آليات التحول الديمقراطي في العراق

 

 

تحريـر  

سليم فرحان جيثوم

 

الـمشاركون

 د.باسم علي خريسان          د.سعد علي حسين

حارث محمد حســــن          علاء عـبد الــــرزاق

 

المقدمـة

إن اغلب البلدان التي شهدت ثورات مسلحة، والتي كان فيها استخدام العنف أمرا مشروعاً في بداية الأمر وكان له ما يبرره، إلا إن السلطات الحاكمة لم تنهي حالة العنف حتى بعد أن انتفت الحاجة له، بل عملت على مأسسة هذا العنف وزادت بشكل مفرط لأجهزته، حتى أصبحت هذه الأجهزة بمثابة السلطة القاهرة للشعب وللمعارضين السياسيين. والعراق احد البلدان التي عاشت مرحلة من الحكم الاستبدادي، حيث تعرض شعبه إلى أنواع مختلفة من المعاناة (التشرد، التعذيب، القتل،...الخ) من قبل الأجهزة القمعية للنظام السياسي السابق. واليوم وبعد انهيار آخر أنظمة الحكم الاستبدادي أصبح العراق مشرفاً على أعتاب التحول نحو حياة سياسية جديدة متمثلة بحرية الرأي والمعتقد وسماع الرأي والرأي الآخر المضاد والتعاقب السلمي على السلطة...الخ من أوجه الحكم الديمقراطي. وهنا ربما سؤال يطرح نفسه، هل إن الشعب العراقي مهيأ لهذا التحول ؟ وكيف ؟.
بدأً يمكن القول إن الشعب العراقي وقع تحت حكم عسكري استبدادي منذ أكثر من أربعة عقود لم يتلمس فيها أي طعم أو لون للحرية، ناهيك عن الفترة السابقة والممتدة من تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 ولحد عام 1958 كان فيها واقعاً تحت الحكم الاستعماري، لذلك الكثير من مظاهر الديمقراطية لم يكن لها وجود في حياته أو موجودة لكنها مشوهة ومفرغة من محتواها الحقيقي من قبل الأنظمة السياسية المتعاقبة، لذلك عندما اشرف الشعب العراقي على أعتاب التحول الجديد نجد أفعاله في بعضها غير متطابقة ومتلائمة مع هذا التحول والسبب في ذلك إن الفرد العراقي بسبب حرمانه من الحرية لفترات زمنية طويلة تم ذكرها آنفاً نجده ينظر إلى الديمقراطية على إنها الحرية الفردية المطلقة وليست الحرية الفردية النسبية، هذا التصور الخاطئ للديمقراطية احدث فوضى وحالة من عدم الاستقرار داخل البلاد. لذلك عمد القسم السياسي في مركزنا إلى تشكيل ورشة عمل سياسية تحمل عنوان (آليات التحول الديمقراطي في العراق) تم فيها دراسة العديد من الموضوعات السياسية التي تعد بمثابة الآليات التي يمكن من خلالها الانتقال نحو الديمقراطية القائمة على أساس الحرية الفردية النسبية لا المطلقة والتي بموجبها يتنازل الفرد عن جزء بسيط من حقوقه لصالح تحقيق الفائدة العامة للمجتمع، وكان من ابرز هذه الموضوعات هو إعادة بناء دولة العراق (الأمة) من الناحية الديموغرافية، والقصد من ذلك إن العراق بسبب السياسات الغير متوازنة والتسلطية التي مارستها الأنظمة السابقة، خلق حالة من انعدام الثقة مابين أطياف الشعب العراقي من جانب، وتم غبن حقوق الكثير منهم من جانب آخر، فمن اجل وضع سياسات متوازنة وبناء نظام سياسي ديمقراطي قائم على أساس العدالة يأخذ فيه كل ذي حق حقه دون أن يتجاوز على حقوق الآخرين السياسية، الاجتماعية، الثقافية، الاقتصادية،...الخ. أضف لذلك تم توضيح مسألة التداول على السلطة وبيان أسلوب التداول السلمي عليها دون العودة إلى العهود السابقة، وهذا الأمر يتطلب وجود تعددية سياسية تعبر عن توجهات الشعب كافة بحيث تكون العلاقة مابين القوى السياسية قائمة على أساس المنافسة الحرة للجميع وليست على أساس الصراع، وبذلك من هو الأفضل هو الذي سيقود، علماً إن قيادته خاضعة للرقابة والإشراف من قبل جهات عديدة من أهمها مؤسسات المجتمع المدني لذلك يتطلب تفعيل دور هذه المؤسسات التي تم إفراغها من محتواها سابقا، والعمل على تأهيلها للقيام بمهامها على أكمل وجه وبما يخدم طموحات وأهداف الشعب العراقي من جانب ووضع الحكومة على المحك في حال تجاوزها حدودها المرسومة لها من جانب آخر. وبذلك يمكن القول إن التحول نحو الديمقراطية يتطلب خطوات حثيثة ومتواصلة وعلى كافة المجالات والصعد السياسية والاقتصادية، والاجتماعية والثقافية والقانونية، لان الديمقراطية في العراق تمثل ضرورة حيوية لنهضة البلد والخروج من أزماته التي قد يعانيها وهي أيضا السبيل إلى إعادة صلة الرحم بين المواطن ومجتمعه ودولته وهي كذلك تمثل استعادة النظام لشرعيته ومصداقيته.

مركز الفرات
للتنمية والدراسات الإستراتيجية

 


الفصل الأول
التحول الديمقراطي
وإشاكالية التعاقب على السلطة في العراق



د. سعد علي حسينí
í باحث أكاديمي/ مركز الدراسات الدولية/ جامعة بغداد .

 

تمهيــــد

تعد الديمقراطية، الخيار الحاسم بالنسبة للمشكلات والأزمات المتعددة التي تواجه أقطار الوطن العربي بشكل عام والعراق بشكل خاص، فهي لا تقدم المعالجات والحلول الآنية لهذه المشكلات والأزمات فحسب، وإنما تضع الأطر والسياقات لنمو وتطور النظام السياسي وبناء هيكل دولة عصرية حديثة.
وفي الوقت الذي تحظى فيه الجوانب المؤسسية بأهمية قصوى في إطار العملية الديمقراطية، فان غيابها يعمل على تشويه هذه العملية وتخريب الممارسة الديمقراطية وبالتالي إفشال عملية التحول الديمقراطي ذاتها.
وعليه، تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على واقع عملية التحول الديمقراطي الحاصل في العراق، والوقوف على بعض الضرورات اللازمة لاستيفاء الأسس والشروط المؤسسية للعملية الديمقراطية، وخاصة فيما يتعلق بتنظيم عملية التعاقب على السلطة بوصفها من ابرز عناصر الممارسة الديمقراطية السليمة.
 

المبحث الأول
مفهوم الديمقراطية وآليـاتها

إن تنوع العناصر التي تدخل في تركيب السلطة تجعل من الصعوبة تصنيف أشكالها بناءً على معيار واحد، فلو أخذنا بمعيار الأشخاص (أي الرؤساء والحكام) الذين يقبضون على زمام السلطة لشخصت أمامنا السلطة الملكية، والسلطة الفردية، والسلطة الشخصية، والسلطة الملهمة، والسلطة الديكتاتورية وغيرها، وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار العنصر المعنوي والنفسي لبرزت أمامنا السلطة المؤسسة والسلطة المشروعة والسلطة القانونية والسلطة الثورية وغيرها، وإذا ما نظرنا إلى وظيفتها الاجتماعية لوجب أن نصنفها إلى سلطة الطبقة، وسلطة الدولة، والسلطة الديمقراطية والسلطة الاوليغارشية(أي الأقلية) وغيرها، ولو تمسكنا بمضمون فكرة القانون التي تعتبر السلطة وسيلة لها، وجب أن نأخذ شكلها الذي ينصب على تحقيق نظام اجتماعي معين، ولوجدنا أنفسنا أمام سلطة ليبرالية وسلطة اشتراكية وسلطة فاشية وغيرها، وفضلا عن ذلك نجد إن التعابير المذكورة لا يمكن أن تنعزل عن الطرق المختلفة التي يمارس بها كل نوع من أنواع السلطة(1).
والواقع إن جميع أشكال السلطة تحتوي على عنصر مشترك فيما بينها وهذا العنصر هو الرابطة السياسية، وإذا كانت الرابطة السياسية في جوهرها واحدة في جميع المجتمعات، غير إنها تشكل وفقا لظروف كل مجتمع ودرجة تطوره، والقيم والأيديولوجيات السائدة فيه فضلا عن طبيعة القوى السياسية والأساليب المختلفة التي تمارسها في عملها السياسي وانعكاس ذلك على الرابطة السياسية، أمكننا أن نعتبر الرابطة السياسية منطلق التمييز بين أنواع السلطة، والشكل الذي تنطوي به على السلطة ما إلى ذلك ومن ثم يقتضينا الأمر أن نأخذ بنظر الاعتبار العوامل التي تتجمع في الرابطة السياسية وترتبط من ثم بالنظام الاجتماعي القائم الذي ثبت استقراره ولا يميل إلى التغيير، أو التحول النوعي من شكل إلى آخر الذي يدفع به تغيير الوعي الجمعي أو تطوره، أو على العكس من ذلك فقد تتعلق السلطة بالتقلبات التي تحدث في الوعي الجمعي وتأخذ بها ومن ثم ترسم لها أهدافا خاصة بها وتستخدم لغرض تحقيقها، والتمييز بين أشكال السلطة غير قائم على معيار واحد، لذلك فان شكلا معينا من السلطة لا يستبعد الأشكال الأخرى منها، وعليه كما يلاحظ (موريس ديفرجيه) يمكن أن تدرس السلطة ومؤسساتها وتنظيمها بطريقتين هما أن تؤخذ هذه بحد ذاتها باعتبارها نظاما متميزا من ناحية، ومن ناحية أخرى باعتبار إنها تضمن تنسيق وتنظيم مجمل النظام الاجتماعي. وسواء قامت بأداء وظيفتها الأخيرة بغرض المصلحة العامة أم لغرض مصلحة الطبقة المسيطرة، فان هذا الأمر لا يمنع كونها تقوم بها، والنظام السياسي شامل بالنسبة إلى الاقتصاد والأيديولوجية والطبقات الاجتماعية، ولكنه في الوقت ذاته مكون من قطاع خاص من هذه الشمولية هو قطاع جهاز السلطة ومؤسساته ومن ثم تحليل كل نظام سياسي يجب أن يجري بناءً على وجهتي النظر هاتين اللتين هما مرتبطتان أحداهما بالأخرى ارتباطا وثيقا(2).
ومن دون الخوض في التقسيمات الخاصة بالسلطة، فإننا نجد إن السلطة الحاكمة، كل سلطة حاكمة، تمارس القمع وتنزع إلى المزيد منه، وكل سلطة حاكمة تلجا إلى الإرغام والإكراه، إلا انه وكما لاحظ (روسو) قبل أكثر من قرنين، يوجد هناك فرق كبير بين سلطة حاكمة تملك الحق في الإكراه وتحول طاعة المحكومين إلى واجب قانوني وأخلاقي من جهة، وبين سلطة حاكمة لا تمتلك مثل هذا الحق. وتكون إطاعتها بدافع الخوف فقط، وبكلمة أخرى (السلطة الشرعية) هي تلك السلطة التي تملك الحق في استعمال القوة والإكراه من اجل العقاب ومن اجل أغراض محددة ، ويقابل حق السلطة في الإكراه واجب الطاعة على المحكومين. أما(السلطة غير الشرعية) فهي تلك التي لا تحول الإكراه إلى حق ، ولا الطاعة إلى واجب أخلاقي، والسلطة غير الشرعية هي بالضرورة وفي صميمها سلطة استبدادية والاستبدادية أو الطغيان يمكن تعريفه على انه (ذلك الإكراه الذي تمارسه سلطة استبدادية ليس لها الحق في استعمال القوة، أو حتى سلطة شرعية تتجاوز القيود والحدود في استعمالها) . والإرغام أو الإكراه الذي قد تمارسه السلطة المستبدة هو عادة إرغام يمكن تجنبه أو تجنب القسط الكبير منه من ناحية ، ويتعذر التنبؤ به في اغلب الأحيان من ناحية أخرى، أما ضحيته الأولى فواضحة وجلية، الفرد وحريته، ومن الشرور البارزة لهذا الإكراه الاستبدادي انه يلغي الفرد كشخص مفكر ومقيمّ ويجعله مجرد أداة لتحقيق أهداف الآخرين فهو مرغم على التصرف وفق خطة حياة ليست له، وعلى خدمة أهداف لا تخصه، والاستبداد دون أدنى شك من الممارسات الملازمة لأي نظام ديكتاتوري أو لنقل لأي نظام حكم مطلق(3).
والديكتاتورية نوعان رئيسان متميزان، الديكتاتورية ذات الطابع (السلطوي) والديكتاتورية ذات الطابع الكلي (التوتاليتاري). وهناك بالتأكيد أنظمة حكم استبدادية تجمع ما بين هذين النوعين أو تتأرجح بينهما، وقد يكون الحاكم المطلق في النظام السلطوي فردا واحدا (الأوتوقراطية)، وقد يكون للقلة (الاوليغارشية) أو قلة من النبلاء (ارستقراطية)، أو قلة من الأغنياء (بلوتارشي)، وقد يكون الحاكم المطلق الفرد ملكا، رئيسا للجمهورية وقد يكون علمانيا أو متدينا أو يكون ذو شخصية باهتة ، وقد يكون ذو شخصية كارزمية، وقد يكون وصوله للسلطة عن طريق الوراثة أو عن طريق الاغتصاب المفاجئ للسلطة بانقلاب عسكري، ولكنه في الجميع هو الآمر والناهي، لا يقبل المعارضة إلا بالقدر الذي يشاء، وهو يطلب الطاعة والولاء من الرعية، ويتدخل في الشؤون الخاصة للأفراد والجماعات إلى الحد الذي يقرره أو يمليه عليه ضميره أو إلى الحد الذي تتطلبه مصالحه أو قيمه أو نزواته أو حتى مصالح البلاد كما يراها ويحددها هو، وما يميز (التوتاليتارية) عن (السلطوية) ليس شدة القمع أو الطغيان وإنما شمولية التحكم الذي تمارسه السلطة الحاكمة في حياة الأفراد والجماعات، والتوتاليتارية تتطلب حدا أعلى من التنسيق المحكم والمنظم من جهة، ولا تسلم بالاستقلال النسبي لمؤسسات مثل العائلة، السوق، المسجد، الكنيسة، النقابة، الجمعيات التعاونية، الجمعيات الخيرية...الخ، وتجنح (التوتاليتارية) نحو التحكم الشامل والسيطرة التامة على جميع نواحي حياة المجتمع، وهي تسعى إلى تكوين الدولة المتراصة والمتناغمة كليا، ومن اجل تحقيق ذلك لا تتردد في الاعتداء والقضاء على (المباني الوسطية) المذكورة آنفا، تلك المباني التي من شانها حماية الفرد من التأثير التحكمي للدولة على جميع جوانب حياته، وبكلمة أخرى في ظل (التوتاليتارية) يتم إخضاع جميع نواحي الحياة لإرادة السلطة السياسية المحتكرة في يد زعيم أو حزب أو مكتب سياسي أو لجنة مركزية أو جبهة وطنية وهذا الاغتصاب الذي يتعرض له الاستقلال النسبي للمباني الوسطية يرافقه عادة استبداد يتخلل جميع دوائر حياة الفرد السياسية منها وغير السياسية والاقتباس التالي يعبر بفصاحة عن شمولية التحكم والاستبداد الملازم له (المستبدون المعاصرون (التوتاليتاريون) مشغولون دائما، فهنالك الكثير مما يترتب عليهم القيام به إن كان لهم أن يجعلوا سلطتهم مهيمنة في كل مكان في البيروقراطية والمحاكم، في الأسواق والمصانع، في الأحزاب والنقابات، في المدارس والمعابد، بين الأصدقاء والأحبة، بين الناس والمواطنين)(4).
ومهما كانت المميزات الرفيعة التي يتمتع بها الرئيس، فان تركز السلطة بين يديه محفوف بكثير من المحاذير كالقسوة وعدم المرونة وتهديد الكرامة الإنسانية، وعلى وجه الإجمال يمكن تحديد محاذير السلطة الفردية كما يأتي(5) :
أولا: إن السلطة الفردية لاتقدم تفسيرا مقبولا للسلطة ذاتها.
ثانيا: عندما تتعدد الوظائف السياسية التي تقتضيها حياة الجماعة، لا يستطيع الرئيس أن يقوم بها جميعها على الوجه الأتم، الأمر الذي يقلل من اتصاله برعاياه ويدفع بها إلى إطاعة المبادئ والأفكار بدلا من شخص الرئيس أو الزعيم .
ثالثا: إن الإخلاص إلى شخص الرئيس أو الزعيم والخضوع له بدون قيد أو شرط هو موقف بدائي، وكلما تطورت العقلية السياسية لدى الأفراد كلما أدى بهم إلى الفصل بين السلطة وبين الشخص الذي يمارسها.
رابعا: كلما أصبح الفرد يشعر بذاته وشخصه وكرامته، كلما تحول عن طاعة الشخص الذي يمارس السلطة، وأصبح يدين له بولائه لأنه يعيش بمبادئ وأفكار يدين هو ذاته بها إن هذا الفرد يأخذ باحتقار القوة التي يمثلها الرئيس.
خامسا: المفروض في الرئيس الذي يمارس السلطة الفردية إن يكرسها لخدمة المصلحة العامة للجماعة إلا إن الرئيس قد يتمسك بالسلطة لمصلحته الخاصة وبكل وسيلة ممكنة.
سادسا: إن السلطة الشخصية لا تعطي أي حل لقضية الشرعية، فمن الممكن أن نتعرف على الشخص الذي يمارس السلطة الفردية ويسّير شؤون الجماعة إلا إننا نجهل الشخص الذي له حق الرئاسة أو الزعامة، وهذا الحق لا يظهر إلا عند الشخص الذي يمارسها، غير إن الطريقة التي يمارس بموجبها هذا الحق تثبت انه غير مؤكد، فإذا كان الرئيس قد فرض زعامته بالقوة أو اعترف له بها بناء على مميزات شخصية لا تتوفر إلا فيه وتختفي باختفائه، وإذا كانت زعامته موكلة بالانجازات التي يحققها وان تقصيره أو فشله يؤدي به إلى فقدان مركزه، ففي جميع هذه الأحوال يبدو واضحا إن حق الزعامة كائن في ذات الرئيس، وإلا فان القوة بإمكانها أن تزيح رئيسا لتنصب آخر أقوى منه، ووضع السلطة الفردية على هذا النحو يقلق الزعماء الذين لا يتمسكون بسلطانهم إلا بتحكمهم بخصومهم، والمحكومون أيضا الذين يصبحون ضحايا الصراع على السلطة بين الزعماء، وحتى إذا ما استطاع الزعيم أن يحافظ على مركزه طيلة حياته فان قضية من يتولى زعامة الجماعة شرعيا تعرض مرة أخرى بعد مماته، وعليه فان وحدة الجماعة غير مستقرة ما دام التعاقب على السلطة لا ينظم بطريقة شرعية.
في حين يجري تحديد نظام الحكم الديمقراطي بدلالة اعتماده لآلية حكم تقوم على المشاركة السياسية الواسعة، فنظام الحكم الديمقراطي يختلف عن نظام الحكم غير الديمقراطي (الديكتاتوري) لكون طريقة ممارسة السلطة السياسية وانتقالها فيه تسمح بمشاركة المواطنين الواسعة وامتلاكه للمؤسسات السياسية اللازمة لتمكينهم منها، وعليه فان الفارق بين هذين النوعين من أنظمة الحكم يكمن باعتماد آلية الحكم ضمنها المشاركة السياسية الواسعة من عدمها الأمر الذي يجعل المشاركة السياسية عنصرا تكوينيا بالنسبة لنظام الحكم الديمقراطي(6).
وتتعارض الديمقراطية الليبرالية شكلا ومضمونا مع كل من السلطوية والتوتالتيارية والديمقراطية الليبرالية عبارة تعبر عن اقتران فكرتين (أو مبدأين)منفصلتين يسهل الخلط بينهما، الفكرة الليبرالية أو لا تعنى بتقييد السلطة الإكراهية لأي حكم ، والتسامح من خصائصها الأساسية، والحرية قيمتها العليا، وتعنى الفكرة الديمقراطية ثانيا أساسا في وضع الحكم في أيدي الناس (حكم الشعب) أو عمليا في أيدي الأكثرية والانتخابات الدورية سبيلها إلى تحقيق ذلك، وبكلمة أخرى، الديمقراطية هي حكم الأغلبية التي تصل إلى زمام السلطة عن طريق الانتخابات العامة، بينما الليبرالية تعنى بتحديد رقعة محمية من الحياة الشخصية والدفاع عنها، إذ لا يجوز للسلطة الحاكمة اختراقها أو المساس بها(7).
وتنطوي آلية الحكم الديمقراطي على العمل لتوفير المؤسسات السياسية والآليات التي تمكن المواطنين من المساهمة النشطة في بناء وعمل السلطة وذلك من خلال اعتمادها المعايير والأسس الآتية:
1. الاعتراف الدستوري بالحقوق والحريات السياسية والمدنية الأساسية وحمايتها من اعتداءات السلطة الحاكمة.
2. تداول السلطة عن طريق الانتخابات العامة الحرة والسرية.
3. الفصل بين السلطات الرئيسة الثلاث مع التركيز على استقلال السلطة القضائية.
4. مبدأ سيادة القانون والمساواة بين المواطنين، ودعمه بأنظمة للرقابة والمحاسبة والمتابعة.
5. حماية الأقلية من طغيان الأكثرية.
6. المشاركة الشعبية في صناعة القرارات على المستويات المختلفة بما يتطلبه ذلك من اللامركزية ومن توزيع للمهام والصلاحيات(8).
وفي داخل النظام الديمقراطي، تنتظم العلاقة بين الأدوار المتمايزة التي يؤديها الأفراد بمعنى العلاقة بين من يتولى اتخاذ القرارات السياسية ووضع السياسات العامة وبين المواطنين العاديين في إطار نمط من الممارسات السياسية يقوم على فسح أوسع مجالات المشاركة السياسية ويكون مؤطراً بقواعد ومعايير واليات خاصة ومن هذه الزاوية يطرح (روبرت دال) خمسة معايير تشكل أساسا للممارسة الديمقراطية وهي كالآتي(9) :-
أولا: المشاركة السياسية الفعالة في عملية اتخاذ القرارات السياسية وبأقصى مدى ونطاق يمكن توفيره وبما يتضمنه ذلك من ضرورة المساواة في الفرص وتوافر الضمانات اللازمة للتعبير عن الاختيارات وكذلك الحصول على المعلومات المطلوبة والتساؤل عن الخيارات المطروحة .
ثانيا: المساواة في حق التصويت ووزن أصوات المواطنين في إطار عملية اتخاذ القرارات السياسية و المهمة خاصة كإقرار الدستور على سبيل المثال.
ثالثا: امتلاك متخذي القرارات المعرفة والمعلومات الكافية للوصول إلى القرارات السليمة، ويتطلب ذلك المساواة في فرص الحصول على المعلومات المتعلقة بالقرارات المطلوب اتخاذها والتحسب لاحتمالاتها ونتائجها وأفضلها خدمة للمصلحة العامة.
رابعا: مشاركة الشعب الفعالة في تحديد واختيار المسائل والقضايا المطلوب اتخاذ القرارات بصددها، وكذلك تحديد الوقت المناسب لتداولها، بمعنى خضوع عملية تحديد جدول الأعمال والموافقة عليه لإرادة الشعب قبل البدء بمناقشته وعدم تركه لإرادة القلة.
خامسا: اتساع نطاق المشاركة السياسية وشموله لكل الذين يمتلكون صفة المواطنة في البلد بغض النظر عن الاعتبارات الأخرى .
وفي محاوله لرسم إطار واضح ومحدد حول الديمقراطية، يمكننا أن نبرز في هذا المجال نقاطا محددة تدور حول جوهر الديمقراطية وروحها وهي كما يأتي(10) :
* الديمقراطية تعني احترام حقوق الإنسان: تلك الحقوق التي تضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الأمم المتحدة ومنها الحقوق السياسية والمدنية كالحق في تشكيل الأحزاب السياسية والحق في الحياة والحق في المساواة...الخ والحقوق الاجتماعية كحق العمل والتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، ومنها الحقوق المنصوص عليها في المواثيق والإعلانات، على إن العبرة ليست بما تجيء به النصوص والدساتير، وإنما بمدى إمكانية ممارسة هذه الحقوق بحرية كاملة وبايجابية تحقق المشاركة في صنع القرارات، ثم هناك الممارسة وفقا لمنطق المساواة في الحقوق وأداء الواجبات دون تمييز عرقي أو عقائدي أو فكري.
* الديمقراطية تعني التعددية السياسية: فمن المسلّمات التي لم تعد تقبل جدلا أن أمور المجتمع الحديث أياً كان تركيبه بلغت حدا من التعقيد والتشابك في ظل ظروف الحياة والمجتمعات محليا وإقليميا وعالميا مما يجعلنا نقر بأنه لم يعد من المنطق فرض التصور الأوحد أو الصواب المطلق من قبل طرف واحد أو تيار واحد في أي مجتمع، وأصبحت سيطرة الرأي الأوحد تنطوي على خطورة التجمد وقتل الإبداع والتوقف عن مواكبة العصر، ومن ثم فان تعدد الاتجاهات والتصورات وتوفير المناخ الصحي لتفاعلاتها هما الضمان الأكبر للتجدد والصواب.
* الديمقراطية تعني إمكان تداول السلطة شرعيا وسلميا: وهنا يمكن القول انه لا معنى للتعددية من دون توفر آليات تسيير شؤون المجتمع بحيث يحظى الاتجاه الذي يحوز الأغلبية بالسلطة لتنفيذ برنامج اكتسب التأييد والموافقة العامة، واستمرار السلطة بلا تغيير في أيدي طرف واحد مفسده تقترب من الوهم ومفضية إلى الشلل، وبذلك فان من أهم مميزات الديمقراطية توفير آليات التداول السلمي للسلطة بلا انقلابات أو تصفيات.
والنظام الديمقراطي كإطار سياسي وقانوني للممارسة السياسية لا ينطوي على تنظيم للسلطة السياسية ومزاولتها بمعنى المؤسسات التي تتكون منها والوظائف التي تؤديها والصلاحيات التي تحوزها والعلاقات فيما بينها (أي بين تلك المؤسسات) فحسب وإنما ينطوي على تنظيم لانتقال السلطة السياسية بين القوى السياسية بمعنى القواعد والآليات والإجراءات التي تجري بموجبها عملية إسناد السلطة السياسية وتداولها من قبل القوى السياسية وذلك تجسيدا للمشاركة السياسية الواسعة التي يقوم عليها ويرتكز إليها، وهذا التنظيم في الوقت الذي يكرس الطابع الديمقراطي للممارسة السياسية، فانه يمثل الدالة المميزة للنظام الديمقراطي والتي تقيم الفصل بينه وبين غيره من أنظمة الحكم المعروفة.
 

المبحث الثاني
التعاقب على السلطة في العراق كآلية من آليات التحول الديمقراطي

من الحقائق الثابتة إن الصراع السياسي ما هو إلا صراع حول السلطة وان هناك نوعين من الصراع السياسي يجري التمييز بينهما بدلالة فكرة الشرعية، فالصراع يكون في النظام عندما ينعقد الاتفاق بين القوى الاجتماعية على اعتباره شرعيا، ويكون الصراع على النظام عندما ينقطع الاتفاق بين هذه القوى على شرعيته وان قوى معينه تعمل على الإطاحة به وتسعى لإقامة نظام آخر بديل، وبسبب طبيعة العلاقة القائمة بين السلطة والقانون، فان القوى السياسية المتصارعة تسعى لان تقدم صيغه معينه من الشرعية تتمسك بها مبدئيا وتثبتها عمليا وذلك أما خارج نطاق القوانين المعمول بها أي تقويض النظام السياسي القائم وفرض نظام سياسي جديد تسيره وفقا لمنظورها الخاص عن المصلحة العامة أو أن تصل إلى السلطة عن طريق الإجراءات التي يرسمها القانون وعلى هذا الأساس فان التعاقب على السلطة كنتيجة من نتائج الصراع السياسي يتم بأسلوبين:
1. الأسلوب الدستوري، بمعنى انتقال السلطة وفقا للقواعد الدستورية حيث تأخذ المسالة شكل التداول السلمي للسلطة بين القوى السياسية.
2. الأسلوب الثوري أو الانقلابي، أي استخدام القوة للاستيلاء على السلطة وممارسة الحكم وتعتمد طبيعة الصراع على السلطة على طبيعة العلاقة بين النخب السياسية الحاكمة والقوى السياسية وإمكانيتها على المشاركة السياسية، فلا شك إن النخب الحاكمة هي التي تقرر مدى المشاركة السياسية ونطاقها عن طريق قبولها أو رفضها للقوى السياسية الساعية إليها، وإنها بامتلاكها لهذه القدرة لا تتحكم بموقع هذه القوى في إطار النظام السياسي فحسب وإنما تتحكم في موقعها في إطار الحياة السياسية عامة، ومؤدى ذلك إن قبول النخب الحاكمة بمشاركة تلك القوى يعني احتوائها في إطار النظام السياسي، أما القوى التي ترفض النخب الحاكمة مشاركتها في النظام السياسي فتتحول إلى موقع المعارضة للنظام وعندئذ تتولد أزمة المشاركة السياسية، وعلى أساس الطابع الذي يتطبع به الصراع على السلطة يتحدد شكل وطبيعة تعاقب القوى السياسية عليها، فعندما يتحول الصراع إلى شكل من أشكال التنافس وذلك باعتراف النخب الحاكمة بالقوى السياسية وإقرارها بوجودها قانونيا ودستوريا والسماح لها بالمشاركة السياسية عن طريق مؤسسات النظام ومن خلال الآليات والإجراءات التي يعتمدها النظام، وبالمقابل فان إقرار القوى السياسية بشرعية النظام والموافقة على ممارسة نشاطاتها السياسية من خلال مؤسسات النظام والالتزام بالقواعد والإجراءات التي يقررها الدستور، يصبح لدينا التعاقب على السلطة بين القوى السياسية يأخذ شكل التداول السلمي عليها، وعندما يحافظ الصراع على طابعه نفسه برفض النخب الحاكمة مشاركة القوى السياسية ومنعها من الدخول في إطار النظام السياسي قانونيا (دستوريا) أو عمليا، وبالمقابل بإنكار القوى السياسية على النظام صفة الشرعية والعمل على الإطاحة به وذلك خارج الأطر والمؤسسات والإجراءات الدستورية للنظام أي عن طريق القوة، فان التعاقب على السلطة بين القوى السياسية يتحقق بالطريق الثوري أو الانقلابي(11) .
وبقدر ما يعبر التداول أو التناوب على السلطة عن عمق الديمقراطية ورسوخ قواعدها ومؤسساتها والياتها، فان الثورات والانقلابات تمثل نتيجة طبيعية لعجز المؤسسات السياسية عن تنظيم عملية التعاقب على السلطة، فعندما لا تمتلك المؤسسات السياسية القدرات اللازمة لتنظيم هذه العملية سلميا بسبب عدم استقلالها عن الصراع الاجتماعي، ومن ثم إخفاقها في تحقيق التوازن بين القوى الاجتماعية وخضوعها لهيمنة إحدى هذه القوى، يمثل القوى السياسية الصاعدة على صعيد الحياة السياسية لتحقيق هذا التعاقب بطرق ثورية أو انقلابية بمعنى اللجوء إلى استخدام القوة أما لتغيير النظام السياسي كليا أو لتغيير جهاز الحكم، وإذا كان اللجوء إلى أسلوب التعاقب الثوري أو الانقلابي من جانب القوى السياسية يعد عملا غير شرعي لكونه خروجا عن القواعد الدستورية المنظمة لعملية انتقال السلطة وممارستها، فانه يعد عملا غير ديمقراطي لكونه يمثل اغتصابا للسلطة باستخدام القوة المسلحة مما يؤدي إلى افتقاده المشروعية، ولهذا نجد أن القوى الثورية أو الانقلابية تعمد تحت تأثير عامل غياب الشرعية عنها إلى التأثير في سريان نفاذ القواعد الدستورية لتناقضها وتعارضها مع حركتها الثورية أو الانقلابية، وفي حين يجد تداول السلطة استقلال النظام السياسي في الصراع الاجتماعي وحياده إزاء مطالب المشاركة السياسية من جانب القوى السياسية، يدلل التعاقب الثوري والانقلابي على انحياز النظام السياسي في الصراع الاجتماعي وعدم حياده إزاء مطالب المشاركة السياسية للقوى السياسية، فالثورات والانقلابات ترتبط اشد الارتباط بتصاعد مطالب المشاركة السياسية، وعدم توفر المؤسسات السياسية القادرة على استيعابها وانغلاقها وذلك لصالح قوة اجتماعية منظمة في إطار قوة سياسية، مما يؤدي إلى ضعف وتحلل شرعية النظام السياسي ويقود إلى تزايد اللجوء للعنف كوسيلة لتحقيق أهداف هذه القوى، إذ إن غياب الثقافة السياسية أو ضعف قدرتها على فرض تسوية بين القوى الاجتماعية المتصارعة بشان وسائل العمل السياسي واليات فض النزاعات السياسية ينال من أو يحول دون استقلال المؤسسات السياسية إزاء الصراع الاجتماعي حتما، مما يدفع نحو قمع كل قوى المعارضة وعدم السماح لها بالمشاركة التي تفترض وجوب استقلالية النظام السياسي ومؤسساته وامتلاكه الفاعلية في التوسط بين القوى الاجتماعية المتصارعة، وهكذا فان عدم انفصال النظام السياسي عن الصراع الاجتماعي وعدم حياده بين القوى الاجتماعية ينم عن الحاجة لاختيار أسلوب التعاقب الثوري والانقلابي من اجل استلام السلطة والوصول إلى مواقع الحكم من جانب القوة السياسية(12) .
وفي الأنظمة السياسية الديمقراطية، تتألف الصورة السياسية للبلد (بل النظام السياسي له) من حكومة تزاول السلطة، ومن معارضة تراقبها وتنقدها وتنافسها وتسعى إلى أبعادها عن السلطة في دورة انتخابية قادمة وضمن هذه الصيرورة تكون المعارضة جزءا من النظام السياسي، غير إن الأمر في العراق لم يكن على هذه الشاكلة، فقوى المعارضة العراقية لم تكن جزءا من النظام السياسي، بل هي خارج ذلك النظام بالكامل تنظيميا وجغرافيا(باستثناء الأحزاب الكردية) والسبب في ذلك يعود إلى طبيعة النظام السياسي، فقد كان ذلك النظام ديكتاتوريا، فرديا، حزبيا، عسكريا، وهي طبيعة لا تسمح بوجود معارضة سياسية حزبية حقيقية وفاعلة تكون جزءا من صورته العامة، ولم يكن احد يجرؤ على انتقاد النظام السياسي، كما لم يكن باستطاعة احد انتقاد السلطة فضلا عن مراقبتها ومحاسبتها والسعي لإسقاطها في دورة انتخابية قادمة وذلك لأنه من غير المسموح به قيام أحزاب حقيقية معارضة في العراق، وعمد النظام السابق على محاربة جميع الأحزاب والتيارات السياسية التي كانت موجودة في العراق الأمر الذي اضطرها إلى أن تكون متواجدة خارج العراق، كما إن النظام السياسي في تلك الفترة لم يكن قائما ومستندا على أساس تداول السلطة عبر الدورات الانتخابية، وإنما كان الشعب يمارس، (واجب البيعة) كلما دعته السلطة إلى ممارسة هذا الواجب، وابرز مناسبات ذلك الواجب التصويت الدوري على رئاسة الرئيس السابق والذي كان المرشح الوحيد في كل،(انتخابات) رئاسية(13).
وبعد سقوط النظام السابق، دخل العراق مرحلة انتقالية جديدة تتطلب تأسيس نسق واضح المعايير من الديمقراطية وذلك من خلال الاستناد إلى مبدأ التعاقب على السلطة، إذ توجد هنالك حقيقة جوهرية تتمثل في أن التحول الديمقراطي الحاصل في جميع الدول لن يؤدي إلى ممارسة ديمقراطية راسخة ومن ثم الوصول إلى الاستقرار السياسي إلا إذا ارتبط بوضع أسس وقواعد واليات ثابتة ومقبولة لتعاقب القوى السياسية العاملة في ساحة العمل السياسي على السلطة السياسية في تلك الدول، وعليه فان المطلوب في هذه المرحلة الانتقالية وضع أسس وقواعد واليات ثابتة ومقبولة في العراق لتعاقب القوى السياسية العاملة في ساحة العمل السياسي، ومن اجل أن يأخذ التحول الديمقراطي مداه الحقيقي ينبغي توفير أسسه المبدئية والمؤسساتية والإجرائية على صعيد بنية السلطة السياسية ومزاولتها وانتقالها من قوة سياسية لأخرى، وبقدر ما تستهدف عملية تنظيم التعاقب على السلطة إرساء أسس ممارسة ديمقراطية ثابتة ودائمية، فإنها تستهدف وتنطوي على ضرورة الاعتراف القانوني والدستوري والعمل بحرية في المجال السياسي من قبل القوى السياسية، وكذلك ضرورة الإقرار الدستوري بمبدأ تداول السلطة والتزام القوى السياسية به، فضلا عن ضرورة تحويل الصراع السياسي إلى تنافس سياسي فيما بينها.
ولا بد لنا هنا من ضرورة الحديث عن مبدأ مهم من مبادئ الديمقراطية والذي يجب أن يكون الأساس الذي يتم العمل بموجبه في العراق وهو تداول السلطة، حيث يعد تداول السلطة أو التناوب عليها من قبل القوى السياسية الفاعلة على صعيد الحياة السياسية من ابرز آليات الممارسة الديمقراطية، ولهذا لن يكون للتعددية الحزبية التي تتوافر عليها الساحة العراقية في الوقت الحاضر أي مغزى حقيقي بغير إطار دستوري ينظم عملية انتقال السلطة ويقرر الآلية التي يتم بمقتضاها هذا الانتقال بين القوى السياسية العاملة على ساحة العمل السياسي، فالمبرر الحقيقي والهدف الجوهري للتعددية السياسية هو إيجاد الطريقة المؤسسية التي تمكن القوى السياسية من التناوب على السلطة، وليس تداول السلطة إلا الآلية التي يجري عبرها مأسسة عملية التعاقب على السلطة، ولن يكون هناك بناء ديمقراطي حقيقي مالم تتاح أمام القوى السياسية إمكانية تبادل مواقع الحكم والمعارضة من خلال التنظيم المؤسسي لعملية التعاقب على السلطة في إطار البناء الديمقراطي.
إن القيمة المؤسسية لمبدأ تداول السلطة لا تنحصر في فتح سبل العمل السياسي المشروع أمام التنظيمات السياسية فحسب، وإنما في انه يتضمن آلية محددة لتنظيم عملية انتقال السلطة السياسية بين القوى السياسية أيضا، ومن هذا الجانب ليس للتعددية الحزبية والعمل السياسي العلني المرخص للأحزاب أية قيمة من دون قدرة هذه الأحزاب على الوصول إلى السلطة، فلا يمكن لحرية العمل السياسي لهذه الأحزاب إن تتكرس في إطار بنية سياسية إلا بإيجاد القواعد الدستورية التي تتولى تنظيم انتقال السلطة السياسية، وما تداول السلطة غير آلية قانونية وسياسية مكملة لمبدأ حرية العمل السياسي، ففي الوقت الذي تقرر فيه هذه القواعد الإجراءات القانونية والسياسية لعملية تعاقب القوى السياسية على السلطة، تعمل على تحويل السلطة السياسية إلى سلطة قانونية وليست فعلية، فهذه القواعد ما هي إلا التقنية التي تجعل السلطة مفتوحة أمام جميع القوى السياسية وبالتالي قدرتها على الوصول إلى مواقع الحكم، فعن طريقها تصبح مؤسسات السلطة السياسية مراكز قانونية يمكن إشغالها من قبل القوى السياسية وتولي عملية الحكم، ولا يتجسد الطابع الديمقراطي لمبدأ تداول السلطة بفتح مجالات المشاركة السياسية لجميع القوى السياسية فحسب وإنما بإقرار إمكانية أي من تلك القوى تستطيع الوصول إلى مواقع السلطة وخاصة قوى المعارضة وذلك عبر الانتخابات والحصول على أصوات الناخبين.
ويمكن القول إن هناك صيغتان أساسيتان لتحقيق التعاقب على السلطة هما:
الصيغة الأولى : صيغة التنافس بين الأحزاب السياسية بوجود عدة أحزاب ذات قوة متساوية تقريبا، تتنافس فيما بينها من اجل الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها في إطار النظام السياسي القائم الذي تعتبر الأحزاب السياسية جزءا منه، وإحدى مؤسساته الرئيسة، سواء كان نظاما برلمانيا أو رئاسيا، فالحزب الذي يفوز بأغلبية انتخابية يحصل على مقاعد أكثر في البرلمان ويشكل الحكومة (كما في النظام البرلماني) ويبقى حزب الأغلبية يمارس السلطة حتى قيام الانتخابات القادمة فان حافظ على أغلبيته بقي في الحكم والاوجب عليه الخروج من السلطة وتسليمها إلى الحزب الفائز، وتعقب الانتخابات يجعل من مشكلة البقاء في السلطة مرتبطة ارتباط وثيقا بمدى احتفاظ حزب الأغلبية بقاعدته الانتخابية وباتجاهات الرأي العام، وهذا يعني توفير إمكانية انتقال السلطة بصورة سلمية، فوجود التنافس الحزبي المنظم بشكل دستوري يحل مشكلة التعاقب على السلطة حلا سلميا(14).
وتعتبر الأحزاب السياسية كما هو شان المؤسسات الدستورية(البرلمان، الانتخابات النيابية) جزء لا يتجزأ من البنيان الاجتماعي والسياسي لإمرار التشنجات التي تحدث فيه بين المصالح المختلفة، ومن ثم تفادي الاصطدام العنيف بين القوى الاجتماعية- السياسية التي تمثلها فالسلطة السياسية هي الهدف الذي يسعى إليه كل حزب، وبالإضافة إلى هذه الوظيفة التقليدية فان الأحزاب السياسية تستطيع أن ترسخ معنى للمواطنة وتنظيم المشاركة العامة في القرارات السياسية بشكل فعال، ودون وجود الأحزاب السياسية فان عملية الديمقراطية البرلمانية لا يمكن التفكير فيها، فالحزب السياسي يستطيع أن يتغلغل في المجتمع وان يبني الثقة بين الشعب بدرجة أكثر فاعلية من البيروقراطية الحكومية.
أما الصيغة الثانية: فهي صيغة الجبهة الوطنية وتتميز هذه الصيغة بوجود عدة أحزاب سياسية تشارك في ممارسة السلطة بناءاً على ميثاق الجبهة أو على اتفاقات فرعية لاحقة، وفي هذه الصيغة لا يتم الاعتراف بأي حزب سياسي خارج نطاق الجبهة، ومن ثم فان أي نشاط حزبي خارجها يعتبر عملا مخالفا للقانون، وعادة ما يوجد هناك حزب يتمتع بمركز متميز بين أطراف الجبهة بسبب تفوقه سياسيا، وبسبب الدور الذي لعبه في إقامة النظام السياسي، لذلك فانه يسهم بأكبر قدر ممكن من المراكز الرسمية والشعبية(أي في أجهزة الدولة والمنظمات الشعبية)، وتتولى الأحزاب الأخرى مراكز اقل أهمية مما تقدم استنادا على الاتفاق المسبق بين أحزاب الجبهة في توزيع مراكز السلطة بينها ولذلك ينعدم التنافس الحزبي على السلطة، ويستند نجاح صيغة الجبهة الوطنية إلى ضرورة ضم جميع القوى السياسية في إطار الجبهة، والتي يكون ميثاق العمل الوطني هو القاعدة المتفق عليها مسبقا في توزيع مراكز السلطة السياسية بين هذه القوى، ويمكن لهذه الصيغة أن تنجح إذا ما تمكنت من التكيف مع متطلبات التطور الاجتماعي وان تضم القوى الاجتماعية السياسية الجديدة وتشركها في العملية السياسية، وإلا فان هذه القوى ستكون في مفهوم العمل الجبهوي قوى معارضة غير قانونية.
وبغض النظر عن الصيغ التي يمكن إتباعها في العراق من اجل تحقيق مبدأ التعاقب على السلطة (سواء صيغة التنافس السياسي بين الأحزاب السياسية أم صيغة الجبهة الوطنية)، فان المبدأ الأساس الواجب إتباعه هنا هو مبدأ التعاقب على السلطة وتنفيذ ابرز الأسس التي يستند عليها مبدأ التعاقب على السلطة وهي حرية العمل السياسي، التنافس السياسي بين الأحزاب، تداول السلطة، ومن دون تحقيق هذا المبدأ سوف لن تكون هناك أي أسس صحيحة للديمقراطية في العراق، بل يمكن القول بأنه لن تكون هناك أية ديمقراطية، فتحقيق الديمقراطية في العراق مرهون بتحقيق عملية التعاقب على السلطة لان عدم وجود تداول للسلطة وعدم وجود تعاقب على السلطة سوف يؤدي إلى عودة الأنظمة الديكتاتورية إلى الوجود وهو أمر أصبح مثار رفض العراقيين لان النظام الدكتاتوري يعني ارتهان لحياة المواطنين فضلا عن جور النظام وتعسفه وهو ما يدفعنا إلى دعم فكرة التعاقب على السلطة والتأكيد عليها لأنها أساس الديمقراطية في العراق.

 

هوامش الفصل الاول

1. د. صادق الأسود، علم الاجتماع السياسي: أسسه وأبعاده، دار الحكمة للطباعة والنشر، بغداد، 1990، ص 291.
2. المصدر نفسه ، ص 392.
3. سعيد زيداني، إطلالة على الديمقراطية الليبرالية، مجموعة باحثين (المسالة الديمقراطية في الوطن العربي)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ، ط1، 2000، ص 58 .
4. المصدر نفسه ،ص 60.
5. د. صادق الأسود، مصدر سبق ذكره، ص31.
6. د. حسين علوان البيج، التحول الديمقراطي وإشكالية التعاقب على السلطة في الوطن العربي، مجلة دراسات إستراتيجية، مركز الدراسات الدولية بغداد، العدد4، 1998، ص 161.
7. سعيد زيداني ، المصدر السابق، ص 61 .
8. سعيد زيداني، الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان في الوطن العربي، في مجموعة مؤلفين(حول الخيار الديمقراطي: دراسات نقدية)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1،1994، ص174.
9. نقلا عن: علي خليفة الكواري، مفهوم الديمقراطية المعاصرة، في مجموعة مؤلفين(المسالة الديمقراطية في الوطن العربي)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1،2000، ص32.
10. إسماعيل صبري عبد الله، الديمقراطية داخل الأحزاب الوطنية وفيما بينها، مجموعة مؤلفين(أزمة الديمقراطية في الوطن العربي)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط2، 1987، ص 466. وقارن مع برهان غليون، منهج دراسة مستقبل الديمقراطية في البلدان العربية، مقدمة نظرية المستقبل العربي، العدد 213، 1996، ص 37.
11. د. حسين علوان البيج، مصدر نفسه، ص165.
12. د. حسين علوان البيج، المصدر نفسه،ص 167.
13. د. محمد عبد الجبار، نظرة تحليلية لخريطة المعارضة العراقية وتضاريسها شبكة الانترنيت، 8-12-2002، ص2.
 

 

الفصل الثاني
المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في العراق

 

علاء عبد الرزاقí

í مدرس مساعد/ كلية العلوم السياسية/ جامعة بغداد.

 

 

المبحث الأول
المجتمع المدني إطار مفاهيمي

لعل من المناسب وقبل الدخول في تبيان العلاقة بين بناء مجتمع مدني فاعل وقوي في العراق والتحولات الديمقراطية التي يمر بها التعرف على ابرز التعريفات الخاصة بالمجتمع المدني والدور الذي يمكن أن يلعبه في بروز أو إنشاء مجتمع قائم على تنشيط مؤسساته المدنية والمستقلة عن سيطرة الدولة وهيمنتها.
لقد عرف المجتمع المدني بكونه:"مجموعة التنظيمات الحرة، التي تملا المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة بذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف"(1) وتشمل تنظيمات المجتمع المدني كلا من الجمعيات والروابط والنقابات والأحزاب والأندية والجمعيات التعاونية أي إن وصف المجتمع المدني ينطلق من كل ما هو غير حكومي وكل ما هو غير عائلي أو مستمد بشكل عام من الإرث.
كما عرف المجتمع المدني بكونه: "الحيز الذي يقابل الدولة أو المجتمع السياسي وبالتالي فهو يدل على هيئة تطوعية أو اختيارية متمايزة عن السياسة". كما ميز المفكر الايطالي (انطونيو غرامشي) وهو احد رواد مفهوم المجتمع المدني بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي من خلال الأدوات التي تستخدم في كلا المجتمعين فالآلية المتبعة في المجتمع المدني تقوم على الهيمنة والتي يمارسها المثقفون من خلال تقديمهم أنماط فكرية قد تهيمن على المجتمع في حين تشكل السيطرة والسطوة الأداة التي تعمد لاستخدامها السلطة من خلال هرميات القيادة والتوجيه، وأما آليات الهيمنة في المجتمع المدني فهي الحزب، والنقابة، والجمعيات المختلفة، والمدرسة والكنيسة أو المؤسسات الدينية بشكل عام، والصحف والوسائل السمعية والبصرية التي يتكون من خلالها صور الاتصال(2).
كما عرف (محمد عابد الجابري) المجتمع المدني:"بكونه مجتمع المدن، وان مؤسساته هي تلك التي ينشأها الناس بينهم في المدينة لتنظيم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، فهي إذن مؤسسات إرادية أو شبه إرادية يقيمها الناس وينخرطون فيها أو يحلونها أو ينسحبون منها، وذلك على النقيض تماما من مؤسسات المجتمع البدوي والتقليدي والتي تتميز بكونها مؤسسات طبيعية، أو عضوية يولد الفرد منتميا إليها مندمجا فيها لا يستطيع الانسحاب منها مثل القبيلة "(3).
وعليه يمكن القول إن مفهوم المجتمع المدني يتكون بشكل عام من ثلاث مقومات أساسية وهي:
المقوم الأول: ويبنى على الفعل الإرادي الحر، فالمجتمع المدني يتكون بالإرادة الحرة لأفراده. لذلك فهو بعيد عن صفة الجماعة القرابية أو ماله صلة بها كالأسرة والعشيرة والقبيلة. ذلك إن الجماعة القرابية تتحدد فيها العضوية بحكم الولادة أو الإرث ولا دخل للاختيار الفردي والحر فيها. كما إن المجتمع المدني يختلف كليا عن الدولة أو المجتمع السياسي وهي التي تفرض سيادتها وجنسيتها وقوانينها على من يولدون على أراضيها أو يعيشون على إقليمها الجغرافي ،دون اختيار أو قبول مسبق منهم .في حين ينضم الأفراد إلى مؤسسات وتنظيمات المجتمع المدني من اجل تحقيق مصلحة أو الدفاع عن مصلحة مادية كانت أم معنوية.
وأما المقوم الثاني: فهو توفر عنصر التنظيم الجماعي، ذلك إن المجتمع المدني هو مجموعة التنظيمات التي ينضم فيها أفراد أو أعضاء اختاروا العضوية في هذا التنظيم بمحض إرادتهم الحرة، ولكن بشروط يتم التراضي بشأنها أو قبولها من لدن أولئك الذين أسسوا التنظيم أو الذين انضموا إليه فيما بعد، لذا يصح القول بان المجتمع المدني هو بمثابة الأجزاء المنظمة من المجتمع العام. فالمجتمع المدني هو مجتمع عضويات فبقدر ما يحمل أي مواطن من بطاقات العضوية في مؤسسات تابعة للمجتمع المدني، ويعمل على تجسيد طموحاتها وتطلعاتها بشكل فاعل يغدو بمثابة عنصر نشط في المجتمع المدني، وأما أولئك الذين لا بطاقات عضوية لهم في أحزاب أو أندية أو نقابات أو اتحادات، أو غرف تجارية، أو صناعية، أو تعاونيات، أو جمعيات، فانه يصدق عليهم وصف المهمشين في أي مجتمع ديمقراطي معاصر.
وأما المقوم الثالث: فهو المقوم الأخلاقي والسلوكي، وينطوي على قبول الاختلاف والتنوع بين الذات والآخرين والاستعداد لتقبل مفاهيم وطروحات الآخرين وتطلعاتهم، بمعنى الإيمان بحق الآخرين في أن يكونوا منظمات مجتمع مدني تحقق وتحمي وتدافع عن مصالحهم المادية والمعنوية، والالتزام بإدارة الخلاف داخل مؤسسات المجتمع المدني ومع بعضها البعض ومع الدولة بالوسائل السلمية المتحضرة أي بقيم وممارسات المجتمع المدني وضوابطه المعيارية، وهي قيم الاحترام والتسامح والتعاون والتنافس والصراع السلمي(4).
ولقد عرف المجتمع المدني أيضا بكونه :"مجموعة من البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي تنتظم في إطارها شبكة من العلاقات والممارسات بين القوى والتكوينات والهياكل الاجتماعية المختلفة في المجتمع، وتنشا هذه المؤسسات بشكل طوعي واختياري بمعزل عن الدولة أي المجتمع السياسي لتحد من انفرادية هذا الأخير بالسلطة، ولعل السمة البارزة والمميزة للمجتمع المدني هي صفة الطوعية والاختيار، فضلا عن خضوعها لقواعد واضحة ضمن تكويناتها في المجالات المتعددة كالمؤسسة التربوية والتعليمية والمؤسسات الدينية والإنتاجية والاتحادات المهنية والنقابات العمالية"(5)، ولا بد من التذكير بان استقلالية أي مؤسسة في المجتمع المدني لا يمكن أن تفهم على إنها منفصلة عن المجتمع أو الحياة السياسية، بل تشكل برمتها رافد اغناء وتطوير، وهذه الاستقلالية تفسر لنا مدى قدرة المواطنين على تنظيم نشاطاتهم بعيدا عن الدولة، كما تقلل في الوقت ذاته من إمكانية احتوائها الكامل أو ممارسة السيطرة الكاملة أو التسلط المحكم عليها ويبدو إن هنالك علاقة حتمية وجدلية بين المجتمع المدني والتطور الديمقراطي، ولا سيما في مجال تبني مؤسسات المجتمع لعلاقات تقوم على تقديس حق الاختلاف في الآراء والمصالح المادية والمعنوية في داخل مؤسساتها وفيما يخص علاقاتها مع بعضها البعض ومع الدولة كذلك، ولعل القبول بالاختلاف والحوار السلمي هو الجوهر الأساسي للديمقراطية. ويصح القول إن الديمقراطية هي الوجه السياسي للمجتمع المدني، فهي صيغة سلمية لإدارة الاختلاف والتنافس والصراع، وفقا لقواعد متفق عليها مسبقا من لدن كل الأطراف(6)، وإلى جانب ذلك فان مؤسسات المجتمع المدني هي مدارس للتنشئة السياسية على الديمقراطية. فسواء كانت جمعية خيرية، أو ناديا رياضيا، أو رابطة ثقافية، أو حزبا سياسيا، أو نقابة عمالية، فإنها تدرب أعضائها على الممارسات الخاصة بالديمقراطية في المجتمع الأكبر كالالتزام بشروط العضوية، وحقوقها وواجباتها، والمشاركة في النظام العام، والتعبير عن الرأي، والاستماع للرأي الآخر، وعضوية اللجان والتصويت على القرارات، والمشاركة في الانتخابات، والقبول بالنتائج سواء كانت في مصلحة العضو أو لم تكن، وبالإضافة إلى ذلك فان مؤسسات المجتمع المدني هي في واقع الأمر جماعات مصالح تنمي وتدافع عن هذه المصالح في مواجهة الدولة أيضا، ملتزمة بالأسلوب السلمي لإدارة الصراع والاختلاف(7). وبهذا المعنى تغدو جزءا لا يتجزأ من البناء الديمقراطي العام إن وجد فعلا، وجزءا من الشروط اللازمة لوجود مثل هذا النظام إن لم يكن موجودا بالفعل، ولقد ارتأت بعض الاجتهادات بان المجتمع المدني لا يمكن أن يرسي تقاليده ويمارس حضوره الناشط والحقيقي والفاعل في الأوجه كافة وعلى مستوى العلاقات بين الأفراد والمجتمع، ما لم تكن هنالك ديمقراطية حقه تضمن المقومات والشروط الأساسية كافة لنجاح عمله، فغياب الديمقراطية لا ينشا مجتمعا مدنيا بمعنى الكلمة وهذا الافتراض قد يحمل الكثير من الصواب في بعض طياته، فإذا ما كان النظام استبداديا وشموليا لا يؤمن بالديمقراطية والحرية كما حصل في العراق في العهود السابقة ولاسيما خلال حكم حزب البعث (1963-2003)، فان ذلك يستتبع بالضرورة عدم وجودة مجتمع مدني فاعل وحقيقي، إننا لا نستبعد وان سلمنا بالاجتهاد المذكور استحالة قيام مجتمع مدني وحضاري في الوقت نفسه ولا يعني ذلك التفرج والانتظار حتى قدوم الديمقراطية والتي هي ممارسة إنسانية وفعلية تنمو داخل المؤسسات المدنية قبل أن تكون فكرة خيالية من الصعب تحقيقها، إذن فهنالك علاقة تفاعلية وتبادلية بين الديمقراطية وقطاعات المجتمع المدني ،فكلما تزايدت مؤسسات المجتمع المدني ومارست دورا أكثر فاعلية وتأثيرا أو ضغطا على مؤسسات الدولة، اتسعت الممارسات والفعاليات الديمقراطية والعكس بالعكس، ومن المعروف تاريخيا إن المجتمع العربي بشكل عام والعراق بشكل خاص لم يشهد مظاهر واضحة المعالم عن المجتمع المدني كواقع وممارسة سياسية واجتماعية وكمفهوم متناول في كتابات المفكرين والمنظرين العرب وقد يعود ذلك لوجود حقيقة لا مفر من الاعتراف بها، وهي إن تاريخ الدولة الحديث في العراق والمجتمعات العربية الأخرى، لا يمكن اشتقاقه من تاريخ المجتمع بشكل مباشر كما كان عليه الحال في الماضي، أو كما هو عليه الحال في الدول الأوروبية الحديثة(8)، ولقد كان الاهتمام بموضوع المجتمع المدني متأخرا جدا وهذا بطبيعة الحال كان نتيجة أساسية للواقع العربي السياسي بأنظمته الفردية، إذا ما قيس بنشأة المجتمع المدني كمدلول فكري وظهوره المبكر في حيز الميدان العملي السياسي في الفكر الغربي خلال القرن التاسع عشر، ولقد عانى المجتمع العراقي كغيرة من البلدان العربية من فكرة الواحدية في التسلط والقيادة السياسية الشمولية، المهيمنة على كافة مجالات الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية ولقد تدخل النظام الشمولي السابق في قطاعات المجتمع المدني كافة فأفرغها من محتواها الإنساني وعطل دورها السياسي والاجتماعي، ولم تقم علاقة تفاعلية وشركة تعاونية مثمرة مع قطاعات ووحدات المجتمع المدني بل مورست ضدها أسوأ أنواع السيطرة والاستلاب والهيمنة لتتحول إلى أجهزة قمعية تجسسية تخدم مصالح النظام وأهدافه. وكانت مؤسسات المجتمع المدني أو ما يبدو إنها مؤسسات المجتمع المدني كالاتحاد الوطني لطلبة العراق، واتحاد نقابات العمال والجمعيات الفلاحية موالية للنظام وضمانة عدم تحولها إلى نواة بأي شكل من أشكال المعارضة السياسية، بل كانت في حقيقتها جزءا من هيكلية السلطة القمعية والتي عمدت إلى مسخ جميع أشكال المؤسسات المدنية للتحول إلى علاقات انفراد سلطوية بينها وبين الشعب، بدلا من أن تكون هنالك مؤسسات تلعب دور الوسيط بين السلطة والمواطن وتوفر له الحماية والإحساس بحقيقة وجوده وشعوره بعدم العزلة في موقفه مع السلطة الحاكمة(9). وليس هنالك شك في أن التحولات الأخيرة في المجتمع العراقي قد تركت آثارها على صورة المشهد العراقي عموما وأفرزت أوضاعا جديدة شملت جميع مفاصل الحياة العامة ،ولقد كان تأثير هذه المتغيرات واضحا وجليا على المؤسسات المدنية "أحزاب واتحادات وجمعيات خيرية وإنسانية" ولقد تبدى ذلك وتجلى في مجمل مستوياتها المختلفة وعلى الرغم من إن الكثير من هذه المؤسسات كان حديث العهد، ومازال في طوره الجنيني، فانه يشكل بشكل أو بآخر نواة طبيعية لمتتاليات مجتمع مدني طوعي قادم في العراق، ولعل من الضروري ومن اجل تبيان الدور الذي يمكن أن يقوم به المجتمع المدني في إرساء معالم دولة ديمقراطية في العراق التعرف أولا على البناء المؤسساتي للدولة العراقية والكيفية التي يمكن من خلالها التحول من صيغة المجتمع العضوي والعلاقة التي تقوم على الاستتباع والتهميش من لدن الدولة للمجتمع في المرحلة السابقة إلى مجتمع تقوم علاقته مع الدولة على صيغة التعاقد فضلا عن التغيير في بنية الدولة من كائن غريب عن المجتمع إلى أداة انبثقت من رحم المجتمع المدني وتعمد إلى التقيد بالعلاقات التي تبنى في إطار هذا المجتمع والتي وكما ذكرنا سابقا تقوم على إدارة الخلافات والصراعات باسلوب سلمي متحضر(10) .

 

المبحث الثاني
البناء المؤسساتي للدولة العراقية

لقد ساد في العراق وكما هو الحال مع نماذج الدول العربية الأخرى وكذلك دول منطقة الشرق الأوسط عموما أنموذج الدولة المركزية والتي انتقلت من خلال عمليات مشوهة وسريعة وغير مدروسة من الأنماط الزراعية التقليدية إلى الصناعية وما رافق ذلك من اختزال لبعض المراحل التي كانت لازمة لبروز الجماعات والمؤسسات القادرة على موازنة قوة الدولة وسلطانها، فعلى العكس مما جرى في أوربا الغربية من انتقال من المجتمع الزراعي التقليدي إلى المجتمع الصناعي المعقد من أسفل أي من المجتمع ذاته ومن ثم صعودا إلى الدولة التي تغيرت هي ذاتها سواء بوسائل كان منها وسائل تدريجية إصلاحية ومنها ما كان بوسائل ثورية أو راديكالية عنيفة(11)، وأما في العراق والبلدان العربية الأخرى جرى الأمر بشكل معكوس أي حصل الانتقال من القمة إلى القاعدة أي من الدولة إلى المجتمع، فحصل تغيير في الدولة ثم عمدت الدولة إلى إتباع الوسائل التي كانت غالبا ما تكون قسرية ومتسرعة لنقل المجتمع من الإطار الزراعي التقليدي إلى الإطار الصناعي المتطور، وكان ذلك يعني إن المجتمع المدني هو الذي أنشا الدولة في الغرب في حين قامت الدولة بإنشاء المجتمع المدني في العراق. إن هذه الحقيقة قد أدت وبشكل طبيعي إلى جعل الدولة أقوى من المجتمع المدني وذلك بفعل اختلال العلاقة والذي يرجع أصلا إلى أن العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني هي علاقة (الخالق بالمخلوق )(12)، هذا فضلا عن وجود عوامل أخرى ساهمت وبشكل مباشر وكبير في هيمنة الدولة على مؤسسات وبنى المجتمع المدني، فالحقبة الزمنية التي استلزمت توطيد دعائم الدولة كانت اقصر بكثير من الحقبة التي استلزمت وتستلزم بناء وإرساء قواعد المجتمع المدني، كعملية اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية مشتركة، وهذا يعني إن المجتمع المدني لا يزال قيد التشكيل ضعيفا وهش الممارسة والفعالية. هذا فضلا عن وجود حقيقة أساسية وهي إن الدولة قد برزت في العراق على خلفية مجتمع تقليدي مقسم وفقا لولاءات تقليدية لا تمت إلى شكل الدولة الحديثة بصلة أو سبب ولذلك لجأت الدولة إلى إتباع أساليب مركزية شديدة الوطأة من اجل بناء ما تظنه مشروع دولة حديثة وقوية، فلا يكون دورها مقتصرا على دور الدولة الحارسة كما هو الحال مع الدولة في الغرب، بل تضطر إلى القيام بواجبات أخرى مضافة تكرس هيمنتها وسطوتها، ولعل ابرز هذه الواجبات هي احتكار الميادين الاقتصادية والثقافية، كما تقوم الدولة بإنشاء جيش مركزي ونظامي وترسي دعائم نظام تعليمي مركزي، وتبني جهازا بيروقراطيا ومهنيا جديدا، وتعمل على الدخول في الميدان الاقتصادي لا كمراقب بل كمشارك في المرحلة الأولى ومن ثم كمالك ومنتج ومهيمن بصفة أساسية في المرحلة الثانية، ولعل أهم ما ميز الدور الاقتصادي للدولة في العراق هو النمو المتسارع لوظيفتها كمنتج ومالك للعملية الاقتصادية برمتها، ومن المعروف إن دور المالك يتجاوز دور رب العمل، إذ يعني إن الدولة هي التي تنتج الثروة وتعيل نفسها بمعزل عن عما ينتجه المجتمع المدني بل يغدو المجتمع المدني مقتاتا على فتات الدولة كما حصل في العراق، وهو الأمر الذي يمنح الدولة استقلالية هائلة وقدرة متنامية على النمو، وإمكانات كبيرة لاحتلال مساحات اكبر من تلك التي يفترض أن يحتلها المجتمع المدني(13)، ولقد سعى الجهاز الحاكم في العراق ولاسيما في الفترة الممتدة بين (1968-2003) إلى استغلال طبيعة الاقتصاد الريعي الذي يسود في العراق إلى الانفراد بلعب دور المنتج والمالك والمسيطر على السوق ولم تسمح لأي هامش من الحركة لأي جهة قد تنافسها في تحديد مستويات الإنتاج أو الاستهلاك أو الرقابة والإشراف. إن سيطرة الدولة في العراق على الشطر الأكبر من إنتاج وتوزيع الفائض الاقتصادي، وبالتحديد تمتعها بواردات النفط من جانب ودخولها الميدان الاقتصادي كمنتج يجعل منها اكبر مالك، واكبر مستثمر، واكبر مستهلك، وهو الأمر الذي يضع القوة الاجتماعية للملكية العامة، أي ملكية الدولة في موقع المتسيد على القوة الاجتماعية للملكية الكبيرة. إن وجود وفعل المجتمع المدني سوف يتضاءل ويتم تهميشه إلى ابعد الحدود. كما إن الطبقات والفئات التي تكون المجتمع المدني سوف تعجز عن أداء وظائفها الاقتصادية ولاسيما مع غياب عنصر التمويل الذاتي والذي لا يتوافر لديها حتى ولو بنسب ضئيلة منه(14)، وهنا حصل انقلاب وتغيير في وظيفة الدولة ومكانة الثروة في بنيتها، إذ لم تعد الثروة هي التي تنتج سلطة الدولة بل السلطة والدولة هي التي تنتج الثروة، وكلما ازدادت الدولة مقدرة اقتصادية كلما ازداد مدى استقلالها عن المجتمع المدني، وتعاظمت قدرتها على بناء وسائل العنف المشروع وغير المشروع لإخضاع المجتمع المدني الضعيف أصلا. ولقد تجاوزت الدولة في العراق خلال حكم حزب البعث حدود الاحتكار الاقتصادي وامتدت يدها إلى ميدان إنتاج وتوزيع الثقافة، أي الوسائل الإعلامية والثقافية والتعليمية، وميدان التنظيمات الاجتماعية كالأحزاب والجمعيات والنقابات والمؤسسات المهنية، ولقد تنامى مع تعاظم قدرات الدولة الاقتصادية ميول الهيمنة السياسية الشمولية: نظام الحزب الواحد، أو النخبة الواحدة والتي أضحت مختصرة في إطار الأسرة الحاكمة . وكان من الطبيعي مع سعي النظام الحاكم إلى الهيمنة على مقدرات العراق الاقتصادية ولاسيما واردات النفط وبدون وجود أي فئة قد تعارض هذه الهيمنة الشمولية سعى في بداية استحواذه على الحكم إلى إضعاف الأحزاب السياسية الموجودة على الساحة العراقية ومنها الحزب الشيوعي العراقي باتجاهيه الرئيسين (القيادة المركزية واللجنة المركزية) والأحزاب القومية الكردية كالحزب الديمقراطي الكردستاني وهنالك الاتجاه البعثي اليساري والحركة الإسلامية الشيعية ، ولقد كانت هذه التيارات والأحزاب تشكل خطر على سلطة البعث لذا سعى الحكم إلى ضربها واحدة بعد الأخرى من اجل تجنب المواجهة الشاملة مع هذه التيارات مجتمعة، ولقد ابتدأت عملية إفراغ الساحة السياسية العراقية من أي تيارات سياسية معارضة في الأعوام التي تلت عام 1974، أي في أعقاب ارتفاع أسعار النفط وسيطرة الجهاز الحاكم على واردات العراق الرئيسة، ولقد ابتدأ النظام بتصفية قواعد الحزب الديمقراطي الكردستاني ولا سيما بعد توقيع اتفاقية الجزائر عام 1975، ثم تفرغ لتصفية خلايا وقواعد الحزب الشيوعي، فعلى الرغم من إن الحزبين كانا متحالفين في إطار ما عرف بميثاق الجبهة الوطنية والتقدمية ، فان عددا كبيرا من مرافق وأجهزة الدولة كان قد قصر على أعضاء حزب البعث كما إن المنظمات المدنية والجماهيرية والتي كانت إحدى ميادين عمل الحزب الشيوعي قد حضرت تحت طائلة التهديد وأصبحت جلّ النشاطات المهنية حكرا على أعضاء حزب البعث بمعنى إنها أضحت منظمات رسمية وافتقدت بذلك أي مقدرة على موازنة سلطة الدولة، وبنهاية عام 1978 ابتدأ الحزب الحاكم بتصفية قواعد الحزب الشيوعي ومطاردة عناصره وإغلاق صحيفته "طريق الشعب" ولقد وجد النظام نفسه منذ بداية الثمانينات متربعا على سدة دولة غنية: عائدات نفطية كبيرة وإتباع أساليب قسر وإرغام سياسي، وسيطرة متنامية على المنظمات الجماهيرية والقاعدية، من جمعيات الفلاحين في الريف إلى نقابات العمال والاتحادات المهنية وغرف التجارة والصناعة في المدن. وتفرغ النظام لضرب آخر معاقل المجتمع المدني والمستقلة بشكل تام عن سيطرته كما كانت مستقلة عن سيطرة أو تدخل أي نظام سياسي كان قبله ألا وهي(الحوزة العلمية) في النجف الاشرف والتي قادت شكلا من أشكال تحدي الشرعية والتي يدعي البعث تمثيلها من خلال تبنيها للانتفاضة التي اندلعت في مدن العتبات المقدسة في رجب عام 1977 ومن ثم في الموقف الذي تبناه المرجع الديني السيد محمد باقر الصدر من النظام القائم آنذاك والذي أدى إلى تصفيته وتصفية القواعد الأساسية لحزب الدعوة الإسلامية في العراق، وبالتالي أفرغت الساحة السياسية في العراق من أي نشاط قد يلمس منه تحدي للسلطة القائمة أو التشكيك في شرعيتها، وبالتالي أصبحت جميع المؤسسات المهنية والمدنية والاتحادات والنقابات عبارة عن فروع ومكاتب للحزب الحاكم، ولم تكن الحرب مع إيران والتي شنها النظام في أيلول عام 1980 إلا وسيلة أخرى بذلت من اجل تدمير آخر معاقل المجتمع المدني المستقلة والتشكيك في هوية وولاء من يدينون بالطاعة لهذه المؤسسة، ومحاولة شاملة لتسييد نظام الحزب الواحد والسيطرة الكاملة من لدن الدولة والتي تجسدت بالحزب الواحد والعائلة الحاكمة الواحدة، والتي أصبح تحدي شرعيتها مع ظروف الحرب نوعا من الخيانة العظمى ومع نهاية الحرب وبداية مرحلة جدية في العالم الاشتراكي (مهد نظام الحزب الواحد وهيمنة الدولة الكاملة) والذي شهد سلسلة من الأزمات السياسية والاقتصادية والتي أحاطت بمعظم الأنظمة الشمولية في أوربا الشرقية وهي النماذج التي اقتبس منها النظام أشكال هيمنته السياسية، برزت دعوة للتعددية السياسية المشروطة بموافقة الأجهزة الرسمية للنظام، وحاول النظام إبراز المشروع الخاص بكتابة الدستور الدائم في العراق وهو الدستور الذي كان من المفترض أن ينهي الوضع الشاذ للدستور المؤقت والذي لازم النظام الجمهوري منذ عهده الأول، وكان مشروع الدستور الجديد بمثابة نص قد كتب ليلاءم الطبيعة التسلطية والفردية لرئيس النظام الحاكم، كما تمت دعوة الراغبين بتأسيس (أحزاب رديفة لحزب البعث العظيم)، كما ذهب إلى ذلك بيان صدر عن مجلس قيادة الثورة، وطبعا وكما هو متوقع لم يأخذ المواطنون أو المراقبون السياسيون، وكذلك قوى المعارضة الموجودة في المهاجر المختلفة دعوة النظام هذه على محمل الجد، ومع نهاية أزمة اجتياح الكويت وهزيمة النظام في حرب الخليج الثانية، ونشوب الانتفاضة الشعبية في مدن الجنوب والفرات الأوسط وفي شمال العراق، والتي كانت عبارة عن هبة افتقدت التنسيق والتخطيط المسبق من لدن القوى الفاعلة في المجتمع أو قوى المجتمع المدني الحقيقية لإسقاط النظام والذي أحس بتداعي شرعيته وبفشل أجهزته الحزبية في تحقيق الهيمنة الكاملة على اتجاهات الشعب العراقي الأساسية كما كشفت أيضا ضعف النشاط الذي تمارسه قوى المعارضة العراقية على صعيد التأثير على الرأي العام العراقي وعلى ما يمكن أن نطلق عليه قوى المجتمع المدني الكامنة، ولم تنجح قوى المعارضة هي الأخرى في الواقع على تخطي الحواجز التي رسمها النظام على صعيد بناء مؤسسات مدنية فاعلة وقادرة في التغلب على الرواسب الأسرية والعشائرية والطائفية، فقد عكست التنظيمات السياسية المعارضة هي الأخرى نوعا من الانكفاء على التنظيمات التقليدية دون الرغبة الجدية في إنشاء مؤسسات مدنية فاعلة وقادرة على لعب دور الموازن لسلطة الدولة في المستقبل، ومع انهيار النظام وانهيار الدولة القمعية التي بنيت بالحديد والنار وبالاستحواذ الكامل على موارد العراق بدا إن هنالك حاجة لإعادة تأسيس مجتمع مدني فاعل قد يسبق هذه المرة أو يتواءم مع بناء الدولة لموازنة هيمنتها وهو ما يشكل سابقة في بناء الدولة المعاصرة في المنطقة ولا سيما وان هنالك قوى عديدة داخل المجتمع العراقي قد سعت وبعد سقوط النظام إلى التعبير عن نفسها وبأشكال عديدة ،وعلى الرغم من إن هنالك خلط ولبس قد يجري بالنسبة لأي متتبع عن بعد للشأن العراقي بشان عما إذا كانت القوى الموجودة في المجتمع تمثل نواة لمجتمع مدني أو إنها صورة من صور المجتمع الأهلي، والواقع إن مثل هذا الخلط قد يفترض إن هنالك مؤسسات وتجمعات معينة يصدق عليها ولا يصدق على غيرها وصف المجتمع المدني ويعمد إلى إهمال قوى واتجاهات أخرى لمجرد إنها تعتمد في عضويتها على روابط أصلية كالدم والقرابة والمنطقة والمذهب والدين، إن مثل هذا الإنكار سوف لن ينفع مفهوم المجتمع المدني والتحولات الديمقراطية بالعراق في شي وذلك لان مهمة المجتمع المدني السماح للتنظيمات المختلفة سواء كانت مهنية أو عضوية بممارسة نشاطها ومن خلال منح جميع هذه الفئات الحرية اللازمة لممارسة نشاطاتها وفعالياتها يقوم المجتمع باكتشاف قواه الذاتية والعمل على تطويرها والارتقاء بها بمرور الوقت ،بدلا من نفيها ومحاولة كبتها أو قمعها كما حصل في المراحل السابقة وهو أمر قد يؤدي بها وكما هو معروف إلى إتباع أسلوب العنف أو العمل السري وهو ما يعني إدامة بؤرة التوتر في العراق لحقب أخرى قادمة. إن المهمة قد تبدو شاقة ولاسيما وان التجارب التاريخية السابقة لا تميل لإعطاء أي تنظيم اختياري حر ومهما اختلفت مسمياته نوعا من المجال والإطار القانوني والذي من الممكن أن يوازي قدرات السلطة وإمكانياتها. إن العراق اليوم يشهد توازنا من نوع جديد وهو كما قلنا توازن مستند على سابقة لم تشهدها المنطقة، توازن سوف يقوم على تكافؤ الفرص الممنوحة للدولة والمجتمع المدني، ويبدو أن مثل هذا التوازن سوف يميل إلى المزج (والإدماج بين الأشكال التقليدية للتنظيمات الاجتماعية والأشكال الأكثر حداثة ومعاصرة).
 

هوامش الفصل الثاني
1. د. سعد الدين إبراهيم، مستقبل المجتمع والدولة في الوطن العربي، عمان، منتدى الفكر العربي، 1988 ص32-33 .
2. سعيد بن سعيد العلوي: نشأة وتطور مفهوم المجتمع المدني في الفكر الغربي الحديث، المستقبل العربي،العدد (145)، س(9)،1985، ص42.
3. د.محمد عابد الجابري ،الديمقراطية وحقوق الإنسان، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،1994، ص 116.
4. د. سعد الدين إبراهيم، المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في الوطن العربي، القاهرة، مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، 1992، ص12- 13.
5. سهيل ياسين: نظرة في المجتمع المدني،القاسم المشترك، بغداد، العدد(23)، س(1)، ص4.
6. د. فالح عبد الجبار، الدولة، المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في العراق، القاهرة ،مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، 1995، ص 42 – 43 .
7. د . سعد الدين إبراهيم، المجتمع المدني والتحول الديمقراطي، المصدر السابق، ص14.
8. د. برهان غيلون، المحنة العربية، الدولة ضد الأمة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1994، ص120-126 .
9. د. فالح عبد الجبار، المصدر السابق، ص4 .
10- Dr . Saad Eddin Ibrahim ، Ethnic conflict and state – building in the ARAB WORLD، International social sciences journal، 156،june ،1998،Blackwell publishers ،UNESCO ،P.230-231
11. د.سعد الدين إبراهيم، مستقبل المجتمع والدولة في الوطن العربي، المصدر السابق ذكره، ص34.
12. المصدر نفسه، ص 134 .
13. المصدر نفسه، ص136.
14. علاء عبد الرزاق: نحو عقد اجتماعي عراقي جديد، المؤتمر، العدد (389)، 29 تموز – 2003، ص6.
 

الفصل الثالث
إشكالية التكوين الديموغرافي والتحول الديمقراطي في العراق

د. باسم علي خريسانí
í باحث أكاديمي/ مركز الدراسات الدولية/ جامعة بغداد .


تمهيــد

يفرض العراق نفسه اليوم وبصورة أكثر ضرورة على الدارسين، فهو يمر بمرحلة مهمة وخطيرة في تاريخه السياسي والتكويني، بحيث الإغفال عن البحث وتقديم دراسات تتسم بشي من العلمية وبعيدة عن الشعارات الفضفاضة والمزايدات السياسية التي لا تهدف إلا لتحقيق مصالح ضيقة لفئات ولجهات سياسية داخلية وخارجية ترى بما يجري في العراق من عملية تحول، خطرا على وجودها وعلى مصالحها التي تأسست على وضع سابق، والتي سوف تزول بزوال هذا الوضع.
ولعل إحدى تلك الترتيبات السابقة التي سوف تتعرض للتغير والتبدل، هي الترتيبات في التكوين السكاني السياسي في المجتمع العراقي، الذي حاولت النظم السابقة التي حكمت العراق المحافظة عليها، والتي تقوم أساسا على تقديم فئة مكانية واحدة من الشعب العراقي وتجعلها تمثل (شعب الله العراق) الذي يمثل الصورة الكاملة التي ينبغي لمكونات الشعب العراقي الأخرى تماثلها والتاطر بإطارها والذوبان فيها والتخلي عن مضمونها الخاص، في مقابل تبني المضمون الفكري والثقافي لتلك الفئة المتزعمة للقيادة والزعامة في المجتمع العراقي، بحيث وجدنا سياسات التعريب المقومن التي تعرضت لها الكثير من مكونات الشعب العراقي الغير عربية (الأكراد، التركمان، الآشوريين، الكلدان)، وسياسات المذهب السياسي التي تعرضت لها (الشيعة، والحنابل) وسياسات التاسلم السياسي التي تعرض لها (المسيح، اليزيدية، الصابئة المندائية). إضافة إلى العمل الدؤوب في تذويب التكوينات المجتمعية في المجتمع العراقي داخل الكل العربي–القومي ،من خلال التأكيد على شعارات الوحدة العربية، دون الحديث عن الوحدة العراقية، التي تضم جميع مكونات الشعب العراقي، هذا الوضع قدم صورة مشوهة للواقع العراقي، فبرغم من زوال النظام السابق في العراق لكن المتتبع للحركة السياسية والمجتمعية يلحظ بان المجتمع العراقي لا يزال محكوم بتلك الأطر والمفاهيم والثقافة في تحديد موقفه اتجاه الآخر العراقي، فالعربي لا يزال يفكر في موقفه من الكردي بأنه العنصر الأول الذي له الأفضلية، والمسلم لا يزال يفكر بأنه صاحب الحقيقة الإلهية الوحيدة، لذا فهو الوحيد الذي يحق له الحديث والنطق باسم الإله، والسني لا يزال يعتقد بأنه الممثل الشرعي الوحيد للإسلام مقابل الشيعي الرافضي صاحب البدع والخرافات وذو الميول الفارسية، والأكراد لا يزالون يعتقدون بأنهم أصحاب الشرعية الوحيدة في التواجد في منطقة شمال العراق ،وكذلك لا يزالون ينظرون للتركمان والعرب بأنهم غرباء عن منطقة كركوك ولاحق لهم في خيراتها، والمسيحي الكلداني لا يزال يرى بأنه صاحب الأرض الشرعي وان العرب المسلمون ما هم إلا غزاة، لاحق لهم في ارض العراق، والعربي والكردي لا يزالون ينظرون للآشوريين بأنهم قد جيء بهم من خارج العراق على يد البريطانيين لقمع العرب والأكراد واليزيدون والصابئة وغيرهم من الأقليات الدينية الأخرى ترى بأنها لا تملك الحق في التعبير عن شعائرها الدينية لكون المحيط الثقافي كان ولا يزال ينظر لهم بأنهم أصحاب ديانات منحرفة لا يحق لها القيام بذلك.
هذه هي الصورة العامة أو التصور العام الحاكم للساحة الثقافية والسياسية في العراق المعاصر، بحيث جعل العلاقة بين أطراف العراق يشوبها انعدام الثقة، تدفع بكل طرف من أطراف المجتمع نحو الانكفاء على الذات من جهة والركون إلى دعم خارجي يعزز مكانها في الداخل من جهة أخرى، مما يجعل مسالة بناء دولة عراقية معاصرة مسالة تشوبها الصعوبة والكثير من الإشكاليات الداخلية والخارجية، خاصة إذا ما أدركنا بان العراق يحمل في داخله التيار الظالم الذي حكم العراق ،هذا التيار الذي لا يتمثل فقط في الشخوص القيادية التي كانت على رأس الهرم السياسي في العراق، بقدر ما يمثل منظومة ثقافية ومصلحية كانت لها السيادة في العراق، ولا ترضى بان تتساوى مع باقي شرائح ومكونات المجتمع العراقي، لذلك نراها اليوم تمارس اشد أنواع الرفض والاستماتة من اجل المحافظة على وجودها في السلطة والعمل للحيلولة دون استبعادها في الترتيبات السياسية الجديدة، هذا إلى جانب ولادة تيارات سلفية سنية (عربية وكردية) تلجا إلى تكفير المجتمع، وتيارات شيعية ترى بأنها صاحبه الحقيقة الإسلامية الشيعية، هذا الواقع إلى جانب الحالة التي يعيشها العراق بكونه دولة تحت الاحتلال ومنطقة للصراع الدولي والإقليمي، يجعل مسالة المشاركة السياسية لمختلف مكوناته السكانية – السياسية، أو مسالة قبول الآخر المختلف مسالة بالغة الصعوبة والتعقيد، في هذا الإطار تأتي هذه الدراسة المبسطة تحاول تقديم معالجة، من خلال تقديم وصف لطبيعة التكوينات السكانية في العراق (العرقية، والدينية، والطائفية، والمذهبية،…الخ)، وطبيعة المشاركة السياسية لهذه التكوينات في الوقت الحالي، وكذلك محاولة الوقوف على ابرز تلك المعوقات التي تحول دون تحقيق مشاركة لبعض التكوينات السكانية، وابرز الآليات الممكن اعتمادها لتحقيق عملية التحول الديمقراطي في البلاد من خلال مشاركة أعلى نسبة من التكوينات الاجتماعية في العملية السياسية الأمر الذي يعزز من إمكانية تحقيق الوحدة الوطنية في العراق المعاصر.
 

المبحث الأول
المكونات السكانية للعراق

العراق كما في باقي دول العالم الحديث يتكون من تركيبات سكانية، تتميز بالتنوع العرقي والطائفي والمذهبي، والديني،...الخ،هذه التركيبات السكانية التي تشكل العراق الحديث والتي تعيش ضمن إطار الدولة والإقليم العراقي، أسهمت في تشكيل صورة العراق السكانية المتنوعة، لكن الإشكالية القائمة في هذا الموضوع تتمثل بعدم الاعتراف بهذا الواقع السكاني المتنوع الذي تعيشه دولة العراق الحديثة، والذي يشكل إهماله مسالة بالغة الخطورة.
فإذا كانت الأطر السياسية التي تحكمت في مصير الشعب العراقي، عملت على ممارسة حالة التغييب والإقصاء المتعمد هذا الإقصاء الذي اتخذ أشكال متنوعة من إقصاء وجودي إلى إقصاء سياسي وثقافي واجتماعي...الخ، والذي جعل من هذا التنوع السكاني سبب في عدم تحقيق مفهوم امة العراق، في الوقت الذي كان يجب فيه أن يكون هذا التنوع عنصر إثراء في تحقيق ذلك، أي إن يقدم رؤى وأفكار متنوعة ترى جزء من الحقيقة الكبرى التي لا تراها الأجزاء الأخرى من التكوينات السكانية، ولكي تتضح الصورة أكثر لابد من تقديم إطار عام لتلك التكوينات السكانية التي يتكون منها الشعب العراقي، والتي لها وجود حضاري في العراق ،مما يجعل من عمليات الاستعباد لها مسالة تهدد مشروع بناء الدولة العراقية الحديثة، هذه الدولة التي فشلت في الماضي في بناء كيان يستند إلى ثقافة عراقية مشتركة تمثل امة العراق، وليس ثقافة عرق أو دين أو مجموعة مذهبية معينة، تواجه اليوم تحدي ممثل في إمكانية تأسيس ثقافة تقوم على قبول الآخر المختلف، ثقافة تقبل الاعتراف بان المجتمع العراقي مجتمع متنوع لابد أن يكون لكل جزء من مكوناته المتنوعة دور في بناءه، أما السير عكس ذلك سوف يبقي البلاد في دوامة الصراعات وعدم الاندماج، سواء المادي أو النفسي، وسوف ترى المجموعات التي تشكل أقلية صغرى بالمقارنة مع التكوينات الكبيرة، ليس أمامها إلا الهجرة إلى الخارج والاعتماد عليه للحصول على حقوقها المشروعة، ولكي تتضح الصورة أكثر سوف نسعى إلى تقديم توضيح عام حول المكونات العرقية والدينية والمذهبية التي تشكل المجتمع العراقي العام، وهنا نجد أكثر من أساس في تقسيم المجتمع العراقي :
1. الأساس الديني :
ينقسم المجتمع العراقي على أساس ديني إلى المسلمين والمسيح والصابئة واليزيدية، وهنالك بعض اليهود، هذا هو التقسيم العام، للمجتمع العراقي على الأساس الديني، وعند تفحص طبيعة هذه التكوينات الدينية للمجتمع العراقي سوف يبرز أمامنا، إن المجتمع العراقي ذات أغلبية مسلمة تشكل أكثر من95% من المجتمع إلى جانب اقليه مسيحية وصابئة ويزيدية، وهنا في هذا الإطار نجد هذه الأقليات الدينية تشكو من هيمنة الأكثرية الدينية عليها وعدم الاعتراف بخصوصيتها الدينية كأقلية وعدم الاعتراف هذا ليس شرط أن يكون بصورة مباشرة ولكن مجرد عدم تناول هذه الأقليات الدينية في المناهج الدراسية ووسائل الإعلام العامة وكذلك عدم سعي الأكثرية إلى خلق مناخ نفسي في المجتمع يقبل بوجود هذه الأقليات الدينية ضمن الإطار العام للمجتمع ولا ينظر لها كأقليات ذات اتجاهات دينية منحرفة عن الأغلبية، مما يجعل هذه الأقليات ترفض الاندماج في الإطار العام للمجتمع بالشكل الذي يحقق الاستقرار المجتمعي، وفي العراق نجد الأقليات الدينية تبدأ بالأقلية المسيحية بأطرافها الكاثوليكية والارثودكسية والبروتستانتية، والتي تمثل الأقلية الدينية الثانية في البلاد بعد الإسلام، وهذه الأقلية ترى بأنها من الديانات الأولى في العراق قبل مجيء الإسلام والمسلمون من الجزيرة العربية وترى في العرب المسلمين محتلين لأرض العراق التي كانوا يسكنوها قبل ذاك، مما يجعلهم يرون في عملية استبعادهم عملية استعمارية يمارسها المحتل ضد سكان البلاد الأصليين، واليوم في ظل التغييرات العامة التي تعيشها البلاد نرى أن المسيحيين قد مثلوا بعضوا واحدا في مجلس الحكم ووزيرا واحدا أيضا وأصبح لهم إذاعة خاصة، لكنهم لا يزالون يرون في هذا التمثيل لا يمثل نسبتهم الحقيقة وكذلك لا يزالون يرون بأنهم يجب أن ينظر إليهم كمواطنين في الدولة العراقية يحق لهم المشاركة في السلطة السياسية وفي رسم واقع ومستقبل العراق المعاصر ،هذا حال الأقلية المسيحية.
أما الأقليات الأخرى كالصابئة واليزيدية فهؤلاء يرون بأنهم كانوا مغيبين في السابق ولا يزالون مغيبين، فهم لا ينظر لهم كأصحاب ديانات سماوية من جهة ومن جهة أخرى ينظر لهم كأقليات دينية صغرى بالقياس إلى المسيحية، الأمر الذي جعلهم يشعرون بأنهم لا يزالون بعيدين عن حقوق المواطنة التي يجب أن يتمتعوا بها، طالما كانوا جزءً من الشعب العراقي ومن ثمة لهم كامل الحق في الوجود الثقافي والسياسي ولهم الحق في المشاركة في توزيع السلطة والثروة في العراق، أما بقائهم كأقليات دينية مهمشة يدفع بهم إلى الانكفاء إلى الداخل وإلى الحياة الانعزالية وعدم الاندماج ضمن إطار امة العراق والثقافة العراقية العامة والمتنوعة مما يتسبب في عدم الاندماج الوطني على المدى البعيد ويسهم في إعطاء الخارج منفذ للتدخل في الشؤون الداخلية للعراق، مقابل ذلك لابد من السماح لهم بالمشاركة في رسم الخريطة السياسية للعراق المعاصر، وكذلك الإسهام في إغناء الثقافة العراقية العامة من خلال ثقافتهم الخاصة التي يمكن أن تتفاعل مع الثقافات الفرعية الأخرى في المجتمع العراقي بالشكل الذي يحقق تلاقح حضاري وثقافي يعجل في النهوض الحضاري للمجتمع العراقي.
2. الأساس العرقي:
يحتفظ العراق في داخله على مجموعة من المكونات العرقية حيث يقسم عرقيا إلى عرب وأكراد وتركمان و كلدوآشوريون وفقا لهذا التقسيم يكون العرب هم الأغلبية في البلاد حيث يشكلون أكثر من ثمانين بالمائة من سكان البلاد، إلى جانب الأكراد الذين يشكلون أكثر من 15% والتركمان والذين يشكلون أكثر من 2% من سكان العراق والكلدوآشوريون والذين يشكلون أكثر من 1.5% من سكان البلاد. هذه هي الصورة السكانية للبلاد من حيث التوزيع العرقي، لكن الصورة تكون مغايرة من حيث التوزيع السياسي والمشاركة في السلطة، فمنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة1921 نرى بان العراق كان قد خضع للمنطق العروبي القوماني الذي ذهب إلى تفضيل العرق العربي والفكر العربي واعتباره هو الممثل الشرعي والناطق الإلهي عن مصالح الدولة العراقية، هذه الدولة التي لم تستطع بسبب هذا التوجه الأيديولوجي أن تؤسس ثقافة ووعي امة عراقية تكون القاعدة لبناء الدولة العراقية الحديثة، حيث حاول هذا التوجه أن يدفع الشعب العراقي إلى إطار أوسع من إطار الدولة العراقية، إلى إطار الأمة والوطن العربي، مما جعل هذا المجتمع لا يتوافر على وعي الانتماء إلى دولة عراقية وإنما على وعي وثقافة قومية – شيفونية ترى بان العراق يضم الشعب العربي فقط وعليه الاتجاه نحو الوطن العربي، الأمر الذي يمثل استبعاد وإقصاء للمكونات العرقية الأخرى من الأكراد والتركمان والكلدواشوريون، هذه المكونات العرقية التي وجدت بأنها تجبر على الانتماء إلى إطار وثقافة غير ثقافتها، وتتهم بالشعوبية والتآمر إذا ما حاولت المطالبة بالاعتراف بوجودها القومي في ارض العراق، فهي ترى مثلما العربي يحق له التعبير عن عرقه، كذلك لهم ذات الحق، فمثلما توجد قومية عربية توجد قومية كردية وتركمانية وكلدواشورية تمتلك الحق في التعبير والانتماء إلى تكويناتها العرقية، هذا الواقع تسبب في حدوث صراعات عديدة بين هذه المكونات العرقية وبين النظم القومية التي حكمت العراق، فهذه الأخيرة أصرت على توجهه الأيديولوجي القومي في حين أصرت المكونات الأخرى على حقها في التعبير عن وجودها كمكونات عرقية توجد على الأرض العراقية، وتشكل جزاء أساسيا في تاريخه وثقافته، الأمر الذي يعطيها كامل الحق في المشاركة في الثروة والسلطة وحق التعبير عن ذاتها كجزء ضمن الكل العراقي.
3. الأساس الطائفي
تميز العراق بالتنوع الطائفي، لكونه شهد حركة علمية وفقهية واسعة، إلى جانب الكثير من الصراعات السياسية لبست ثوب الدين ،هذا التنوع الطائفي، والذي تجسد في انقسام المسلمين فيه إلى شيعة وسنة، وأصبح لكل طائفة مذاهبها الدينية ومدارسها العلمية وأوقافها وشعائرها الدينية، لم تكمن في طبيعة هذا الانقسام أو التنوع الطائفي والمذهبي بقدر ما تتجسد في الطائفية السياسية التي حكمت العراق ولقرون طويلة والتي أعطت الأولوية للطائفة السنية التي لا تمثل الأكثرية في الشعب العراقي، وإنما تمثل الأقلية، هذه الظاهرة إذا لم تكن في السابق واضحة بحكم خضوع المسلمين للدولة التي تحكم باسم الإسلام، فإنها أصبحت أكثر وضوحا منذ نشأة الدولة العراقية الحديثة في العشرينيات من القرن الماضي والتي قامت على فلسفة إقصاء الأكثرية وتفضيل الأقلية مما جعل العراق يدخل في طائفية سياسية مقيتة، ترتب عليها إن تمتعت أقلية بامتيازات السلطة وخلقت ثقافة يكون فيها السني هو من الدرجة الأولى والشيعي يأتي في الدرجة الدنيا ولا يحق له إلا إن يكون خادم للسني، وهذا الأمر أخذت صورته تبرز بوضوح خلال وصول البعث من 1963، حيث مارس هذا التيار اشد أنواع الإقصاء النفسي والجسدي، المادي والمعنوي حيال الشيعة، وحاول أن يبرر ذلك دينيا، فهؤلاء الشيعة ما هم إلا مجموعة من الروافض– الشعوبيين يهدفون إلى تمزيق الأمة الإسلامية من خلال السيطرة على الحكم والعمل على نشر أفكارهم المنحرفة، هذه المنطلقات خلقت ذهنية عامة لدى سنة العراق، بأنهم أمام تحدي الإبقاء، والذي لا يتم إلا من خلال التمسك المميت بالسلطة وممارسة اشد أنواع الإقصاء اتجاه الآخر الشيعي، والعمل في ذات الوقت على إدخالهم إلى الطائفة السنية صاحبة الطريق الإسلامي الصحيح.
ومن جهة أخرى عدم الاعتراف بأنهم الأغلبية الذين يصل عددهم إلى أكثر من 65%، وهذا ما وجدناه بصورة أكثر وضوحا مع النظام البعثي– منذ عام 1968 الذي سلك معهم سلوك التصفية الجسدية أما من خلال الحروب التي تمسهم أكثر من غيرهم لكونهم جنود وليسوا ضباط فيها، أو من خلال عمليات الإبادة الجماعية في المقابر الجماعية والهجرة القسرية إلى الخارج كما حصل مع الأكراد الفيلية أو الهجرة للبحث عن لقمة العيش، هذا الوضع الذي عاشه العراق سابقا، نجد الطائفة السنية تريد وبالتحالف مع النظم العربية السنية الحفاظ عليه، لذلك نجدها تسلك مختلف السبل للحيلولة دون تمتع الشيعة بحقهم كأكثرية، لذلك وجدناهم يرفضون اعتماد الانتخابات ويدعون إلى البقاء على نظام المحاصصة الطائفية، الذي يجعلهم في وزن الأكثرية كما حصل في مساواتهم بالشيعة، في حين كان الأصح أن يتمتع الأغلبية بحقهم مقابل تمتع الأقليات الأخرى بحقها.
 

المبحث الثاني
بناء الدولة وتحدي التكوين الديموغرافي

واجه العراق منذ تأسيسه في إطار دولة وطنية حديثة بعد أن كان ضمن ممتلكات الدولة العثمانية، تحديات عديدة شملت مختلف الأصعدة والميادين، وكان التحدي الديموغرافي، احد التحديات المعقدة التي نشأت مع نشوء الدولة العراقية الحديثة، كون العراق الحديث أريد له أن يضم مكونات ديموغرافية عديدة من عرب وأكراد وتركمان وكلدوآشوريون، ومن مسلمين ومسيحيين وصابئة ويزيدية، ومن شيعة وسنة وغيرها من المكونات الأخرى، المشكلة هنا لا تكمن في هذه المكونات التي هي عنصر حضاري وإنساني، لكنها تكمن في الأساس ببناء دولة تكون تلك المكونات هي القاعدة العريضة لها، أي في إمكانية بناء امة عراقية ودولة عراقية، ولكن ما حصل إن الدولة العراقية التي نشأت كانت بإدارة خارجية أرادت لها إن تكون إطارا لا يحتوي على مكونات امة العراق، والمشكلة لم تكمن في تأثير الخارج، بقدر ما تكمن في الداخل حيث سعى البعض من مكونات الشعب العراقي إلى احتكار الدولة العراقية، واستخدامها كأداة لتحقيق ذلك، لذلك وجدنا هنالك رؤية واحدة وخط واحد، حيث وجدنا الديانة الإسلامية ذات المذهب السني الحنفي، والعربية ذات الأيديولوجية القومية الاقصائية، والطائفة الواحدة وهي الطائفة السنية، الإطار الذي كان سائدا مما شكل عائق أمام إمكانية إقامة دولة عراقية بالمفهوم الحديث للدول، مما جعل البلاد يشهد العديد من الصراعات الداخلية بين العرب والآشوريون وبين الشيعة والسنة وغيرها من الصراعات الداخلية، مما جعل عملية بناء الدولة اليوم، عملية طويلة وشاقة، ولكون العراق الجديد اليوم يؤسس على أساس المحاصصة الدينية والعرقية والمذهبية، وهذا الإطار في حد ذاته يمثل حالة سلبية كونه سوف يجعل الأساس الذي تقوم عليه الدولة العراقية الجديدة يتمثل بالأطر الضيقة وليس على أساس الإطار الواسع لأمة العراق، أما الجانب الايجابي في المسالة كونه يعترف بالتنوع والتعدد العرقي والثقافي والمذهبي والديني ويعطي لكل جزء من مكونات الشعب حقه في التعبير عن وجوده ماديا وثقافيا دون عمليات إقصاء، وهذا الأمر بحد ذاته خطوة ايجابية إذا حكمت بمشتركات كبرى تكون الإطار العام الحاكم للعلاقة بين هذه المكونات الثقافية، بحيث تكون العلوية للكل القائم على تكامل الأجزاء وليس تنافرها، مما يسهم على المدى البعيد في تعزيز الوحدة الوطنية، أي إن العراق الجديد إذا كان مؤسساتي– دستوري يقوم على احترام حقوق الإنسان بغض النظر عن انتماءه الجزئي، فانه سوف يتجاوز جميع إشكاليات بناء الدولة، ولكي نصل إلى هذا الوضع لابد من تأسيس ثقافة بناء دولة تقوم على أسس عديدة :
1.الاعتراف بان العراق يتكون من مكونات عرقية ودينية ومذهبية وثقافية متنوعة .
2.السماح لهذه المكونات في التعبير عن وجودها الثقافي.
3.الاعتراف بهذه المكونات بأنها جزء أساسيا من العراق ولها كامل الحق بالمشاركة في رسم حاضر ومستقبل العراق.
4. السماح لهذه المكونات المشاركة في الثروة والسلطة في البلاد.
5.العمل على تأسيس ثقافة التنوع التي تقوم على قبول الآخر المختلف.
6.العمل على إعادة بناء المؤسسة التربوية وتحويلها من مؤسسات إقصائية إلى مؤسسات مشاركة.
7. دعوة الأطراف التي مارست الإقصاء طيلة السنون السابقة على الاعتراف بأنها قد ارتكبت أخطاء بحق التكوينات العراقية الأخرى.
8. دفع المكونات العراقية إلى الانتماء إلى داخل العراق وليس إلى الخارج، طالما لم يعد هنالك سبب في ذلك.
9. إعطاء الأفضلية في هذه المرحلة في عملية البناء إلى الأطراف التي عانت من الممارسات السابقة التي ارتكبها البعض.
10. دعوة الأطراف العراقية النظيفة للمشاركة في بناء العراق إلى جانب إخوانهم من الذين عانوا من استبداد المرحلة السابقة.
11. العمل على إجراء إحصاء سكاني جديد يكون هدفه تبين حقيقة المكونات الديموغرافية في العراق.
12. العمل على بناء ثقافة المواطنة التي تتجاوز الانتماءات الثقافية الضيقة.
13. تطوير الانتماءات الأولية (القبيلة، العشيرة، الطائفة، الديانة، المذهب) وجعلها جزاءا مكملا للكل العراقي.
14. بناء ثقافة مؤسساتية تعمل على تقنيين التنوع الديموغرافي في العراق.
15. رفض كل أشكال الإقصاء النفسي والثقافي والاجتماعي والسياسي.
16. جعل الدستور المصدر المعبر عن طموحات مختلف المكونات الديموغرافية في العراق.
17. جعل الدستور المرجعية العليا التي تنظم العلاقة بين المكونات الديموغرافية ورفض أي مرجعية أخرى تمارس الإقصاء سوى باسم الدين أو القومية أو المذهب .
18. فسح المجال أمام الكل في العراق للمشاركة في العملية السياسية ترشيح وانتخاب بغض النظر عن الانتماء الديني أو المذهبي أو العرقي.
19. جعل بناء الدولة الهدف الأسمى الذي تسعى له مجمل مكونات المجتمع العراقي.
20. العمل على تفعيل مختلف الطرق التي تسهم في تعزيز الاندماج الوطني (كالزواج المختلط ،التعليم، العمل الاقتصادي، النشاطات الثقافية والفكرية ..الخ).

المصادر
1. رابي يوسف، ما هو الانتماء الوطني لأكراد العراق ؟
http://www.bethsuryooyo.com/currentevents/intimaaALAKrad.htm

2. عامر عيدو علي، الهندي والعراقي: ضوء على السياسة العراقية في تجاهل الأقليات الدينية.
http://www.qendil.net/amer/ido.htm.

3.عوني فرسخ ،الاستغلال الاستعماري لإشكاليات أقليات العراق .
http://www.thearabworldnewspaper.net/kutab/awnifarsakh.htm.

4. محمد خليفة ، الأشوريون ومسألتهم في العراق .
http://www.atranaua.org/articles/Hayat.htm.

5. موسى الخميسي ،الركن السياسي : الصابئة المندائيون في العراق يشعرون بالخوف .
http://www.iraqgate.net/article/publish/article/731.shtml

6. مهند الحاج علي ،الآشوريون أصحاب "نصيب "في قمع أنظمة الحكم المتعاقبة في العراق .
http://www.atranaya.org/articles/alhayat_01.htm

7. نضير الخزرجى، قراءة في التركيبة السكانية لعراق خال من الاستبداد .
http://www.diwanalarab.com/aricle.php3?id_article=897.

8. أساقفة الكلدان في أمريكا يقدمون رؤية سياسية لدور ومكانة الكلدان المشروعة في العراق الجديد .
http://www.chaldeansonline.net/chaldeanews/bishops/stat/arb.html.

9. تقرير إخباري ،هل يواجه العراق احتمال اللبننة؟
http://www.arabic.peopleledaily.com.cn/200309/03/ara/2000300903_68740.html.

10. من الامازيغ على الأطلسي إلى الأكراد على حدود إيران: إخفاق الدولة الحديثة دون انصهار الأقليات .
http://www.albayan.co.ae/albayan/seyase/2004/issue659/textsone/4.htm.
 

 

الفصل الرابع
التعددية السياسية في العراق ومستقبل
التحول الديمقراطي

حارث محمد حسنí
í باحث أكاديمي/ مركز الدراسات الفلسطينية/ جامعة بغداد .

 

تمهيــد

من أهم التحديات التي تواجه الدول الساعية إلى تأسيس نظام ديمقراطي بعد حقبة من الحكم الشمولي هي مسالة التعامل مع التعددية سواء فهمت من منظورها السياسي أم الاجتماعي أم الثقافي وفي الحقيقة إن هذا التحدي يرتبط دائما بعدد من الأزمات غير المحسومة على صعيد بناء الدولة في مجتمعات العالم الثالث، مثل أزمة الاندماج والشرعية، وامتد أحيانا إلى التفاعل مع أزمة التوزيع وأزمة المشاركة. ويعني ذلك أن التعاطي مع إشكالية التعددية يشكل عنصرا حاسما في البناء الهيكلي والمادي والوجداني للأمة، كما في صياغة نظام سياسي ـ اجتماعي يحفظ عقدها الاجتماعي ويضع أسسا مقبولة للتداول السياسي وإدارة عمليات المنافسة والتوافق، إن التعددية هي مفهوم عام يعبر عن وجود عناصر ذات خصائص مختلفة تميزها عن بعضها البعض داخل بناء شامل يشكل الإطار التشاركي بين هذه العناصر، وبمعنى آخر إن التعددية تتطلب وجود الاختلاف كما وجود التشابه، والتعامل معها يفترض وجود جسور امتداد بين العناصر المشكلة للكل، والتعددية تأخذ صيغا مختلفة بسيطة ومعقدة، وهي لا تكون بذاتها مشكلة إلا إذا قادتها وسائل التعاطي معها إلى إن تصبح كذلك، وانسجامها مع هذا المفهوم العام يمكن القول إن مجتمعات العالم كافة هي مجتمعات تعددية، لان من الصعب بمكان العثور على مجتمع يخلو من شكل أو عدة أشكال من التنوع، فان لم تكن تعددية ثقافية كانت تعددية سياسية وأيديولوجية وفكرية، وداخل كل منظومة اجتماعية أو سياسية هناك تعددية أيضا، فتباين الآراء داخل حزب ما في مجتمع تعددي هو تعبير عن تعددية بسيطة قد يعبر عنها سياسيا بتقسيم هؤلاء الشركاء ـ الفرقاء إلى أجنحة متصارعة داخل هيكل ينخرط بدوره بعلاقات تنافس وصراع مع هياكل أخرى، والشيء الذي يجعل هذه التعددية تنوعا مقبولا أو تناقضا إشكاليا هو فيما إذا كانت عملية التعامل معها تستند على إطار تناغمي وقواعد مقبولة للعبة، أم على مباراة صفرية تلغي الآخر ولا تقبل بأي منطق تصافقي، وبمعنى آخر، إن ما تتطلبه التعددية كي لا تتحول إلى أزمة هو القبول بها ومن ثم إدارتها بذهنية منفتحة بما يكفي للحيلولة دون تحولها إلى مشكلة بنيوية.بالطبع إن هناك تفاوتا في مدى التأثير الاجتماعي للتعددية وبالتالي في مدى التعقيد الذي تتسم به، فكلما كان التنوع موغلا في البناء الاجتماعي– الثقافي كلما فرض ذلك أنماط أكثر تعقيدا للتعامل مع الموضوع. صحيح إن هناك دائما فرصا لتحول التعددية إلى محفز لصراع شامل ولربما لحروب أهلية، حتى عندما تكون هذه التعددية أيديولوجية وسياسية، إلا إن من الصحيح أيضا هنالك فرص لاندلاع مثل هذا الصراع تكون اكبر عندما تكون التعددية ذات مضمون اجتماعي– ثقافي، وتتصاعد هذه الفرص أكثر عندما ترتبط بشكاوى اقتصادية وشعور بالتهميش(1)، إن للتعددية الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالهوية تأثيرا أعمق في العادة من حيث القدرة على التعبئة الاجتماعية، لاسيما في المجتمعات التي لم تستكمل مشروع بناء الأمة أو الدولة القومية بمفهومها الحداثي، وبالتالي فان انعكاساتها السياسية تكون أوضح واشمل طالما إنها تتحفز من خلال ما يعرف بالانتماءات الأولية(2)، وكلما ابتعدت المجتمعات أكثر عن الحالة التقليدية وقطعت شوطا في الحداثة، كلما تضاءل تأثير هذه الانتماءات لصالح ولاءات أكثر طواعية، ولذلك يتحول التنوع الأيديولوجي أحيانا إلى مصدر للتعبئة وتحشيد يفوق في تأثيره تلك الانتماءات الاجتماعية الثقافية وان حافظ على ارتباطه ببعض جذورها وبالشكوى الاقتصادية ومشاعر التهميش، وقد لعبت الأيديولوجيتين الماركسية والاسلاموية مثل هذا الدور في مجتمعات أخذت تغادر بُناها التقليدية لكنها لم تكن قد استكملت بعد مشروعها الحداثي، وفي أي حال، طالما كان هناك تعدد داخل مجتمع يحتوي على قدر من مقومات الوحدة، تكون هناك إمكانية للصراع، وتواجه الدولة أزمة الاندماج، وطوال التاريخ شهدنا نوعين من المخارج في التعامل مع هذه الأزمة، الأول في هيمنة مجموعة أثنية أو دينية أو قومية أو أيديولوجية على بقية المجموعات بالقوة والإرغام وهو ما يخلق صراعات مكبوتة ويهمش العديد من الفئات ويسمح عند تراخي سيطرة المجموعة المهيمنة على أدوات القمع باندلاع الصراع الشامل بين المجموعات المختلفة من اجل إعادة توزيع القوة والسلطة (حالة الحرب الأهلية في لبنان ويوغسلافيا ورواندا ونيجيريا)، أما المخرج الثاني، فقد تمثل تاريخيا باللجوء إلى التوزيع ألاسترضائي للسلطات والامتيازات بما يحول دون هيمنة مجموعة بعينها وتهميش مجموعة أو مجموعات أخرى، وهذه العملية تحصل عادة بشكل تدريجي وبما يساعد على ترسيخ حالة من التعايش من شانها أن تكرس الوحدة الداخلية وتعمق الشعور بالمشاركة.
بالطبع، نجحت المجتمعات التي سلكت مبكرا الطريق الثاني في كسب زمن طويل من السلام والبناء وبالتالي في ترسيخ حالة التعايش، ومثل هذا النجاح لا يمكن ضمانه بدون إتباع الآليات الديمقراطية في إدارة المجتمع والتعاطي مع التعددية (حالات سويسرا وكندا وماليزيا وبلجيكا)، بناءً على ذلك، هناك مجتمعات تتصف بجميع أشكال التعددية والتنوع مثل سويسرا والولايات المتحدة، نجحت في خلق آليات لاحتواء التعدد وأحيانا إلى تحويله لمصدر أغناء، بينما هناك مجتمعات انزلقت إلى متاهات الحرب الأهلية والتقسيم عندما عجزت عن فهم واستيعاب مقتضيات التعددية وسبل التعامل معها، والعراق الذي لم يتألق مجتمعيا إلى التعبير عن التعددية باسوا تجلياتها ولكنه انزلق سياسيا إلى إساءة فهمها والتعامل معها، كان ولازال يواجه تحدي التعاطي مع التنوع في نسيجه الاجتماعي والثقافي والسياسي، وان سبل الاستجابة لهذا التحدي هي التي ستقرر ما إذا كان بإمكان هذا البلد إن ينفض غبار الماضي الأليم ويبني المجتمع الديمقراطي المستقر .
 

المبحث الأول
التعددية السياسية

التعددية السياسية هي حالة أكثر تقدما وحداثة من التعددية الثقافية، فهي تعبر عن شكل مختلف من الو لاءات والانتماءات المرتبطة أساسا بمتبنيات فكرية أو إيديولوجية أو سياسية، وهي تتسم بقدر اكبر من الديناميكية وإمكانية التغيير والخضوع لمنطق المساومة والتواؤم مع شروط اللعبة السياسية، لا يعني ذلك إن هذه المتبنيات لا ترتقي أحيانا إلى مستوى من الصرامة يجعلها أكثر جمودا وأصولية من الانتماءات الأولية، بل إن التاريخ الحديث شهد ظهور نظم أيديولوجية امتلكت إمكانيات تعبوية فاقت تأثير أي انتماء (الماركسية والاسلاموية مثلا)، ولكن بعد كل شي فان التطور الإدراكي والتغير الجيلي عادة ما يكونان كفيلان بدفع أي فكر أو أيديولوجية إلى التطور والرضوخ للقانون الثابت الوحيد وهو قانون التغيير.
وخلافا لما هو عليه الحال بالنسبة للتعددية الثقافية، يصعب بأي شكل من الأشكال القول بوجود مجتمع يخلو من التعددية السياسية، فهذه التعددية تعبر عن طبيعة الأشياء وتمثل إحدى الضرورات الحياتية، وإذا قلنا إن كل فرد لابد أن يشكل في مرحلة ما من نضوجه رؤية فكرية للأشياء، فان ذلك يعبر بالضرورة عن امتلاكه موقف سياسي محدد حتى وان تعذر عليه إدراك هذه الحقيقة. وبالطبع لا يمكن أن تكون المواقف الفكرية والأيديولوجية لأفراد المجتمع كافة متطابقة، فهذه المواقف تتأثر بمستوى تطور الوعي وطبيعة التجارب الذاتية والجذور الطبقية والعائلية والثقافية والمزاج النفسي، والذي يحصل عادة هو إن مجموعة من الأفراد يجدون في سياق فكري أو عقائدي أو أيديولوجي معين نوعا من الملاذ الذي يتوائم مع خلفيتهم المذكورة فيتبنوه بقدر متفاوت من الصرامة تبعا لطبيعة هذا السياق كما لطبيعة هؤلاء الأفراد، لكنهم في أي حال سيكونون تيارا داخل المجتمع قد يحظى بدعم غالبية أفراده أو عدد محدود منهم، والشيء الأكيد إن هذا التيار سيجد من يعترض عليه ويقاومه، ويتبنى بالتالي قراءة فكرية وسياسية مختلفة، وقد يكون هناك من يرفض منطلقات هذين التيارين معا، وبذلك نكون أمام المفهوم المبسط للتعددية السياسية. وقد يخضع المجتمع في مرحلة ما لهيمنة تيار سياسي وقيمي معين إلا انه مع مرور الوقت لابد إن نشهد ظهور قراءات جديدة لهذا الفكر أو محاولات للانسلاخ عنه في إطار شكل من صراع الأجيال الذي يعبر بدوره عن نوع من التعددية.
الشيء الذي تختلف فيه المجتمعات عن بعضها هو كيفية فهم التعددية السياسية والتعامل معها، وهنا تتحدد الصورة في ضوء التفاعل بين النظام السياسي والاجتماعي، فكلما كان النظام الاجتماعي قد قطع شوطا اكبر في الابتعاد عن النظام الأبوي والنظم الاجتماعية الهرمية، كلما كانت فرصة التسامح مع التعددية السياسية والفكرية اكبر وكان النظام السياسي أكثر انفتاحا وقبولا للتنوع الفكري. بالطبع إن جميع النظم الاجتماعية–السياسية تتأسس على ما يعرف بالأسطورة المؤسسة Grand narrative وبالتالي تنتظم قيمي في إطار معين له حدود يتفاوت اتساعها بمدى انقطاعها عن الفكر الأبوي والقروسطي، وتبعا لذلك لا يتبنى المجتمع مهما بلغت درجة التسامح لديه مواقف متسامحة مع الصياغات التي تحاول أن تنسف البناء الاجتماعي– السياسي ومقاولاته الأساسية(3). ولكن حتى في هذه الحالة بلغت بعض المجتمعات المتقدمة مستوى من التقدم الفكري أصبح معه التسامح مع بعض أشكال التطرف ممكنا طالما لم تصل إلى مستوى تهديد السلم الاجتماعي، مقابل ذلك فان المجتمعات التي لم تغادر بعد البنى الأبوية تكون أكثر عرضة للاستبداد الفكري ويضيق فيها حيز المقبول اجتماعيا وسياسيا وتتكاثر فيها المحرمات العقائدية إلى حدود تسهم في العادة بتأخير تطور ونضوج هذه المجتمعات بسبب الكبت الذي يمارس ضد آلية أساسية من آليات التجدد(4). ويحصل الاستبداد الفكري في هذه المجتمعات أما عن طريق هيمنة نمط تقليدي معين من البناء الاجتماعي وامتداداته الفكرية ليتغلغل حتى في عملية بناء الدولة الحديثة مكرسا سمات هذا البناء وجاعلا إياها شرطا "مقدسا" لوجود المجتمع كله، وفي الغالب تكون جذوره الفكرية لاهوتية ودينية، أو من خلال هيمنة تيار أيديولوجي معين بوسائل ثورية على سدة السلطة وتبنيه موقفا أيديولوجيا صارما لا يتسامح مع الاختلاف مؤسسا بالنتيجة نظاما شموليا عقائديا، وإذا كنا نعثر على أمثلة للنموذج الأول في السعودية واليمن في ظل نظام الإمامة واليابان في ظل العهد الإمبراطوري، فان القرن العشرين شهد بزوغ وأفول نجم العديد من الأنظمة الشمولية العقائدية كالنظام النازي في ألمانيا والفاشي في ايطاليا والشيوعية السوفيتية والرومانية، والنظام البعثي في العراق، وإذا كانت الصيرورة التاريخية الراهنة ستواصل زخمها الذي بدا في الثمانينيات يمكن أن نتوقع نهاية هذا النوع من التجارب في الدول المتبقية مثل كوريا الشمالية وكوبا وإلى حد ما سوريا. مع ذلك نحن نشهد اليوم صعود تأثير بعض التيارات التي تتبنى رؤى أيديولوجية فيها قدر من الصرامة في الدول الديمقراطية، وبشكل خاص التيار اليميني الجديد في الولايات المتحدة الذي قد يؤدي ترسخه وتمكنه من البقاء والنمو إلى حركة معاكسة في آلية التطور التاريخي.
إن قصة التعددية السياسية في العراق لا تختلف كثيرا عن قصة التعددية الثقافية بل قد تكون أكثر مأساوية، فإذا كانت بعض الفئات الأثنية قد واجهت القمع من السلطة فقط، فان الكثير من التيارات الفكرية قد تواجه قمعا مزدوجا من السلطة والمجتمع معا، فعدم نضوج ثقافة الرأي لم يكن سمة لرجالات السلطة فقط بل هو سمة اجتماعية عامة. إن الطابع التقليدي للمجتمع العراقي واستمرار سيادة الثقافة الأبوية بل وانتصار الأخيرة في معركتها مع الثقافة الحديثة هي العوامل الأساسية التي حالت دون تطور عقلية التسامح تجاه الرأي الآخر وبالتالي ترسيخ التعددية السياسية كعنصر من عناصر النظام الاجتماعي– السياسي.
استخدمت الأنظمة الاستبدادية في العراق وغير العراق مبررات فضفاضة للحجر على التعددية السياسية وما يرتبط بها من مؤسسات المجتمع المدني وما تستدعيه من تداول للسلطة واحتكام إلى الشعب، بدءا من شروط التنمية واللحاق بركب الدول المتقدمة، مرورا بمعارك "المصير" مع الامبريالية والصهيونية والرجعية والشعوبية وغيرها من التوصيفات العامة لأعداء وخصوم غير محددين في معركة غير محددة وغير قابلة للنفاذ، وانتهاء بأفكار من قبيل عدم النضج الشعبي والحاجة إلى التحول التدريجي المحسوب خشية من الغرق في الفوضى الناتجة عن عدم ارتقاء الوعي الشعبي إلى مستوى ما تتطلبه الديمقراطية والأنظمة التعددية، ومن بين جميع هذه الذرائع بدا التعليل الأخير ينطوي على قدر من الصحة ولكن من زاوية تختلف عن تلك التي نظرت منها الحكومات المستبدة. فعدم ارتقاء الوعي الشعبي إلى شروط اللعبة الديمقراطية والتعددية السليمة هي حقيقة، ذلك إن الديمقراطية لا ينتجها إلا تطبيق فعلي لها، بمعنى إن الديمقراطية هي الطريق إلى الديمقراطية، فحتى مع ما يشوب التطبيقات الأولية من أخطاء محتملة فان القطيعة التامة مع النظام الديمقراطي التعددي لن تؤدي إلى خلق ثقافة اجتماعية متفهمة لماهية هذا النظام ولشروطه كما أوضحت التجربة العراقية منذ سقوط النظام الملكي الذي كان يشوب تطبيقاته الديمقراطية الكثير من العيوب، إلا إن الواقع السياسي العراقي ومنذ سقوط هذا النظام اخذ تباعا يشهد تراجعا بحيث إن كل نظام جديد كان أسوا من الذي سبقه وصولا إلى الحقبة البعثية التي لم تشهد فقط القضاء على آخر ما تبقى من مظاهر التعددية السياسية في العراق، بل وشهدت أيضا أبشع صور الانتهاك للرأي الآخر.
تضمنت الخريطة السياسية في العراق الحديث عدة تيارات سياسية وفكرية يمكن أن نحدد أربعة منها باعتبارها التيارات السياسية الرئيسة منذ أن أسست الدولة العراقية الحديثة وحتى اليوم: التيار القومي، التيار الليبرالي، التيار الماركسي والتيار الإسلامي. وبالطبع فان هذه التيارات ضمت أجنحة عديدة وتطورت عبر عمليات تجدد وانشقاق واندماج وانكفاء، فالتيار القومي ضم شقين متصارعين هما التيار القومي الكردي والتيار القومي العربي، وهذا الأخير ضم البعثيين والناصريين والاشتراكيين العرب، ورغم تقاربهم الأيديولوجي فان علاقاتهم لم تكن أكثر تسامحا من علاقتهم مع التيارات الأخرى، والحركة القومية الكردية انقسمت منذ الستينات بين تيار البارزاني المحافظ وتيار إبراهيم احمد– الطالباني ذو الميول اليسارية، ووصل الانقسام أحيانا إلى حدود الاقتتال المسلح كما حصل عام 1978 وعام 1994(5). أما التيار الليبرالي فلم ينجح بترسيخ جذوره بفعل الفجوة بين الفكر الليبرالي والثقافة الاجتماعية السائدة من جهة، والطابع الشمولي الاقصائي للتيارات التي استلمت السلطة وبالطبع لم يكن هذا التيار من ضمنها.
الحزب الشيوعي العراقي ممثل التيار الماركسي بلغ في الخمسينيات أوج ازدهاره قبل أن يعيش انكفاء تدريجيا بعد هزيمته في الصراع مع التيار القومي العربي ثم فيما بعد صعود تأثير التيار الإسلامي لا سيما في أوساط الشيعة العراقيين الذين شكلوا القاعدة الأساسية للحزب الشيوعي، وبعد ذلك انكفاء الفكرة الشيوعية نفسها اثر سقوط المعسكر الشيوعي، التيار الإسلامي انقسم بدوره بين تيار سني وآخر شيعي، والتيار السني يضم اليوم الإخوان المسلمين والحركة السلفية وبعض التشكيلات الصوفية، في حين ضم التيار الإسلامي الشيعي العديد من الحركات والمنظمات مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية ومنظمة العمل الإسلامية والوفاق الإسلامي ومؤخرا حركة السيد مقتدى الصدر(6).
ربما تعبر هذه الخريطة عن شكل من التعددية السياسية إلا إن المهم في الأمر ليس وجود التعددية بحد ذاته بل كيفية تعامل هذه التيارات معها، ومن الواضح من خلال الاستعراض المقتضب السابق إن هذه التيارات لم تمارس الاعتراف المتبادل ببعضها وان الطابع الاقصائي هو الذي هيمن على توجهات معظمها، فالا خر أما يكون خائنا أو كافرا أو عميلا لمجرد كونه مختلفا، والأدبيات السياسية العربية تحفل بهذا النوع من المقولات لأنها تعبر عن نمط متشابه من الثقافة السياسية. الشيء الذي تجدر الإشارة إليه هنا هو إن التعددية لا يمكنها أن تتحقق بمعناها الحقيقي في ظل غياب الآليات الديمقراطية في إدارة الحكم، فعندما تكون ظهور الدبابات هي وسيلة الوصول إلى السلطة، وعندما يكون الانقلاب العسكري المظهر الوحيد لتداول هذه السلطة، يغدو السعي لكسب الدعم الاجتماعي وما يستوجبه ذلك من نضال سياسي علني وتـجدد فكري وأيديولوجي ومن ثم احتكام لصندوق الانتخابات، سعيا غير مبرر ويصبح الانتظام داخل المؤسسة العسكرية أجدى من كسب الدعم الشعبي. ولذلك فان التيارات التي استلمت حكم العراق، لاسيما حزب البعث، لم تكن لحظة وصولها للسلطة ذات قاعدة جماهيرية حقيقية أو جاذبية أيديولوجية لا تقاوم، لقد كانت في الغالب تيارات فوقية تخلو ربما من التماسك الفكري وتحركها عقلية القوة ومنطق الغلبة. إن التعددية الحقيقية تستوجب التجرد من الرؤى ذات الطابع الاطلاقي ومن تصور البعض انه يمتلك الحقيقة الكلية أو انه مخول من اللّه أو من الشعب ليفرض إرادته بالقوة، فالتخويل الحقيقي الوحيد الممكن في ظل نظام تعددي سليم يأتي عبر الانتخابات، وإرادة "الجماهير" التي تتحدث عنها التيارات الشمولية كافة كان يصعب التعبير عنها بغير صناديق الانتخابات. والتخويل الذي تمنحه الانتخابات هو تخويل مشروط ومحدد زمنيا ولا يمنح أي حزب أو تيار حرية مطلقة في الاستبداد بالسلطة، بل انه يرتهن إلى ثنائية ملازمة لكل نظام ديمقراطي تعددي هي ثنائية الحكومة – المعارضة، فهذه الثنائية تعبر عن توفر الخيار البديل دائما لما تطرحه الحكومة وبالتالي خلق مناخ تنافسي سياسي يدفع الحكومة من جهة إلى الارتقاء بمستوى أدائها بما يرضي الناخبين، ويدفع تيارات المعارضة إلى التجدد والاقتراب من المرغوب الشعبي لكسب الجولة القادمة، وبشكل أو آخر، ربما خدمت تجارب الماضي المريرة في إنضاج الوعي التعددي لدى النخبة السياسية وفي الحد من الجنوح الأيديولوجي على حساب متطلبات الواقع، لكن القول بان الثقافة الاجتماعية العامة قد باتت أكثر انفتاحا على التعددية الفكرية والسياسية واقل انجذابا إلى الرؤى الشمولية والاطلاقية يحتاج إلى المزيد من التحقق وربما الانتظار. إن ما شهده المجتمع العراقي من تحولات في السنوات الـ25 الأخيرة لا يعبر عن إمكانية حصول تطور بهذا الاتجاه، فاستشراء المنطق العنفي في تعامل الدولة مع المواطن ثم في سيادة مناخ الحروب وحضور الموت ضيفا دائما في البيئة العراقية ووجود أجيال بأكملها عاشت الأجواء القاتمة والتجارب الصعبة في جبهات القتال، ثم انحسار الطبقة الوسطى الرائدة الطبيعية في عملية التحول الديمقراطي وترييف المدن وانحدار مستوى التعليم ومعه المستوى الثقافي، وتضاؤل الفرص الاقتصادية، كلها عوامل وتحولات لا تعبر عن البيئة التطورية المواتية للقول بنمو الثقافة التعددية والديمقراطية.
 

المبحث الثاني
التعددية والدمقرطة

يبدو مفهوم الدمقرطة ذا جرس غير مألوف على الأذن العربية والعراقية، فالدمقرطةDemocratization ليست مكافئا للديمقراطية بل هي تعبر عن عملية التحول من السياقات الشمولية والسلطوية في الحكم إلى السياقات الديمقراطية والتعددية، وبالتالي فإنها مفهوم ينطوي على أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية ومؤسساتية، وتنطوي على فعل مقصود وموجه نحو غايات محددة.
والدمقرطة تعادل في القاموس السياسي المعاصر مفاهيم سابقة كالتنمية والتحديث والتصنيع طرحت في الخطاب الأيديولوجي من قبل العديد من المدارس الفكرية منذ ظهور الدول الجديدة أبان موجات الاستقلال الأولى، وشانها شان تلك الأطروحات قد تتحول الدمقرطة إلى شعار استهلاكي غير جاد أو قد تجد في بعض المجتمعات مستوى كاف من الإرادة والقبول والشروط الملائمة لتخضع للتنفيذ وبالتالي قد تتجلى بعدة صور ومستويات وتطبيقات وتنتج بالضرورة معطيات مختلفة تحددها طبيعة التجربة.
لقد ازدهر مفهوم الدمقرطة في العقدين الأخيرين وبالتحديد منذ إن بدأت مظاهر تداعي المعسكر الشيوعي، حيث ظهرت العديد من النظريات والأطروحات حول إدارة عملية تحويل المجتمعات التي خضعت سابقا إلى الحكم الشمولي للأحزاب الشيوعية في أوربا الوسطى والشرقية أطلق على هذه المجتمعات تسمية المجتمعات المتحولةTransitional societies (17) وهذه التسمية تعبر عن طبيعة الدمقرطة من حيث كونها عملية تحولية ذات أبعاد متعددة بالطبع يمكن لأي تجربة عراقية في التحول الديمقراطي أن تستفيد من تجربة هذه المجتمعات التي عاشت في الماضي ظروفا مشابهة بقدر أو آخر للظرف العراقي في ظل الحكم الشمولي، مع الإقرار بالفوارق الثقافية ومستوى الوعي وطبيعة التيارات السائدة.
إن أي نموذج للتحول الديمقراطي في العراق يجب أن يأخذ بالاعتبار واقع التعددية الثقافية في المجتمع العراقي، فتراكمات السنين والعقود السابقة التي انتهت إلى تعطيل عملية البناء المادي والمعنوي للأمة، كرست بشكل أو آخر حالة من الشعور لدى الجماعات الأثنية والطائفية المختلفة بالشخصية المنفصلة وأحيت ارتباط الأفراد بالولاءات الأولية مما جعل من الوطنية العراقية مفهوما عائما لا يخدم مقصدا مشتركا لدى الجميع ولا يعبر عن ذات جماعية مدركة لشروط وضعها التاريخي.
بالطبع إن الانكشاف غير المسبوق للواقع الاجتماعي– السياسي العراقي أمام المؤثرات الخارجية،لاسيما مع استثنائية الطريقة التي جرى بها تغيير النظام عبر التدخل العسكري الخارجي، أضافت لتعقيد الخارطة العراقية اكلافا باهظة عززت من مستوى التباين الإدراكي لدى الفئات المختلفة، وأسهمت من جانب آخر بجعل الأطراف المحلية والفرقاء المحليين يلجئون إلى القوى الخارجية للاحتكام والحصول على الدعم .وليس اخطر على الوضع العراقي من أن تتحول الجماعات الأثنية إلى وكلاء لمطالب ومصالح قوى خارجية متنافسة وتتحول هذه الوكالة إلى تحالف مادي ووجداني يرفع سقف الانفصام الداخلي ويضعف الشعور الوطني الهش أصلا وبالتالي يعزز من احتمالات اللاتعايش بقدر ما يعقد من إدارة دمقرطة سليمة وفعالة.
وفي ظل هذا الحال يصبح التعويل على الوعي "الوطني" لاستبعاد مخاطر الحرب الأهلية نوعا من الهروب الخطابي غير الفعال، فتداخلية الواقع العراقي مع صراع القوة والمصالح على الصعيدين الإقليمي والدولي تصعب عملية الركون إلى الضبط الاجتماعي العرفي في الحيلولة دون رفع سقف الصراع، بالطبع فان الضغائن المتراكمة وازدهار الأيديولوجيات الراديكالية في ظل بيئة تعاني من إشكاليات اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق قد توفر مناخا ملائما للتوجهات التناحرية مع استمرار غياب الرمز الوجداني الوطني وضعف جهاز الدولة. لقد كان العامل الخارجي مؤثرا سلبيا على الدوام في الواقع الاجتماعي – السياسي العراقي، وقد أسهم هذا العامل في تكريس حالة الإقصاء التي عانت منها العديد من الفئات الاجتماعية العراقية؛ وهو لا يمكن له إلا إن يعيد إنتاج ذات الدور لو فتح له مجال التأثير الواسع وغير المكبوح. وبنفس الوقت وفي نوع من المفارقة، يصعب الركون لما يسمى بالحل الوطني طالما إن الفئات المختلفة تنظر إلى اللحظة الراهنة من منطلقات متباينة ولا تكاد تتفق على من المسلمات، ومن ذلك اعتبار ما حصل تحريرا أم احتلالا!!!
إن مصادرة الوطنية بعد مصادرة المواطنة هي الشكل الراهن للجدل السياسي العراقي، فعلاوة على الاستمرار بتراشق الاتهامات التقليدية بالعمالة والخيانة والزندقة، يصل التباين بين تطلعات الفئات المختلفة إلى حد الانخراط في تحالفات إقليمية ودولية متضادة تغلفها اطر أيديولوجية تستمد شعاراتها من مرجعيات مختلفة يتجاوز تباينها السقف السياسي الذي يمكنه أن يحتوي التنوعات، وهي الحالة التي يتشكل فيها الصراع ليس داخل النظام بل على النظام. والتعايش الأولي الذي تبدأ بين القوى السياسية داخل ما عرف بمجلس الحكم لم ينجح بالتعبير عن تعايش اجتماعي– سياسي شامل، فعلاوة على انه كان تعايشا مفروضا بحكم قرار السلطة الأقوى على الأرض وهي سلطة الاحتلال وحيث لم يبد إن هناك أي مجال لأي من هذه القوى لادعاء مشروعية خاصة حددتها عملية التغيير، فان النسيج الاجتماعي– السياسي سرعان ما أنتج تباينات أوسع كذلك التباين بين "عراقيي الداخل" و "عراقيي الخارج"، وبين من يتحدث عن أولوية بناء دولة ديمقراطية ومن يطالب بمقاومة الاحتلال أولا ومن يدعو إلى تطبيق الحكم الإسلامي وبين من لا يرضى على أي من هذه المطالب!
لقد أطلقت عملية تغيير النظام عملية حراك سياسي وسيولة غير مسبوقة في الواقع العراقي مما يصعب معه تحديد خارطة نهائية لمكونات هذا الواقع الفكرية – السياسية، وإذا كانت مثل هذه السيولة حالة طبيعية بل وضرورية لإعادة إنتاج المواقف الاجتماعية في اطر تنظيمية وفكرية تصل بين القاعدة والنخب ويمكنها أن تدعي مستقبلا مشروعية التمثيل، فان الخطر يبقى ماثلا أمام رغبة البعض ببناء الثوابت على أرضية متحركة وبالتالي إجهاض عملية الحراك نفسها بطرح تعميمات أيديولوجية غير قابلة للتساوم.
وليس من قبيل التشاؤم الإقرار بان الثقافة الديمقراطية المتصالحة مع التعددية تغيب عن المجتمع العراقي اليوم وليس غيابها عيبا إذا ما اخذ بالاعتبار المنحدر التاريخي والظروف المتقلبة والاستشراء العنفي الذي عاشه هذا المجتمع في الماضي القريب، وإذا كان بالإمكان اعتناق الدمقرطة أيديولوجيا وتشكيلها مؤسساتيا وادعائها سياسيا، فان إنتاجها اجتماعيا وثقافيا دونه عملية صيرورة طويلة ومتدرجة وجليلة لا ينبغي أن تنقطع أو ترتد.
وفي المدى القصير يمكننا فقط أن نتحدث عن ما اسماه(غسان سلامة) بـ "الديمقراطية بدون ديمقراطيين"(8) فإذا اقرينا إن شكلا ما من التطبيق الديمقراطي ضروري لإنتاج الديمقراطية اجتماعيا وثقافيا، يصبح من الضروري رعاية إنشاء إطار مؤسساتي دستوري يفرض قواعد للعبة السياسة بين الفرقاء تستبعد قوانين المباراة الصفرية وتفتح أفقا دائما أمام المساومة كوسيلة لإدارة العلاقة بين أطراف غير متعايشة أيديولوجياً ومصلحياً بانتظار أن تخلق عمليات لتساوم هذه أطرا مقبولة من الجميع وبالتالي تؤسس المشتركات التي سيجري التعويل عليها مستقبلا لاستدراج وعي وطني يصلح أساسا لبناء امة. إن هذا الترتيب لا يجب أن يلجا إلى المسلمات البسيطة في فهم الديمقراطية، من قبيل إن الحكم الديمقراطي هو حكم الأغلبية فطالما إن المجتمع لم يبلغ بعد مستوى الوعي الوطني الذي يتجاوز بتأثير الولاءات الأولية، وتتحول فيه الاغلبيات والأقليات إلى متبنيات فكرية أو أيديولوجية وليس انتماءات عرقية أو طائفية، يصعب الحديث عن أغلبية بالمعنى الذي يعبر عنه في البلدان ذات التراث الديمقراطي .
ورغم ضرورة الإقرار إن الحفاظ على هذا النسيج غير المتوافق يتطلب وجود حكومة مركزية قوية تحتكر أدوات العنف الشرعي في التعامل مع المطالب المتجاوزة لحدود ما يخلقه التساوم من سقف سياسي، فان مركزية هذه الحكومة لا ينبغي لها أن تصل مجددا إلى مستوى تهميش المجتمع ومكوناته وتحويل الدولة إلى طرف متسلط يتبنى موقفا مصلحيا وفكريا يضيق عن مطالب العديد من فئات المجتمع بحيث تعيد الديكتاتورية إنتاج نفسها في شكل ضد– وطني بافتعال وطنية نخبوية غير متصالحة مع الذات– وفي هذه الحالة الذوات– الاجتماعية .
ويجب التوفيق بين ما تتطلبه التعددية السياسية والثقافية من فتح الفضاء الاجتماعي لممارسات التعبير عن الهوية، وتضييق نطاق فعل الدولة إلى الحد الذي لا تهدد فيه استقلالية المجتمع كمنتج ومحدد لشكل هذه الدولة، وبين الحاجة إلى أن تكون هذه الأخيرة تعبيرا عن الوسطية الاجتماعية – السياسية وأداة لتكريس "الوجدان المشترك" بمصداقية تواؤم بين الحاجة إلى استخدام القوة لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع، والحاجة إلى الظهور بمظهر مؤسسة الاحتواء المعبرة عن مرجعية مقبولة لدى الجميع، وسواء أخذت شكلا فيدراليا أو لا مركزيا أو مركزيا، وسواء تبنت نظاما رئاسيا أو برلمانيا، لا يمكن للدولة العراقية أن تدعي إنها نجحت في التعامل مع التعددية وفي إدارة الدمقرطة بدون أن تكون ذلك وأشياء أخرى.
 

هوامش الفصل الرابع
1. Ulrichk. Preuss، Federalism in pluralistic societies; Between secession and centralization، The good society،Vol.7،No (Winter 1997)، pp22-24.
2. Salvador Giner، Sociology، Western printing services LTD ، London، 1976.
3. Marry Klages ،Post modernism ، http://www.English/EnG120/pomo.html،Dec.3، 1997.
4. Ibid. The modern History of Iraq.
5. Phebe Marr.West view press. Colorado،1985،p238.
6. انظر حول الصراع التاريخي للأحزاب العراقية :
حنا بطاطو، العراق: الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار، الكتاب الثالث، ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1992.
7. Conference on democratic transition and consolidation،Reader: constitutionalism ،Freie universitat ،Berlin،2002.
8. غسان سلامة وآخرون، ديمقراطية بدون ديمقراطيين، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2000.
 

دعوة للمشاركة

يسر مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية أن يعلن عن رغبته في التعاقد مع الباحثين من الأساتذة الأكاديميين وذوي الاختصاص وفقاً للآلية الآتية :
1. يقدم الباحث طلباً لكتابة دراسة أو بحثاً في موضوع معين يتناسب وأهداف المركز مشفوعاً بملخص عن الموضوع .
2. يلتزم المركز بالرد على الطلب خلال فترة أسبوعين من تاريخ تقديمه.
يتعهد المركز في حالة قبول طلب الباحث القيام بالأمور الآتية :
• التعاقد مع الباحث بالشكل الذي يُتفق عليها لاحقاً .
• يسعى المركز إلى تسهيل حصول الباحث على المصادر التي تعينه في كتابة بحثه مما يتوفر في مكتبة المركز أو على شبكة الانترنت .
3. يلتزم الباحث بأتباع أساليب البحث المتفق عليه علمياً .
4. بالنسبة إلى الدراسات المقدمة إلى المركز يجب أن لا تقل عدد صفحاتها عن (40) صفحة، أما البحوث فيجب أن لا تقل عن(15) صفحة وتكون مطبوعة بالكومبيوتر وترسل ثلاث نسخ بالإضافة إلى(CD) .
5. تقدم الدراسة خلال مدة يُتفق عليها مع إدارة المركز لا تزيد بكل الأحوال عن ثلاثة أشهر، وشهرين بالنسبة للبحث.
6. يُراعى في البحث أو الدراسة المقدمة الأمور الآتية:
• أن لا تكون الدراسة أو البحث قد نشر سابقاً أو قدم للنشر في مكان آخر.
• تكتب أسماء الباحثين وعناوين وظائفهم ودرجتهم العلمية.
• يُقدم ملخص للبحث أو الدراسة باللغة العربية وباللغة الإنكليزية.
7. يكون من حق المركز حصراً نشر وتوزيع البحث أو الدراسة وبكافة طبعاته.
8. تقدم طلبات البحوث والدراسات في مقر المركز، أو للبريد الالكتروني للمركز أو البريد الخاص بمدير المركز.
9. يؤّمن الباحث طريقة الاتصال المناسبة مع إدارة المركز.
 

| © جميع الحقوق محفوظة لمركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية1427هـ/ 2006م