التعلم المسند بالدماغ

         (Brain Based Learning)

نموذج لتداخل التربية في علم النفس

 

   أ.د.عامر إبراهيم علوان*

     إن السؤال المطلوب من التربية الإجابة عليه حاليا _ والذي قد يحدد مستقبل التربية_ يتمثل في ما الذي يستلزم لتوظيف الدماغ البشري بشكل امثل؟ وكثيرا ما يقال ومنذ عدة سنوات بإمكانية تطوير الدماغ ووظائفه، ومع هذا الفهم المحدود لكيفية عمل الدماغ والشروط اللازمة لتفعيل وظائفه فان 80% من معرفتنا وفهمنا للدماغ وكيف يتعلم اشتقت من التطورات الحاصلة في العلوم البيولوجية وعلم الأعصاب والعلوم المعرفية خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة. ومن التوصيف البيولوجي (biological perspective) نفهم الآن لماذا العقل البشري، والذي وصل حاليا إلى الذروة في مستوى العمليات منذ (30) إلى (60) ألف سنة مضت. وقد تطور نشوئيا_ سبحان الله أحسن الخالقين_ بطريقة ما تمكنه من الاستجابة لتحدي البقاء في بيئة متعددة الحواس تتطلب من الكائنات البشرية مستوى مضاعفا ومعقدا من الاستجابة والفاعلية.ومن علم الأعصاب والتطور الحاصل في التكنولوجيا الطبية كسبنا فهما للخصائص الفيزياوية للدماغ نزولا إلى المستوى الخلوي (cellular level)، ودلالة هذا الفهم في توظيف الدماغ والسلوك البشري. وقد وفر الاتصال عبر هذه المواضيع نموذجا لتداخل المعرفة وتمازجها والمهارة والفهم، مما شكل ذلك تحديا للمؤسسات التربوية، سواء على مستوى المنافسة أو المشاركة أو بشكل حاسم مستقبل التعلم الإنساني. وقد أنتج كل ذلك رؤية واضحة لما يحدث في الدماغ في الموقف ألتعلمي والظروف المثالية للتعلم الفاعل والتفكير ومنذ ما يقارب من (2000) سنة كان هناك نموذجا بسيطا أوليا لكيفية عمل الدماغ.وفي بداية القرن العشرين تم مقارنة الدماغ بمدينة للوحات المفاتيح (switch board). وفي السبعينات من القرن العشرين تم التحدث عن نصفي الدماغ الأيسر والأيمن. وبعدها ظهر مفهوم الدماغ ثلاثي التركيب (البنية) (Triune brain) (ابتكر هذا المصطلح باول ماكلين Paul Macclean فيما يتصل بنمو الأجزاء الثلاثة للدماغ البشري). إذ افترض ماكلين في نظريته هذه أن تعلم البقاء (survival learning) في الدماغ الأسفل (lower brain) ؛والعواطف في الدماغ الأوسط (mid brain). وتحدث مهارات التفكير العليا في الدماغ الأعلى (upper brain). وحاليا هنالك الأنظمة الشاملة حيث نموذج الدماغ المعقد (complex brain model). وفي العقدين الآخرين من القرن العشرين أجرى علماء الأعصاب العديد من الأبحاث التي أمكن استخدامها لتطوير التدريبات التعليمية، واعتمد علماء الأعصاب على المعلومات المستندة إلى علم التشريح والتجارب ومختلف تقنيات المسح والتصوير والرنين المغناطيسي مثل (EEGS,MRIs,PET) فضلا عن أن اغلب بحوث الدماغ المخبرية في علم الأعصاب. ويمكن النظر إلى الدماغ على أنه مكون من ثلاثة أجزاء أساسية (ثلاثة أدمغة)، الأعلى أو الطبقة الخارجية (outer layer) للدماغ هي القشرة الخارجية (cerebella cortex)، وهي الجزء من الدماغ المسؤول عن قدرتنا في التفكير والتحدث والسبب من التصرف بغرض. وهو مكان الذكاء العالي والمرتفع الذي يميز الكائن البشري بما فيها الحدس_ وربما التفكير ألابتكاري على أبعد تقدير_ والجزء الوسطي (الطرفي) (limbic) والذي يمارس تأثيرا على تعلمنا، والاستجابة للمعلومات المستلمة عن طريق الحواس الخمسة. والجزء الثالث هو الدماغ العاطفي (emotional brain) الذي يقرر فيما إذا كانت المعلومات المستلمة ذات قيمة أم لا.ولا يهتم الدماغ بأي شيء يعتبره غير واضح أو مملا أو باهت العواطف. ويسيطر الدماغ (اللمبي) على العديد من استجاباتنا الفسيولوجية وعواطفنا والعناصر ذات الدلالة في ذاكرتنا وقدرتنا على التعلم. وقد أجرى علماء الأعصاب دراسات إكلينيكية شملت فاقدي البصر كليا باتجاهات مختلفة شملت أعمارا مختلفة وبشر من بيئات ثقافية متعددة ليجمعوا معلومات تتصف بالصدق والثبات. وهذه المعلومات ساعدت في تحديد كيف يحدث بشكل حقيقي التعلم الإنساني. وجوهر الموضوع أن العلماء اهتموا بهذه المعلومات باعتبار الدماغ (صندوق اسود) لكي يحددوا كيف يمكن للدماغ معالجة المعلومات واسترجاعها. ومهدت التكنولوجيا المستخدمة في الأدوية السبيل إلى العديد من الابتكارات التعليمية الجديدة.ويتوقف الدماغ عن التعلم بالتهديد والوعيد، وتتطور وظائفه بفاعلية أكثر عندما يكون هناك موقف تحدي ملائم ومريح وبيئة آمنة تدفع باتجاه مزيد من التعلم يثاب الفرد فيها ويسلم من النقد الجارح والعقاب. وتتوفر للمخ حينذاك الفرصة لمعالجة مدخلات حسية متعددة في وقت واحد وعلى مختلف المستويات من الوعي. وهذا يعني إن بيئة التعلم والخبرات يجب الوثوق بها قدر الإمكان: حياة حقيقية ونشطة وحواس متعددة وشاملة تتناغم فيها الرغبات والحاجات العاطفية للمتعلمين.  وهناك الكثير من نتائج البحوث في علم الأعصاب والعلوم المعرفية تدعمها وتعززها البحوث التجريبية في التطور المدرسي في عدد من دول العالم، وللتدريسيين كمتخصصين ذوي خبرة الذين يجب أن يشجعوا على التدريب والتدرب لمواجهة التحدي في تنظيم وتطوير مهارات تعزيز التعلم (بالمخ الكلي الشامل) بفاعلية.وافترض جيرارد ادلمان (Gerald Edelman) الحائز على جائزة نوبل في بيولوجية الأعصاب أن هنالك غابة داخل رؤوسنا ،فضلا عن مقارنته بين أدمغتنا وبين النسيج الشبكي (web) المكثف لعلاقات تشابكية عصبية مترابطة. ويوفر لنا افتراضه الاستدلالي هذا روية أحيانا تكون مربكة عن البحوث في كيفية عمل الدماغ وعلاقته بنظرية التعلم.وبعضنا يستخدم شبكة المعلومات العالمية (الانترنيت) ويذهل على ما يبدو لعدد الارتباطات اللانهائية التي بالإمكان عملها. ويتفوق الدماغ على الانترنيت في عدد التشابكات الارتباطية التي يمكن أن يعملها لتصل إلى أرقام فلكية (ضخمة بشكل هائل). والدماغ النموذجي. المثالي) (Typical) يمتلك (100) بليون خلية عصبية، وكل خلية عصبية (Neuron) لها (10) إلى (10000) من التشابكات العصبية بينها وبين الخلايا العصبية الأخرى. ويقول ادلمان بان تعقيد وضخامة التشابكات العصبية في الدماغ فوق العادية(extra ordinary). وتنشر أدمغتنا بسرعة عدداً من الشبكات التي تتوافق بعضها مع البعض الأخر (الاتصال المتبادل). وأدمغتنا تعالج كل المعلومات الداخلة من خلال هذه الشبكات العصبية، وكل معلومة يتم خزنها تؤثر على كيف وماذا نتعلم. والدماغ البشري منظم جيدا وهو بثلاث باونات من المادة في كون معروف (known universe)، ذلك ما قاله التربوي روبرت سلويستر (Robert Sylwester) في كتابه" احتفالية الخل