تحديــــات العولـمـة وفق منظور الاقتصاد المحلي

 

مهند حميد مجيد باحث اقتصادي

 

من أحد مفاهيم العولمة الاقتصادية "إنها اندماج أسواق العالم في حقول التجارة والاستثمارات الأجنبية وانتقال الأموال والقوى العاملة والثقافات والتكنولوجيا ضمن إطار من رأسمالية حرية الأسواق وخضوع العالم لقوى السوق العالمية"، فهي ترتبط بزيادة درجة الاعتماد على المبادلات بين الدول من خلال عملية انتقال السلع ورؤوس الأموال وتقنياتِ الإنتاج وانتقال الأشخاص والمعلومات، وقد أدت هذه العملية المتسارعة لدمج الأسواق بفضل التطور الهائل في تقنيات المعلومات والاتصالات في العقد الماضي إلى تراكم رأس المال لصالح نظام رأسمالي تديره في الأساس الشركات العالمية العملاقة العابرة للقومية (الأمريكية والأوربية واليابانية).

ومع الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية وتسارع الاندماج الاقتصادي إلى المستوى العالمي بسبب تسارع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، أصبح من الضروري إعادة النظر ومراجعة السياسات الاقتصادية السائدة، إذ إن توفر الموارد الطبيعية والبشرية يضمن تحقيق نمو مناسب في الناتج المحلي الإجمالي، أما الآن فإن مجرد توافر الموارد الطبيعية والبشرية الرخيصة لا يضمن تحقيق المنافسة الدولية إذ إن الصناعات التي تعتمد على المواد الخام فقط لا تحقق تنمية صناعية مستدامة، لا سيما وأن القاعدة السابقة حول ميزة قاعدة الموارد الطبيعية في الاقتصاد آخذة في الزوال لتحل محلها الميزة التنافسية التي تعتمد بشكل كبير على القدرة والقابلية الذهنية والعقلية للعمالة الماهرة.

إن التطورات التي شهدها الاقتصاد العالمي قد غيرت من التسلسل الهرمي لأهمية الموارد فجعلت من العمالة الماهرة التي يتوفر لديها مستوى عال من المعرفة والعلم واستيعاب التكنولوجيا أهم مورد، وهو أمر لا يتحقق إلا بتبني نظام تعليمي متطور، وهذه البيئة الجديدة التي تتوفر فيها العمالة المؤهلة والذكية هي الوحيدة القادرة على تحقيق مفهوم الاقتصاد القائم على المعرفة الذهنية أي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتي تعبر عن نظام واسع وشامل يغطي كافة جوانب الإدارة والتشغيل والإنتاج بحيث يتم فيه استبدال الثقافة الصناعية القائمة على الآلة بثقافة المعلوماتية والتكنولوجيا الحديثة التي تهتم بخلق ونشر وتبادل التقنيات والمعلومات الحديثة عبر وسائل الاتصال السريعة، وبطبيعة الحال يتطلب تطبيق هذه المبادئ اهتماماً مركزاً على تنمية الموارد البشرية سواء من جهة القضاء على البطالة والتهميش لفئات واسعة من المجتمع أو من جهة تطوير التمكين والمشاركة ومبادئ المساءلة وحسن الإدارة، وفي هذا المجال تعطي أدبيات التنمية المستدامة أولوية لقضية تأمين الرأسمال البشري، وتأتي هذه القناعة من التجارب التنموية السابقة الناجحة في الغرب، إذ كانت الجهود تنصب على تنظيم الإنتاج والعلاقات الاجتماعية وفي الابتكار العلمي والتطبيقي من العناصر الرئيسة في تعجيل تصاعد معدلات النمو، أو من تجارب دول شرق آسيا الناجحة في التصنيع وتجهيز القوى البشرية تجهيزا ً شبه كامل في الدورة الإنتاجية .

ومن جهة أخرى، فإن البنى التحتية للاتصالات اللاسلكية والمعلوماتية تعد عظيمة الأهمية لتمكين المجتمع من التقدم نحو اقتصاد المعرفة، إذ تخفض هذه البنية من الكلف وتوفر اقتصاديات الحجم الكبير وتتجاوز قيود المسافات، ويلاحظ أن أغلب البلدان النامية لا زالت بعيدة عن بلوغ حد الاستفادة من ميزات هذه البنى، وعليها القيام ببعض الإجراءات لتحسين وضعها، والتي من أهمها:

·  تعزيز المنافسة وخلق أجهزة تنظيمية مستقلة.

·  الانفتاح بشكل أكبر على الاستثمار الأجنبي كمصدر لرأس المال والخبرة الفنية في خدمات تقانة المعلومات.

·  توسيع الوصول إلى الإنترنت.

·  تعزيز الاستعمال الأكبر لتقانة المعلومات والاتصالات عن طريق تقديم المساعدة الفنية للشركات الصغيرة والمتوسطة وتحسين كفاءة النظام المصرفي الذي يشمل المصارف الاليكترونية وأنظمة الدفع ونظم تقديـر الائتـمان وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية المبنية على الإنترنت.

·  تأسيس التجارة الاليكترونية بين قطاعات الأعمال وقطاع المستهلكين.

·  إنشاء الخدمات الاليكترونية الحكومية وتحقيق الكفاءة في جمع الضرائب وإدارة الموازنات.

·  نشر وتكثيـف التدريب الجماهيري على تقانة المعلومات والاتصالات.

كما أن هذه التطورات تفرض على الدولة -التي تهدف إلى مواكبة التطور والابتعاد قدر الإمكان عن التهميش المرافق لهذه التطورات- للالتزام بسياسات معينة ووضعها موضع التنفيذ وبدونها لا يمكن لها أن تأخذ موطئ قدم في المحيط العولمي الكبير، ومن أهم هذه الالتزامات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية والعمل باتفاقياتها والتقيد بالتعهدات التي تلتزم بها والاندماج بشكل أفضل بالاقتصاد العالمي، لاسيما في مجال التفاعل مع أسواق المال العالمية واستخدام الأدوات والتقنيات الحديثة في مجال التجارة والاستثمار وتحسين مهارات اليد العاملة الوطنية ورفع إنتاجيتها فضلاً عن تنويع الصادرات وتحسين مستواها التكنولوجي وزيادة قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية، وقد تبين من تقديم وتحليل المتغيرات العالمية إن التطورات التكنولوجية خاصة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي حدثت منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي جعلت العالم أكثر ترابطاً من الناحيتين الاقتصادية والتجارية، كما أن هذه التطورات أصبحت تتيح لأي دولة تواكبها فرصا ً واسعة للتغلب على محدودية سوقها المحلي والاستفادة من موقعها الجغرافي وتعزيز ارتباطها مع الاقتصاد العالمي، وقد بدأت أغلب دول العالم باتخاذ سياسات من شأنها أن تدعم قدراتها الاقتصادية كتبني برامج متعددة لتشجيع الانسياب الحر للسلع ورؤوس الأموال والتكنولوجيا العالية ورفع كفاءة اقتصادها المحلي لتمكينه من المنافسة العالمية وتطوير مهارات العمالة الوطنية لزيادة قدرتها على التفاعل مع التقنيات الحديثة ومحاولة الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية وتدعيم علاقاتها الاقتصادية مع تجمعات اقتصادية أخرى وبما يتوافق مع مصالحها.

وبما أن العولمة قد أدت إلى تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، فإنه في المقابل قد أدى إلى تطوير دور الحكومة في مجال إنشاء ودعم الهياكل الأساسية مع تقليل دورها في مجال الإنتاج السلعي والخدمي، وذلك من خلال إعادة النظر في دور الحكومة في المجالات غير التقليدية، أي العمل على تخصيص بعض المشروعات الإنتاجية والخدمية مقابل تعزيز دورها في المجالات التي تقع ضمن مسؤولياتها الأساسية، ويعني ذلك أن يتركز دور الحكومة في توفير وتطوير الخدمات الأساسية مثل الدفاع والأمن والعدل والقضاء والإدارة العامة والتعليم والصحة والبنيات الأساسية والضمان الاجتماعي بالإضافة إلى تعزيز نظام السوق وتنمية القطاع الخاص حتى يمكن توزيع الموارد بشكل كفوء وتدعيم الاستقرار الاقتصادي وتشجيع التوزيع العادل للدخل القومي، ويجب عليها التأكيد على بذل الجهود لتنمية قطاع خاص قادر على الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية والبشرية بأساليب تتسم بالكفاءة والمحافظة على البيئة وتهيئة الظروف الملائمة لتحقيق إستراتيجية التنويع الاقتصادي والعمل على الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية والبشرية، مع التأكيد على ملاحظة أن شركات القطاع الخاص في كثير من الدول النامية لا تخضع لمبادئ حسن الإدارة والمساءلة ولا تعمل - في أغلب الأحوال- ضمن إطار واضح من القيم والأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي تسمح بتطبيق مبدأ المساءلة خاصة الأجهزة القضائية وأجهزة المراقبة الإدارية الأخرى المعنية بأعمال القطاع الخاص ليس لديها الخبرة الكافية ولا التمرس في تطبيق القوانين الاقتصادية والمالية.

ومن ضمن تحديات العولمة، القدرة على توزيع الدخل بشكل عادل لمعالجة مشكلة اتساع فجوة التفاوت في الدخل والثروة وتفاقم حدة الفقر، مع التأكيد على رفع المستوى المعيشي للمواطن المحلي وضمان استفادة كافة المواطنين من ثمار عملية التنمية وذلك من خلال تحقيق تكافؤ الفرص للجميع بهدف تقليل الفوارق في مستويات المعيشة بين المناطق وفئات الدخل المختلفة بالإضافة إلى توفير الضمان الاجتماعي وحماية الفئات المحتاجة من أي آثار سلبية اقتصادية واجتماعية قد تنتج من عملية اندماج السوق المحلي في الاقتصاد العالمي في إطار اتفاقيات منظمة التجارة العالمية.

أن مواكبة هذه التطورات لا يتطلب فقط إزالة الحواجز التجارية بل يتطلب أيضاً مراجعة وتحسين الاتفاقيات والنظم والقوانين التجارية التي تخدم المصالح الاقتصادية للبلد، بعبارة أخرى استمرار وتواصل السعي لإيجاد نظام تجاري عالمي متعدد الأطراف يستند على قواعد واضحة وشفافة تراعي مصالح الجميع، ويلاحظ في هذا الصدد إن البلدان النامية   - على الرغم من مرور تسع سنوات على تطبيق اتفاقيات منظمة التجارة العالمية- لا زالت بعيدة عن جني الفوائد المتوقعة من ترتيباتها خاصة فيما يتعلق بفتح الأسواق أمام صادراتها وتدفق الاستثمارات ونقل التكنولوجيا. 

 

الديمقراطية ممارسة الاعتدال والتواضع

 

تأليف: البير كامو   /     كاتب فرنسي معروف .

ترجمة:علاء شطنان      /     مترجم لغة فرنسية/ جامعة بغداد

 

 

ُيعد الكاتب الفرنسي الكبير البير كامو أكثر الكتاب الفرنسيين شهرة في القرن العشرين، فرواياته(الغريب 1942)، و(الطاعون 1947) هي روايات مقروءة جداً في المدارس، ولكن كامو ليس روائياً فقط بل كتب الكثير من المقالات حلل فيها المشاكل السياسية والآيديولوجية لعصره وحدد موقفه منها وهذا ما فعله في مقالته التالية التي نُشرت عام 1948 في صحيفة كاليبان Caliban .في ذلك الحين كانت الحرب العالمية الثانية قد وضعت للتو أوزارها، وبعد أن عانى الفرنسيون خمسة أعوام من الاحتلال الألماني بدأوا يتطلعون إلى ما ستؤول إليه فرنسا المحررة، وقد بدا لهم بأن اللعبة السياسية قد تغيرت وبدأوا يرنون إلى ديمقراطية حقيقية، كل الآمال أصبحت على وشك التحقيق، الحرية والعدالة ستتحولان إلى واقع، لكن في عام 1948 حلت خيبة أمل، فقوى اليمين لا ترغب في تغيير سياســي واجتماعي حقيقي، أما الشيوعيون فلم يشغلهم إلا مناهضة الرأسماليين ويعتقدون إن في ذلك يكمن الحل            الأساس لكل المشاكل، وفي هذه المقالة حول الديمقراطية يطرح كامو الأسباب التي جعلته يعارض مختلف الاتجاهات.  

لأنه لا يوجد موضوع برأيي أهم من موضوع الديمقراطية فأنني دائم التفكير فيه وكثيراً ما يحصل ذلك في المترو.نحن نعلم بأن غموضاً يكتنف هذا المفهوم المهم، ولأنني أحب كثيراً أن أناقش هذا الموضوع مع اكبر عدد ممكن من الناس فأنني في الوقت نفسه ابحث عن تعريفات ملائمة ومقبولة لهؤلاء الناس. لكن هذا ليس عملاً سهلاً ولا ازعم بأني نجحت تماماً في هذا المسعى، ولكن يبدو لي أني توصلت إلى بعض المفاهيم التقريبية النافعة، ولكي أكون موجزاً، هذا واحداً من هذه المفاهيم:

(إن الديمقراطية هي الممارسة الاجتماعية والسياسية للاعتدال والتواضع)

في الحقيقة هناك نوعين من المفاهيم المضادة (للديمقراطية)، (مثلما  يتوجب علينا توضيح كل شيء دعونا نطلق صفة "المضاد" على كل موقف يهدف إلى التكريس المستمر للتبعية و العبودية السياسية والاقتصادية التي تثقل كاهل الناس)، هذان المفهومان يسيران في اتجاهين متضادين ولكنهما يشتركان في التعبير عن حقيقة مطلقة .

المفهوم المضاد الأول يقول (لا يمكننا تغيير الناس)، ويخلص إلى القول بأن الحروب حتمية وان العبودية الاجتماعية موجودة في طبيعة الأشياء شئنا أم أبينا، فلنترك لحملة السلاح عملية إطلاق النار ولنعتن بحدائقنا المنزلية (والحقيقة إن المقصود بالحدائق المنزلية هو الأملاك الخاصة).

·       في المسرحية الهجائية الاجتماعية لفولتير عام 1759 يقترح  البطل في نهاية المسرحية إن لا يهتم ولا يعتني إلا بأموره الخاصة فقط وبقي في منزله يعتني بحديقته المنزلية فقط، وفي هذا المقال يرى كامو إن الأغنياء وأصحاب الأملاك عندما يساندون هذا الرأي إنما يحاولون الابتعاد عن المواقف السياسية المساندة للديمقراطية حفاظاً على مصالحهم، أما المفهوم المضاد الثاني فيقول (إن تغيير الناس وتحريرهم ممكن ولكنه يعتمد على المبدأ الذي ينتهجونه لذلك يتوجب عليهم أن يتحركوا وفق هذا المبدأ وبثبات كي يحصلوا على النجاح)، إذن نستطيع أن نستنتج بأنه من المنطقي قمع هؤلاء:

1- الذين لا يؤمنون بأن هناك تغيير ممكن.

2- الذين لا يتفقون مع هذا المبدأ.

3- الذين يتفقون مع هذا المبدأ ولكنهم يعترضون على الوسائل .

4- وبشكل عام كل أولئك الذين يرون بأن الأشياء ليست سهلة كما ينبغي.

وبالنتيجة نحصل على محصلة تعادل ثلاثة أرباع الناس!

في كلتا الحالتين نجد أنفسنا أمام تبسيط متعمد للمسألة،في الحالتين هناك إدخال للترسيخ  وللحتمية المطلقة في الواقع الاجتماعي، لكنهما  لا يجدا فيه طريقهما كما ينبغي، في كلتا الحالتين يشعر المرء بقناعة تامة لصنع التاريخ وفق هذه المبادئ، بقناعة تامة لتبرير الألم الإنساني أو لتعميقه هذه الأفكار المختلفة جداً والتي تنصب قناعتها كذلك على محاربة تعاسة الآخرين أرى أنها تستحق الإعجاب، ولكن يجب علينا على الأقل أن نسميها بمسمياتها  وان نتحدث عن ما تستطيع أو لا تستطيع فعله، أنا أرى إن هذه الأفكار مغرورة بما يكفي، فهي ربما تتمكن من الوصول لأي شيء لكن لا يمكن لها الوصول إلى التحرير الإنساني و إلى الديمقراطية الحقيقية، هناك كلمة لسيمون ويل Simone Weil كانت شجاعة في قولها ولها الحق في كتابتها سواء في حياتها أو بعد موتها،تقول سيمون ويل:(من هذا الذي يمكن له أن يُعجب بالأسكندر الأكبر من كل قلبه إن لم تكن نفسه وضيعة)، نعم فمن يستطيع أن يضع في كفة واحدة الاكتشافات الكبيرة للعقل البشري و الغزوات الكبيرة للقوة وما تسببه من معاناة كبيرة للبشر، إن لم يكن ذو قلب خالي من العاطفة وعقلاً بعيداً عن كل عدالة.

لذلك يبدو لي إن الديمقراطية سواء كانت اجتماعية أم سياسية لا يمكن لها أن تتأسس على فلسفة سياسية تدعي معرفة كل شيء و تنظيم كل شيء، مثلما لم تستطع أن تتأسس لحد الآن على الأخلاق المحافظة المطلقة. فالديمقراطية ليست أفضل الأنظمة ولكنها الأقل سوءاً،نحن جربنا تقريباً كل الأنظمة ولكن النظام الديمقراطي غير مُصمم ولا مُكتشف ولا مسنود إلا من قبل أناس لا يدَعون بأنهم يعرفون كل شيء وأنهم يرفضون الوضع البروليتاري ولا يرضون أبداً عن بؤس الآخرين، ويرفضون تعميق هذا البؤس باسم نظرية ما، أو باسم نهج مسيحي عقيم.

إن رجعية النظام القديم تدَعي بأن العقل لا يمكن له حل أي شيء، أما رجعية النظام الجديد فأنها ترى بأن العقل يحل كل شيء، أما الديمقراطي الحقيقي فأنه يرى بأن العقل قادر على معالجة عدد كبير من المشاكل ويستطيع إن يحل منها الكثير لكنه لا يعتقد بأن سلطة العقل يجب أن تحكم العالم كله كسلطة وحيدة، وبالنتيجة فأن الديمقراطي هو إنسان معتدل ومتواضع، فهو يعترف بجانب عدم المعرفة عنده وبجانب بعض المغامرة في أنشطته و يعترف بأنه لم ُيعطِ العلم كله، وانطلاقاً من هذا الاعتراف فأن الديمقراطي يجد انه بحاجة دائمة لاستشارة الآخرين وإن يُكمل ما عنده من معرفة بما عند الآخرين من معرفة، ولا يجد عنده من سلطة إلا بقدر ما يفوضه الآخرون بها واتفاقهم حوله، وأي قرار يريد أن يتخذه بشأن الآخرين يعرف أن الآخرين من الممكن أن ينظروا إليه بشكل مختلف ويمكن أن يعدلوه، وبما إن النقابات وجدت للدفاع عن حقوق العمال فالديمقراطي يعلم بأن أعضاء النقابات وبمداولة آرائهم لهم كل الحق في تبني النهج الأفضل .

الديمقراطية الحقيقية ترجع دائماً إلى الجماهير لأنها  تفترض بأنه لا توجد حقيقة مطلقة في نظامها  وبان الكثير من تجارب الشعب المتراكمة تمثل اقترابات من الحقيقة أكثر دقة من مذهب متماسك لكنه مزيف. فالديمقراطية لا تدافع عن فكرة مجردة و لاعن فلسفة متألقة بل هي تدافع عن الناس الديمقراطيين وتدعوهم لاستخدام وسائلهم الخاصة لدعم دفاعهم.

إني افهم تماماً بأن المفهوم الحذر جداً لا يمضي دون مخاطر واني افهم جيداً بأن الأغلبية يمكن لها  أن تخطأ  في الوقت الذي تكون فيه الأقلية هي التي على الصواب، ولكننا يجب أن نقارن بين المخاطر الناجمة عن هذا المفهوم و بين المخاطر الناجمة عن الفلسفة السياسية التي تُخضِِِِع كل شيء لها، فمن اجل إنجاح هذه التجربة يجب أن نتحمل الخسارة الطفيفة في السرعة أفضل من الاستسلام  للسيل العارم، وبقي أن أقول بأن الاعتدال  يُقر بسماع آراء الأقلية، و لهذا السبب أنا أقول بأن الديمقراطية هي اقل أنظمة الحكم سوءاً .

انطلاقاً من ذلك يمكن لي القول انه لا يمكن تسوية  وتنظيم كل شيء، لذلك فأن هذا التعريف ليس تعريفاً نهائياً وشافياً ولكنه يسمح لنا بتفحص المشاكل التي ترهقنا وتربكنا بأسلوب شفاف و دقيق، هذه المشاكل التي لو تُركت  فأنها سوف تنزع باتجاه فكرة الثورة ومفهوم العنف، ويسمح لنا هذا التعريف كذلك بمنع إعطاء الحق للأموال وللبوليس في إطلاق تسمية الديمقراطية على ما هو ليس  بديمقراطي، نحن نسمع كل يوم الكثير من الأكاذيب في وسائل الأعلام التي هي عارُ على هذه البلاد (فرنسا)، وكل فكرة أو كل تعريف يخاطر بإضافة المزيد على هذه الأكاذيب أو مساندتها هو اليوم مرفوض، ونحن اليوم إذ نقوم بتعريف بعض المفاهيم الأساسية و توضيحها و ذلك من اجل أن تكون في الغد فعَالة ومؤثرة، وبذلك نكون قد عملنا على تحرير الإنسان وقمنا بإتمام مهمتنا .

 

 

عنوان المقال باللغة الفرنسية:

La Democratie, exercice de la modesti…….Albert Camus

Decouverte  de l’essai....Sara Lawall ….Christian Garand …Mireille Azibert

Traduit    par   Ala   Shatnan

Translated  by  Ala  Shatnan 

| © جميع الحقوق محفوظة لمركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية1427هـ/ 2006م