طروحة دكتوراه/ تمت مناقشتها في كلية العلوم السياسية/جامعة النهرين، بتاريخ 22/ 8 /2005 .

 

مستقبل الأمن الاقتصادي العربي في ضوء المتغيرات الإقليمية الراهنة

 

 

مربع نص:  

 

    حصل السيد احمد باهض تقي مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية على درجة الدكتوراه في العلاقات الاقتصادية الدولية وذلك عن أطروحته الموسومة (مستقبل الأمن الاقتصادي العربي في ضوء المتغيرات الإقليمية الراهنة) ولأهمية هذه الأطروحة فقد ارتأينا أن نضع أمام الباحثين والمهتمين ملخصا لها:

 

    في خضم ظروف غاية في الأهمية، وبالغة الدقة، يمر بها العالم العربي والعراق تحديداً، في مرحلة يمكن القول عنها مرحلة تاريخية في كل متغيراتها، ستنعكس أن لم تكن قد انعكست على مجمل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية، وبالتالي فإن الفكر أي فكر كان، عندما يتصدى إلى قضايا حساسة فإن آليات التصدي وآليات التحليل سوف تكون نابعة من تلك البيئة الوليدة من رحم تلك الظروف .

تواجه البلدان العربية اليوم تحديات خطيرة تهدد الوجود العربي بأكمله، بعد أن واجهت تحديات الأمس بسبل وآليات ضعيفة، وبين الأمس

واليوم كان العرب بأنظمتهم السياسية المتباينة غير منظمين في المواجهة، فاختلفت بذلك آليات وسبل المواجهة، وبالمقابل كانت هناك علامات مضيئة لكنها سرعان ما تنطفئ في مسيرة عربية جاوزت النصف قرن، رافقها جهود وقرارات كان نصيبها رفوف وخزائن المؤسسات العربية .

 

    ومن هنا برزت أهمية التصدي لموضوع ناقش البعض قليل من مكوناته الاقتصادية الفرعية وأهمل إلى حد كبير في أركانه الأساسية ألا وهو الأمن الاقتصادي، كما لم يتم الربط بين هذا الموضوع متعدد الجوانب وبين المتغيرات غير الاقتصادية من قبل، ولذلك فانه محاولة من الباحث للربط بين المتغيرات ذات الأهمية كالمتغيرات السياسية والمتغيرات العلمية والتقنية وبين الأمن الاقتصادي، ويأتي هذا الربط كنتيجة طبيعية للتطورات التي شهدها العالم في العقدين الأخيرين، والتي جعلت التداخل كبيراً جداً بين المتغيرات المختلفة مع بروز دور العامل الاقتصادي.

 

    بدءاً فقد افترضت الدراسة فرضية في غاية البساطة إلاّ إن مدلولاتها كبيرة ألا وهي (إن تردي المؤشرات التي تعبر عن المتغيرات المؤثرة في الأمن الاقتصادي العربي سيعمل على تقويض الأمن الاقتصادي العربي في ظل متغيرات إقليمية لا تعمل في صالح تعزيز ذلك الأمن) .

كما إن الدراسة سعت إلى تحقيق عدد من الأهداف من خلال استخدامها لمناهج متنوعة في البحث إذ تم استخدام المنهج الوصفي، ومنهج التحليل النظمي، والمنهج ألاستشرافي الاحتمالي .

وتوزعت تلك المناهج على فصول الأطروحة لتحقيق تلك الأهداف، فالأطروحة بمجملها تكونت من خمسة فصول فضلا عن مقدمة وخاتمة واستنتاجات وتوصيات.

 

    حاول الباحث في الفصل الأول وضع إطار نظري يمكن العمل من خلاله وصولا إلى تحديد مفهوم شامل وواضح للأمن الاقتصادي العربي، لذلك تمت مناقشة تطور مفهوم الأمن بشكل عام والأمن القومي ومدى اقتراب حلقتي الأمن القومي والأمن الاقتصادي من بعضهما في ظل التطورات الاقتصادية العالمية والثورة التكنولوجية الحديثة .

 

    كما تمت مناقشة البيئة الاقتصادية الدولية من خلال الجهد الدولي الذي سعى إلى إقرار مفهوم الأمن الاقتصادي في العلاقات الاقتصادية الدولية لتعطي انطباعاً في أية بيئة عمل العرب في سعيهم لتعزيز الأمن الاقتصادي في البلدان العربية أجمع .

أما الفصل الثاني فهو يأتي محاولة يراها الباحث مهمة جداً لربط المتغيرات السياسية البارزة في عالم اليوم بموضوع الأمن الاقتصادي لكونه لا يتحدد فقط بالمتغيرات الاقتصادية، فكانت هناك مجموعة من المتغيرات السياسية مثل إدارة الحكم وحقوق الإنسان والحركات السياسية والمدنية والمشاركة السياسية، تلك المتغيرات التي انبئتنا عن واقع سياسي جلّه متردي إلى حد بعيد في اغلب مؤشراته .

ولذلك فإن ما متوقع من تعزيز وترصين وتأثير إيجابي لتلك المتغيرات السياسية في الأمن الاقتصادي العربي بشكل عام كان في حقيقته سلبياً .

 

    أما المتغيرات الاقتصادية فلم تكن بأحسن حال من المتغيرات السياسية لذلك جاءت أغلب مؤشراتها لتعبر عن الواقع الاقتصادي العربي المتنافر والمتباين والمفكك ذلك الواقع الذي يرتبط بصورة قوية في المحيط الاقتصادي الدولي، ونراه متقطع الأوصال مع محيطه الاقتصادي العربي، فضلاً عن أن التحديات فيه خطيرة، فالاستثمارات والأموال العربية تهرب إلى خارج البلدان العربية والاستثمار الأجنبي متردد في الدخول إلى البلدان العربية، والتجارة العربية البينية ضعيفة لا تتجاوز 10% في اغلب السنوات.

كما إن تهديدات المياه والغذاء كبيرة ومركبة ومعقدة فضلاً عن أن التحليلات الشمولية للمتغيرات الإقتصادية الرئيسية تؤكد على عمق المشكلات المتأصلة والمزمنة في الاقتصاد العربي.

 

    وهناك حقيقة أكدت عليها الدراسة ألا وهي الارتباط الكبير بين العوائد النفطية والاقتصاد العربي بمجمله، فالبلدان العربية تعيش مفارقة كبيرة من خلال انقسامها إلى بلدان نفطية وأخرى غير نفطية، وما لذلك من انعكاسات كبيرة.

 

     أما الفصل الرابع فقد تناول المتغيرات العلمية والتقنية ومدى علاقتها بالأمن الاقتصادي، وقد تم انتقاء عدد من المؤشرات التي توضح تلك العلاقة لكي تعبر وبشكل جلي عن الواقع العلمي والتقني العربي الذي هو ركن أساس ومتطلب حيوي من متطلبات تعزيز الأمن الاقتصادي، فكانت النتائج متردية في أهم حلقات الواقع العلمي والتقني ألا وهو البحث والتطوير، وجاءت البلدان العربية في المواقع الخلفية بين بلدان العالم في هذا المجال، كذلك الهجرة الكبيرة والمستمرة للكفاءات العلمية العربية إلى خارج البلدان العربية وما لذلك من نتائج سلبية في هدر الإمكانات، كذلك فإن المؤشرات الأخرى قد عبرت عن ذلك الواقع الذي لم يكن حتى ضمن الحدود المقبولة بين حتى البلدان النامية.

 

    أما الفصل الخامس، فقد تناول المتغيرات الإقليمية ومدى انعكاسها على الأمن الاقتصادي العربي، وقد تم اختيار متغيرين يراهما الباحث في غاية الأهمية في عصرنا الراهن، الأول المتغير العراقي الذي برز بشكل واضح وجلي منذ عام 1990 حتى حصل الاحتلال الأمريكي للعراق في نيسان 2003 وما لذلك الاحتلال من تداعيات على الوضع في العراق والبلدان العربية، وقد حاول الباحث رصد تلك التداعيات والانعكاسات لهذا المتغير على الأمن الاقتصادي العربي باعتبار إن العراق ومنذ أكثر من نصف قرن كان عضواً فعالاً في العمل العربي المشترك.

 

    أما المتغير الثاني فقد كان العمل الاقتصادي العربي المشترك الذي وصل إلى طرق مسدودة في العقد الأخير من القرن العشرين ولم يتبقى منه على الأغلب سوى منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى التي جاءت كرد فعل للشعور بالمخاطر الجسيمة التي تواجهها البلدان العربية أجمع أمام التطورات الاقتصادية العالمية التي اجتاحت العالم وقد تناولت الدراسة انعكاسات تلك المتغيرات على الأمن الاقتصادي العربي، وهل إن الجهود العربية في إطار العمل الاقتصادي العربي المشترك قد أفضت إلى تعزيز ذلك الأمن .

 

    وقدمت الدراسة ثلاثة رؤى مستقبلية يرى الباحث إن في إحداها سوف يكون المشهد المستقبلي للأمن الاقتصادي العربي،الأول هو مشهد الاستمرارية وهو استمرار الاختراق والانكشاف في الأمن الاقتصادي العربي في ضوء استمرار الأوضاع الراهنة.

 

    أما المشهد الثاني وهو تعمق الاختراق والانكشاف في ضوء ازدياد تدهور الأوضاع الراهنة.

 

    أما المشهد الثالث فهو مشروع الاستقلالية عبر بناء المشروع العربي القائم على التعاون بين البلدان العربية.

ولعل أهم نتيجة توصلت إليها الدراسة هي إن المشكلة ليس في عدم توفر الإمكانات العربية أو نقصها وإنما المشكلة تكمن في عدم القدرة في توظيف تلك الإمكانات والسبب هو تخلف الأنظمة السياسية العربية وجمودها فضلاً عن الاستبداد الذي تمارسه تجاه مجتمعاتها مما خلق شعوراً بالإحباط وقتل الإبداع والحريات في عالم يتجه بسرعة نحو تعزيز الممارسات الديمقراطية وفي كافة المجالات .

 

 

رسالة ماجستير/ تمت مناقشتها في كلية الإدارة والاقتصاد جامعة كربلاء. تقدم بها الباحث محمد حسن علي الزويني.

 

 واقع وآفاق السياحة الدينية  في محافظة كربلاء

                                                        

    لم تعد السياحة مسألة ثانوية أو ترف كما يتصورها البعض، بل هي ضرورة وظاهرة إنسانية وحاجة اجتماعية في ضوء تعقد ظروف الحياة.

فقد كانت السياحة مورداً أساسياً تعتمد عليه الدول في بناء اقتصادياتها من خلال زيادة الدخل القومي وزيادة متوسط نصيب الفرد وزيادة الاستخدام.

 

    فالسياحة الدينية التي هي جزء من السياحة بمفهومها العام تحتل منزلة في نفوس البشر لإشباع حاجاتهم الروحية إذ كان الدفع الرئيسي لقيام الأشخاص بزيارة الأماكن المقدسة التي ساهمت بتنمية هذه المواقع وبالتالي تطور المدن التي تحتضنها، فالعراق يعد بلداً سياحياً يفتخر باحتفاظه بمزايا السياحة الدينية الإسلامية لاحتوائه على الأماكن المقدسة في النجف الأشرف وكربلاء وبغداد وسامراء ولما هذه المواقع من عشق روحي في نفـوس المسلمـين

 

    ولما يمكن أن تلعب هذه الأماكن في زيادة النشاط السياحي الديني الذي يؤدي بالتالي دوراً إيجابياً فاعلاً في التنمية الاقتصادية في العراق.

 

    لقد حددت مشكلة البحث بامتلاك العراق لمقومات الاستثمار السياحي من إمكانيات سياحية وإمكانيات مادية تمويلية، إلا أنه هناك فجوة بين هذه الإمكانيات وواقع الاستثمار في السياحة الدينية في محافظة كربلاء.

ولقد اعتمدت الرسالة على فرضية مفادها إن محافظة كربلاء تمتلك إمكانات متقدمة يمكن أن تكون مركزاً متميزاً للسياحة الدينية إذا ما تم استثمار تلك الإمكانات وتوفير مستلزمات العرض السياحي.

 

    كما حددت جملة أهداف للبحث منها التعرف على الاستثمارات السياحية في العراق والتعرف على الاستثمارات السياحية الدينية في محافظة كربلاء ودراسة واقع العرض وطبيعته والطلب السياحي لهذه المدينة المقدسة وتحليل دالة الاستثمار السياحي من خلال العوامل المؤثرة فيه وقياس توجهات السائحين الوافدين وتوجهات رجال الأعمال المستثمرين عن طريق دراسة استبيانية.

ولقد استخدم الباحث في منهجيته البحثية أساليب متنوعة للوصول على أفضل النتائج، فقد استخدم الأسلوب الوصفي والتحليلي والاستنباطي لتحديد الدور الاقتصادي لصناعة السياحة في العراق عموما ً وكربلاء بالخصوص.

كذلك استخدمنا الأسلوب الكمي في أغلب الجوانب النظرية والتطبيقية لأنه في أغلب الأحيان يكون أكثر إقناع للقارئ.

واستعان الباحث بدراسة استبيانيه لعينة من رجال الأعمال المستثمرين وعينة أخرى من السائحين من جنسيات مختلفة ليتناغم مع الصيغ الرقمية.

 

    أما هيكلية الرسالة فقد احتوت على أربعة فصول ناقش الفصل الأول منها ثلاث مباحث الأول منها كان عن أساسيات السياحة والثاني عن الاستثمار ومفاهيمه والمبحث الثالث عن الاستثمار السياحي ومجالاته.

أما الفصل الثاني فاشتمل على ثلاث مباحث تضمن الأول منها تحليلا ً لأنواع الاستثمارات السياحية في العراق (الحكومي والخاص والمختلط للمدة من 1980 -2000).

 

    في حين تناول المبحث الثاني مقومات الاستثمار ومعوقاته كذلك ركز المبحث الثالث على تحليل الآثار الاقتصادية للنشاط السياحي في العراق على الناتج المحلي وميزان المدفوعات ومستوى الاستخدام وتطور أعداد العاملين للمدة من 1990 ـ 2000.

أما الفصل الثالث فقد تناول ثلاثة مباحث كان الأول منها متضمناً نبذة تاريخية عن كربلاء وتاريخ السياحة الدينية وأسباب العرض السياحي الديني وما تحويه كربلاء من آثار في ذاكرة المستشرقين في حين تناول المبحث الثاني العرض السياحي في كربلاء بما تتميز به المدينة من مكونات طبيعية من أراضي زراعية ومياه وكذلك قدمنا شرحا ً للصناعة التي كانت متممة للعملية السياحية، كذلك تناول المبحث نفسه عرض المكونات البشرية والتي تكون مراقد الأئمة عليهم السلام التي هي المادة الأساسية للمعروض السياحي، وتطرق أيضا ً إلى المرافق والخدمات العامة ومنها الخدمات التحتية وشرح مسهب لمفاصل الخدمات من شبكات الكهرباء والماء ومياه الصرف الصحي والاتصالات وخدمات الصناعة الفندقية وتطورها للمدة من 1990-2004 ودراسة الأيدي العاملة الماهرة وغير الماهرة ودورها في تقليل نسب البطالة.

 

    أما الفصل الرابع فاشتمل على ثلاث مباحث أيضا ً تناول المبحث الأول منها قياس دالة الاستثمار السياحي في محافظة كربلاء عن طريق قياس أحد مخرجات الاستثمار السياحي وهو عدد الأسرة وتناول الباحث في المبحث الثاني دراسة استبيانيه بنوعين الأول وزعت للسائحين والثاني وزعت لرجال الأعمال، أما المبحث الثالث والأخير فقد ركزنا فيه على الرؤية الاستشرافية لصناعة السياحة في كربلاء وصياغة آليات لصناعة السياحة مستقبلاً ولمدة عشر سنوات قادمة.

 

    فقد تم التنبؤ بأعداد السياح والإيرادات ومستوى الإنفاق ومستوى الخدمات العامة التحتية كما أعطى الباحث تصورا ً لخطة هيكلية لوزارة السياحة وآليات فصل شعبة سياحة كربلاء والأسباب الموجبة لذلك.

لقد توصلت الرسالة لمجموعة نتائج أهمها إن عدد السياح هو المتغير الأكثر تأثيراً في زيادة رغبة المستثمرين، فعند زيادة عدد السياح نسبة 1% يزاد عدد الأسرة نسبة 0.997 في ظل توافر الظروف الأمنية ونسبة 0.666 في ظل الظروف الاستثنائية.

 

    كذلك تبين إن هناك خلل وعجز واضح في خدمات البنى التحتية مثل شبكات الكهرباء والماء والصرف الصحي والاتصالات والتي كان لها تأثير مباشر على نشاط السياحة الدينية في المحافظة كما اتضح لنا بأنه ستشهد محافظة كربلاء زيادة في أعداد السياح خلال السنوات القادمة في ضوء معدلات النمو المتوقعة إذ سيزداد العدد نسبة 115% عام 2014 قياساً بعام 2003 ومن المحتمل أن تزداد الإيرادات وأعداد الأسرة والطلب على الأيدي العاملة في النشاط السياحي بنسبة 105%، 244%، 103% على التوالي خلال الحقبة المذكورة.

 

    لقد توصلت الرسالة إلى جملة من التوصيات منها العمل على تطوير آليات مقومات الاستثمار السياحي في كربلاء من خلال زيادة توظيف رأس مال المستثمر كذلك تطوير خدمات البنى التحتية من خلال تحديد مناطق الخلل ويتم ذلك من خلال إقامة مطار لخدمة نشاط السياحة الدينية وربط كربلاء بشبكة سكة حديد مع المحافظات والدول المجاورة وإقامة سوق حرة تسهل عملية التبادل التجاري وتشجيع السائحين لأسباب إضافية ودعم الصناعات الشعبية ومنها صناعة مكملات الصلاة كذلك العمل على إشاعة الأمن والاستقرار الذي يعد من أهم العوامل الأساسية في زيادة رغبة السائح بالقدوم أو المستثمر بالاستثمار والعمل على تطوير الصناعة الفندقية وفق المعايير العالمية ودعم القطاع الخاص كذلك يتطلب تطوير خدمات البنى التحتية التي منها شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي الذي يكون من صميم مهام القطاع الحكومي.

 

 

تاريخ كربلاء السياسي                       1941-1958

باسم احمد هاشم الغانمي/ باحث وإعلامي

 

(ذلك من أبناء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد)}هود،100{، إن لهذه الآيـة القرآنيـة دلالاتها ومعانيها واستنتاجاتها في ضوء ما جاء به التفسير القرآني،لكن لو تأملنا فيها قليلا لوجدنا إنها نزلت تروي قصص وأخبار مدن قائمة بأمر من الله تعالى، أو مدن زالت بأمر من الله تعالى أيضا..ولو دققنا في المعنى الشامل لهذه الآية لوجدنا إن الله تعالى قد خصنا بنعمة التبرك والشرف والسكنى في واحدة من هذه المدن القائمة بأمره تعالى.. بعد أن جعلها الله نبراساً لكل معاني الشهادة والبطولة والشجاعة...

    مدينة الحسين وقبلة أنظار الوافدين، حاضرة الفداء، كان لأبنائها أن ورثوا شرف الشهادة والبطولة والشجاعة من إمام قد خص بهذه الصفات، وحملوا على أكتافهم تاريخا مشرفا ومشرقا كان امتدادا للتاريخ البطولي للإمام الحسين(عليه السلام) .

على الرغم من إن التاريخ لم ينصف أبناء هذه المدينة ولا حتى بطولاتهم التي رسمت خارطة السياسة فيها، الأمر الذي يجعلها أمام الطريق الأوحد وهو كتابة ما يستحقه هؤلاء الأبطال من تاريخ يتشرف به أحفادهم من بعدهم بل ويتشرف به كل أبناء هذه المدينة وأهلها، وان هذه المدين تشرفت بأنها احتضنت خطوط السياسة العراقية في جميع أزماتها، بلى إنها كانت في أوقات مختلفة ذات الباع الأطول في ميدان السياسة.

إن الحديث عن تاريخ مدينة كربلاء السياسي له أهمية كبيرة لأنه كان شديد والتأثير التأثر في مجريات الأحداث السياسية العراقية وقد كان لها الدور البطولي في الدفاع والذود عن العراق في مختلف المراحل، لو تصفحنا تاريخ العراق السياسي قبل وبعد قيام الحكم الوطني وتولي الملك فيصل عرش العراق نجد أن مدينة كربلاء قد سارت على المسار الوطني والذي كان في كثير من الأحيان معارضا لنظام الحكم آنذاك لم تكن سياسياته من رغبات الشعب وطموحاته، أو معتمدة على قرارات ذات استقلالية أو صادرة عن قيادة عراقية رصينة، بل أنها كانت تمثل رغبات بريطانية قائمة على التفريق بين المسلمين في العراق، والتي تعد احد الأسباب التي أدت إلى اندلاع ثورة العشرين، حيث كان لكربلاء دورا فاعلا في أحداثها كما إنها كانت مركزا مهما من مراكز قياداتها(1).

ولما عقدت معاهدة 1922 بين العراق وبريطانيا علماً وإنها كانت بعيدة عن آمال وطموحات أبناء العراق وقوبلت بالرفض من قبل الجميع، كان لكربلاء دوراً فاعلاً في إيضاح أهدافها والنوايا التي يكنها الاستعمار، حتى إن أهلها طالبوا الملك بعدم تصديق عليها أو الاعتراف بها (2).

لم يقتصر موقف الرفض على المعاهدة فقط بل إن أبناء المدينة اتخذوا موقفا مناهضا من انتخابات المجلس التأسيسي العراقي عندما أصدرت حكومة عبد الرحمن النقيب إرادة ملكية في 19 تشرين الثاني 1922 تقضي الشروع بانتخاب هذا المجلس الذي كان من أولى مهامه هو التصديق على هذه المعاهدة المشئومة(3)، وقد تمثل الموقف الكربلائي الرافض لمسيرات والمجالس والخطب الحماسية الرافضة للأساليب التي تنتهجها الحكومة، كما وكان لرجال الدين في كربلاء الموقف الرافض لها والمساند لأبناء المدينة بعد أن ابرقوا العديد من البرقيات الاحتجاجية إلى الحكومة فضلا عن العديد من البرقيات التي بعث بها زعماء العشائر ومثقفوا المدينة والتي كانت تتسم بالقسوة والرفض القاطع، فضلاً عن استعدادهم الدائم لمواجهة أساليب الحكومة التي اعتلاها عبد المحسن السعدون بوزارته الأولى(4).

إن هذه الأساليب تبين لنا وبشدة إن هذه المدينة كانت تمثل اللولب الأساسي في العملية السياسية خصوصا منذ بداية تشكيل الحكم الوطني، كما كانت المركز الأساس لتحريك هذه العملية السياسية التي اتجهت إلى اعتماد المقاومة المسلحة للاحتلال وتبني الاتجاه المعارض زمني الانتداب والاستقلال والذين بدءا بالتنامي في المدة المحصورة بين عامي 1941-1958.

إن هذه المرحلة تمثل أهم مرحلة في تاريخ كربلاء المشرف، حيث كان لهذه المدينة وبتوفيق من الله تعالى وبهمم وسواعد أبناءها الغيارى الموقف الصامد في انتفاضة مايس عام 1941 حيث تمثل ذلك الموقف بتأييد ومساعدة رجال الدين في كربلاء والعمل على فتاوى تحث إلى الوقوف إلى جانب الحركة .

إذ اصدر السيد عبد الحسين الشيرازي فتواه التي توجب العمل من اجل مساندة الحركة (...ومساعدة الجيش العراقي الباسل، والحكومة الإسلامية الوطنية وعلى رأسها فخامة الزعيم رشيد عالي الكيلاني اعزه الله ونصره، وليسلك سبيل أسلافه المجاهدين، وقد قال عز شأنه( فضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً)}النساء،95{ ولسنا اعز نفسا من نبينا محمد (صلى الله عليه واله وسلم) والأئمة المعصومين الطاهرين في الدفاع عن جوزة المسلمين، (اللهم انصرنا على القوم الكافرين)(5).

وفي يوم 4 مايس 1941 في صحن الإمام العباس(عليه السلام) عقدت جمعية ندوة الشباب العربي اجتماع حضره العديد من الشخصيات الكربلائية للتباحث في شؤون العراق في ذلك الوقت، حين أسهل الاجتماع معتمد الجمعية السيد محمد مهدي الوهاب آل طعمة بإلقاء خطابا استنهض به همم أبناء المدينة لمساندة الثورة بكل الأشكال، وفي نهاية الاجتماع نظم المجتمعون برقية بعثوا بها إلى الحكومة يعلنون بها تأيدهم وولائهم ومساندتهم للحركة الكيلانية وإنهم على استعداد للدفاع والتطوع في سبيل الوطن وكرامته(6)، بعدها خرج أبناء المدينة من الاجتماع في مظاهرة مساندة جابت شوارع المدينة معلنين فيها ولائهم للحكومة، وهكذا تكررت اجتماعات أبناء المدينة التي تحض على الوقوف إلى جانب الثورة لان فيها ما يحقق مصالح العراق، حيث عقد اجتماع آخر يوم 9 مايس ويوم 12مايس1941 في صحن الإمام الحسين (عليه السلام) تخللته مساهمات وفعاليات أظهرت الجانب الوطني للمدينة(7) وقد عمقت هذه الاجتماعات الوقفة الرصينة من قبل أبناء كربلاء وألقيت فيها خطب وفتاوى المراجع العظام أمثال السيد عبد الحسين الشيرازي والسيد حسين القمي الطباطبائي(8) أما عشائر كربلاء وأعيانها لم يكونوا بعيدين عن الأحداث بل رفعوا شعارا دوى في سماء كربلاء أعلنوا به تحديهم الراسخ معلنين به:

لابد لي في العز من وقفة              بين الضبا البيض وسمر القنا

كل البرقيات والمساندات كانت تمثل تعزيز الوقفة المشرفة في المدينة ومشهود لها بإرثها السياسي بالإضافة إلى موقف أبنائها تجاه الثورة والمتمثل بجمع التبرعات والإعانات والتي شملت مبالغ نقدية ومصوغات ذهبية كما وشكلوا لجنة للدفاع لمواجهة الحالات الاستثنائية التي قد تتعرض لها المدينة(9) وبعد فشل الحركة كان لأبناء المدينة نصيب من الإجراءات التعسفية ضد الوطنيين الذين ساندوا الثورة فكثيرا ما كانت الحكومة تزج الوطنيين في المعتقلات والسجون من دون إجراء تحقيق معهم(10)، إن كثيرا من أبناء المدينة قد أودعوا في معتقل (نكرة السلمان) لمدة شهر ثم نقلوا بعدها إلى معتقل العمارة ومنهم السيد إبراهيم شمس الدين القزويني، والسيد محمد صالح بحر العلوم والشيخ عبد المهدي القمبر وعبد الأمير محسن ورفيق إسماعيل وغيرهم كثير، حيث إنهم مثلوا صفحات ناطقة في تاريخ المدينة كونهم كانوا يمثلون الند المؤلم للحكومة والاحتلال الأمر الذي دفع الحكومة إلى تغير سياستها تجاه الشعب وانتهاج سياسة جديدة معتمدة على اللين والوداعة والعمل على كسب رجال الدين والحصول على تأيدهم والتأثير عليهم في العدول عن الفتاوى التي أصدرتها لصالح حركة الكيلاني، إلا إن هذه الأساليب قد أثبتت فشلها حيال المرجعية في المساندة لأبناء المدينة(11) ولما رمت الحرب العالمية الثانية أوزارها عام 1939 وقف أبناء المدينة الموقف الند والرافض لسياسة الحكومة والمتمثلة بنوري السعيد والقاضية لزج القوات العراقية في الحرب بعدها حليفة لبريطانيا، بدلا من أن يعمل نوري السعيد على إيجاد الحلول التي تخفف الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت العراق على وجه الخصوص باعتباره حليف بريطانيا واجتاحت العالم على وجه العموم أبان الحرب العالمية الثانية(12)، وقد امتازت الأزمة الاقتصادية التي طرأت على كربلاء، بأنها كانت أهون مما كانت عليه في باقي مدن العراق كون أن المدينة تمتاز بخصوبة تربتها ووفرة مياهها بالإضافة إلى زراعتها بالعديد من المحاصيل الزراعية التي ساهمت بشكل أو بآخر بتقليل الضغط عن كاهل أبناء المدينة، ولما انتهت الحرب العالمية الثانية كان لابد للحكومة أن تفتح متنفسا سياسيا لأبناء العراق والعمل على إلغاء الأحكام العرفية وتوسيع حركة الصحافة وإعطاء فرصة تشكيل الأحزاب السياسية حيث أجازت الحكومة خمسة أحزاب سياسية حزب الاستقلال والحزب الوطني الديمقراطي وحزب الشعب وحزب الاتحاد الوطني وحزب الأحرار(13) كان لهذا القرار الأثر البالغ في نفوس سياسي المدينة الذين فتحوا فروع لهذه الأحزاب كان من أهمها فرع حزب الاستقلال الذي تمثل بـ: عبد المهدي القمبر وصبري الحر وحسن أبو طحين وصبري محمود القمبر وحسن عاشور(14) أما الحزب الوطني الديمقراطي فقد تمثل ب يحيى نصر الله ومحمد صالح عبود الحر والسيد جواد رضا الشروفي وعباس أبو الطوس وحسن الرميلاتي وغيرهم إضافة إلى الحزب الشيوعي العراقي الذي تمثل بالعديد من الطلبة الكربلائيين أمثال جاسم القهواتي وإبراهيم عباس كرماشة ومهدي كبابي وصاحب السعدي وحسن جليل وحسن عباس(15)،  وعندما أرادت بريطانيا استبدال معاهدة عام 1930بمعاهدة جديدة يكون فيها تحقيق اوسع لمصالحها في العراق والشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، خصوصا وان هناك خطراً جديداً بدأ يهدد هذه المصالح متمثلا بالاتحاد السوفيتي وأمريكا(16)، فكان الطريق الأوحد أمام بريطانيا للحفاظ على هذه المصالح هو الالتجاء لعقد معاهدة بورتسموث أو تسمى بمعاهدة جبر- بيفن المعقودة في 15 كانون الأول 1948 (17).

وكَردة فعل لأبناء مدينة كربلاء ضد هذه المعاهدة التي تحاول النيل من تطلعات أبناء العراق، راح أبناء المدينة ينظمون مظاهرة عارمة اجتاحت شوارع المدينة مثلت مساندة حقيقية للمظاهرات التي عمت العراق والتنديد بقرار الحكومة القاضي بضرب أي مظاهرة أو أي إضراب مهما كانت صفته حيث إن الحكومة العراقية قد أصدرت في 19 كانون الثاني 1948 هذا القرار من اجل كبح جماح الجماهير الهائجة ضد سياسة الحكومة.

سار أبناء المدينة في هذه المظاهرة من الصحن الحسيني الشريف بعد أن ألقى فيه كل من السيد محمد هادي السعيد والسيد ضياء السعيد خطبتين ألهبا بها حماس المواطنين وقد تميزت هذه المظاهرة بالصلابة ورسوخ الأهداف التي خرجت من اجلها وبقيادتها الرصينة المتمثلة بالعديد من العناصر الوطنية أمثال عبد المهدي الحافظ ومحمد حسين أبو المحاسن وكاظم عباس كرماشة ومحمد جدوع وعبد المهدي القمبر ويحيى نصر الله وجواد الشروفي وحسن هادي الصراف وتقي المصبحي وصالح جواد الطعمة وصبري محمود القمبر وجواد أبو الحب وغيرهم ساروا بالمظاهرة متوجهين نحو دار المتصرفية في نهاية شارع العباس وقد رفعت المظاهرة لافتات مطالبة بسقوط بريطانيا والاستعمار وتطالب بإسقاط وزارة صالح جبر ومحاكمة نوري السعيد، وقد تخللت المظاهرة الأهازيج والخطب الحماسية التي كان يلقيها الطالب نزار الحسن، بالمقابل عملت الشرطة على تفريق المظاهرة والقبض على قياداتها الأمر الذي أدى إلى التصادم بين الطرفين وجرح العديد من المتظاهرين والقي القبض على محمد حسن الكليدار وضياء السعيد وتقي المصبحي حيث أحيلوا إلى المجلس العرفي في الديوانية (18) .

وعلى الرغم من ذلك إلا إن عزيمة العراقيين لم تنثنِ وكانت اكبر من طموحات الحكومتين حيث أجبرت صالح جبر على تقديم استقالته في 27 كانون الثاني 1948 والتجأ إلى أقاربه آل جريان على شاطئ الفرات (19).

 وكنتيجة واضحة لهذه الأعمال البطولية التي قامت بها الجماهير العراقية من جراء رفضها لما حاولت الحكومة القيام به بعقد اتفاقية لا تمثل طموحات الشعب، ومن اجل دمل الجراح العميقة التي أحدثتها هذه الجماهير في واقع العراق، راحت الحكومة تعمل على تكليف السيد محمد الصدر لتشكيل حكومته كونه يتمتع بالعديد من المؤهلات التي تساعد على تضييق الفجوة المحدثة بين الشعب والحكومة (20) .

إن هذا الاختيار قوبل بفرح شديد من قبل الأوساط العراقية عموما ومن قبل الأوساط الكربلائية خصوصا جاء ذلك لعلاقة هذه الشخصية بالمؤسسة الدينية في كربلاء والنجف فقد كان احد طلابها والدارسين على يد علماءها، ولهذا فقد ابرق العديد من رجال الدين والشخصيات السياسية في كربلاء والنجف البرقيات التي تحمل التهاني معبرين عن عظيم فرحتهم بتسنم السيد محمد الصدر هذه المسؤولية، كما وبادلهم السيد محمد الصدر ببرقيات الشكر والعرفان(21) وقد صادف بعد هذه الأحداث أن بدأت جثامين الشهداء الذين سقطوا في تلك الأحداث تصل إلى مدينة كربلاء وكان من ضمنها جنازة الشهيد جعفر الجواهري الذي سقط خلال أحداث الوثبة في بغداد، حيث أنزلت هذه الجنازة في جامع المخيم ومنه شيعت إلى مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) وفيه ألقى الشاعر محمد مهدي الجواهري قصيدته الميمية المشهورة :

أ تعلم أم أنــت لا تعلـــم                         بان جراح الضحايا فم

فم ليس كالمدعي قوله                        وليـس كآخر يسترحم

   ثم ردد قائلا :

أخي جعفـر يا رداء الربيع             إلـى غصـــن بـــارد تسـلم

   وأخت تشق عليك الجيوب               فيبرز في صدرها معصـم(22)

وقد أثرت هذه القصيدة في جموع المشيعين فتحول التشييع إلى مظاهرة سارت باتجاه الإمام العباس (عليه السلام) ثم توجهت نحو شارع قبلة العباس ومن ثم طافت شوارع المدينة الأخرى، وقد عم الإضراب الكامل مدينة كربلاء، ثم ودعت الجنازة من قبل المشيعين الكربلائين قرب منطقة الوادي القديم حاليا سالكة طريق النجف(23)

أما على الصعيد الإقليمي أو القومي وما شهده من أحداث عاصرت الأحداث في العراق، ومحاولة الحركة الوطنية الاستفادة من هذه الأحداث المجاورة وترجمتها إلى الواقع العراقي، نجد أن التطورات السياسية في إيران للمدة المحصورة من عام 1950-1953(24) ولا سيما قرار تأميم النفط الإيراني في (15 اذار1951) خطوة يجب الاستفادة منها كون إن البلدين جارين وان أي تطور سياسي في إيران يعد فرصة لأبناء العراق بوجه العموم وأبناء كربلاء بوجه الخصوص باعتبار إن العدو واحد، ونتيجة لان كربلاء كانت تمثل حلقة الوصل في الروابط الدينية التي تربط المؤسسة الدينية في كربلاء والمؤسسة الدينية في إيران ومساندة الأخيرة للقرار الذي اتخذه مصدق اتجاه الثروة النفطية الإيرانية، كان ذلك من أسباب تأجيج الشعور الكربلائي الذي طالب وبشدة تأميم نفط العراق، وقد تمثل هذا الشعور ببرقية رفعها الشباب القومي الكربلائي إلى الحكومة العراقية جاء فيها :

(إننا نريد أن نجعل من ثروات بلادنا سيما النفط الأسود وسيلة لبناء العراق ... ولا نرضى أن تتحول ثرواتنا ومنابعها ومصادرها وسيلة وقوة لدعاة الحرب والاعتداء على شعوب العالم)(25).

كما وابرق رجال الدين في كربلاء والنجف برقية باسم المؤسسة الدينية حررها الشيخ محمد جواد الجزائري إلى السيد أبي القاسم الكاشاني رئيس مجلس النواب الإيراني في حكومة مصدق يهنئونه بها على ما شهدته بلادهم من تطورات سياسية مهمة وذات تأثير على المنطقة(26) .

هذا وقد بفي السخط الكربلائي موروثا على الانكليز وعلى الحكومة العراقية وعلى سياسيي العراق الذين تلاعبوا بمقدرات هذا البلد، وبقي هذا السخط ينتظر أي فرصة ليبدأ بالتحرك ضد الحكومة، وقد جاءت هذه الفرصة عندما صادق مجلس النواب العراقي بتاريخ 14 شباط 1952 على اتفاقية النفط مع بريطانيا(27)

وفي اليوم الثاني نظم الكربلائيون من طلبة وكسبة ومثقفين مظاهرة كبيرة تجمعت بالقرب من ثانوية كربلاء حملت المظاهرة لافتات ذات مطاليب مشروعة مثل (نطالب بتأميم نفطنا ومصادرة أملاك الشركة...نطالب بحل المجلس النيابي الحالي...نشجب الاتفاقيات الجائرة...لا نفط من دون حقوقنا) (28)

سارت المظاهرة في شارع الإمام العباس وأثناء سيرها تعرضتها قوة من الشرطة بالقرب من متصرفية اللواء بهدف تفريقها إلا إن عزم المتظاهرين حال دون ذلك واستمرت المظاهرة  باتجاه ساحة علي الأكبر(عليه السلام) مطالبة بحقوق العراق المهضومة، بعدها أمر متصرف اللواء شاكر البلداوي قوات الشرطة بالتجمع حول المتظاهرين والانهيال عليهم بالضرب واستعمال الأسلحة النارية حيث جرح العديد من المتظاهرين واستشهد احد الطلبة وهو (غزي الوهاب) الأمر الذي آثار حفيظة المتظاهرين ودعاهم إلى مهاجمة قوات الشرطة وحرق سيارة نوع جيب تابعة لهم(29)، وقد ازداد الأمر سوءا عندما اتصل مدير شرطة كربلاء ومتصرفها بالحكومة في بغداد لتدارك الموقف والعمل على استدعاء قوات من الجيش للتدخل وحل الأزمة، وفعلا وصلت قوات الجيش التابعة للفرقة الرابعة الموجودة في الديوانية، وقد اتخذوا لهم العديد من المواقع عند مفارق الطرق وعلى المباني العالية كما وتحصن قسم منهم في أعالي أسوار الإمام الحسين والعباس عليهم السلام، مما حدى بسادن الروضة العباسية المطهرة السيد محمد حسن ضياء الدين بان أمر قوات الجيش والشرطة بالنزول من سوري الإمامين وإلا ازداد الأمر تعقيدا(30) .

وبعد تهدئة الموقف عملت الشرطة على ملاحقة المتظاهرين وخصوصا الطلبة وزجهم في السجون تحت ذرائع مختلفة، وقد أوعزت المتصرفية إلى إدارة ثانوية كربلاء وإدارات المدارس الأخرى بتزويدهم بأسماء الطلبة الذين شاركوا في المظاهرة و قامت تلك الإدارات بفصل هؤلاء الطلبة(31).

إلا إن هذه الأساليب لم تثن عزيمة أبناء المدينة الذين أعلنوا وبعد أربعة أيام إضراب عام  جاء استجابة لنداء الأحزاب السياسية التي دعت الشعب العراقي للإضراب يوم 19 شباط 1952(32).

لم يكن أبناء كربلاء بعيدين عن الجانب القومي أيضا، بل وان لهم وقفات مشرفة مع القضايا المصيرية في الوطن العربي، كالقضية الفلسطينية التي كان من أولى مساندتهم لها هي المساندة الأدبية والدينية المتمثلة برجال الدين في المدينة عن طريق الخطب والفتاوى الدينية التي أصدروها تجاه هذه القضية المصيرية(33).

وعندما عقد المجمع العلمي الأدبي في مدينة يافا شارك الشاعر محمد مهدي الجواهري بقصيدة بائية كان مطلعها:

بيافا يوم حط الركـــاب             تمطر عارضا ودجا سحاب(34)

من جانب آخر أقيم في نادي الأمير فيصل في كربلاء حفلا أدبيا كبيرا على شرف الوفد الفلسطيني الذي زار المدينة تخلل الحفل العديد من القصائد والخطب والكلمات التي أعلنت التلاحم الكربلائي مع القضية الفلسطينية(35).

كما وكان لكربلاء وقفة مشرفة عندما احتجت على قرار اللجنة الدولية القاضي بتقسيم فلسطين(36) حيث خرج أبناء المدينة مساء يوم (4 أيلول 1947) بمظاهرة ضمت العديد من الشباب الذين يحملون الفكر القومي رافعين شعارات تندد بقرار اللجنة الدولية وتطالب بإلغائها، بعدها ألقى الشيخ صبري الهر خطبة فضح بها المؤامرة التي تقودها الدول الغربية ضد فلسطين(37) .

وقد صادف أن أقام الشباب القومي في كربلاء مجلس عزاء في جامع المخيم في ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) عند أواخر شهر أيلول حيث تحول هذا المجلس الذي استمر لمدة ثلاث أيام إلى مؤتمر سياسي حيث أذاع سياسيوا كربلاء مطاليبهم القومية  التي فضحوا بها الدول الاستعمارية (38) .

كما وتجلى الموقف الكربلائي واضحا من الحرب العربية الصهيونية عام 1948 ابتدأ هذا الموقف بمساندة واضحة من قبل رجال الدين الذين كثيرا ما نقلوا عن طريق منابرهم معانات أبناء فلسطين(39)، كما وأصدروا فتوى أعلنوا فيها الجهاد الذي لابد من سلوكه لتحرير فلسطين وقد حرر هذه الفتوى السيد محمد حسين كاشف الغطاء حيث أوجبت المساندة الكلية لمحنة فلسطين(40)، وشكلت مدينة كربلاء لجان عديدة خاصة بجمع التبرعات والإعانات والتي شملت أيضا مصوغات ذهبية تعبيرا عن الوقفة المشرفة للمرأة الكربلائية تجاه القضية(41) هذا بالإضافة إلى إن الدوائر الرسمية إضافة طابع ثاني على المعاملات الرسمية يعود ريعه لنصرة فلسطين(42).

لم تقتصر المساندة الكربلائية للقضية الفلسطينية فحسب، بل وإنها لم تكن بعيدة عن إحداث الاستقلال في سوريا ولبنان حيث كان للشاعر الكربلائي عباس أبو الطوس قصيدة رائعة حملت عنوانا ذا مضمون مساند اسماها (من وراء القضبان)(43) فضلاً عن قصيدة الشاعر محمد مهدي الجواهري التي كان عنوانها (ناغيت لبنانا)(44) .

كما وان أبناء المدينة لم يكونوا بعيدين عن أحداث ثورة (23 يوليو1953) في مصر عندما أعلنت مدينة كربلاء تضامنها التام مع الأحداث السياسية في مصر، حيث رفع محاموا كربلاء برقية نشرت في الصحف يبدون فيها تحية لجهاد الشعب المصري ضد بريطانيا(45)، كما ورفع أبناء المدينة مضبطة تحمل توقيع(105) من سياسي كربلاء يعلنون مساندتهم لقضية مصر(46) كما ورفعت المؤسسة الدينية في كربلاء برقية حررها الشيخ محمد جواد الجزائري إلى شيخ الأزهر تحثه على الدفاع عن حقوق مصر ومقاومة العدوان في ضوء النصوص الدينية الواجب أتباعها(47) كما كان للوقفة الأدبية دورا في أحداث مصر عندما نظم الشاعر عباس أبو الطوس قصيدة شعرية كان مطلعها:

  يا مصر سيري لا تهابي                 وحشا يهدد بالعــقاب

 سيري كما خف البريق                  ورق في وجه السحــاب

 سيري كما تسري الرياح                  قويـــة عبر الشعــاب

فضلا عن أن لفيفاً من الشباب القومي في المدينة قد وجهوا كتابا مفتوحا إلى السيد أبي القاسم الكيشاني يحيون به شعوره المتضامن مع استقلال البلاد العربية والإسلامية، شاكرين موقفه على استنكار الاعتداء البريطاني على مصر وإعلانه تأييد تضامن إيران مع الشعب المصري(49).

أما فيما يخص الوقفة المشرفة لأبناء كربلاء إزاء نضال إخوانهم في المغرب العربي ضد السيطرة الفرنسية فقد كانت لهم وقفتهم ومساندتهم  تمثلت بالخطاب القاسي والشديد اللهجة الذي تحدث به الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء مع السفير البريطاني (جون تروبك) إثناء زيارته مدينتي كربلاء والنجف، إذ انتقد الشيخ السياسة البريطانية تجاه الأقطار العربية والفضائح التي قام بها الاستعمار الفرنسي في أقطار المغرب العربي(50) إذ ردد قائلا (كان اللازم عليكم وعلى الأمم المتحدة أو الملحدة ردعهم (يقصد ردع الفرنسيين) عن هذه الأعمال الوحشية البالغة أقصى مراتب الظلم...)(51)

كما وأصدر السيد صبة الدين الشهرستاني نداءً عاما أهاب بقادة الدول العربية الإسلامية للعمل من اجل إنقاذ الشعب المغربي من الأساليب الفرنسية واسترجاع حقوقه المسلوبة كافة(52)، أما أبناء مدينة كربلاء فقد حرروا مضبطة رفعوها إلى الحكومة العراقية يستنكرون بها الأعمال الوحشية التي استخدمها الفرنسيون في أقطار المغرب العربي جاء فيها (نحن الشباب العربي في مدينة كربلاء نحيي إخواننا العرب في المغرب العربي ونؤيدهم في نضالهم الوطني من اجل الحرية والوحدة والاستقلال)(53).

وعلى المستوى نفسه لم يكن الشعر الكربلائي بعيداً عن أحداث المغرب العربي إذ نظم الشاعر الكربلائي عباس أبو الطوس قصيدة تساند الثورة الجزائرية جاء في منتصفها:

الحقد يسري في دمي صافيـا                    متدفقا كالعصف الادكن

مهما طغى السفاح في حكمه                   وعربد الجلاد لن نذعن

هذا بالإضافة إلى قصيدة أخرى للشاعر محمد مهدي الجواهري عنوانها (الجزائر) ألقاها في دمشق بمناسبة أسبوع الجزائر الذي أقيم في سوريا عام    1956جاء فيها:

جزائر الحرة أم لنا                وإننا سنفدي أُمنـا(54)

 لذا فقد نظر أبناء كربلاء إلى الاستعمار الفرنسي والبريطاني على إنهما يمثلان قبضة واحدة ذات مخالب متعددة تهدف إلى النيل من الشعب العربي بأسره وإنهم لابد لهم من أن يستمروا في مقارعة هذا الاستعمار بكل أشكاله وصوره لأنهم يحملون روحا وطنية موروثة تؤهلهم لان يكونوا أهلا لهذا، وان مشاركتهم في كافة منعطفات السياسة العراقية لم يأت بسبب هذا الإرث بل لان مدينتهم كانت ساحة جهاد منذ أن تشرفت باحتضان جثمان شهيد الجنان الإمام الحسين (عليه السلام) وان هذه المدينة منذ ذلك الحين كانت عيناً للجهاد والتضحية والفداء وهذا الأمر لم ينصفه التاريخ لأسباب معروفة حالت دونه، وان هذه البطولات توجب منا أن نأخذها بعين الاعتبار لان صانعيها قد خلدوها لنا ورسموا بها وجه المدينة المشرق أمام الوافدين والقراء.

 

الهوامش

 

1)       أنور علي الحبوبي، دور المثقفين في ثورة العشرين، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة بغداد،ص80.

2)       احمد رفيق البرقاوي، العلاقات السياسية بين العراق وبريطانيا 1922-1932، (بغداد : دار الطليعة، 1980)، ص22

3)       علاء حسين عبد الأمير الدهيمي، المعارضة البرلمانية في العراق في عهد الملك فيصل الأول، أطروحة دكتوراه، كلية الآداب، جامعة الكوفة، 1996،ص ص65-77

4)       لطفي جعفر فرج، عبد المحسن السعدون ودوره في تاريخ العراق السياسي المعاصر، ( بغداد :مكتبة اليقضة العربية،1988)،ص ص87-91.

5)       باسم احمد  هاشم الغانمي،تاريخ كربلاء السياسي 1941-1958، رسالة ماجستير غير منشورة، معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا، بغداد، 2004، ص16 .

6)       المصدر نفسه،ص17.

7)       جريدة الندوة، السنة الأولى، العدد الرابع، في ( 13 أيار 1941)، ص2.

8)       المصدر نفسه، ص4.

9)       باسم احمد هاشم الغانمي، المصدر السابق، ص21

10)   إسماعيل احمد ياغي، تطور الحركة الوطنية في العراق 1941-1952، (بغداد: مطبعة الإرشاد، 1979)، ص29.

11)   باسم احمد هاشم الغانمي، المصدر السابق،ص28.

12)   مظفر عبد الإله الأمين، الأوضاع الاقتصادية في العراق خلال الحرب العالمية الثانية، مجلة الشؤون الخارجية، العدد الأول، لسنة 1982،ص55.

13)   عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية،...، الجزء 7،ص23.

14)   سلمان هادي الطعمة، كربلاء في الذاكرة، (بغداد: مطبعة العاني، 1988) ص389.

15)   باسم احمد هاشم، المصدر السابق، ص50.

16)   فاضل حسين، سقوط النظام الملكي في العراق، (بغداد: منشورات مكتبة آفاق عربية، 1967) ص14.

17)   للاطلاع على نصوص المعاهدة ينظر، عبد الرزاق الحسني، المصدر السابق، ص ص234-240.

18)   سلمان هادي الطعمة، الوقائع والأحداث السياسية في كربلاء، مخطوط محفوظ في خزانة المؤلف .

19)   عبد الرزاق الحسني، المصدر السابق، ص ص274-275.

20)   المصدر نفسه، ص 281.

21)   جريدة لواء الاستقلال، السنة الثانية، العدد 295، في (8 شباط 1948) ص2.

22)   محمد مهدي الجواهري، ديولن الجواهري، الجزء الثالث، (بغداد: مطبعة الأديب، 1974)، ص295

23)   مقابلة شخصية مع السيد رضا زيني رحمه الله بتاريخ، (23ايلول 2003)

24)   خضير مظلوم فرحان البديري، موقف الرأي العام من الأحداث السياسية في إيران 1950-1953، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1987، ص87.

25)   (البيان)، (مجلة)، السنة الرابعة، العدد المزدوج، (84-85) في (15 حزيران 1951)

26)   جريدة اليقضة، السنة السابعة، العدد 20، في (20 آذار 1951)، ص2.

27)   عبد الرزاق الحسني نج8، ص ص273-274.

28)   جريدة الجبهة الشعبية، السنة الأولى، العدد 170 في ( 17 شباط 1952)

29)   سلمان هادي الطعمة، الوقائع والأحداث السياسية، المصدر السابق، ص12

30)   مقابلة شخصية مع السيد سلمان هادي الطعمة بتاريخ (12 كانون الأول 2003)

31)   مقابلة شخصية مع المحامي عدنان عبد الرزاق غريب بتاريخ (13 كانون الأول 2003)

32)   إبراهيم الجبوري، سنوات من تاريخ العراق، النشاط المشترك لحزب الاستقلال والوطني الديمقراطي 1952-1959، الطبعة الأولى، ( بغداد : المكتبة العالية ) دن، ص129.

33)   مقابلة شخصية مع الشيخ مرتضى الأنصاري بتاريخ (3 شباط 2003)

34)   مقدام عبد الحسين الفياض، تاريخ النجف السياسي 1941-1958، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة الكوفة، 2000،ص110.

35)   مقابلة شخصية مع المحامي عدنان عبد الرزاق غريب، بتاريخ 15 كانون الأول 2003

36)   للاطلاع على تفاصيل أكثر حول قرارات هذه اللجنة ينظر: صالح صائب الجبوري، محنة فلسطين وأسرارها السياسية والعسكرية، الطبعة الأولى، (بيروت :مطابع دار الكتب،1970)ص101.

37)   مقابلة مع الأديب علي الفتال بتاريخ (30 شباط 2003)

38)   مجلة العربي، السنة التاسعة، العدد الثاني، في (30ايلول1947) ص107.

39)   مقابلة شخصية مع الشيخ مرتضى الأنصاري بتاريخ (30شباط2003).

40)   مقدام عبد الحسين الفياض، المصدر السابق، ص118.

41)   مقابلة مع السيد محمد علي النصراوي بتاريخ (25كانون الثاني 2003).

42)   المصدر نفسه.

43)   عباس أبو الطوس، هدير الشلال، ديوان مخطوط محفوظ في خزانة الأديب سلمان هادي آل طعمة .

44)   محمد مهدي الجواهري، ديوان الجواهري، المصدر السابق، ص239

45)   جريدة الجبهة الشعبية، السنة الأولى، العدد 70، في (23تشرين الأول 1951)

46)   المصدر نفسه .

47)   مقدام عبد الحسين باقر الفياض، المصدر السابق، ص 129.

48)   عباس أبو الطوس، المصدر السابق .

49)   جريدة لواء الاستقلال، العدد 1949في (16 آب 1954)، ص4.

50)   مقدام عبد الحسين الفياض، المصدر السابق، ص132.

51)   المصدر نفسه .

52)   طالب محيبس حسن الوائلي، العراق والقضية المغربية،1951-1956، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب/ جامعة بغداد، 1994،ص162

53)   جريدة لواء الاستقلال، السنة الثامنة، العدد 1949، في (16 آب1954)، ص2.

54)   عباس أبو الطوس، المصدر السابق .

55)   عثمان السعدي، الثورة الجزائرية في الشعر العراقي، الجزء الثاني، (بغداد: دار الحرية للطباعة والنشر، 1985)، ص ص 120-121. 

| © جميع الحقوق محفوظة لمركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية1427هـ/ 2006م