع السلمي
بدلا من العنف والإقصاء وتمجيد ألذات.
لقد كان ظهور مفهوم المجتمع المدني، نتيجة لتطورات سياسية
واقتصادية واجتماعية عصفت بالبلدان الأوربية وأخرجتها من أوضاع
القرون الوسطى إلى أوضاع جديدة تختلف عنها تمام الاختلاف، وان أية
محاولة لجر المفهوم إلى القرون الوسطى لتفسيره تعد خطأ جسيما، وقد
وقع في هذا الخطأ بعض الكتاب العرب(5)، عندما رفضوا المفهوم بحجة
انتماءه إلى الفكر الغربي واستحضروا مفاهيم بديلة كمفهوم المجتمع
الأهلي "التقليدي" لكون الأخير (حسب رأيهم) أكثر انسجاما مع
ثقافتنا، دون أن ينتبهوا إلى اختلاف طبيعة وظروف كلا المفهومين،
فالمجتمع الأهلي هو ذلك المجتمع الذي تسوده غالبا صفة الجبرية في
الانتماء إلى روابطه وتنظيماته، كالانتماء إلى الأسرة والقبيلة
والعشيرة، والطائفة...الخ، والذي يكرس الخضوع للسلطة في كثير من
الأحيان، وتستخدمه الأخيرة غالبا في قمع معارضيها .
ونحـن إذ نرفض هذه المقارنة بين المفهومين، فان ذلك لا يعـود إلى
انتقاصنا من المجتمع الأهلي، بل هي محاولة لوضع المفاهيـم فـي
إطارها الصحيح، فكل من المجتمعين له ظروفه الخاصـة، السياسيـة،
والاقتصاديـة، والاجتماعية التـي ينمو ويترعرع فيها، ونجد في كثير
من الأحيان في البلدان العربية حالة من التعايش، بل وحتى الصراع
بين الاثنين إلا إن طموحنا هو في تحويل مجتمعنا الأهلي إلى مجتمع
مدني سليم يساهم في بناء دولة ديمقراطية صالحة.
والتركيز على المجتمع المدني في بناء دولة ديمقراطية، لا ينبعث من
الرغبة في خلق قوة معارضة للدولة، بل إن العلاقة بين الأخيرة
ومجتمعها المدني، يجب أن تقوم على الحوار والتعاون وتصحيح الأخطاء،
إذ لا يمكن للمجتمع المدني أن ينشا بدون دولة قوية ترعاه وتحميه،
كما لا يمكن لدولة ديمقراطية أن تقوم بدون مجتمع مدني يؤيدها
ويؤازرها، " فالدولة والمجتمع المدني واقعان متلازمان، الدولة
تستمد من المجتمع المدني قيمها وقواها وسياساتها، ومن ثم فلا بد من
وجود درجة من درجات السيطرة للدولة على مجتمعها المدني، وفي نفس
الوقت، تمثل الدولة الوعاء أو الإطار الذي يحتضن ويؤطر حركة
المجتمع المدني ونشاطه"(6). أما مكونات المجتمع المدني فهي:
الأحزاب السياسية "خارج السلطة"، النقابات المهنية، المنظمات
الدينية، جمعيات حقوق الإنسان، النوادي الاجتماعية، الصحافة
المستقلة، المنظمات غير الحكومية الأخرى.
المبحث الثاني
أسباب تخلف المجتمع المدني العراقي
عند دراسة تاريخ العراق الحديث منذ نشوء الدولة العراقية عام 1921
والى الوقت الحاضر، نجد إن هناك تضخما كبيرا لجهاز السلطة
"الدولـة" على حساب المجتمع بالشكل الذي يجعل الأخير مخترقا
بالكامل من قبلها (سياسيا، واقتصاديا، وثقافيا، واجتماعيا) وإذا
كان نظام الحكم في العهد الملكي قد سمح نوعا ما بوجود مظاهر لمجتمع
مدني، فانه ومنذ العهد الجمهوري عام 1958، جرت محاولات متواصلة من
النخب الحاكمة لتهميش وإلغاء المجتمع المدني، حتى أصبحنا لا نرى
مجتمعا مدنيا فعليا، بل مجتمعا أهليا خاضعا للسلطة.
أما الأسباب التي أدت إلى تفرعن واستبداد السلطة الحاكمة في العراق
بالشكل المذكور آنفا، فهي:
أولا: الأسباب السياسية
تتجلى هذه الأسباب في الأتي:
1. عدم استقرار الحياة السياسية العراقية، وتوالي الانقلابات
العسكرية في هذا البلد منذ عام 1958 إلى عام 1968، تلك الانقلابات
التي جاءت بحكام لا يعرفون إلا لغة العسكر القائمة على الأمر
والطاعة، وعدم قبول الأخر، إضافة إلى انعدام الرؤية السياسية
الصحيحة لديهم لمعالجة مشاكل الواقع العراقي.
2. نتيجة للفقرة آنفا، لم يشهد العراق قيام حياة دستورية سليمة
تتمثل في وجود دستور دائم مستفتى عليه، يحدد صلاحيات الحكام ويمنع
استبدادهم، بل ظل البلد محكوما بقوانين الطوارئ والأحكام العرفية،
والدساتير المؤقتة التي يصدرها الحكام من اجل تكريس السلطات
بأيديهم.
3. لم تتسم العلاقات بين مؤسسات المجتمع المدني العراقي الوليدة في
العهد الملكي وبداية العهد الجمهوري بالحوار وقبول الأخر، والتنافس
والصراع السلمي، بل كانت علاقات يسودها الصراع السلبي، الذي يدل
على انعدام الوعي السياسي، ولعل خير دليل على ذلك، هو ظهور أحزاب
سياسية تحمل إيديولوجيات اقصائية للأخر، تسيطر عليها فكرة واحدة
هي: "يجب أن يكون الحزب وأهدافه بسلام، يجب أن لا يكون هناك أفراد
معارضون وأعداء للحزب داخل الحزب وداخل العراق وخارجه" (7)، وهذه
الأحزاب دفعت الأمور باتجاه الاحتراب الداخلي الذي أدى إلى تخندق
مؤسسات المجتمع المدني العراقي الواحدة ضد الأخرى، وغالبا ما كان
نظام الحكم، يتدخل لاعبا على وتر فرق تسد لزيادة هذه الخلافات،
وجعل المجتمع العراقي يتصارع حزبيا وفئويا وطائفيا، بل وحتى
مناطقيا، في الوقت الذي يكون هو بعيدا عن دائرة النقد لتصرفاته
المستبدة.
4. لقد كان العراق، وما يزال ميدانا ساخنا تجري على أرضه صراعات
القوى الكبرى، ولا سيما خلال مدة الحرب الباردة، وهذا الأمر يجعل
تلك القوى حريصة على أن يكون لها دور مؤثر فيه، وتستغل لتحقيق هذا
الهدف كل قدراتها (السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والعسكرية-
المخابراتية)، مما أدى إلى زيادة الاضطراب في الأوضاع العراقية
المختلفة ومنعها من السير سيرا طبيعيا يساعد على بناء مجتمع مدني
سليم.
ثانيا: الأسباب الاقتصادية
الاستبداد عنوان كبير لعدة مظاهر بشعة، ومن الأسباب الاقتصادية
التي ساعدت الاستبداد على الترعرع في البيئة العراقية هي:
1. إن الفلسفة الاقتصادية التي سيطرت على أنظمة الحكم العراقية،
لاسيما في العهد الجمهوري، تعتمد على أسلوب ملكية الدولة الكاملة
لوسائل الإنتاج، وهذا جعل الدولة هي الرأسمالي الوحيد في البلد،
وإذ نقر بضرورة أن يكون للدولة دورا في إدارة الاقتصاد الوطني،
فانه في الوقت نفسه نرفض جعلها المحتكر الوحيد للقوة الاقتصادية.
2. إن الاقتصاد العراقي هو اقتصاد ريعي نفطي أولا، وزراعي ثانيا،
وهذا الأمر، ساعد الدولة على الإمساك بقوة الاقتصاد، والتأثير من
خلالها في المجتمع عموما، وفي مؤسسات المجتمع المدني بشكل خاص، إذ
أصبح اعتماد المجتمع اقتصاديا على الدولة، دون أن يرى إمكانية
العيش والعمل خارج إطارها، وسيادة الاقتصاد ألريعي أدت إلى سيادة
ثقافة الخضوع إلى السلطة كيفما كانت.
3. لا وجود لقطاع خاص متطور، يكون فاعلا ومؤثرا في السلطة لحملها
على الاستجابة لمطالب الشعب.
ثالثا: الأسباب الثقافية
يفتقر الشعب العراقي إلى المنظومة القيمية السلوكية اللازمة لنمو
وتطور مؤسسات المجتمع المدني بسبب:
1. غلبة روابط ومنظمات المجتمع الأهلي" التقليدي"، ذات الطابع
الريفي، التي تشجع على غرس ثقافة الخضوع، والقضاء والقدر، وعدم
الخروج على التقاليد...الخ.
2. على الرغم من إن موروثنا الثقافي فيه الكثير من الصفحات
المشرقة، التي يمكن من خلالها محاربة الاستبداد، وبناء دولة
ديمقراطية حقيقية، إلا إن السائد حاليا من هذا الموروث بين أبناء
الشعب، يحمل في ثناياه عدة أبعاد لا تشجع على الحوار والتسامح
وبناء ثقافة المشاركة، وذلك لأنه :
* يتم استحضار الموروث الثقافي بكل تناقضاته وصراعاته، ومحاولة
فرضها على قضايا الواقع الراهن، حتى تصبح خلافات الطوائف وشخوص
الماضي ذات الأثر الأكبر في بناء ثقافة أفراد المجتمع، وهذا يؤدي
إلى تمزيق هويات المجتمع و ولاءاته، ويمنع بناء ثقافة وطنية واحدة
تسودها روح المواطنة.
* استرجاع فكرة تراثية ذات طبيعة إخضاعية هي فكرة الأمير البطل أو"
البطل المخلص"(8)، وهي فكرة توجد في كل الموروث العربي- الإسلامي،
حتى وصل الأمر بـ" محمد عابد الجابري" إلى القول: إن العقل العربي
"..مسكون ببنية المماثلة بين الإله والأمير" (9)، وسيادة هذه
الفكــرة في الثقافة العراقية–بشكل مبالغ فيه- تجعل الشعب لا يعتقد
بدوره في صناعة مصيره، بل دائما ينتظر البطل الذي يقوده لتحقيق
ذلك.
* عملت الأنظمة السياسية العراقية المتعاقبة على فرض رؤية سياسية
واحدة تمثلها السلطة، وشجعت انتشار ثقافة الخضوع من خلال:
* خلق حالة من تبعية الثقافة والمثقفين للسلطة وبشتى السبل، وأية
رؤية مخالفة يتم إسكاتها أو نفيها.
* السيطرة المطلقة على وسائل الإعلام، ومنع نشوء إعلام مستقل عن
السلطة، وبالتالي يتم التلاعب من خلال الإعلام بقيم وقناعات وعواطف
الناس لصالح السلطة التي تختزل في شخص الحاكم.
المبحث الثالث
أطر تفعيل المجتمع المدني العراقي
إن الأطر اللازمة لتفعيل المجتمع المدني العراقي، يجب أن تكون
مناسبة لمعالجة الأسباب التي أدت إلى تخلف هذا المجتمع وتعطيل دوره
في بناء وتنمية الوطن والمواطن، لذا فان هذه الدراسة تركز على
الأطر الآتية:
أولا: الإطار القانوني
نقصد بهذا الإطار ضرورة العمل على وضع دستور عراقي يتميز بـ:
* انه دستور دائم وغير مؤقت.
* إن المجلس الدستوري الذي يصوغ بنوده يجب أن يحضى بثقة الشعب، ولا
يكون مجلسا صوريا يخدم رغبات الحكام.
* أن يتم طرح الدستور على استفتاء شعبي عام يعبر فيه المواطن عن
رأيه في الدستور بدون تقييد، حتى يكتسب الدستور الشرعية السياسية
اللازمة لاحترامه والعمل به.
* باستثناء بعض النصوص التي يكون جمودها في مصلحة الشعب، ينبغي أن
يكون الدستور قابلا للتعديل متى ما اقتضت مصلحة الشعب ذلك، كما
ينبغي أن تكون فيه بنود تؤكد على حرية تشكيل وتحرك مؤسسات المجتمع
المدني.
أما ما يتضمنه هذا الدستور من قواعد دستورية، فإنها يجب أن تحقق
تلك المبادئ الخمسة التي وضعها الدكتور"علي خليفة الكواري"
واعتبرها الأسس العامة المشتركة لأي دستور ديمقراطي وهي(10):
1. لا سيادة لفرد أو لقلة على الشعب.
2. سيطرة أحكام القانون، وان يكون الناس سواسية أمام القانون.
3. عدم الجمع بين السلطات، إذ إن جهاز الدولة- خاصة الحديثة- يعد
جهازا جبارا، واليد التي تجمع سلطات هذا الجهاز، يمكنها إذا ما
انحرفت، وغالبا ما تكون كذلك، أن تلحق أضرارا كارثية بالوطن
والمواطن، لذا يجب عدم السماح بذلك في الدستور العراقي المطلوب.
4. ضمان الحقوق والحريات العامة، إن الشريعة الإسلامية السمحاء،
وكل الأعراف والقوانين الدولية الخاصة بحقوق الإنسان تؤكد على
أهمية هذه الحقوق والحريات، وحتى الدساتير العراقية التي وضعت في
القرن العشرين أكدت عليها، ولكن ينبغي في الدستور العراقي المقترح
أن يضمن أيضا عدم انتهاكها.
5. تداول السلطة، إن دساتير الدول الديمقراطية تركز على مبدأ تداول
السلطة، وهذا ما يجب توفره في الدستور العراقي المقترح، في الوقت
الذي يجب فيه وضع نص دستوري جامد يحدد فترة تولي السلطة وبشكل غير
قابل للتجديد أكثر من مرة واحدة.
ثانيا: الإطار الاقتصادي
1. لقد شكل الاقتصاد العراقي، احد الأسباب التي سمحت للمجتمع
السياسي في هذا البلد بالتفرعن والاستبداد طوال القرن العشرين،
واليوم ونحن نقف في مطلع القرن الحادي والعشرين علينا تغيير ذلك من
خلال الخطوات الآتية:
2. اقتصادية تتخلى عن منطق رأسمالية الدولة الكاملة لوسائل
الإنتاج، وان يقتصر دور الدولة الاقتصادي في الجوانب ذات الأهمية
الحيوية، والتي لا يمكن للقطاع الخاص أن يقوم إلا بدور ثانوي فيها.
3. إن البقاء في ظل الاقتصاد الريعي يعد أمرا غير صحيح، لأنه في
الوقت الذي يكرس ثقافة الخضوع والطاعة للدولة، فانه يشجع نمط
الاقتصاد الاستهلاكي غير المفيد للبلد، لذا يجب أن يتم العمل على
بناء اقتصاد صناعي منتج، يأخذ بنظر الاعتبار طبيعة التطورات في
الاقتصاد الصناعي العالمي، الذي بدا يتحول من التركيز على
الصناعـات الثقيلة إلى التركيز على الصناعات الخفيفة ذات
التكنولوجية المتطورة وسريعة التسويق(11)، كما يجب أن توجد في ظل
هذا الاقتصاد نقابات مهنية قوية تتبنى مطالب أفرادها والدفاع عن
حقوقهم.
4. أن يكون للعراق قطاعا خاصا حديثا ومؤثرا في اقتصاد البلد، تعمل
الدولة على رعايته وحمايته خدمة للمصلحة الوطنية، وان لا يكون
تابعا أعمى للاقتصاد الأجنبي .
5. أن يسود في الاقتصاد العراقي بشكليه العام والخاص، تنافسا على
الكفاءة والجود، لأنه في ذلك تطوير لاقتصاد البلد، وتحقيق الثقة
الداخلية والدولية لمنتجاته.
ثالثا: الإطار الثقافي
يجب على مؤسسات المجتمع المدني العراقي، إضافة إلى المثقفين
والمفكرين في هذا البلد إن يطرحوا مشروعا ثقافيا يسعى إلى خلق
منظومة قيمية- سلوكية تتوفر فيها الاعتبارات الآتية:
1. التأكيد على مبدأ المواطنة كمبدأ أصيل لأية تجربة ديمقراطية
صحيحة، لأنه يحقق المساواة بين الأفراد، ويمنع انقسامهم لأسباب
تتعلق بالعرق أو الدين أو الطائفة أو العشيرة أو القبيلة أو
المنطقة الجغرافية..الخ.
2. تعزيز روح التسامح والمحبة بين الأفراد، وتقبل النقد والرأي
الأخر، ونبذ العنف والاحتراب الداخلي.
3. نبذ الأفكار المطلقة التي يعتقد أصحابها إنهم على حق دوما
والأخر على خطا دوما، لأنه هذه الأفكار هي المصنع لتوليد جراثيم
الاستبداد، والبيت الذي يخرج منه كل الطغاة على اختلاف انتماءاتهم.
4. أن يكون هناك إيمان بان قيادة الشعوب من اجل تنميتها، تعد قضية
أصعب من أن يقوم بها فرد واحد، أو فئة أو حزب أو طائفة واحدة، بل
هي قضية تحتاج إلى تظافر جهود جميع أبناء الوطن على اختلاف
أطيافهم.
5. أن يتم الإيمان بأنه لا توجد مشكلة أو معضلة أصعب من قدرة
الإنسان على حلها وتجاوزها، ولكن ينبغي أن تتوفر النية الحسنة
والرغبة السليمة في ذلك.
6. إن بناء أوطان متحضرة وقوية لا يتم بجرة قلم أو بجهد سنة أو
اثنتين أو جيل أو اثنين، بل هو نتاج تراكم كم هائل من الأفكار
والسنين والأجيال، لذا يجب التحلي بالصبر وهجر الأفكار التي تعتمد
سياسة حرق المراحل، واعتماد الحلول التدريجية التي تستند إلى سياسة
الخطوة – خطوة، بشرط أن تكون البدايات صحيحة.
7. يجب أن تستند العلاقات بين مؤسسات المجتمع المدني العراقي "في
طور الولادة" إلى التنافس والصراع السلمي، إضافة إلى الانسجام
والتعاون، بدلا من الاحتراب والفرقة، ذلك إن الفرقة والاحتراب بين
هذه المؤسسات يعني عدم اكتراثها بمصير البلد، كما يعني لا وعي
أفرادها السياسي.
8. يجب في هذا المشروع الثقافي، أن يعد الإنسان قيمة كبرى تحترم
إنسانيته ولا يتم الاعتداء عليها تحت أية ذريعة، لذا يجب ترك
السلوكيات التي تمرغ البشر في الوحل، في الوقت الذي يدعي أصحابها
إنهم يعملون من اجل بناء الفضيلة والخلق الرفيع.
إن ابرز النتائج التي خلصت إليها هذه الدراسة في المجتمع المدني
العراقي هي:
1. إن المجتمع المدني يشمل كافة المؤسسات والمنظمات والروابط
السياسية والدينية والمهنية غير الحكومية العاملة في الوسط الفاصل
بين الأسرة والدولة.
2. إن ظهور مفهوم المجتمع المدني كان نتيجة للتطورات السياسية
والاقتصادية والاجتماعية- الثقافية التي شهدتها أوربا خلال القرنين
الأخيرين، لذا يجب عدم إخراج المفهوم عن إطاره الصحيح، كما يجب عدم
رفضه بحجة انتماءه إلى الغرب.
3. لقد عانى العراق طوال القرن العشرين من استبداد النظام السياسي،
بالشكل الذي أدى إلى اضمحلال مجتمعه المدني وبقاءه في ظل مجتمع
أهلي تقليدي.
4. بعد عقود الاستبداد الطويلة التي أرهقت كواهلنا وأساءت إلى
إنساننا ووطننا، يجب أن نعمل على ولادة مجتمع مدني سليم من خلال
توفير الإطار القانوني"الدستوري"، والإطار الاقتصادي، والإطار
الثقافي اللازمة لذلك وفي مجال الإطار الأخير، يجب تبني مشروعا
ثقافيا لبناء المنظومة القيمية- السلوكية التي يتوقف عليها نجاح
عمل مؤسسات المجتمع المدني من قبل الجهات ذات الاختصاصات كافة.
5. إن بناء دولة ديمقراطية، وإقامة مجتمع مدني يعدان وجهان لعملة
واحدة، لذا يجب التأكيد على الترابط المصيري بين الاثنين، واعتبار
كل منهما يقود إلى الأخر ويساعد على نجاحه.
هوامش الفصل الثاني
1. د. كمال عبد اللطيف، المجتمع المدني: ملاحظات حول تشكل المفهوم
وتطوره، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، العدد 55، الكويت، 1996ص
، 66.
2. راجع : المصدر نفسه ، ص69-71.
3. د. كريم أبو حلاوة، إعادة الاعتبار لمفهوم المجتمع المدني،
سلسلة عالم الفكر، المجلد السابع والعشرين، العدد الثالث، الكويت،
المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1999، ص18.
4. د. أماني قنديل. تطور المجتمع المدني في مصر، سلسلة عالم الفكر،
المجلد السابع والعشرين، العدد الثالث، الكويت، المجلس الوطني
للثقافة والفنون والآداب، 1999،ص99.
5. من الذين استخدموا هذا التفسير، د.وجيه كوثراني وغيره من الكتاب
العرب. وللمزيد راجع:
بو علي ياسين،المثقفون العرب من سلطة الدولة إلى سلطة المجتمع
المدني، سلسلة عالـم الفكـر، المجلد السابع والعشرون، العدد
الثالث، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1999، ص47
وما بعدها.
6. د. ثناء فؤاد عبد الله، آليات التغيير الديمقراطي في الوطن
العربي، ط1، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1997، ص287.
7. عدنان الحلفي، تأسيس المجتمع المدني: دراسة في التقاليد
السياسية العراقية، ج1. ط1. دمشق، دار البراق، 1997. ص37.
8. المصدر نفسه. ص268.
9. نقلا عن:
الطاهر لبيب، علاقة المشروع الديمقراطية بالمجتمع المدني، بحث
منشور في كتاب: المسالة الديمقراطية في الوطن العربي، ط1، بيروت،
مركز دراسات الوحدة العربية، 2000، ص210.
10. د. علي خليفة الكواري، مفهوم الديمقراطية المعاصرة، بحث منشور
في كتاب: المسالة الديمقراطية في الوطن العربي، ط1، بيروت، مركز
دراسات الوحدة العربية، 2000، ص44-54.
11. راجع في ذلك: جلال أمين، عولمة القهر، ط1، القاهرة، دار
الشروق، 2002، ص59 وما بعدها.
الفصل الثالث
دور المعاهدة الدولية في وضع الدستور في ضوء قانون إدارة الدولة
العراقية في الفترة الانتقالية
صلاح جبير البصيصي
مدرس مساعد / كلية القانون / جامعة كربلاء .
تمهيـــد
تظهر الحاجة إلى الدستور أما عند ميلاد دولة جديدة وأما اثر ثورة
تقضي على دستور الدولة القديم .
ومنشأ الدستور عن طريق السلطة التي تملك وضعه وهي ما يسمى بالسلطة
التأسيسية الأصلية "السلطة المؤسسة" واختصاص هذه السلطة هو صنع
الدستور ويمكن أن نقسم الطرق التي ينشأ عنها الدستور إلى قسمين:
أولا: الطرق غير الديمقراطية.
ثانيا: الطرق الديمقراطيـة.
حيث تظهر في الطرق الغير ديمقراطية أما إرادة الحاكم وحده،
باعتباره صاحب السيادة حيث يوافق على التضحية بجزء من تلك السيادة
بصورة منحة منه إلى الشعب، وهكذا يكون الدستور وليد منحة الملك أو
الحاكم وهذا ما يسمى بطريقة المنحة في وضع الدستور.
وقد ينشأ الدستور أيضا عن طريق تلاقي إرادة الحاكم مع إرادة الشعب
بشكل عقد وهذا ما يسمى بطريقة التعاقد بوضع الدستور.
أما في الطرق الديمقراطية لوضع الدستور فنجد الدستور أما أن ينشأ
بصورة غير مباشرة من الشعب عن طريق انتخاب الشعب لهيئة تمثله لوضع
الدستور وهذا ما يسمى بطريقة الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، أو
إن الشعب يقوم بنفسه في مباشرة السلطة التأسيسية الأصلية، وذلك عن
طريق عرض مشروع الدستور على الشعب حيث لا يكتسب هذا المشروع القوة
القانونية إلا بإقرار الشعب له عن طريق الاستفتاء الشعبي وهذا ما
يسمى بطريقة الاستفتاء الشعبي بوضع الدستور، وفي الحقيقة يعتبر هذا
الطريق من أكثر الطرق ديمقراطية في وضع الدستور حيث يرى اغلب فقهاء
القانون العام إن الدستور ونضرا لخطورته ينبغي أن يعرض على الشعب
ليرى فيه رأيه فيقول كلمته الفصل في قبوله أو رفضه.
وإذا كانت هذين الطريقتين لوضع الدستور هي المتداولة بين الفقه
الدستوري إلا إن من الفقه ما يذهب للقول بوجود طريقة ثالثة لوضع
الدستور إضافة إلى الطريقتين السابقتين وهذه الطريقة هي نشوء
الدستور عن طريق معاهدة دولية، وأستدل هذا الفقه على ذلك من إن بعض
دساتير الدول وقعت عن طريق معاهدات دولية حيث نجد في القرن التاسع
عشر ظهور دساتير تؤكد ذلك مثل دستـور1815 لمملكة بولندة ودسـتور
عـام 1807 لدوقية فارسوفيا ودستور الإمبراطورية الألمانية عام
1871، وكذلك نجد إن دساتير الدول الاتحادية كثيرا ما توضع بطريق
الاتفاق الدولي كدستور الاتحاد الألماني عام 1866 وكذلك دستور
الجمهورية العربية المتحدة المؤقت لعــام 1958 إذ تضمن الأسس التي
تم الاتفاق عليها بين حكومتي مصـر وسورية في إعلان الوحدة الموقع
بينهما في شبـاط من عام 1958 وعليه يمكن القول بإمكانية وضع دستور
استنادا أو تحت تأثير معاهدة دولية تتم بين طرفين أو أكثر يتم
بموجب هذه المعاهدة تحديد نظام الحكم وشكل الدولة والحقوق والحريات
الأساسية التي يتمتع بها الشعب وبالتالي تكون هذه المعاهدة أو
الاتفاقية الإطار العام للدستور المقترح والذي قد يعطى فيما بعد
إلى جمعية تأسيسية للنظر فيه ومن ثم إقراره دون أن يعرض على الشعب
لنيل موافقته ولكنه في كل الأحوال يبقى هذا الدستور وليد الاتفاقية
التي رسمت معالمه الرئيسة.
وفي ضوء ما تقدم فأننا نحاول من خلال محورين تحديد طريقة وضع ما
يسمى بقانون إدارة الدولة العراقية في الفترة الانتقالية الذي يعد
بمثابة دستور مؤقت لجمهورية العراق خلال الفترة الانتقالية حيث
نبحث في المحور الأول دور المعاهدة الدولية في وضع الدستور وذلك
بشكل عام ثم نبحث في المحور الثاني الجانب التطبيقي لهذا الدور في
ضوء قانون إدارة الدولة العراقية في الفترة الانتقالية.
المبحث الأول
دور المعاهدة الدولية في وضع القواعد الدستورية
تعكس القواعد الدستورية في الحقيقة الصفة الوطنية أو الداخلية لبلد
ما، إلا إنها في بعض الأحيان تتأثر بالمتغيرات الدولية، وخاصة تلك
التي تولد عقب الثورات والانقلابات التي تحدث في بلد معين أو نتيجة
عملية الغزو أو الاحتـلال الذي تقوم به دولة ضد دولة أخرى حيث
غالبا ما نجد أن تلك الدولـة المحتلة تحاول وضع دستـور أو ما قد
يسمى بقانون أساسي لكي يتسنى لها تسيير تلك الدولة المحتلة وفق
الاتجاه الذي يتماشى مع سياستها ومصالحها.
إلا إن الملاحظ عموما إن وضع الدستور في بلد معين ومن قبل دولة
محتلة قد يجابه بصعوبات سياسية واجتماعية تتمثل في رد الفعل
الجماهيري لذلك البلد لغياب رأيه في وضع الدستور، ولهذا نجد إن
الدولة المحتلة غالبا ما تبحث عن شريك لها يمكن أن يمثل الشعب لكي
تعقد معه معاهدة دولية فتضع من خلالها الإطار العام للدستور
المقترح وفقا لما تراه يحقق مصالحها من جهة ومن جهة أخرى يضفي
الشرعية القانونية لذلك الدستور.
هذا وقد يكون للمعاهدة الدولية والتي تشكل نواة الدستور المقترح
دور كلي أو جزئي في تكوين القواعد الدستورية.
أولا: الدور الكلي للمعاهدة الدولية في تكوين القواعد الدستورية
يذهب بعض الفقهاء(1) إلى إن بعض الدساتير نشأت بالفعل عن طريق
معاهدات دولية لذلك يرون إن المعاهدة الدولية أسلوب لنشأة الدساتير
ومثال ذلك دستور الولايات المتحدة الأمريكية، الذي هو ثمرة معاهدة
دولية بين ثلاثة عشر ولاية اتفقت على أن تنشأ دستورا لها في كنف
اتحاد واحد كما إن كل الدساتير الفيدرالية والكونفدرالية التي قامت
في أوربا الوسطى هي ثمرة معاهدة دولية.وكذلك الحال نجد إن الدستور
السويسري الصادر عام 1848 والمعـدل عام 1874 يرجع في أساسه إلى
معاهدة دولية عقدت عام1291 بين ثلاث مقاطعات اتحدت للدفاع عن
مصالحها المشتركة(2) وعلى هذا الغرار نشأت دساتير مملكة بولندة
1815 والإمبراطورية الألمانية عام 1871 (3).
ومن الأمثلة الحديثة للدساتير التي يعد القانون الدولي أصلا
لنشأتها هو دستور المملكة الأردنية الهاشمية لعام1928 الذي و ضع
بموجب المادة (20) من المعاهدة البريطانية الأردنية(4) كما إن
دستور دولة الإمارات العربية هو الأخر وليد اتفاق دولي بين سبع
كيانات كانت تتمتع بمركز دولي معين ومثله دستور اتحاد الجمهوريات
العربية الصادر عام 1971 الذي كان نتيجة اتفاق دولي بين ثلاث
جمهوريات عربية هي سورية وليبيا ومصر عقد عام 1971 (5)، ولقد لعبت
المعاهدة المعقودة بين بريطانيا والعراق عام 1922 دورا رئيسيا
مباشرا في تكوين القواعد الدستورية الأساسية التي حددت سمات
الدستور العراقي الصادر عام 1925، وذلك بما وضعت المعاهدة في
مادتها الثالثة من التزامات فرضت على العراق تنفيذها من خلال
صياغتها في قواعد دستورية، فلقد جاء في هذه المادة أن يوافق فيصل
الأول ملك العراق على وضع مشروع "قانون أساس" لعرضه على المجلس
التأسيسي العراقي، كما يوافق على تنفيذ هذا الدستور بشرط ألا يتضمن
شيئا مناقض لأحكام معاهدة عام 1922 واشترطت المادة أيضا للجميع
حرية الرأي وحرية القيام بمختلف الشعائر الدينية بشرط أن لا يضر
ذلك بالنظام والآداب العامة كما اقتضت المادة المذكورة بان لا يفرق
الدستور بين سكان العراق ولا يقيم أي تميز بينهم بسبب اللغة أو
الجنس أو الدين و أخيرا نصت هذه المادة على أن يعين الدستور الأصول
الدستورية تشريعية كانت أو تنفيذية التي تتبع في اتخاذ القرارات في
جميع الشؤون المهمة بما فيها المرتبطة بالمسائل المالية والتنفيذية
والعسكرية وقد جسدت نصوص الدستور العراقي الصادر في 21 آذار 1925
مضمون هذه المادة تجسيدا كاملا يتضح هذا بجلاء في النصوص الخاصة
بالحقوق والحريات في المواد(6،12،13،16) من الدستور(6).
ثانيا: الدور الجزئي للمعاهدة الدولية لوضع القواعد الدستورية
يتجسد هذا الدور في تكوين القواعد الدستورية ذات المضامين الدولية
عبر ما تتمخض عنه تطور هذا القانون من اتجاه الدول إلى تضمين
دساتيرها الوطنية اعترافا بقواعد القانون الدولي ومبادئه العامة
واعتبار المعاهدات والاتفاقيات الدولية جزءا من القانون الوطني
ومنحها صفة الإلزام في مواجهة السلطات الوطنية.
وعند استعراضنا لبعض الدساتير الوطنية قبل الحرب العالمية الثانية
نجد إن دور القانون الدولي بهذا المجال كان يسير جنبا إلى جنب مع
تطلع الدول إلى السلم عبر نصوص دساتيرها ويمكن أن نستشهد على ذلك
بعدد من دساتير الدول، فدستور فايمر الألماني الصادر عام 1919 نص
في المادة (4) على إن قواعد القانون الدولي المتعارف عليها تعتبر
جزء مكمل لقوانين الرايخ الألماني(7) كذلك دستور النمسا الصادر عام
1920 ودستور استو نيا الصادر عام 1920 وكذلك النص على القيود للحد
من إعلان الحرب حيث تضمن الدستور الياباني 1949 في المادة (9) إن
"حق الدولة في الحـرب غير معترف به" وكذلك فعلت بورما بموجب المادة
(211) من دستورها لعام 1972، والفلبين بموجب دستورها عام 1975، كما
برز الدور الجزئي للقانون الدولي في تطوير القواعد الدستورية من
خلال التطور الذي طرأ على مضمون الحقوق الدستورية بفعل الإعلانات
والاتفاقيات الخاصة بحقوق الإنسان ويعد العهد الدولي الخاص بالحقوق
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الدولي الخاص بالحقوق
المدنية والسياسية والبروتوكول الاختياري الملحق بهذا العهد والخاص
بالشكاوى المقدمة من الأفراد، أهم القواعد الدولية التي ساهمت في
تكوين قواعد دستورية ذات مضامين دولية تتفق والالتزام المفروض على
الدول الأطراف في هذه الاتفاقيات .
بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية
والثقافية تلتزم كل دولة تصدق عليه بمسؤوليتها الدولية على ضمان
شروط معيشة أفضل لشعبها وحق كل فرد في العمل والضمان الاجتماعي
والحق في الصحة والتعليم والثقافة وفي تشكيل النقابات والانضمام
أليها ويشير هذا العهد إلى العلاقة بين هذه الحقوق وكرامة الفرد
والحقوق المتساوية للدول وبين الحريات والعدالة والسلام العالمي
والى الارتباط الوثيق بين العهد وميثاق الأمم المتحدة والإعلان
العالمي لحقوق الإنسان(8).
وكذلك نجد أن دساتير بعض الدول تتبنى أهداف الأمم المتحدة ومبادئها
مثل الدستور الصومالي الصادر عام 1960 .
وأخرى تتضمن دساتيرها التزامها بأهداف منظمات إقليمية كمنظمة
الوحدة الأفريقية أو الجامعة العربية ومنظمة الدول الأمريكية وفي
سياق التنظيم الإقليمي تنص بعض الدساتير في العمل على إقامة وحدة
إقليمية معينة كالوحدة العربية والوحدة الأفريقية ووحدة المغرب
الكبير وتعزيز الروابط الدينية والقومية كالدستور التونسي في عام
1957، والدستور الجزائري لعام 1963.
ثالثا: تقييم دور المعاهدة في خلق القواعد الدستورية
يذهب الأستاذ "ميركين جيتز فتش" بإمكانية وضع الدستور بموجب اتفاق
أو معاهدة دولية تعقد بين دولتين أو أكثر(9). وعلى هذا الأساس يمكن
لدولتين أو أكثر أن تتفقا بمعاهدة دولية على الاتحاد في دولة واحدة
وتنظم المعاهدة شؤون الحكم في الدولة الجديدة فتنقلب المعاهدة
الدولية بذلك إلى دستور داخلي فور قيام الدولة ولو قدر لميثاق 17
نيسان 1963، أن ينفذ بين الجمهورية العربية المتحدة والعراق، لكان
من شأنه أن يعمل به سواء أخذنا بمذهب وحدة القانون العام الداخلي
والخارجي أو ازدواجها(10)، ويذكر الدكتور عبد الحميد متولي انه فات
أساتذة الفقه الدستوري الفرنسي والمصري أن يذكروا هذه الطريقة
الخامسة لوضع الدستور التي أشار لها التاريخ(11).
إلا إن اتجاه فقهي واسع أخر، ينكر إمكانية وضع الدستور عن طريق
معاهدة ذلك إن المعاهدة تنظم العلاقة بين دولة وأخرى، بينما
الدستور ينظم علاقة الدولة بالأفراد الخاضعين لسلطانها، وعلى ذلك
فان وضع الوثيقة الدستورية عن طريق معاهدة دولية لابد إن يظهر في
شكل من الأشكال الأربعة السابقة "المنحة، التعاقد، الجمعية
التأسيسية، الاستفتاء الدستوري" ويرجع ذلك إلى أن المعاهدة بعد إن
تفرض على الدولة بعض القواعد الدستورية فأنها تتطلب ضرورة إن توضع
موضع التنفيذ وهذا يستلزم أن تصاغ هذه القواعد فـي مواد توضع في
صلب الوثيقة الدستورية ويتم ذلك بإحدى الطرق الأربعة السابقة(12) .
ويشير بعض الفقهاء إلى أن وضع الدستور عن طريق معاهدة يتنافى
وطبيعة الدستور ومهمته في المجتمع السياسي، بل يتنافى مع أساس
وجوده وشرعية ذلك الوجود، ذلك لان الدستور: هو عبارة عن نتيجة
تفاعل عوامل متعددة مستأتية من بطون تاريخ ذلك المجتمع السياسي
وعمق عاداته وصلب أخلاقه ومزاجه ومرآة لنضجه السياسي فكيف يتسنى
للأجنبي أن يعبر عن كل ذلك وهو بعيد عن تفهمها(13).
ونحن في الوقت الذي نرى إن الدستور هو"انعكاس لتاريخ الدولة
السياسي وحصيلة أفكار وميول أبنائها ورجال الحكم فيها" إلا إن ذلك
لا يمنع أن تكون المعاهدة الدولية حجر الزاوية في وضع الدستور في
بلد ما خاصة إذا كان ذلك البلد يمر بمتغيرات عصيبة في تاريخه
السياسي بفعل الثورة الأهلية أو الانقلاب أو الاحتلال الأجنبي،
وغير ذلك من الظروف الاستثنائية وعند ذلك تكون الاتفاقية مشروع
الدستور المقترح والذي يمكن أن يشكل ورقة عمل للجمعية التأسيسية أو
مشروع دستور يعرض للاستفتاء الشعبي لنيل موافقة الشعب عليه وعند
ذلك يمكن أن يقال إن طريقة وضع الدستور هي طريقة الجمعية التأسيسية
أو طريقة الاستفتاء الدستوري ولكن المعاهدة الدولية في الحقيقة
تبقى هي إحدى العوامل المؤثرة والرئيسية في وضع الدستور والتي
لولاها لما ظهر الدستور إلى حيز الوجود.
المبحث الثاني
دور المعاهدة في وضع الدستور في ظل قانون إدارة الدولة العراقية في
المرحلة الانتقالية
إذا تتبعنا الخطوات السابقة على طرح قانون إدارة الدولة العراقية
في الفترة الانتقالية والذي يعد في الحقيقة بمثابة دستور لما انطوى
عليه من بيان لشكل الدولة ونظام الحكم فيها واستعراض للحقوق
والحريات العامة المقررة للشعب لوجدنا إن هذا القانون في الحقيقة
هو حصيلة اتفاق بين مجلس الحكم وسلطة الائتلاف المؤقتة(14) .
وعليه فإننا نتناول هذا الموضوع من خلال:
أولا: دور الاتفاقية المعقودة بين مجلس الحكم وسلطة الائتلاف
المؤقتة في وضع قانون إدارة الدولة الانتقالي
لقد تم في إطار ما يسمى باتفاق العملية السياسية، بين مجلس الحكم
وسلطة الائتلاف المؤقتة، اتفاق على وضع مسودة قانون يقوم مجلس
الحكم بوضعها خلال مناقشات مغلقة مع سلطة الائتلاف المؤقتة تتم بعد
ذلك المصادقة عليها من قبل مجلس الحكم وسلطة الائتلاف المؤقتة،
وتتم من خلال ذلك القانون بشكل رسمي تحديد هدف وهيكلية الإدارة
العراقية الانتقالية ذات السيادة وتم التأكيد على ضرورة وضع مسودة
القانون الأساسي والمصادقة عليه بحلول 28/شباط/2004، والذي حدث
فعلا أن تم وضع هذا القانون والمصادقة عليه من قبـل أعضاء الائتلاف
المؤقتة، وعليه فان من الثابت إن قانون إدارة العراق الانتقالي من
حيث تأسيسه كان ثمرة اتفاق عقد بين مجلس الحكم وسلطة الائتلاف
المؤقتة.
ولقد تحفظ البعض على أهلية مجلس الحكم لعقد مثل هذا الاتفاق خاصة
انه مجلس غير منتخب ومن الممكن أن يتأثر بالضغوط التي تمارسها عليه
سلطات الاحتلال، غير إن البعض الأخر ذكر إن مجلس الحكم يستمد
شرعيته لعقد الاتفاق من قرارات الأمم المتحدة التي أعطته بعض
الصلاحيات المحدودة لتمثيل العراق.
وعلى كل حال فقد خرج قانون إدارة الدولة العراقية للفترة
الانتقالية حريصا كل الحرص على إدراج كل بنود الاتفاق الموقع بين
مجلس الحكم وسلطة الائتلاف.
فلقد تضمن هذا القانون إقرارا بالنظام الفيدرالي وتضمن أيضا لائحة
بالحقوق والحريات إضافة إلى التأكيد على السيطرة المدنية على
القوات المسلحة وعدم جواز إجراء التعديلات على هذا القانون إلا بعد
إتباع إجراءات صعبة وتكاد تكون مستحيلة(15).
وأكد هذا الدستور أخيرا بان للحكومة الانتقالية صلاحية عقد
اتفاقيات دولية ملزمة بخصوص نشاطات القوة المتعددة الجنسيات
العاملة في العراق(16).
ومن كل ما تقدم يتضح لنا الدور الرئيسي الذي لعبه الاتفاق الذي تم
بين مجلس الحكم وسلطة الائتلاف المؤقتة في رسم الخطوط الأساسية لما
سمي بقانون إدارة الدولة العراقية في الفترة الانتقالية.
ثانيا: نظرة تقويمية لقانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة
الانتقالية
يتبين لنا مما سبق إن قانون إدارة العراق للمرحلة الانتقالية كانت
حصيلة اتفاقية بين مجلس الحكم وسلطة الائتلاف المؤقتة، وتعكس هذه
الاتفاقية في الحقيقة صورة من صور ألا تكافؤ في العلاقات الدولية
ذلك إنها تنطوي على عدم المساواة و التوازن بين الاتفاقية حيث يظهر
أحد أطرافها بمركز القوي في حين يظهر الطرف الأخر بمركز الطرف
الضعيف(17)، بما يسمى في إطار العلاقات الدولية بالمعاهدات الغير
متكافئة.
ويمكن أن نلمس في ثنايا هذا القانون عدد من المأخذ ومنها:
1. إن هذا القانون وضع بعيدا عن رأي الشعب، فالنقاش والجدل حول هذا
القانون كان يتم داخل أروقة مجلس الحكم وكأن هذا القانون يعني
أعضاء مجلس الحكم دون سائر أفراد الشعب العراقي وكان لسان حال مجلس
الحكم وسلطات الاحتلال يقول للشعب " إن الأمر يعنيك فلا تتدخل".
2. إن تعديل هذا القانون لا يتم إلا وفق آلية صعبة التحقيق ووفق
قيدين وهما:
* موافقة أكثرية ثلاث أرباع أعضاء الجمعية الوطنية.
* إجماع مجلس الرئاسة.
وإذا كان القيد الأول مقبولا فانه لا داع للقيد الثاني وخاصة إن
الجمعية الوطنية تمثل رأي مجموع الشعب.
إن المادة السابعة في فقرتها(أ) تقول بان الإسلام دين الدولة
الرسمي ولا يجوز سن قانون خلال المرحلة الانتقالية يتعارض مع ثوابت
الإسلام المجمع عليها.
ويمكن القول في ذلك بان سائر القوانين المدنية والجزائية وغيرها من
القوانين الصادرة في زمن النظام البائد والقوانين التي أصدرتها
قوات الاحتلال قبل المرحلة الانتقالية، تبقى نافذة وان تعارضت مع
ثوابت الإسلام خلال المرحلة الانتقالية، كما إن عبارة "ثوابت
الإسلام المجمع عليها" فيها أكثر من مأخذ.
إن المادة (11) من القانون الانتقالي، تحتوي على سبع فقرات تتحدث
بإسهاب عن الجنسية العراقية وطرق اكتسابها واستردادها، وكان الأولى
أن يترك تنظيم الجنسية إلى قانون خاص ينظمها ويقتصر دور هذا
القانون الأساسي على مجرد القول بان الجنسية تنظم بقانون، كما فعلت
الدساتير الأخرى في العالم لا أن تحشر عدة فقرات تنظم الجنسية في
هذا القانون الذي من المفروض أن يتضمن القواعد الكلية تاركا
الجزيئات التفصيلية إلى قانون خاص هذا وان هناك عدة تحفظات
واعتراضات على ما جاء بهذه الفقرات السبعة ذلك إنها تضمنت أحكاما
في ازدواج الجنسية واستردادها دونما شروط جوهرية أساسية تؤهل طالبي
اكتساب الجنسية ومطالبي استردادها كما إن فكرة ازدواج الجنسية
تعتبر حالة غير مقبولة إذ سوف تواجه صاحب الجنسية المزدوجة صعوبات
قانونية واجتماعية.
إن المادة (13) من هذا القانون ذكرت في فقرتها(أ) إن الحريات
العامة والخاصة مصانة، وسطرت بعد ذلك عددا من الحريات دونما
استثناء والاعتراض على ذلك انه لابد من وجود استثناء على هذه
الحريات في كل ما يمس الآداب والأخلاق العامة والمصلحة العامة.
إن المادة (61) من هذا القانون وخاصة الفقرة (ج) منها تضع قيدا على
إقرار الدستور الدائم ذلك إنها أوجبت أن لا ترفض هذا الدستور
الدائم ثلاثة محافظات وبثلثي عدد ناخبيها وفي ذلك مصادرة لحق
الأغلبية، التي أقرت الدستور وفي ذلك مخالفة صريحة لمبادئ
الديمقراطية.
الاستنتاجات
1. يمكن القول سواء في ظل الرأي القائل بان المعاهدة أو الاتفاقية
يمكن لها وضع الدستور، أو في ظل الرأي الأخر الذي يجعل للمعاهدة
دورا في وضع الدستور. فان وضع الدستور عند ذلك سوف يتم بأسلوب غير
ديمقراطي طالما إن رأي الشعب بقي مغيب وهو صاحب المصلحة الحقيقية
في وضع الدستور.
2. إن مبادئ و أحكام الدستور تجيء قي الغالب نتيجة تفاعل عوامل
متعددة متأتية من بطون تاريخ ذلك المجتمع ومن عمق عاداته وتقاليده
وصلب أخلاقه. وعند ذلك كيف يمكن لطرف أجنبي أو طرف وطني غير منتخب
بأسلوب ديمقراطي أن يضع دستورا ؟ كل ذلك يعكس ما تؤكده الحقيقة
التاريخية بان نشوء مثل هكذا دساتير يكون غالبا بين طرفين غير
متوازنين من حيث القوة و التكافؤ وفي إطار ما يسمى في القانون
الدولي بـ(المعاهدات الغير متكافئة).
3. إن قانون إدارة العراق للمرحلة الانتقالية، والذي يعد بمثابة
دستور بمعنى الكلمة هو حصيلة اتفاق بين مجلس الحكم وسلطة الائتلاف
المؤقتة وقد تضمن عدد من النصوص باطنها اخطر من ظاهرها، ومثال ذلك
تركيبة مجلس الرئاسة الثلاثية التي فيها رائحة للطائفية فضلا عن إن
هناك مادة أخرى تجعل من الجيش العراقي أداة بيد القوات المتعددة
الجنسيات العاملة في العراق وفي ذلك تجاهل واضح لدوره الوطني
وأولويته في حماية العراق .
التوصيات
إذا كان قانون إدارة العراق للمرحلة الانتقالية يشكل ضرورة لا غنى
عنها فان الأمر يتطلب أن تكون صلاحيات المؤسسات المشكلة في كنفه
(مجلس الرئاسة مجلس الوزراء/ الجمعية الوطنية) محدد على نحو يجعلها
قادرة على تمشية الأمور الجارية والمتعلقة بسير مرافق الدولة دون
الصلاحيات الجوهرية التي تهدد مصير الشعب والدولة.
إن هذا القانون بوضعه الحالي من الممكن إن يخلق أزمات دستورية
مستمرة، وبالتالي لا يكون عاملا لاستقرار العراق أو حتى دول الجوار
ذلك في ضل الخلل في بعض نصوصه التي ذكرنا قسما منها سابقا، والتي
تحتاج المزيد من النقاش والبحث داخل وخارج أروقة مجلس الحكم .
لابد من العمل والحركة الجادة من قبل جميع المرجعيات الدينية،
والقوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني. لطرح نقاط الضعف في هذا
القانون وصولا لتلافيها عند وضع مسودة الدستور الدائم .
هوامش الفصل الثالث
(1) Mirkin-quetezevitchK,droit constitutional international
Paris (1933 )p.7
وكذلك انظر د. عبد الحميد متولي ، القانون الدستوري و الأنظمة
السياسية – جـ 1، ط 1 منشأة المعارف بالإسكندرية ، 1975 – 1976 ص
68.
(2) د. بديع شريف، الفيدرالية "بحث في نظام الاتحاد السويسري" ،
بغداد،1949 ص7 .
(3) د. صالح جواد الكاظم، محاضرات معمقة حول العلاقة بين القانونين
الدولي والدستوري ملقاة على طلبة الماجستير لكلية القانون/ جامعة
بغداد للعام الدراسي 1987-1988.
(4) الدكتور محمد سليم غزوي، الوجيز في التنظيم السياسي والدستوري
للمملكة الأردنية الهاشمية،ط1،عمان،1985،ص34-35.
(5) الاتحاد البرلماني، مجموعة الدساتير العربية، القاهرة، 1975 ،
ص397
(6) د.مصطفى كامل،شرح القانون الدستوري والقانون الأساسي
العراقي"1947- 1948"، ص76.
(7) د.عبد الحسين القطيفي، القانون الدولي العام/ج1،1970، ص104.
(8) د.حسن ألعبيدي، تنظيم المعاهدات الدولية في دساتير الدول،
رسالة دكتوراه/ كلية القانون جامعة بغداد،1988، ص31- 38.
(9) Mirkin Quetezevitch Op.cit P.7
(10) د.كمال الغالي، مبادئ القانون الدستوري وأنظمة السياسة، ط5،
دمشق 1977- 1978، ص145- 146.
(11) د.عبد الحميد متولي ، المصدر السابق، ص68.
(12) د.رمزي الشاعر، النظرية العامة للقانون الدستوري والنظام
الدستوري للجمهورية العربية المتحدة، دار النهضة العربية،1970،
هامش ص116.
(13) د.إسماعيل ميرزة، مبادئ القانون الدستوري والعلم السياسي، ج1
"النظرية العامة في الدساتير"، ط1، شركة النشر والطبع الأهلية،
بغداد،1960، ص89 .
(14) اتفاق حول العملية السياسية بين سلطة الائتلاف المؤقتة،
ومنشور على شبكة المعلومات العالمية.
(15) أنظر المادة (3- 5) من قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت.
(16) أنظر المادة (59) من قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت.
(17) أنظر د.خليل إسماعيل الحديثي، المعاهدات غير المتكافئة
المعقودة وقت السلم، مطبعة جامعة بغداد،1981.
دعوة للمشاركة
يسر مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية أن يعلن عن رغبته
في التعاقد مع الباحثين من الأساتذة الأكاديميين وذوي الاختصاص
وفقاً للآلية الآتية :
1. يقدم الباحث طلباً لكتابة دراسة أو بحثاً في موضوع معين يتناسب
وأهداف المركز مشفوعاً بملخص عن الموضوع .
2. يلتزم المركز بالرد على الطلب خلال فترة أسبوعين من تاريخ
تقديمه .
يتعهد المركز في حالة قبول طلب الباحث القيام بالأمور الآتية :
• التعاقد مع الباحث بالشكل الذي يُتفق عليها لاحقاً .
• يسعى المركز إلى تسهيل حصول الباحث على المصادر التي تعينه في
كتابة بحثه مما يتوفر في مكتبة المركز أو على شبكة الانترنت .
3. يلتزم الباحث بأتباع أساليب البحث المتفق عليه علمياً .
4. بالنسبة إلى الدراسات المقدمة إلى المركز يجب أن لا تقل عدد
صفحاتها عن (40) صفحة، أما البحوث فيجب أن لا تقل عن(15) صفحة
وتكون مطبوعة بالكومبيوتر وترسل ثلاث نسخ بالإضافة إلى(CD) .
5. تقدم الدراسة خلال مدة يُتفق عليها مع إدارة المركز لا تزيد بكل
الأحوال عن ثلاثة أشهر، وشهرين بالنسبة للبحث.
6. يُراعى في البحث أو الدراسة المقدمة الأمور الآتية:
• أن لا تكون الدراسة أو البحث قد نشر سابقاً أو قدم للنشر في مكان
آخر.
• تكتب أسماء الباحثين وعناوين وظائفهم ودرجتهم العلمية.
• يُقدم ملخص للبحث أو الدراسة باللغة العربية وباللغة الإنكليزية.
7. يكون من حق المركز حصراً نشر وتوزيع البحث أو الدراسة وبكافة
طبعاته.
8. تقدم طلبات البحوث والدراسات في مقر المركز، أو للبريد
الالكتروني للمركز أو البريد الخاص بمدير المركز.
9. يؤّمن الباحث طريقة الاتصال المناسبة مع إدارة المركز.
| أفضل مشاهدة 1024 × 768 |
| © جميع الحقوق محفوظة لمركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية1427هـ/ 2006م
|