تخطيط المدن الدينية في العراق
(مدينة كربلاء نموذجا)
د.رياض كاظم
سلمان ألجميلي*
مقدمة:
لعبت الصفات الجغرافية (الطبيعية) للعراق من التدفق المستمر
لرافديه دجلة والفرات وسط سهله الرسوبي الواسع وصلاحية تربته من
جانب، وما للعوامل التاريخية ومجمل الإحداث البشرية التي تعاقبت
على أراضيه من جانب أخر جعلت منه موطنا قديما للإنسان والحضارة على
حدا سواء، الأمر الذي مكنه أن يصبح الموطن الأول لظهور طلائع
المستقرات البشرية الأولى وقيام الحياة الحضرية في العالم كما تشير
الدلائل الآثارية والنصوص التاريخية التي تعود إلى العصر الحجري
القديم(1).
فتعاقب الحضارات البشرية على أرضه بثقافاتها المختلفة وإبداعاتها
المتنوعة لاسيما في مجال العمران وتشييد المدن والمستوطنات وإقامة
الحصون والقلاع وخصوصا في الحضارة البابلية والسومرية والآشورية
التي امتازت بفن تخطيط وتنظيم المدن بشكل بارز، لقد خلق الإسلام
بكل ثقافتة وروحيته سلوكا عمرانيا تمثل في المدن الدينية التي تطغى
عليها معالم الحضارة الإسلامية برموزها المختلفة سميت فيما بعد
بالمدن الدينية الإسلامية والتي يعد أساس نشأتها وقيامها المعالم
والآثار الدينية كأماكن العبادة في مكة والمدينة المنورة والقدس
ومراقد الأولياء والصحابة والصالحين في بغداد وسامراء والنجف
وكربلاء والبصرة في العراق ويحضى العراق بشكل خاص بين دول العالم
الإسلامي بمكانة مرموقة لاحتوائه على الكثير من هذه المدن الدينية
البارزة والتي شكلت فيما بعد أرثه الحضاري والإنساني على مختلف
إبعاد تاريخه القديم والمعاصر.
شكلت هذه المدن في العراق أماكن للسكن والعبادة معا وتنشط فيها
الحركة السياحية للسواح والزائرين من مختلف أنحاء العالم، إذ لعب
العامل الديني دوره الكبير والمباشر في هذه المدن من خلال استقطاب
السكان إليها بشكل كبير، الأمر الذي جعل معظمها تعاني من ظاهرة
التضخم السكاني المستمر فضلا عن التضخم الموسمي للسكان خلال فترات
معينة من السنة "المناسبات الدينية" والذين يشكلون عبئاً أضافيا
على هذه المدن وخدماتها المختلفة من الناحية التخطيطية، لذا برزت
أهمية التخطيط في مجال الحياة الحضرية باعتباره الوسيلة العلمية
المنظمة
لسلسلة من العمليات المترابطة والمتعاقبة لبلوغ غايات وأهداف معينة
ضمن إستراتيجية مقررة وخلال
فترات
زمنية محددة(2). والذي يساهم في تحسين بيئة
الحياة الحضرية ويخلق مناخا مناسب للسكن والخدمات
الذي
ينعكس بصورة ايجابية على حياة الساكنين أولا والسكان الوافدين
للمدينة ثانيا، لان السكان في أي مكان هم
هدف
التخطيط الأساسي لذلك المكان(3).
ويأتي دور التخطيط الحضري
urban planning
في تنظيم ترابط المدينة العضوي والوظيفي وتامين الشروط اللازمة
للسكان لكي تتوفر لهم الإمكانية للعيش والعمل والراحة بأجواء
يسودها الهدوء والأمان وفي محيط صحي
فضلا
عن تامين الترابط الإقليمي للمدينة بالمراكز الحضرية الأخرى(4).
ولعل من جل اهتمام المخطط هو إبراز
المشاكل
وفصلها وتشخيص خطورتها بالطريقة التي تمكنه من إيجاد الحلول
الناجعة والمناسبة لها شكل (1).
شكل (1)
وظيفة المخطط

المصدر: فاروق عباس حيدر، تخطيط المدن والقرى، منشأة المعارف
بالإسكندرية، الطبعة الأولى، 1994،ص9 .
لقد ساهمت الجغرافية كعلم رئيسي ومهم في تطور الفكر التمديني
والتعمق بدراسته منذ القرن الرابع الميلادي
من
خلال مساهمات الجغرافيين بالمجال الحضري ودراسة مشاكل المدينة
وتحديدها بالشكل الذي يجعل من أراء
الجغرافي
إحدى الاستراتيجيات المعتمدة في عمليات تخطيط المدينة(5).
لذا تبرز أهمية دور الجغرافي كونه يمثل على الصعيد التطبيقي
مهندس المكان لما توفره المعرفة الجغرافية من فهم للعلاقات
المكانية للظواهر الطبيعية والبشرية فالجغرافية من الناحية النظرية
تمثل فلسفة المكان وعمليا هندسة المكان(6) وتحضى عمليات
التخطيط في المدن الدينية بشكل خاص بأهمية بالغة كونها تضع المدينة
ومنشاتها الحيوية والاقتصادية بالطريق الذي يؤمن للمدينة تأدية
فعالياتها الحضرية بشكل سليم كما يوفر تنظيما لعمل منظومة الخدمات
"المجتمعية والعامة" مما يجعلها قادرة على تلبية احتياجات ساكنيها
والسكان القادمين من الإقليم، بالإضافة إلى تنظيم عمل السياحة
الدينية التي باتت سمة بارزة من سمات المدن الدينية المعاصرة.
ومن هذا المنطلق تم اختيار مدينة كربلاء كنموذج لدراسة تخطيط
المدن الدينية في العراق لما تمتاز به المدينة من مكانة دينية
كبيرة على الصعيدين الداخلي والإقليمي فضلا عن تعرض المدينة لوفود
مئات الآلاف من الزائرين لعتباتها الدينية على مدار أيام السنة
نموذجا يدرس من خلاله عمليات تخطيط المدينة ويساهم في كشف مكامن
الخلل التخطيطي والسكاني الذي تعانيه معظم مدن العراق الدينية.
أولا: إستراتيجيات تخطيط البيئة الحضرية للمدن الدينية
تعد عملية المحافظة على البيئة الحضرية وصيانتها من أهم القضايا
العالمية المعاصرة وبالخصوص بعد التدهور في الوضع البيئي العالمي
بشكل عام بما ينعكس سلبا على نوعية الحياة وتهديد مقوماتها
الأساسية، إذ إن عملية التخطيط البيئي للمدن باتت عملية يعول عليها
للخلاص من المشاكل والمعوقات التي تجابه المدينة في الحاضر
والمستقبل، وتسعى إستراتيجية تخطيط البيئات الحضرية المعاصرة إلى
توفر الترابط العضوي بين تخطيط البيئة العمرانية "الكتلة السكنية"
بما تحتويه من أنماط تخطيط الشوارع والمساكن والخدمات والذي تعنيه
بصورة أوضح خطة المدينة
"plan city"
وبين عمليات التقييم والمتابعة المتواصلة آنيا ومستقبلا والوصول
بالجانبين إلى إدارة بيئية حضرية سليمة والتي تستخدمها عمليات
التخطيط الحضري بشكل مباشر(7). وتكمن عملية وضع أي
إستراتيجيه حضرية لأية مدينة في دراسة الواقع الفعلي للمخطط
الأساسي "MASER
PLAN"
للمدينة للوقوف على حقيقة تفاعل العلاقات المكانية بين استعمالات
الأرض المختلفة وبين ما رصد لها من مواقع تحاول استغلالها لفترات
زمنية محدودة ولما كان التصميم الأساسي للمدينة يعني "إطار عمل
يتعامل مع وحدتي الزمان والمكان معا بمتغيراتهما على شكل مراحل
زمنية معين
"(8). لذا لابد أن يحقق التصميم الأساسي للمدينة
تطلعاتها ويواكب مراحل نموها وتوسعها العمراني وبالخصوص المدن
الدينية ذات الشهية المفتوحة لتوسع بشكل ملحوظ، إن عملية وضع تصميم
أساسي للمدينة لابد وان ينسجم مع الأهداف التخطيطية من ناحية، ومع
الجانب الطبيعي "الاند سكيب" للمدينة من ناحية أخرى.
1. مراحل وضع التصميم الأساسي لمدينة كربلاء
يمثل
التصميم الأساسي احد أهم الوثائق أو سلسلة من الوثائق التي وضعت
لتحديد الأطر العامة لنمو المستوطنة الحضرية والذي يتعامل مع وحدتي
الزمان والمكان كبعدين لتحرك الإنسان وممارساته المختلفة(9).
إن وضع أول خطة عمرانية لمدينة كربلاء في تاريخها الحديث كان على
يد الوالي العثماني مدحت باشا سنة 1868. بعد أن اتسعت المدينة ابعد
من أسوارها التي تحيط بها والتي تعد سمة من سمات المدينة الإسلامية
آنذاك لان السور يمثل الكيان المادي لها، لقد امتازت خطة مدحت باشا
بالاتساع نحو الجهة الجنوبية للمدينة لكي تسمح بظهور محلات عمرانية
جديدة كمحلة العباسية الشرقية، خارطة(1).
وما برحت المدينة إن تتعدى سورها الذي أتاح لها جانبا كبيرا من
النمو والتوسع العمراني واخذ نسيجها الحضري يشق طريقة للتكامل في
مطلع القرن العشرين فاخذ النظام العضوي "الحضري" يبتعد عن المركز
التقليدي، وسرعان ما أخذت المدينة موضعها الحالي وفي محاولة جديدة
ومتكاملة لتطوير وتنظيم نموها بالشكل الصحيح عام 1956 من قبل مؤسسة
"doxiadis"
الألمانية التي اقترحت تحويل مركز المدينة التقليدي إلى مكانا خاص
باستعمالات الأرض الدينية دون سواها كما اقترحت إلغاء الملكيات
الخاصة فيها تدريجيا ورصدت المؤسسة النمو الحضري والواقع السكني
للمدينة لغاية عام 2000(10). ركز هذا المخطط بشكل أساسي
على الجهات الجنوبية والجنوبية الشرقية لتوسع المدينة المستقبلي،
خارطة(2) إن عملية التكامل الحضري الذي تمارسه المدينة بشكل كبير
بفعل عامل الدين جعلها بحاجة إلى تطوير تصميمها الأساسي الحالي
وإعداد مخططات جديدة تلبي حاجة المدينة المكانية والزمانية، إن
الشكل الذي اتخذته المدينة في عمليات توسعها الحالي هو الشكل
الشريطي الذي يحتاج إلى شبكة مخططة من الطرق لتامين اتصال جهاتها
المختلفة إيصال الخدمات لساكنيها بشكل مناسب.
2.العامل الديني وأثرة في تخطيط مركز المدينة
عادة ما تحتل ألاماكن الدينية في اغلب التراكيب الداخلية للمدن
العربية الإسلامية مركز المدينة لكونه يمثل قلبها النابض ومنطقة
الثقل السكاني والخدمي ويسيطر على اغلب المؤسسات ذات الصبغة
المركزية.
ونظراً للأهمية الكبيرة التي يحضى بها مركز المدينة التقليدي
بكونه المنطقة الأكثر ارتباطا بمجمل الفعاليات الاقتصادية من جانب
بالإضافة لكونها المنطقة الأقدم عمرا في المدينة إلى جانب اعتباره
نواة المدينة الأولى، كما تعد هذه المنطقة من أكثر المناطق ارتفاعا
بالأسعار ومن حيث التشييد وعدد الطوابق كما تشهد تزايد وظائفها
"المركزية" لذا يطلق عليها في العديد من الأحيان بمنطقة الخدمات
المركزية(11). ويمكن ملاحظة اثر العامل الديني في عملية
تخطيط استعمالات الأرض في مركز المدينة من خلال سيطرته على بقية
الاستعمالات الأخرى التجارية والسكنية والإدارية ويعني هذا في
المفهوم الاقتصادي عملية عرض وطلب للسلع والخدمات، لذا نجد التركز
الشديد للخدمات فيها بشكل واضح وتتصدر استعمالات الأرض فيه الخدمات
الفندقية "السياحية" المرتبطة بشكل وثيق بالأماكن الدينية إذ بلغ
عددها في مدينة كربلاء (245) فندقا سياحيا عام 2006 بالإضافة إلى
المحال التجارية ومخازن البضائع والسلع.
خارطة (1)
نمو مدينة كربلاء خارج أسوارها

المصدر: رشا مالك محمد، أثر تغير أنظمة مسارات الحركة في استعمالات
الأرض في المركز التقليدي لمدينة كربلاء، رسالة ماجستير، مركز
التخطيط الحضري والإقليمي، جامعة بغداد، (غير منشورة)، 2001، ص42.
خارطة (2)
خارطة مدينة كربلاء الموضوعة من قبل شركة دكسايدس المقترحة لغاية
عام 2000

المصدر: Doxiadis, The future of Kerbala,
Doxiadis Assaclates consuiting Engineers, Iraq, Minsitry of
planning, Development Board, 1958, p. 138.
والأسواق المسيطرة على أغلب شوارع المركز كشارع قبلة الحسين
وشارع العباس وشارع الإمام علي والمنطقة المتاخمة للمرقدين
الطاهرين والعديد من التفرعات والأزقة التجارية، احتل الاستعمال
التجاري مساحة من ارض المركز تقدر (28،2%)، شكل(2).
فيما شكل كل من الاستعمال الديني (7،7%) من ارض المركز، إن طبيعة
التركيب الداخلي لاستعمالات الأرض في مركز المدينة تأتي وفقا
لترتيب صيغ المنافسة وسعر الأرض والفعاليات الوظيفية(12).
أن عملية السيطرة التي يمارسها العامل الديني على بقية
الاستعمالات في ارض المركز تتأتى من كونه المحرك الرئيسي لهذه
النشاطات وتدل عملية الانجذاب الكلي لاستعمالات الأرض للدين مؤشرا
واضحا على صعوبة أجراء أي تغيير مكاني في ارض المركز الذي يلعب فيه
سعر الأرض وقيمتها الاقتصادية دورا ملحوظا، شكلت نسبة السكن (42%)
من ارض المركز والذي يضم (67608) نسمة شكلوا نسبة (14،8%) من سكان
المدينة الكلي يتوزعون على(9) إحياء سكنية هي العباسية الشرقية
والغربية وباب الطاق وباب النجف وباب بغداد وباب السلالمة وباب
طويريج والمخيم.
شكل (2)
نسب استعمالات الأرض الحضرية في المركز التقليدي لمدينة كربلاء
لعام 2006
المصدر: من عمل الباحث بالاعتماد على الدراسة الميدانية لعام 2006
.
إن الإجراءات التخطيطية المراد لها أن تجد طريقها لخدمة
المدينة، لابد إن تبدأ بالمنطقة المركزية لأهميتها البالغة كونها
المفصل الحيوي الذي تدور حوله جميع أنشطة المدينة وفعالياتها وهو
البداية الصحيحة لأي عملية تخطيطية ناجحة، إن الصورة التي ترسمها
استعمالات الأرض في المركز تعد مؤشرا ينم على السيادة المطلقة
للاستعمال الديني على بقية الاستعمالات رغم صغر مساحته وهذا يحتم
على المخطط أن يعطي للاستعمالات المرافقة (المكملة) توزيعا مكانيا
مناسبا ينسجم ومتطلبات السكان المحليين وحركة السياحة الدينية التي
تشهدها المنطقة بشكل عام.
ثانيا: تخطيط الكثافات السكانية ومستقبل النمو السكاني
يعد مفهوم الكثافات السكانية (population
density)
أو ما يسمى بالاكتظاظ السكاني من ابرز المفاهيم التخطيطية التي
لفتت أنظار الجغرافيين والمخططين على حدا سواء، ويقصد بالكثافة
السكانية نسبة عدد السكان إلى المساحة التي يعيشون عليها(13).
ويزداد سكان المدن الدينية بشكل عام زيادة سكانية تفوق معدلاتها في
المدن الأخرى بفعل عامل الهجرة وزيادة نسبة المهاجرين، إذ بلغ عدد
سكان مدينة كربلاء (454726) نسمة لعام 2005(14). وبمعدل
نمو سكاني بلغ لعامي (1997 - 2005) نسبة (4،2%) وبذلك بلغت نسبة
السكان الحضريين (65%) من سكان المحافظة لعام 2005 شكل سكان مدينة
كربلاء الحضريين منهم (82،4%) وهذه النسبة المرتفعة في معدلات
السكان الحضريين أدت إلى ارتفـاع معـدل الكثافــات السكانيــة
العامـة في المدينة ليصــل إلى (85،4 شخص/ هكتار) إذا ما علمنا بان
مساحة المدينة بلغت (5322 هكتارا) يتوزع سكان المدينة فيها على
ثلاثة قطاعات سكنية تضم (57) حيا، جدول(1) وخارطة(3).
جدول(1)
القطاعات السكنية الرئيسية وعدد أحيائها في مدينة كربلاء لعام 2005
|
القطاع السكاني |
عدد الأحياء |
عدد السكان |
% |
المساحة/ هكتار |
|
المدينة القديمة |
9 |
67608 |
8.14 |
497 |
|
الحيدري |
31 |
282970 |
62.3 |
2752 |
|
الجزيرة |
17 |
104148 |
22.9 |
2073 |
|
المجموع |
57 |
454726 |
100 |
5322 |
المصدر: مديرية بلدية كربلاء، خارطة القطاعات السكنية، قسم تصميم
الخرائط، لعام 2005
إن أهم القضايا الناجمة عن الزيادة السريعة لسكان مدينة كربلاء
وإثرها على إبعاد التنمية والتخطيط السكاني مشاكل عدة أهمها:
1.زيادة الهجرة الداخلية
شهدت مدينة كربلاء ومنذ نهاية سبعينات القرن الماضي هجرة
وافدة من مختلف جهات القطر نتيجة عاملين أساسيين هما الديني
والاقتصادي(15). حتى بلغ عدد المهاجرين للمدينة عام
1997 (118336) نسمة شكلوا نسبة (15،4%) من معدل الهجرة الداخلية
للقطر لنفس العام شكل (3).
خارطة ( 3 )
القطاعات السكنية الرئيسة في مدينة كربلاء لعام 2006

المصدر: مديرية بلدية كربلاء، قسم الخرائط، قطاعات المدينة السكنية
لعام 2006
شكل
(3)
السكان
المهاجرين إلى مدينة كربلاء لعام 1997.

المصدر: هيئة التخطيط الإقليمي، الجهاز المركزي للإحصاء، نتائج
التعداد العام للسكان، محافظة كربلاء، جدول (46).
إذ بلغ معدل صافي الهجرة للمدينة (+1102) ألف شخص لعام 1997وهو
معدل مرتفع قياسا لمعدل صافي الهجرة لمدينة الحلة (+759) والنجف
(+360) والديوانية البالغ (-3149)(16).
أدت هذه الزيادة إلى خلق مشكلات أهمها زيادة معدل أزمة السكن
بشكل كبير فضلا عن زيادة في معدلات البطالة بالإضافة إلى مشكلات
متعلقة بالجوانب الاقتصادية من أهمها مشكلة العجز السكني(*).
إذ بلغت نسبة عجز المدينة من الوحدات السكنية لعام 1997 (8662)
وحدة سكنية بنسبة عجز سكني بلغ (21،4%).(17) فضلا عن
توفر الظروف البيئية غير الصحية المرافقة لهذه المشكلة.
2.الخلل في التوزيع الجغرافي للسكان
من ابرز المشكلات المصاحبة للزيادة السكانية كنتيجة مباشرة هو
تركيز السكان في مساحات عمرانية محدودة، الأمر الذي يؤدي إلى
ارتفاع معدل الكثافة السكانية العامة، لذا يحصل هذا النوع من الخلل
في عملية التوزيع المكاني للكثافات والذي يخلق خللا مباشرا في
توزيع الخدمات "services"
بأنواعها المجتمعية والعامة مما يؤدي إلى صعوبة حصول الفرد على
المقدار لائق من الخدمات(18)، وتختلف الكثافة العامة في
المدينة من قطاع سكني لأخر بحسب العديد من المؤشرات الحضرية، لعل
من أبرزها قدم المحلة السكنية ومعدل قربها من مراكز تقديم الخدمات
بالإضافة إلى توفر شبكة مناسبة من الطرق فضلا عن معدل مسافة الوصول
إلى مركز المدينة، بلغ معدل الكثافة السكانية في قطاع المدينة
القديمة (136 شخص/هكتار) و(102 شخص/هكتار) في قطاع الحيدريه و(50،2
شخص/هكتار) في قطاع الجزيرة، فيما بلغت الكثافة العامة في المدينة
(85،4 شخص/هكتار)، خارطة(4).
ويعطي هذا التوزيع المكاني للكثافات السكانية دلالات عدة أهمها
الخلل الملحوظ في توزيع منظومة الخدمات على السكان الذي يؤثر بشكل
مباشر في عملية التنمية إلى جانب انعكاسه السلبي على عملية تخطيط
القوى العاملة في المدينة وتوزيعها النسبي(19).
3. الخلل في توزيع الخدمات على السكان
ينتج من التوزيع العادل للخدمات على السكان فوائد جمة للفرد
والمجتمع داخل المدينة إذ يوفر بيئة سكنية صحية تنعكس أثارها على
مختلف نشاطات الإنسان وحيويته مما يؤدي إلى زيادة إنتاجه وتحقيق
رغباته(20). إذ تنقسم خدمات المدينة إلى نوعين، الأولى
إنتاجية خدمات سكانية موجهة بشكل مباشر لخدمة سكان القطاع السكني
أو على مستوى الحي السكني وأخرى إنتاجية موجهة لخدمة المؤسسات
الإنتاجية ضمن أو حول القطاع مثل خدمات الطرق وإمدادات الكهرباء
والماء الصالح للشرب وغيرها، ويمكن تحديد مفهوم الخدمات جغرافيا
"بأنها مجموعة من السلع الاستهلاكية موجهة بشكل مباشر لإشباع حاجات
ورغبات السكان حسب أذواقهم وطلباتهم وقد تكون مادية أو غير مادية"(21).
وتعد المدينة مركزا مهما لتقديم الخدمات لسكانها من جانب وسكان
الأقاليم من جانب آخر، فلولا وجود الخدمات فيها لما أصبحت منطقة
ملائمة للسكن، تقدم مدينة كربلاء منظومة مختلفة من الخدمات تأتي في
مقدمتها الخدمات الدينية مما جعل منها مكاناً مهماً لتركز الخدمات
"concentration
services"
إن سوء التوزيع المكاني للسكان افرز تباينا واضحا في عدم كفاءة
توزيع هذه الخدمات على السكان بالشكل الصحيح وتحديدا عندما توجد
هناك أحياءا تعاني من نقص كبير في حجم الخدمات المقدمة وتظهر هذه
الحالة في إحياء العامل والعروبة والعسكري والبناء الجاهز وغيرها
من الأحياء المكتظة بالسكان، بالإضافة إلى ظهور تجمعات سكانية غير
صحية فاقدة لأبسط مقومات الحياة الحضرية وتظهر مثل هذه ألاماكن
نتيجة للزيادة السكانية وارتفاع سعر الأرض ويتمثل هذا النوع من
الأحياء في أحياء الجاير والبهادلية في الجهة الشرقية من المدينة
والحي الصناعي في الجهات الجنوبية الشرقية وتشكل هذه ألاماكن شبكة
من الأحياء الفقيرة تشبه في حياتها بما يعرف بمدن الصفيح التي تبرز
بشكل كبير في اغلب مدن العراق الدينية.
خارطة ( 4 )
الكثافة السكانية العامة لمدينة كربلاء لعام 2006م
المصدر
: 1- من عمل الباحث بالاعتماد على وزارة التخطيط، الجهاز المركزي
للإحصاء، نتائج التعداد العام لسكان محافظة كربلاء لعام 1997. 2-
الدراسة الميدانية لعام 2006.
ومن هنا يتضح بان السيطرة على الزيادة السكانية أولا وتوزيع
الكثافات السكانية بالطريقة التي تحقق للفرد الحصول على القدر
اللائق من الخدمات الأساسية ثانيا أمران في غاية الأهمية يجب
أخذهما في جميع الإجراءات التخطيطية الآنية والمستقبلية.
4. مستقبل النمو السكاني لمدينة كربلاء
سوف يضل نمو السكان في العالم محط خلاف وجدل واسع بين
الأيدلوجيات المؤيدة والمناهضة له وسيبقى مفهومي النظرية
المالثوسية القديم والمعاصر تنظر للنمو السكاني والعلاقة السببية
بين العوامل السكانية والعوامل الاقتصادية نظرة تشاؤمية منذ 1798
وحتى يومنا هذا معتبرتا متغير السكان متغيرا مستقل والإنتاج
الاقتصادي ومردوداته متغيرات تابعة في قراءة تحليل العلاقة بينهما،
تقابلها أطروحة التفاؤل التي ينادي بها تيار المتفائلون في النظر
إلى النمو السكاني المتزايد ومتفائلين في تحليل العلاقة السببية
تحليلا مغايرا للتحليل المالثوسي(22).
إلا إن ظاهرة النمو السكاني في غالبية الدول النامية تدعو
للقلق فعلا، وهذا القلق متأتي من الارتفاع في معدلات السكان في ظل
اقتصاديات تتسم بالكساد والركود الاقتصادي النسبي، لذا تبلورت
المشكلة الحقيقية بين السكان القادرون على العمل "النشطين
اقتصاديا" وبين السكان العاملين فعلا وبعبارة أخرى حجم الفجوة
الفعلية بين الفعالية الديموغرافية والفعالية الاقتصادية، إن
المصدر الأساسي للزيادة السكانية في مدينة كربلاء هي الهجرة
الدينية الوافدة والتي وضحناها سلفا، والتي تلعب دورا مباشرا في
زيادة سكان المدينة، ويبقى عامل زيادة السكان في المدينة عامل قلق
مستمر مرهونا بعامل التخطيط السكاني فإذا ما حصل هناك تخطيطا
سكانيا وعمرانيا كتنمية وتطوير مراكز حضرية جديدة وبالخصوص في جهات
المدينة الجنوبية والغربية تلبي حاجة السياسة السكانية للمدينة،
وبخلافه تبقى المسالة مصدر قلق مستمر وعاملا رئيسيا من عوامل
التخطيط، إن عملية استشراف الحجم السكاني المستقبلي للمدينة أو
الإقليم يعد مؤشراً ديموغرافيا في غاية الأهمية فمن خلاله يتمكن
المخطط من كشف خصائص السكان ومعرفة متطلباتهم الاقتصادية
والاجتماعية والخدمية بالشكل الذي لا يخلق إرباكا في قدرات الدولة
وإمكانياتها الاقتصادية(23). ومن خلال جدول(2) يتضح
طبيعة الزيادة السكانية المتوقعة للمدينة حتى عام (2017).
جدول (2)
تقديرات سكان مدينة كربلاء لغاية عام 2017
|
عدد السكان المتوقع |
السنة |
السنة |
عدد السكان
المتوقع |
|
471152 |
2006 |
2012 |
569707 |
|
487578 |
2007 |
2013 |
586134 |
|
504004 |
2008 |
2014 |
602560 |
|
520430 |
2009 |
2015 |
618986 |
|
536856 |
2010 |
2016 |
635412 |
|
553282 |
2011 |
2017 |
651838 |
المصدر: من عمل الباحث بالاعتماد على معادلة المتوالية الهندسية.
حيث سيصل عدد سكان المدينة عام 2017م إلى (651838) نسمة(**)
وهذه الزيادة التي لم تؤخذ بعين الاعتبار معدلات الهجرة السكانية
الوافدة للمدينة سوف تفوق عدد سكان المدينة الحالي بزيادة نسبتها
(30،2%) وهذا الحجم السكاني المستقبلي بحاجة كبيرة إلى خدمات عامة
ومجتمعية(***)
بالشكل الذي يتلاءم مع الحجم السكاني المتوقع.
ثالثا: تنمية السياحة الدينية
أضحت حركة السياحة الدينية في الآونة الأخيرة ظاهرة دولية ضخمة
ترتبط ارتباطا وثيقا بمعدل تقدم الإنسان وقدرته على استغلال وقت
فراغه لزيادة إنتاجه وبما يعود عليه بالتقدم والرخاء فضلا عن
اعتبارها معيارا مهما لتقدم العلاقات الدولية في كافة نواحي الحياة
الاقتصادية والاجتماعية بالإضافة لكونها توفر مقدارا من التفاعل
بين الشعوب والحضارات وتبادل المعرفة وتحقيق التسامح، وإشاعة مفهوم
السلام العالمي، وتعد السياحة من ابرز القطاعات الحيوية الداخلة في
برامج التنمية القومية لكثير من بلدان العالم.
فقد ساهم قطاع السياحة بأشكالها المختلفة بما مقداره (10%) من
إجمالي الناتج العالمي أي ما يعادل3.4 تريليون دولار تقريبا نهاية
القرن العشرين وتحديدا عام 1995، كما وفر ما يقارب (7%) من الوظائف
المحلية وكذلك اتسعت مشاركته بحوالي (7) تريليون دولار في استثمار
البنية الأساسية المرتبطة بصناعة السياحة والسفر العالمي(24).
ويكاد يتفق الكثير من الباحثين على مفهوم السياحة (بأنها مجموعة من
الظواهر والعلاقات التي تنشأ نتيجة السفر أو إقامة الشخص بصورة
مؤقتة بحيث لا تتحول إلى إقامة دائمة أو ترتبط بعمل مأجور)(25).
إما ما يخص مفهوم السياحة الدينية "relegional
tourlsm"
فهي أهم أنواع السياحة في نظر الكثير كونها تقوم بنقل السائحين من
أماكن أقامتهم إلى أماكن مختلفة للقيام بزيارات ورحلات دينية داخل
وخارج الدولة ولفترات محدودة من الوقت(26). لقد بات
مفهوم السياحة الدينية كمورد اقتصادي يدعم البنية الاقتصادية
العراقية من خلال ما يوفره من وفورات وعملات اقتصادية صعبة أمرا لا
يتعدى الأطر النظرية فقط ولم يدخل حيز التنفيذ في سياسة الدولة
الاقتصادية بشكل فعال لحد ألان لتأهيل موارد القطر البشرية
والحضارية والشروع الحقيقي في تنمية واستغلال هذا المفصل الحيوي
الهام، فالعراق موطن الثقافات الدينية المتنوعة وبالخصوص الثقافة
العربية الإسلامية ويعد من ابرز أقطاب المراكز الإسلامية في
العالم، فمدينة كربلاء بإرثها الديني والإنساني الخالد تشهد حركة
سياحية واسعة النطاق على مختلف مواسم السنة وتستقبل مئات الآلاف من
الوافدين والسواح الدينيين من مختلف بقاع العالم الإسلامي وغيره،
لزيارة عتباتها الدينية وأماكنها الأثرية والسياحية وفقا لمناسبات
دينية تختلف من حيث الأهمية وعدد الزوار.